موقع الصراط ... الموضوع : الداعية الشهيد الشيخ حسين معن
 
الأربعاء - 14 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الداعية الشهيد الشيخ حسين معن  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 29 / جمادي الأول / 1434 هـ
     
  حسين معن بقلم الشيخ جميل الربيعي
لا تنطلق العبقرية والعظمة من أماكن معينة أو حيز محدود فحسب، سواء كان هذا الحيز عائلياً أو دراسياً أو ما إلى ذلك، بل قد تنطلق من كوخ متواضع في قرية نائية أو من عائلة مغمورة وغير مشهورة بالعلم أو الحكم أو السياسة...
في قرية صغيرة من قرى كربلاء الدم والشهادة والثورة كانت تسكن عائلة الحاج ناصر - أحد المتنفذين في عشيرته (آلبو حِسن) - وكان الشاب (معن) اكبر أولاده متطلعاً منذ نعومة أظافره لطلب العلم ومتشوقاً للدراسة الدينية . فإذا رأى هذا الشاب طلاب العلم يؤمون كربلاء للدراسة يبقى متحسراً لحرمانه من نعمة العلم فإذا عرض طلبه على والده زجره بشدة وأخيراً اعتمد على نفسه فتعلم القراءة والكتابة من زملائه في القرية، وقرأ القرآن إلى أن صار معلماً فيه... وعندما رزقه الله ولداً كانت الأمنية الكبرى في نفسه: أن يرى ولده طالب علم فلما أكمل ولده الصف السادس الابتدائي منعه من مواصلة الدراسة في المدارس الرسمية... وعندما بلغ سن التكليف ذهب به إلى الحوزة العلمية في كربلاء... وهكذا بدأ شهيدنا حياته الدراسية، ولم تمض عليه في حوزة كربلاء إلا عدة شهور.. وبينما كان الوالد يستقبل زوار الإمام الحسين (ع) من المشاة في الزيارة الشعبانية، حيث كان يفتح بيته لزوار الإمام الحسين (ع) في هذه المناسبة استضافه أحد طلاب العلم في النجف الأشرف، ودار الحديث حول الدراسة في الحوزة، فاقترح عليه أن ينقل ولده إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بعد أن رأى فيه علائم الذكاء والنبوغ، رغم صغر سنه فما كان اليوم الثاني إلا واصبح الوالد في النجف الأشرف ليدخل ولده في مدرسة العلوم الإسلامية.
ومن هنا برزت معالم النبوغ في شخصية شهيدنا، فجلب ذكاؤه نظر المجدين من طلاب العلم فحظي باهتمامهم ورعايتهم لما يتسم به من ذكاء خارق، وذهن ثاقب، وجدية منقطعة النظير، حتى كان الإمام الشهيد الصدر يسميه بالطالب المجد.. ومن جديته إن الكتاب ما كان ليفارقه أبداً حتى في المجالس العامة مع إخوانه فبينما كانوا يتفكهون في مجالسهم تراه منشداً إلى كتابه، وإذا أشكلت عليه مسألة من مسائل الفقه والأصول تجده يعيدها مرات ومرات ولا يتركها حتى يفهمها، ويهضمها جيداً، وهكذا استمر شهيدنا بجدية متناهية حتى قطع مرحلة السطوح في سنوات لا تتعدى أصابع اليد ليلتحق بالداراسات العليا المعبر عنها بـ(البحث الخارج) وما مضت سنوات حتى لمع نجمه في حلقات الدرس العليا...
ومما زاد في جديته وفاعليته انتماؤه لحزب الدعوة الإسلامية عام 1390ه‍، وظل مندكاً في هذا التيار المبارك، رغم الهجمة الشرسة، التي شنتها سلطات البعث الكافر في بغداد، على الدعوة المباركة، سنة 1394ه‍، فطورد شهيدنا الغالي على أثرها مطاردة عنيفة جداً، مما حمله على تغيير زيه، لمواصلة عمله... وبالرغم من هذا، لم يكن ليوقفه عن تحصيله، فكان يكلف زملاءه، بتسجيل محاضرات الإمام الشهيد الصدر والسيد الخوئي ليتابعها يوماً بيوم فلما ضاق به الأمر اضطر لأن يخرج من النجف الاشرف ليختفي في محافظات أخرى وبالرغم من هذا الحرج والمضايقة لم ينقطع عن العمل الرسالي فكان يلتقي بإخوانه في أماكن محددة ليتدارس معهم ظروف الدعوة فيوصلوا له الأخبار ويأخذوا منه التوجيهات والطروحات الرسالية...
أما الساعات التي ينفرد فيها وحده في المكتبة فقد كنت أرى منه: العجب العجاب في الجدية والتهام الكتب بمختلف أنواعها... كنت أراقبه عن كثب فإذا انبلج النهار ثنى ركبتيه وانكب على المطالعة إلى وقت الظهر وهكذا بقية الليل والنهار لا يتوقف عن البحث والدرس وقد كنت أحصى الساعات التي يقضيها في القراءة والبحث حتى كانت تصل إلى 16 ساعة في الليل والنهار وربما بلغ في بعض الأحيان أكثر من ذلك وغالباً ما كنت أراه منكباً على الورقة والقلم حتى يطلع الفجر... حتى إذا اعترضت عليه يوماً لكثرة أتعابه قال:
(إن هدفنا أوسع واكبر من أعمارنا ونحن يجب علينا في أوقات المطاردة واستحالة التحرك أن ننقطع إلى الدرس والبحث وإذا فسح لنا المجال للعمل فيجب أن ننطلق بكل ما أوتينا من قوة لإقامة الدولة الإسلامية...)
وبناء على هذا الفهم الحركي نجده في فترة اختفائه وعلى وجه التحديد بعد إعدام كوكبة الدعوة الأولى سنة 1394- 1395ه‍ أنتج عدة بحوث في ظرف خمسة أشهر منها:
1- الحرية في الإسلام.
2- بحث ضخم بعنوان (العلاقة الفقهية في الاقتصاد الإسلامي).
3- شرح الأسس المنطقية للسيد الصدر.
وكتب بحوثاً أخرى لا أذكرها جيداً... ولما هدأت العاصفة الهوجاء وخف الطلب، عاد مرة أخرى إلى النجف الأشرف ليواصل عمله بصورة أوسع وهنا تجلت خصاله الرسالية وبرزت شخصيته العلمية، أستطيع أن أوجزها بالنقاط التالية:
1- الاستماتة في سبيل الله:
كان شعاره (المستميت لا يموت) وكان يقول: إننا نحن الدعاة يجب أن لا نفكر بشيء اسمه الحياة حتى قيام الحكومة الإسلامية في العراق، إننا وقود الثورة الإسلامية والتفكير بغير هذا غير صحيح فما علينا إلا أن نتحرك بجد وفاعلية ونشاط ونبذل كل شيء في سبيل هذا الهدف العظيم حتى تسفك دماؤنا في سبيل الله تعالى...
وكم كان أصدقاؤه يحذرونه من سطوة الظالمين لحقدهم عليه، وحبذوا له الخروج من العراق إلا انه رفض ذلك بشدة وأصر على مواصلة عمله في العراق وإن أدى ذلك إلى استشهاده... وكم مرة قال: إننا باقون هاهنا تسفك دماؤنا... ولتركز هذا العنصر في شخصيته ما كان الخوف ليعرف إلى نفسه طريقاً أبداً... ذلك لأنه أعطى نفسه لله... وكان يرى إنها ملكه يتصرف بها كيف يشاء.

2- الجدية والدأب في العمل:
كان دائب العمل ليل نهار على الصعيدين الفكري والاجتماعي بلا انقطاع ولا توقف.. بين دراسة وتدريس وبحث، ودعوة إلى الله متواصلة لا تفتر، ولا تلين. وكنت أرى منه العجب فهو كلما ازدادت الصعاب، والمصائب يزداد عزيمة، ومضاء، ومواصلة للعمل. إن انبعاثه للعمل بهذه الدرجة يدل على أن نفسه وصلت إلى حد اليقين في إيمانها بصحة الفكر الذي نذر نفسه له، حتى عاد لا يرى في الوجود قوة مؤثرة غير القوة المطلقة التي آمن بها...
كل هذا كان يستوحى من سلوكه، وصموده، وإصراره على العمل، كانت تصله أخبار سيئة جداً فلا تعيقه عن عمله ولا تؤثر فيه، بل كان يعتبر ذلك أمراً طبيعياً وخلاصة القول: إن الرجل كان دؤوباً مجداً في عمله بمستوى قلّ نظيره في أوساط المجدين...

3- الابتكار والتفنن في أسلوب العمل والبحث:
منذ سنة (1394 ه‍ ) وقوى الظلم والعدوان تواصل البحث عنه في كل حدب، وصوب. وما تركت مكاناً تتوقع أن تجده فيه، إلا اقتحمته، وبأساليب متباينة، إلا إنها لم تفلح إلا بعد ست سنوات، ولم يكن هو المقصود وإنما كان من باب الصدف.
لقد اكتسب مهارة كبيرة في العمل السري، والتملص من الأعداء، والتخفي عنهم إلى حد إنه دخل السجن باسم مستعار وحكم عليه بالسجن المؤبد، ونقل إلى أبي غريب إلى أن كشفه اعتراف أحد الموقوفين سامحه الله...
وأما أسلوبه في البحث، والمناظرة فقد كان مبتكراً وجامعاً ومانعاً حيث انه كان واسع الثقافة في العلوم الحديثة على شتى أصعدتها. إضافة إلى تخصصه في العلوم الإسلامية... كان دقيقاً وأدبياً في المناظرة رأيته وقد ناظر الشيوعيين، ودعاة الاشتراكية، ومروجي الحضارة الغربية يستمع إليهم إلى أن يفرغوا ما في جعبهم... وبعد ذلك أراه ينقضّ على أفكارهم مفنداً، وناسفاً وما يقومون عنه إلا وهم قد نبذوا ما جاءوا به...
قصده أحد دعاة الوجودية يوماً، وبقي فترة يتحدث له عن الفلسفة الوجودية، ولما انتهى، اخذ الشيخ الشهيد يشرح له عن الفلسفة الوجودية ابتداء بتأسيسها ومروراً بأهدافها وإنتهاءاً بأسرارها وأبعادها فبقي ذلك الرجل متعجباً وظن انه وجودي مثله، وبعد أن شرحها له وشده إليه انقض على الفلسفة الوجودية واخذ ينسفها لبنة لبنة إلى أن انتزعها من ذهنه وقام عنه بعد مجلس طويل، وهو يقول عنه عجيب أمر هذا العالم ما أعمق ثقافته ! إنه لم يكن كلاسيكياً، إنه عميق الفكر.

4- العمق الثقافي:
كان شهيدنا واسع الباع في العلوم الإسلامية عميق الغور فيها، وخصوصاً: الفقه والأصول والمنطق والفلسفة على ما وصفه عارفوه من زملائه طلاب العلم.
وقد حضرت دروسه في تدريس المنطق وكتاب فلسفتنا واقتصادنا فكان كالسيل المنحدر من جبل شاهق لا يتوقف في مسألة ولا تشكل عليه قضية، وكان يشرح كتب السيد الشهيد ويزيد عليها وقد أشار مرة إلى أن اقتصادنا وفلسفتنا - بالرغم من إكباره لهما - بعد أن قطعا فترة عشرين سنة من الكفاح الفكري أصبحا الآن بحاجة إلى المزيد من التوسيع لما استجد من بحوث فكرية في الرأسمالية والماركسية والاشتراكية...
كنت أراه دائماً يركز على بحث الفلسفات الأجنبية الشرقية منها والغربية وكذلك في العلوم الاقتصادية بكل أشكالها. مضافاً إلى عمقه الفكري في العلوم الإسلامية. وكان ينوي القيام ببحث مقارن بين القوانين الغربية والدساتير الإسلامية...
كان دائم الاطلاع على ما يستجد من بحوث العلوم الحديثة بصورة مستمرة قلما يفوته كتاب يصدر في ذلك، وعندما تتمعن في مكتبته يأخذك العجب، وتتصور أن صاحب هذه المكتبة فيلسوف ماركسي أو يوناني...
وعلى كل فإن أبا سجاد كان عالماً، ومفكراً رسالياً بكل ما للكلمة من أبعاد وكان يؤكد دائماً على زملائه وطلابه بقراءة الفكر الإسلامي أولاً واستيعابه، وهضمه، وتمثيله، فإذا وصل إلى درجة لا يدخل الشك في نفسه من أي جانب من جوانب الفكر، انتقل إلى قراءة الفكر المادي بشقيه الشرقي والغربي.. وأخذا الجوانب الإيجابية ومقارنته مع الفكر الإسلامي لإبراز معالم القوة في شريعة السماء..

5 - عمق الوعي الحركي:
اتسم شهيدنا بروح حركية عالية لا تفتر ولا تلين أبداً في كل الظروف ولهذا لم يكن يهدأ له بال دون عمل وخدمة متواصلة للمبدأ السامي رغم تعالي روح الحركية وسيطرتها على نفسه لم يكن ارتجالياً في أعماله بل كان دقيقاً في التخطيط والتنفيذ، وقلما سلك طريقاً أو قام بعمل قبل أن يحسب له ألف حساب. ولهذا واصل عمله في العراق طيلة ست سنوات من المطاردة العنيفة، المتواصلة في كل مكان، ولكن لم يثبت على نفسه أي اثر ولم يعط أي مستمسك يطمع السلطة الغاشمة فيه. كان عالي الانضباط دقيق التحرك بين بغداد، والنجف، وديالى، والبصرة متنكراً، وحاملاً هوية مزورة يعبر بها نقاط التفتيش.
وكان عميق الغور كتوماً إلى حد كبير بحيث إنني عشت معه فترة طويلة، ولم استطع أن اقف على حقيقة انتمائه للدعوة المباركة، إلا بعد أن عرفتها من بعض أصدقائه وزملائه. ونتيجة لتفانيه وذوبانه في مبدئه الحركي كان يخرج في أيام المحنة من الصباح، ولا يرجع حتى منتصف الليل متنقلاً من فرد إلى آخر يقضي حاجة هذا ويوجه ذاك وينقذ الثالث من ورطته.

6 - انشداده للثورة الإسلامية في إيران:
عندما انفجرت الثورة الإسلامية في إيران ملكت على شهيدنا كل أحاسيسه، ومشاعره، ووقته. لذا كنا نراه دائم التفكير فيها، ويتابع أحداثها ساعة بعد ساعة، ويرفد إخوانه بالموقف السياسي، والتحليل العميق للأحداث، ويؤكد للمؤمنين بما يبعث الأمل في انتصار الإسلام، ويقول: (إن الإمام الخميني سيعود إلى إيران، ويقود المسيرة، ويحطم كل عروش الطاغوت، وان الانتصار حتمي إن شاء الله وعلينا أن نكون الامتداد الطبيعي للثورة الإسلامية المظفرة وان نعمل بكل جهودنا على إنجاح تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران اكثر من اهتمامنا في العراق، لأنه لا سامح الله لو انتكست هذه الثورة، فلا يقوم للإسلام قائم حتى قيام صاحب الأمر... وعلينا أن نعمل بكل توجيهات الإمام رحمه الله... ولذلك كان حريصاً كل الحرص في بيان أبعاد الثورة وأهدافها، وعظمتها، ولذا رأيناه يشد الناس إلى قيادة الإمام، ويعمل على تحصيل صور الإمام ليوزعها في النجف الأشرف وخارجه)
وكثيراً ما كان يجلب لنا أكثر من كتاب كان ممنوعاً في العراق يومذاك، وكانت هذه الكتب قد تهرأت وتلف بعض موضوعاتها من كثرة تداولها.
ولا أنسى ذلك الموقف الذي كان يتتبع فيه عناوين الكتب في مكتبتي وافرز مجموعة من الكراسات منها كتب قد حصلت عليها من دار التوحيد وكان مثل هذه الكتب قليلاً ومحذوراً في العراق آنذاك، وطلب مني أن يأخذها لينتفع بها الأخوة الدعاة، فلما قلت له: أرجو المحافظة عليها وإرجاعها قال: إن الدعوة المباركة قد علمتنا أن الداعية لا يملك شيئاً هذه الأشياء مثل تساهم في تغيير الأمة وان طلابنا بحاجة إليها فينبغي أن لا نبخل عليهم.

7 - الإيثار ونكران الذات:
في أيام المحنة الأخيرة سنة 1979 برزت على شهيدنا سمة نكران الذات، وذوبان المصلحة الخاصة في مصلحة الإسلام إلى حد لا يصدق. فقد كان الدعاة المشردون من المحافظات الأخرى يأوون إلى النجف الأشرف للتخفي فكان أبو سجاد يبذل كل جهده لتأمين اختفائهم وراحتهم ووصلهم بحلقات العمل... ولهذا تراه يخرج من بيته ويسكن فيه عائلة، أو عائلتين من المطاردين ويذهب هو ليفتش عن مأوى له ولأطفاله، ولقد رأيته والله يشهد يدور على الطلبة ليأخذ من هذا صحناً، ومن ذاك قدراً ومن ثالث فراشاً، ليؤمن استقرار الدعاة المشردين حتى خرج من ثلاث بيوت أجرها لنفسه وبقي هو وعائلته في بيت ليس فيه غير فراش لا يكفي لشخص واحد، وتوسد هو وزوجته حجراً في ذلك البيت بعد أن أمن مأوى أكثر من عشرين عائلة من عوائل الدعاة في النجف الأشرف، وكنت أراه فاقد الراحة إذا عرف بأن أحد الأخوة الدعاة في حاجة شيء.. ولا يهدأ له بال حتى يؤمنها أما هو وعائلته فلا يهمه أن وفرها، أو لم يوفرها...

8 - السمو الروحي:
كان شهيدنا عميق التدين، قوي الإنشداد إلى الله تعالى. يتجلى ذلك بدقة التزامه في الأحكام الشرعية.. بصورة واعية تامة.. فإذا ما انفتل إلى صلاته تراه خاشعاً خاضعاً باكياً.. وأما إذا سكن الليل واختلى بربه تراه ناحباً متوسلاً داعياً... وكان يتستر على أعماله هذه بحيث يحاول أن لا يعرفها أحد... وأما تكتمه على أعماله، وعدم ذكرها أبداً، فقد كان بدرجة عالية جداً فما سمعته يوماً قال أنا الذي قمت بالعمل الفلاني، أو تحدث عن إنجاز قام به، أو عن هدف حققه، أو خطوة خطاها... كان لا يحب أن تذكر أعماله أبداً، ويحرم على الشخص الذي عرفها أن يذكرها. وكان يبني إعداده الروحي على الحب، والخوف والرجاء. كما ذكر ذلك في كتابه الإعداد الروحي.

9 - تطلعه إلى الشهادة:
اذكر يوماً كنا جالسين في النجف مع مجموعة من الاخوة من طلبة العلم وبعض الدعاة.. واخذ كل منهم يتحدث عن اعتقاله وتعذيبه ومواقفه وكان أبو سجاد صامتاً يستمع بدقة لعرض الاخوة فتبسم وقال: (أظن أن الله لا يحبني ولذا فإني الوحيد منكم لم يبتلني الله بما ابتلاكم) فضحكنا وعلقنا بفكاهة على كلامه وكثيراً ما سمعته يقول، وهو ساجد: اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك... وكان يؤكد دائماً أن التطلع للشهادة من العناصر الرئيسية التي يجب أن تتجلى في شخصية الداعية، ومن هذا المنطلق كتب في ختام وصيته: (وأوصي والدَيَّ إذا رزقني الله الشهادة أن يجعلا يوم شهادتي كيوم عرسي) وفعلاً عندما سلمت جثته الطاهرة وقفت والدته المثكولة به لتطلق نغمات الفرح التي أطلقتها يوم عرسه...

10 - الهم الرسالي:
كان الهم بأمر الإسلام، وحال المسلمين ووضع الأمة وأوضاع العاملين، هو الحالة الملازمة لأبي سجاد حتى كان يسأل عن كل الأمور المتعلقة بذلك، ويتابع الأخبار والأحداث ويهتم بجميع التفاصيل، ولطالما رأيته يفكر فيما ينبغي أن نعمله، ونسعى إليه للنهوض بحالة الأمة وتغييرها بالإسلام، حتى رأيته يستنكر على العامل في سبيل الله أن تكون له ساعات يخلد فيها إلى الراحة والدعة عن العمل، ومتابعته...
كان في إحدى المرات وفي شهر رمضان المبارك تواقاً لزيارة الإمامين العسكريين في سامراء ولكنه قال: إن الغياب عن العمل ولو لفترة قصيرة هو تفريط وتقصير فلا بد لي أن لا أسافر سفرة كهذه وان كان ذلك السفر طاعة تتحقق فيها زيارة الإمامين عليهما السلام ولكن ظروف العمل لا تسمح بذلك، ولقد كان يتابع حالة إخوانه، ويتابع شؤونهم المعاشية، وطبيعة أعمالهم الرسالية، فهو يسأل عن طبيعة الأعمال التي قام بها إخوانه من علماء المناطق، وعلاقة المؤمنين بهم، ويسعى جاهداً لتسديدهم ومناصحتهم.

11 - التقشف والزهد:
لم يكن الشيخ أبو سجاد يُرى إلا وهو في حالة الكادحين المستضعفين حتى أن أحد الأخوة ممن كان يراه في بيتي قد ظن انه عامل، لأنه لم ير عليه، إلا مظهر ضعاف الناس.
ولقد صحبته مدة تزيد على السنة وهو يرتدي نفس الثوب الذي كثيراً ما ألححت عليه بتركه وطلبت منه أن يتقبل مني هدية لاستبداله، لأنه بالي فرفض بشدة وكان يجيب إنه يكتفي به وهو يسد حاجته.
وحتى الكتاب الذي هو رأس مال طالب العلم، وقد يفرط في كل شيء، ولكنه لا يفرّط في كتابه، ولا يمكن أن يبيعه أو يهديه لأحد، إلا أن شهيدنا السعيد الشيخ حسين معن رحمه الله كان يشتري مجموعة من الكتب التي هو بحاجة اليها ثم يسرع في قراءتها. واستخراج ما هو محتاج منها إليه ثم يرسلها إلى صاحب المكتبة ليبيعها، أو يستبدلها بكتب أخرى ينتفع بها بنفس الطريقة أو يحتفظ بما هو مهم منها، ويضعه تحت تصرف العاملين.

12- صموده:
استمر شهيدنا في جهاده، حتى نصب له فخ كافر وقع فيه وادخل السجن باسم مستعار.. وضرب في السجن أرقى آيات الصمود والثبات والمهارة في التخلص من التهم الموجهة إليه.. إلا أن أحكام البعثيين تصدر جزافاً، وحسب المزاج وإلا كيف حكم عليه بالسجن المؤبد باسم مستعار غير معروف، وحامله مجهول، ونقل إلى أبي غريب كسجين حتى كشفت الشخصية الحقيقية. وكان يوماً مشهوداً في دوائر الأمن حتى أقيمت الأفراح في مديرية الأمن العامة عندما اكتشفوا أن هذا الشخص هو الشيخ حسين معن، الذي قضوا ست سنوات في التفتيش عنه وفي هذا الوقت اعتقلت عائلته، والده وزوجته وطفلاه سجاد وعارف.
يروي لنا أحد الموقوفين معه انه حين صدر عليه حكم الإعدام عقدوا له مجلساً مع أساتذة عمل النفس والسياسة والاجتماع بإشراف مدير الأمن المجرم سعدون شاكر واخذوا يوجهون له أسئلة حول حزب البعث وحزب الدعوة فانطلق يبين لهم مبادئ الدعوة الإسلامية وأصالتها، وفساد حزب البعث، وعمالته فقال له فاضل الزركاني:
- يا شيخ حسين. لو بقيت معهم ساعتين لجعلتهم دعاة.
فرد عليه شهيدنا البطل قائلاً:
- اعطني نصف ساعة أخرى لأجعلهم دعاة.
وهكذا مضى أبو سجاد إلى ربه، مضرجاً بدمه الثائر مسطراً أحرفاً من نور، لتبقى تضيء الدرب للأجيال السائرة في طريق ذات الشوكة اللاحب.
فسلام عليك يا أبا سجاد !
يوم ولدت...
ويوم جاهدت...
ويوم وقفت تتحدى الظالمين، وأنت تحمل نور السماء...
والسلام عليك:
يوم تقف بين يدي الله تعالى...
مخاصماً أعداء الإسلام...
يا أبا سجاد.. وعارف !
.. إنّ حزني عليك لا ينقضي...
ولا يمكن أن أنساك...
فاذكرنا عند ربك...
فإننا إخوتك...
وعلى الدرب سائرون...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com