موقع الصراط ... الموضوع : خطورة اللسان-1
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خطورة اللسان-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 25 / ربيع الثاني / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال الإمام زين العابدين (ع):
(وأما حق اللسان: فإكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم، وحلِّه بالآداب واجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا، وإعفائه من الفضول القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها، وبعد شاهد العقل، والدليل عليه، وتزيين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله)(1)
لعل اللسان أهم جارحة من جوارح الإنسان التي تتجلى فيه إنسانيته بكل أبعادها النفسية، والفكرية، والأخلاقية... فهو مائز بارز ينبئ عن قوة العقل وغزارة العلم ، ورهافة الأدب، وشفافية النفس... ولولاه لما فرق بين الإنسان وبين الحيوان؛ ولذا قيل:(ما الإنسان لو اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة ممثلة)(2) ويقول الشاعر :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده***فـــلم يــبــق إلا صورة اللـــحــم والـدم
وللسان دور مهم في حياة الإنسان، ومستقبله الأخروي فكما هو وسيلة خير وصلاح، كذلك يمكن أن يكون وسيلة شر وفساد، يقول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: (إن هذا اللسان مفتاح خير، ومفتاح شر) ووصف أحد البلغاء اللسان فقال: (اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، وظاهر يخبر عن الضمير ، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الحقائق، ومعز ينفى به الحزن، ومؤنس تذهب به الوحشة، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن ، وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل الضغينة، ومله يونق الأسماع)(3)
إذن هو سلاح ذو حدين يمكن للمرء أن يتخذه وسيلة هدم وتدمير وإفساد ويمكن أن يجعله وسيلة إصلاح يرسي بها دعائم الحب، والوئام والسلام، كما يستطيع كذلك أن يثير به عواصف الفتن، ولهيب نيران الحروب فيزهق النفوس ويجري بحار الدم، يقول أمير المؤمنين (ع): (وفتنة اللسان أشد من ضرب السيوف)

خواص اللسان :
يتميز اللسان بخواص تفتقر إليها الجوارح الأخرى.ومن تلك الخواص :
1 - هو الكاشف عن حقيقة الإنسان؛ لأن الإنسان يختفي وراء لسانه ولا يكشفه إلا هو، يقول أمير المؤمنين (ع): (تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه)
فأنت تستطيع أن تُقَيّم الرجل من خلال كلامه فتزن عقله، ومقدار علمه وأدبه … إذن هو ميزان يوزن الإنسان به، يقول أمير المؤمنين (ع):
(اللسان ميزان الإنسان)؛ لأنه (دليل على عقل الرجل).
ويقول (ع): (يستدل على عقل الرجل بحسن مقاله، وعلى طهارة أصله بجميل فعاله)
(دليل عقل الرجل قوله)
(وينبئ عن عقل كل امرأ لسانه، ويدل على فضله بيانه)
2 - إن أكثر خطايا ابن آدم من لسانه ؛ لأن آفاته كثيرة، كالفضول والتدخل فيما لا يعني، والغيبة، والنميمة، والخوض في الباطل، والمراء، والمجادلة، والفحش ، والخصومة، والوعد الكاذب، والسخرية والاستهزاء وغيرها... ولهذا يجب على المرء أن يتروى في كل كلام يلفظه؛ فإن عليه رقيباً يكتبه، يقول تعالى: ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) (ق:18)
ومن هنا وردت أحاديث كثيرة تؤكد على ضبط اللسان من العثرات يقول أمير المؤمنين (ع):
(ضبط اللسان مُلك، وإطلاقه هُلك)
(احفظ رأسك من عثرة لسانك، وأزممه بالنهي، والحزم، والتقى، والعقل)
(لسانك إن أمسكته [أسكته] أنجاك، وإن أطلقته أرداك)(4)
وقد ربطت بعض الأحاديث الشريفة كل ملاكات أعمال الإنسان بمدى استقامة اللسان فقد روي عن معاذ بن جبل قال: (قلت يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ، ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت... ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه ؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، وقال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون على ما نتكلم به ؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم [أو قال على مناخرهم] إلا حصائد ألسنتهم)(5)
ونحن إذا تأملنا قوله (ص) لمعاذ (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) مع ما تقدم في الحديث من توحيد الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان، وحج البيت... وربط ملاك كل تلك الأعمال بصلاح اللسان نعرف مدى خطورة اللسان في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، حيث أوقف الحديث قبول كل تلك الأعمال، بل والاعتقادات على استقامة اللسان بحفظه عن الوقوع فيما حرم الله تعالى؛ وذلك لأن الإنسان قد يعمل الأعمال الصالحة ثم يحبطها ويحرقها بعثرات لسانه كما لو ارتكب بعض المحرمات كالغيبة والنميمة .
3 - هو الوسيلة الأهم بين الله تعالى وبين رسله، وبين الرسل والعباد؛ لأنه بالكلام تبلغ الرسالات ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إَِّلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (إبراهيم:4) و (لأن الله ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت إنما بعثهم بالكلام)
4 - هو أعصى الجوارح على الإنسان، فإنه لا يتعب، ولا يمل، ولا مؤنة في إطلاقه وحبائله وهو (أعظم آلة للشيطان في استغواء الإنسان) بالتبجح بالكلام وبالفضول، والكذب، والسفه، والغيبة، والنميمة، والفحش، والبذاءة، والهذر والإسراف في المزاح...
5 - هو أعظم الجوارح التي تعرض الإنسان للخطر بل للهلاك.يقول أمير المؤمنين (ع): (دع الكلام فيما لا يعنيك، وفي غير موضعه، فربَّ كلمة سلبت نعمة، ولفظة أتت على مهجة)
(اللسان سبع إن أطلقته عقر)
(بلاء الإنسان في لسانه)
(رب كلام كالحسام)
(كم من دم سفكه فم)
(رب لسان أتى على إنسان)
(رب حرف جلب حتفاً)(6)
وقالوا: (إن بعض ملوك الحيرة كان قد استراب ببعض خوله، فنزل يوماً وهو يتصيد على تلعة، ونزل أصحابه حوله فأفاضوا في حديث كثير، فقال ذلك الإنسان: أترى لو أن رجلاً ذُبِحَ على هذه التَّلعة هل كان يسيل دمه إلى أول الغائط ؟ فقال الملك: هَلِمّوُا لننظر فذبحوه فقال الملك: رب كلمة تقول دعني)(7) 6 - (ما من شيء معلوم أو موهوم... خالق أو مخلوق... متخيل أو موهوم... مظنون أو مشكوك... إلا واللسان يتناوله فهو رحب الميدان ليس له مرد، ولا لمجاله منتهى، ولا حد، فله في الخير مجال رحب وفي الشر مجرى سحب فمن أطلقه عذبه) يقول أمير المؤمنين (ع): (هذا اللسان جموح بصاحبه)
7 - إن آثاره وأعماله تنجر على باقي الجوارح روى سعيد بن جبير مرفوعاً:
(إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تشكوا اللسان تقول: أي ابن آدم اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا)
وعن الإمام زين العابدين (ع): (إن لسان ابن آدم يشرف كل يوم على جوارحه فيقول: كيف أصبحتم، فيقولون بخير إن تركتنا ، ويقولون الله الله فينا ويناشدونه، ويقولون: إنما نثاب بك ، ونعاقب بك)(8)

الهوامش:
(1) السيد حسن القبانجي، شرح رسالة الحقوق: 1/99.
(2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 13/15.
(3) الجاحظ، البيان والتبيان: 2/67.
(4) الآمدي، تصنيف غرر الكلم ودرر الكلم: 209.
(5) شرح الأربعين حديثاً النووية: 71-72.
(6) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 209.
(7) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 19/322.
(8) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 71/287.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com