موقع الصراط ... الموضوع : الذين لا يريدون علواً في الأرض
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الذين لا يريدون علواً في الأرض  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 5 / جمادي الأول / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((تلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) (القصص:83)
الآية الكريمة تعالج حالة موجودة في أكثر نفوس بني آدم, وهي إرادة التسلط, والظهور, والغلبة , والتميز على الآخرين، وهذه الحالة هي التي يعبر عنها علماء النفس بـ(الأنا العليا) وهي نابعة من حب الذات، وهي أقوى الغرائز وأمكنها من النفس، وميل النفس إليها أكثر من أي أمر آخر، والأنانية هي أم المصائب ومنبعها, وأم الخبائث على الإطلاق فالحسد، والكذب، والغرور, والحرص، والجشع، وإجحاف حقوق الآخرين هي إفرازات خبيثة لحب الذات.
إن موقف الإسلام من (الأنا) موقف الموجه والمعدل فلم يحاول حذفها, ولا قلعها من النفس؛ لأن هذا مستحيل، وإنما حاول تلطيف قوتها، وتطويعها لخدمة المصالح العامة.
وفي الآية لفتات حَرية بالتأمل منها قوله تعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ)) الإشارة إليها بلفظ البعيد للدلالة على عظمتها, وشرفها , وعلو مكانتها، وفيها إشارة لطيفة على أن السعادة الحقيقية هي الحياة الأخروية الدائمة والتي لا تنغصها المنغصات، ولا يقطعها الزمن, بل فيها ما لا عين رأت , ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)) (آل عمران:185) لأن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية ((وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) (العنكبوت:64)
هذه الدار لا تنال بالتمني, ولا بالترجي, وإنما تنال بالعمل الجاد الفاعل المؤثر الصادر من نفسية متواضعة خاشعة لله تعالى لا تريد العلو والاستكبار على عباد الله تعالى، ولا تبغي الفساد في الأرض ، فكل عمل مخالف لشريعة الله تعالى مدنس للفطرة الإنسانية, وكل معصية لابد أن تفضي إلى الفساد، يقول تعالى: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)) (الروم:41)
وإرادة العلو هي مصداق من مصاديق إرادة الفساد (وإنما أفردت بالذكر اعتناء بأمرها) وبياناً لخطرها, وتحذيراً من شرورها.
وإرادة العلو هي الاستكبار بعينه وهو : شر العيوب، وعين الحماقة، وأساس التكلف، ومصيدة الشيطان، ورأس الطغيان، ومعصية الرحمن، وأعظم الذنوب وحيلة إبليس، وأقبح الخلق، وآفة الشرف، وملاقح الشنان والعداء، ومنافخ الشيطان, ودليل الإحساس بالحقارة, وعلامة الوضاعة(1)...الخ، كما ورد في كلمات سيد الحكماء علي (ع).
والملفت للنظر في الآية الكريمة أنها لم تأمر بترك العلو والفساد ,وإنما أمرت بترك إرادتهما , وهذا دلالة على خطورة تلك الحالة.
ومصاديق إرادة العلو كثيرة جداً أبرزها : حب التميز على الآخرين سواء كان في الأمور الحقيرة , أو الأمور الخطيرة، يقول أمير المؤمنين (ع):
(الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها)(2)
أقول : فإذا كان أمير المؤمنين (ع) يحذر من التميز على الآخرين ولو بشراك النعل فكيف حال من يحاول أن يتميز على الآخرين في كل شيء بالعلم، والوجاهة، والمسكن، والمركب, وأخطر مصاديق إرادة العلو: طلب الرئاسة ففي مرفوعة بن بزيع عن أبي عبد الله (ع) قال: (ملعون من ترأس ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه)(3)
وقد مثلها الإمام أبي الحسن الكاظم (ع) بالذئبين الضاريين في غنم غاب عنها رعاتها، فعن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (ع( انه ذكر رجلاً، فقال: (إنه يحب الرئاسة، فقال : ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين مسلم من الرئاسة)(4)
وقد أوضح أمير المؤمنين (ع) هذه الآية الكريمة ببيان عملي، فطبّقها عملياً وجسّدها في سلوكه؛ ليعرفنا بأن طلب العلو في الدنيا ولا سيما في جانب الحكم والإدارة يمثل خطراً حقيقياً على المستقبل الأخروي للإنسان إذا لم يخفف من إلحاح النفس في التسلط، فقد روي عنه (ع) أنه (كان يمشي في الأسواق وحده، وهو دال يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال، فيفتح عليه القرآن، ويقرأ: ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً)) ويقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل، والمواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس)(5)
كما وضح الإمام الصادق (ع) ذلك بقوله لحفص بن غياث: (يا حفص، ما منزلة الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها، يا حفص إن الله تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت ثم تلا قوله (تلك الدار الآخرة))(6)

الهوامش:
(1) راجع تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، باب التكبر.
(2) الشيخ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع: 2/757 .
(3) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/298 .
(4) المصدر نفسه: 297 .
(5) الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان: 7/464.
(6) السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة: 23/123.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com