موقع الصراط ... الموضوع : الاستعاذة-3
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستعاذة-3  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 13 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  المحور الثالث: المستعاذ منه:
((من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس))
والآية تذكر لنا جيشه، وعدته، وعدده، ومساحة عمله هي صدور الناس، إدراكهم وإحساساتهم، ومشاعرهم, وعقولهم، وضمائرهم، ويحاول أن يجهز عليهم بجنده من الجنة والناس، وهو ذات إمكانيات كبيرة، وعدد ضخمة، وخطط متنوعة واسعة، وهو اختار صدر الإنسان، لأنه محل الإدراك والشعور، وأكثر المناطق شفافية في الإنسان.

كيف يتمكن الشيطان من الإنسان؟ وكيف يحتل صدره؟
مما لا شك فيه أن الشيطان إذا استعمر من الإنسان صدره فقد احتل منه كل شيء لذلك يقول تعالى: ((استحوذ عليهم الشيطان)) (المجادلة:19)
ما هي قدرات الشيطان؟ وكيف يعمل؟ وما مقدار سلطانه هذا الذي أظل به أجيالاً من الناس، ولا يزال مستمراً ومصراً ؟
هل الشيطان قوي بهذه الدرجة؟ أم أنه ضعيف؟
إن الشيطان ضعيف، هكذا أكد القرآن الكريم بقوله تعالى: ((فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً)) (النساء:76)
وبذلك نفهم أنه ليس للشيطان سلطان على الإنسان، وليس له إرادة قاهرة، فالله لم يعطِه سلطاناً يستطيع له أن يركع الإنسان، يقول تعالى عن لسان الشيطان: ((وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي)) (إبراهيم:22)
والقرآن مرة ينفي سلطانه، ومرة يثبته، أما سلطانه المثبت فهو على الذين يتولونه، يقول تعالى: ((إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون)) (النحل:100)
وقال تعالى: ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)) (الحجر:42)
ذهب بعض المفسرين الذين أجهدهم الجمع بين النفي والإثبات إلى القول بأن السلطان هو الحجة، وهذا غير صحيح، وإنما السلطان المنفي هو القدرة على التطويع للإنسان فإثبات السلطان للشيطان على الإنسان ليس له أساس إلا أن يمكن الإنسانُ الشيطانَ من نفسه فهو الذي يجعل نفسه عبداً للشيطان، وحينئذ فهو الذي يعطي للشيطان السلطنة على نفسه.
((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)) (الحجر:42)
((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً)) (الإسراء:65)
وهكذا يقع الإنسان في شرك الشيطان ومصائده إذا أمكن الشيطان من نفسه يقول تعالى:
((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)) (البقرة:268)
فكلما يعطي الإنسان من نفسه للشيطان أكثر تستحكم قبضة الشيطان عليه أكثر ((إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا)) (آل عمران:155)
وهذه المرحلة تحتاج إلى تأمل أكثر، هذا الإنسان الحر الذي خلقه الله حراً، كيف يقع في مصائده وهو ليس عليه سلطان؟ وللجواب لابد أن نعرف أساليب الشيطان ووسائله فالشيطان له مكر، وله كيد، وغدر، واستدراج. وقد كشف الإمام السجاد (ع) هذه الأساليب والوسائل جميعا في دعائه: (اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان الرجيم، وكيده و مكائده، و من الثقة بأمانيه ومواعيده، وغروره، ومصائده، و أن يطمع نفسه في إضلالنا عن طاعتك، وامتهاننا بمعصيتك، أو أن يَحسن عندنا ما حَسن لنا، أو أن يَثقل علينا ما كَره إلينا)
وفي دعاء شهر رمضان ورد: (اللهم صل على محمد وآل محمد، وأعذني فيه من الشيطان الرجيم، وهمزه، ولمزه، ونفثه، ونفخه، ووسوسته، وتسليطه، وكيده، ومكره، وحبائله، وخدعه، وأمانيه، وغروره، وفتنته، وشركه، وأعوانه، وأحزابه، وأتباعه، وأشياعه، وأوليائه، وشركائه، وجميع مكائده)
والطريقة التي نتخلص بها من عدونا هي: اعرف عدوك فإن الطير إنما يقع في شباك الصياد، لأنه لا يعلم ما بها، ولماذا نصبت؟ والقرآن الكريم يوضح لنا أساليب، وطرق الشيطان التي يستطيع أن يستحوذ بها على الإنسان، وهي أساليب متدرجة تبدأ بشكل متدرج نذكر أهم خطواتها:
1- الأرصاد: إن عملية الرصد عملية عسكرية معروفة، فالعدو يراقب عدوه، ليلاحظ قوته فيحتاط لها، ونقاط ضعفه؛ لينفذ منه، ولما كان الشيطان عدواً للإنسان فإنه يرصد جميع تحركاته، ويتبع جميع خطواته، ويرصده في كل منعطف، وله جهاز رصد دقيق، وهذا الجهاز ليس في شوارع باريس ولندن، وإنما هو مسلط على طريق المجاهدين وقد صور لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة بدقة متناهية عن لسان إبليس لعنه الله بقوله: ((قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم)) (الأعراف:16)
وروى أحمد في مسنده عن النبي (ص) أنه قال: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دينك، ودين آبائك، وآباء أبيك، قال: فعصاه فاسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك، وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، قال: فعصاه فهاجر، قال: ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال له: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة، ويقسم المال، قال: فعصاه فجاهد)
2- الوسوسة والخنس: قال الراغب: (الوسوسة الخَطرة الرديئة، وأصله من الوسواس وهو صوت الحلي، والهمس الخفي، قال: ((فوسوس إليه الشيطان)) وقال: ((من شر الوسواس)) ويقال لهمس الصائد: وسواس)
فالوسوسة إذن أن يختفي الشيطان في الزوايا والدهاليز الخافية في نفس الإنسان فإذا انتبه الإنسان خنس الشيطان،وبقي يتربص لفرصة أخرى يغتنم فيها غفلة الإنسان ونسيانه لذكر الله.
3- التطبيع والتزين: الشيطان يزين للإنسان السوء رويداً رويداً،ليطوعه عليه تدريجاً ويوقعه في مكائده وخططه ((وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم)) (فصلت:25)
((فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون)) (النمل:24)
((وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين)) (العنكبوت:38)
((قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين)) (الحجر:39)
وهكذا يزين الشيطان للإنسان القبيح، ويقبح الجميل، وتقريب البعيد، وتبعيد القريب. وهكذا يتدرج مع الإنسان إلى أن يوقعه في شباكه.
4- الوعد والمناجاة: حيث تكثر وعوده وأمانيه ((يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً)) (النساء:120)
5- النزغ: حيث يدخل في نفسه، ليفسد فيها، ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم)) (الأعراف:200)
6- مرحلة الهمز والطعن: فالشيطان هماز، والهمز هو العصر يضغط الشيطان على الإنسان فيجعله يطعن في عقائده وأخلاقه ((وقل ربِّ أعوذ بك من همزات الشياطين*وأعوذ بك رب أن يحضرون)) (المؤمنون:97-98)
7- مرحلة الأز: وهي مرحلة متقدمة فالشيطان يؤز الكافرين أزاً، يقول ابن عباس: إن الأز هو الإغواء ((ألم ترَ أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً)) (مريم:83) ولكن الصحيح أن الأز بمعنى التحريك العنيف بصورة الغليان كما يغلي الماء في القدر في أشد درجاته، فالأز هو الهيجان الشديد.
8- الاستفزاز: وهي الحالة التي يتطبع الإنسان على كيد الشيطان، والاستفزاز هي عملية تعجيل، ودفع إلى الضلال...((واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً)) (الإسراء:64)
9- الاحتناك: وهي عملية الاستيلاء والسيطرة على الشيء... ((لأحتنكن ذريته إلا قليلاً)) (الإسراء:62) فالشيطان هنا يمسك بزمام الإنسان، ويسيطر على حنكه، ويلجمه كما يلجم الراكب فرسه.
10- الاستحواذ: حيث يصبح أسيراً في سجن الشيطان يتصرف به كيف يشاء، ويدفعه في أي اتجاه يريد ((استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله)) (المجادلة:19)
11- التطويق: حيث يطوقه من بين يديه، ومن خلفه، ومن جميع جوانبه ,وفق خطته التي وصفها القران على لسانه ((ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)) (الأعراف:17)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com