موقع الصراط ... الموضوع : دوافع النهضة الحسينية-1
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دوافع النهضة الحسينية-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 25 / ربيع الثاني / 1434 هـ
     
  بقلم: أسرة البلاغ
تمهيد:
كان أدق تعبير، وصفت به حياة الناس قبل بعثة خاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (ص)، إنّها «حياة جاهلية». وتلك الجاهلية التي غرق بها العالم، عاشها الناس في قرون «الفترة» بين غياب نبي الله عيسى المسيح، حتى ظهور الرسول محمد بن عبدالله (ص)، التي يقدرها المؤرخون بخمسمائة عام..
وقد عبّرت الجاهلية عن نفسها بصور بشعة في الثقافة، والحياة الاجتماعية، وأنظمة الحكم، والسياسات المالية، وتعامل الإنسان مع الإنسان...
فكانت نسبة الأمّية في الشرق قد تبلغ النهاية القصوى، حتى روي أن مكة المكرّمة لم يكن فيها غير سبعة عشر شخصاً يجيدون القراءة، والكتابة، رغم كونها من أقدم الحواظر، وأكثرها ثروة، ونفوساً..
وكانت عبادة الأوثان شائعة بشكل واسع جداً حتى أن عدد الأصنام التي كان يعبدها العرب في جزيرتهم قد ناف على الثلاثمائة والستِّين صنماً، تربع بعضها على سطح الكعبة المشرفة التي كانت رمزاً لتوحيد الله تعالى منذ نشوئها على ظهر هذا الكوكب.
وقد ضاق العرب حتى بفكرة القومية الواحدة، فمزقتهم النزعة القبلية، وظاهرة الثأر، والغزو، واستعرت الحروب بينهم سجالاً...
وكانت «المرأة» من أكثر المخلوقات احتقاراً، وضعفاً، وإهانة حتى كان الرجل ـ لفرط شعوره بالخجل، والحقارة ـ إذا ولدت له اُنثى يسارع إلى دفنها حيّة في التراب، حتى شاعت حالة وأد الأناث عند بعض القبائل، فلامهم القرآن الكريم، وهدد المباشرين لتلك الجرائم..
وقد شاعت الدكتاتورية في تصريف الأمور السياسية، بأجلى صورها وأكثرها بشاعة، فلا رأي لجمهور الناس، ولا استشارة لقواعد الأمة ولا تقدير لمصالحهم، حتى كانت الحكومات الامبراطورية الكبيرة، وغيرها من حكومات الأقاليم، أسوأ ما شهده تاريخ البشر في تلك الحقب التاريخية..
وكان المال دولة بين أهل الثروة من الأرستقراطيين، والنبلاء ورجال «الملأ» في تلك المجتمعات، وسائر الناس كانوا يعيشون في ذل المسكنة، والحاجة، والفقر المدقع، لا سيما العبيد، والأرامل، والأيتام.. كما يتحدّث القرآن الكريم عن هذه الظواهر المأساوية.

انعطافة التغيير الحضاري:
وفي هذه الأجواء الملبدة بغيوم البؤس، والرذيلة، وامتهان حقوق الإنسان، وكرامته، والسطو على الحرمات..
امتدت يد الله تعالى لتنعش الآمال، في حياة الناس فجلجل نداء السماء ببعثة الرسول الخاتم محمد بن عبدالله (ص)، الذي بشّر بمنظومة قيمية، وتشريعية مفصلة لبناء حضارة إنسانية رائدة على ظهر هذا الكوكب..
وكانت الرسالة الإلهية التي حمـلها سفير الله إلى خلقه محمد بن عبدالله (ص) قد وفرت «الهوية الثقافية» الإنسانية للمجتمع الذي كان يفتقد الهوية، حيث غيرت نظرة الناس للحياة، والإنسان، والحياة الإجتماعية، والسياسية، والنشاط الاقتصادي...
وقد أرست قيم العدالة، وبشرت بالكرامة، والحياة الحرة الكريمة، ودعت للتواصل بين الأمم، والغاء الفوارق الطبقية، والقومية، وأعلنت بداية عهد جديد تشيع فيه المحبة والأخوّة الإنسانية!
وأحلت المرأة محلاً إنسانياً، مرموقاً، لا تختلف في التكاليف عن الرجال، إلاّ في الحدود التي تقتضيها الطبيعة التكوينية لها... ودعت الشريعة الإسلامية لحكومة العدل، والمساواة، والشورى وتداول السلطة عن طريق البيعة الشعبية، ورضا الأمة.
ورغم قصر الفترة التي عاشها الرسول (ص) بين أمته، فإن التطبيق لتلك السياسات، والخطط جاء رائعاً جداً، ومنسجماً مع المهمة الحضارية الكبرى التي جاء بها الرسول (ص)..
ومن أجل أن تستمر المسيرة بعيدة عن التلكؤ، والعقبات وضع النبي (ص) ضمانات تشريعية، وروحية، وأخلاقية للحفاظ على المشروع الحضاري المذكور.. إلاّ أن القوى الرجعية الغارقة في الحرص على مصالحها الفئوية، والشخصية، عملت كل وسعها من أجل تدمير مشروع النبي (ص)، وهذه الظاهرة ابتليت بها كثير من الأمم بعد غياب الأنبياء (ع)، بما في ذلك موسى، وعيسى (ع)، حتى إن رسول الله محمد بن عبدالله (ص) حذر من هذه الظاهرة، قائلاً:
فقد روى البخاري ومسلم عن بن عباس رضوان الله عليه قال: خطب رسول الله (ص)، فقال: «أيُّها الناس! إنّكم محشورون إلى الله، عراة، حفاة عرياناً، ثمّ تلا: (كما بدأنا أوّل خلق نعيده، وعداً علينا إنّا كنّا فاعلين)، ثمّ قال: ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنّه يجاء برجال من أمّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ! أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة/ 117)، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم منذ فارقتهم».. قال مسلم: وفي حديث وكيع ومعاذ: فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
وروى الترمذي بإسناده عن النبي (ص) أنه قال: «والذي نفسي بيده لَتَرْكَبَنَّ سُننَ مَن كان قبلكم ـ وزاد رزين ـ حِذوَ النعلِ بالنعل، والقذة بالقذة، حتى إن كان فيهم من أتى أمّه، يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟».
وهناك عشرات الأحاديث الصريحة المحذرة من مغبة انقلاب الأمة بعد رسول الله (ص)...

الحركة المضادة، ومخططات الرجعية:
وقد تكشفت خيوط المؤامرة والردة الرجعية بكل تفاصيلها عندما سطا معاوية بن أبي سفيان على حكم المسلمين، هذا الوثني الغارق بالوثنية، والذي تظاهر بالإسلام تحت حالة من الذعر التي شهدها هو وأمثاله بعد انتصار الإسلام في مكة المكرمة، وتحطيمه للأصنام بعد قيام دولة الإسلام بثماني سنين.
لقد وصل معاوية إلى حكم العالم الإسلامي بعد وفاة رسول الله (ص) بقرابة ثلاثين سنة، وإن كان قد تسلل الأمويون من قومه وهم منافقون متزمتون.
ويمكننا أن نكتشف ما كان يبيته الخط الرجعي الأرستقراطي المنحرف للإسلام، والإنسان، والحضارة الإنسانية، إذا قرأنا الوثيقة التاريخية التالية، وتأملنا فيها بدقة، وإمعان..
روى المسعودي الهذلي، وابن أبي الحديد المعتزلي وغيرهم هذه الوثيقة التاريخية الخطيرة: نقل الزبير بن بكار عن مطرف ابن المغيرة ابن شعبة، قال: «دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدث معه، ثمّ ينصرف أبي فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة، فأمسك من العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة، وظننته أنه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال لي: يا بني جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوتُ به: إنّك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات هيهات! أي ذكر ترجو بقاءه؟ مَلَكَ أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: فلان، ثم مَلَكَ أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره! إلاّ أن يقول قائل: فلان، وإن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمداً رسول الله) فأي عمل يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لأمر الله إلاّ دفناً دفنا».
إن قراءة هذه الوثيقة الرسمية التاريخية بعمق، وتأمل ترينا كيف كانت استراتيجية الرجعية الأموية تتجه نحو إلغاء الأطروحة الإلهية التي حملها الإسلام الحنيف، والرجوع بالإنسان إلى عصر الظلام، ولكن مع مراعاة المستجدات الثقافية والاجتماعية والقانونية التي عاشها الناس بعد سطوع شمس الرسالة الإسلامية المباركة..
وهذه الخطة الأموية تشبه من بعض الوجوه برامج الثورات المضادة لكثير من حركات الإصلاح في التاريخ، كما جرى لمشروع الإصلاح الكبير الذي دعا إليه موسى النبي (ص)، والمشروع الإصلاحي الذي تصدى عيسى النبي (ص) لحمل أعبائه، وكما جرى للثورة الفرنسية من انتكاسة لرسالتها في الحرية، وحقوق الإنسان بعد نجاحها بسنوات، وهو الأمر الذي جرى لكثير من المصلحين، وحركات الإصلاح في الأرض..
لقد تحركت عملية تنفيذ «الدفن» أو «التعطيل» و«التشويه»، و«الإلغاء» الأموي لحركة الإصلاح الكبرى التي حملها الرسول الخاتم محمد بن عبدالله (ص)، خطوة خطوة، بطريقة ذكية جداً، حتى تمّ لتلك العملية الخطيرة انجاز مهامها خلال ثلاثة عقود تقريباً، لا من خلال تعطيل العمل بالدستور الإسلامي المستمد من القرآن الكريم، وسنة رسول الله (ص) فحسب، وإنما من خلال تغيير روحه وأهم مواده، وقواعده جملة وتفصيلاً..

قراءة في ملامح الدستور الإسلامي:
وإذا شئنا أن نحيط علماً بحجم العملية التحريفية الظالمة التي ألمّت بالقيم الإنسانية الرفيعة التي حملها الدستور الإسلامي الرباني، فلابدّ لنا أن نعرض جانباً من مواد الدستور الإلهي المذكور، ونستلهم روحه الإنسانية البناءة ثم نرى بعد ذلك إلى أي مدى استطاع الإنقلاب الرجعي المعادي للنهوض الإنساني الذي قاده الأمويون أن يحقق أهدافه في تحريف الدستور الإسلامي، وفي الافتئات على كرامة الناس، وحقوقهم، وحرّياتهم التي أرست الحركة النبوية الخاتمة قواعدها، في ضمير التاريخ:
1ـ إنّ الهدف الأساس لإرسال الرسل، وإنزال الكتب وإقامة مؤسسة الدولة الإسلامية هو من أجل إشاعة الخير، وإقامة الحق والمعروف، وتنفيذ أعلى مبادئ العدالة بين الناس: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد/ 25)، (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)(الحج/ 41).
2ـ إن مبدأ الشورى في إدارة أمور الدولة، وتسيير دفة البلاد من أرسخ المبادئ التي يعتمدها المسلمون في حياتهم السياسية والإجتماعية في عصر وجود المعصوم عليه الصلاة والسلام، وفي أيام غيبته.. (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى/ 38)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران/ 159).
3ـ لا يتصدى للمسؤوليات العامة في الأمّة إلاّ مَن كان أهلاً لها، من حيث التقوى والعلم، والكفاءة، واختيار الناس له، ورضاهم به..
4ـ يعزل المسؤولين عن مناصبهم إذا خالفوا الدستور، وبارتكاب الفاحشة وتجاوز الأحكام الإلهية في إدارة شؤون الناس.
5ـ حق المعارضة السياسية مصون لأية جماعة في المجتمع المسلم، ولذا بعث الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلى الخوارج: «كونوا حيث شئتم، وبيننا، وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً، ولا تقطعوا سبيلاً، ولا تظلموا أحداً»، قال عبدالله بن شداد: فوالله ما قاتلهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم الحرام.
وهكذا فإن أية جماعة أو أفراد لهم الحق أن يعلنوا أفكارهم وقناعاتهم السياسية الخاصة، ويدعوا إليها في المجتمع، من خلال الصحف والخطابة، وعقد الاجتماعات، وأمثال ذلك، ولا ضير عليهم في ذلك، ولكن ليس لهذه الجماعة أو تلك أن تحمل الناس على تبني أفكارها بالإرهاب، والقوة فذلك ما تؤاخذهم عليه الحكومة الشرعية..
6ـ يحافظ الدستور الإسلامي على حق الناس في الأمن بمختلف حقوله، والحرية، والكرامة، والتنقل، والسفر، والتعليم، والعيش الكريم وما إلى ذلك من شؤون، وكل ذلك مشخص في نصوص القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله (ص) وشعار الإسلام: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش/ 4).
7ـ لا فضل في الإسلام لعربي على أعجمي، ولا لقبيلة على قبيلة ولا لقوم على قوم.. كلهم لآدم وآدم من تراب، فلا عنصرية متعالية، ولا طائفية مقيتة...
8ـ لا يفرق الدستور الإسلامي في الحقوق المدنية بين مسلم وغير مسلم مهما كان دينه، وقد ورد عن أميرالمؤمنين علي (ع) قوله: «إنما قبلوا عقد الذمة ـ يعني أصحاب الأديان الأخرى ـ لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا»، حتى ورد في بعض النصوص إن المسلم إذا أتلف خمراً لمن يقتنيه من غير المسلمين، أو قتل له خنزيراً كان عليه غرمه رغم ان الإسلام يحرم كليهما على المسلمين!!
9ـ على الدولة المسلمة أن تشيع الأخوّة، والإتحاد بين الناس، وتسد كل منافذ الخلاف، والفرقة، وتمزق الصفوف، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات/ 10).
وورد في نهج البلاغة عن الإمام علي (ع) قوله: «الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق..».
10ـ تكفل الدولة الحاجات الضرورية للناس كالمأكل والملبس والمسكن والعلاج والتعليم لكل مَن كان عاجزاً عن ذلك بسبب تقدم السن أو المرض والبطالة، أو الغلاء دون تمييز بين الناس وإن خالفوا الدولة في الدين والمذهب أو الرأي السياسي.
11ـ يتمتع رئيس الدولة، وكافة قادة البلاد بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون عامة وفق الدستور، والقوانين المعمول بها في البلاد، وليس من حق الحاكم أن يحتكر مالاً، أو يتمتع بحقوق إضافية، هو أو أحد من عائلته أو عشيرته أو حزبه أو قبيلته أو قومه..
هذه بعض مواد الدستور الإسلامي، الذي حملها كتاب الله العزيز وسنة المعصوم عليه الصلاة والسلام، عرضناها لعلاقتها بطبيعة بحثنا هذا..

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com