موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : شعر الدعوة، شعر جديد يحتاج رؤية جديدة<br> الكميت بن زيد الاسدي أنموذجاً
 
الثلاثاء - 9 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  شعر الدعوة، شعر جديد يحتاج رؤية جديدة
الكميت بن زيد الاسدي أنموذجاً
 
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 7 / جمادي الثاني / 1434 هـ
     
  بقلم: الدكتور عبد المجيد زراقط
الدعوة السرية ودعاتها:
تلت كربلاء صحوة عبّر عنها عبد الله الأحمر بقوله:
صحوت، وقد اصحوا الصبا والعواديا *** وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا
واتخذت هذه الصحوة، الملبية نداء الثورة، على اثر انتهاء حركة التوابين إلى ما انتهت إليه، شكل دعوة سرية بدأت مع بدء حركة التوابين، واستمرت. وكان لهذه الدعوة دعاتها المتصفون بصفات يمكن تبينها لدى أحدهم، وهو عبد الله المري. جاء في تاريخ الطبري: ((ما رأيت، من هذه الأمة، أحداً كان أبلغ من عبد الله المري في منطق ولا عظة)). كان يخطب فيركز على أهمية النبي(ص)، ويتساءل: هل هناك أعظم حقاً منه!؟ وهل هناك أعظم حقاً من ذريته!؟ ثم يصور هول الجرائم التي ارتكبت بحقهم، مخوفاً القاتل والخاذل... ثم، وبعد أن يصل إلى غايته، يفتح باب التوبة، ويدعو إلى نصرتهم، وفق برنامج عمل محدد يعلنه في خطبته.
وكان، كما جاء أيضاً في تاريخ الطبري، يعيد هذا الكلام، في كل يوم، حتى يحفظه الجميع، ويقتنعون به.
كان الداعية إلى الثورة يريد الوصول إلى هذه النتيجة.
وقد عرفت الدعوة السرية داعية، سعى، في خطابه النثري والشعري، إلى تحقيق هذه النتيجة، فكان خطابه، وبخاصة الشعري منه، مختلفاً عن السائد، وذلك لأنه كان يريد لهذا الخطاب أن يصل إلى الناس فيقبلوا عليه بشوق ورغبة، فيستهويهم ويقنعهم. ويتدبرونه اطلاعاً وإعادة اطلاع ودراسة حتى يحفظوه ويقتنعوا بما يدعو إليه، من مبادئ وخطة تحرك لتحقيقها.
شروط نجاح شعر الدعوة يحتاج الداعية الساعي إلى نجاح في الوصول إلى الناس وإقناعهم، إلى تحقيق جملة شروط يمليها الواقع التاريخي، وقد تمثلت هذه الشروط، في تلك المرحلة بما يلي:
1- كان الرواة وعلماء علوم العربية وسائل النشر والحفظ والدراسة، فكان على الشاعر أن يرضيهم.
2- وكانت تسود الوسط الثقافي مقاييس شعرية يقوم الشعر وفقهاً، فكان على الشاعر أن يستجيب لها، وان يحقق مستوى من الجودة ينافس فيه شعراء المديح، وكان هؤلاء يحرصون على تهذيب شعرهم وتجويد صياغته.
3- كان الشعر يهدف إلى أن يشكل، لدى المتلقي، حالة وجدانية مماثلة لحالة الشاعر، والى إقناعه، ولهذا كان يسعى إلى الإقناع العقلي، وتجسيد الفكرة إحساساً وشعوراً، ما يجعل الخطاب كيانياً حسياً ووجدانياً وعقلياً، يمثل حالة الإيمان التي كان يعيشها الشاعر، ويريد للمتلقي أن يتوصل إلى عيشها.
كان الشعر، في تلك المرحلة، مصدر معرفة في مقام أساسي، يستخدم في تحصيل ما أطلق عليه اسم ((العلوم العربية)). ولهذا كان الرواة وعلماء هذه العلوم، كما يقول الجاحظ، ((يبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها)). فإن يكن هذا حال الرواة في عصر الجاحظ فكيف بهم في عصر الكميت؟ وإن يكن الجاحظ قد أضاف: ((ولم أرَ ذلك إلا في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروي))، فإن هذا لا ينفي تحكم هؤلاء الرواة والعلماء، ما يدفع الشاعر الراغب في حضور فاعل إلى الاستجابة لشروطهم، ومقاييسهم، وهذا ما فعله الكميت عندما راح يطلب الغريب، ويجود قسم الطللية والرحيل في الوقت نفسه الذي كان يدعو فيه إلى الاهتمام بقضايا الانسان، فهو الذي يشغله، وليس الديارالمقفرة. كان الكميت يطلب ((العويص)) في قسم، وينشئ الجديد في قسم آخر، ويجود في مختلف أقسام القصيدة:
يروي محمد بن سهل، راوية الكميت، أن هذا كان يقول:
((إذا قلت الشعر فجاءني أمر سهل مستوٍ لم أعبئ به حتى يجيء شيء فيه عويص فاستعمله)).
((إني، إذا قلت، أحببت أن أحسن)).
وقد قيل له: ((إنك، يا أبا المستهل كالجالب التمر إلى هجر))، فأجاب: ((ولكن تمرنا أجود من تمركم)).
وكان يرى أنه وريث الشعراء العرب الفحول، قال كعب بن زهير، مفضلاً نفسه والحطيئة على الشعراء، متسائلاً: من يحوك القوافي بعدهما:
من للقوافي شأنها من يحوكها *** إذا ما ثوى كعب وفوز جرول!؟
وقال الكميت، مجيباً عن هذا التساؤل:
فدونكموها يا آل أحمد إنها *** مقللة لم يألُ فيها المقلل
مهذبة غراء، في غب قولها، *** غداة غد، تفسير ما قال مجمل
فأتتكم على هول الجنان ولم تطع *** لنا ناهياً ممن يئن ويرحل
فوما ضرها إن كان في الترب ثاوياً *** زهير وأودى ذو القروح وجرول
4- كان الجدل سائداً في تلك المرحلة بين أصحاب الآراء والمعتقدات المتباينة، فاستخدم كل فريق وسائل الإقناع لاكتساب الأنصار والرد على الخصوم. والداعية يحتاج إلى معرفة بهذه الوسائل، وإلى إجادة استخدامها، في خطابه. وهذا يجعل الشعر، الناهض بأداء هذه المهمة، مختلفاً عن الشعر السائد بتوظيفه خصائص فنية يبتدعها ليحقق هدفه، ما جعل هذا الشعر جديداً، يتكلم صاحبه، كما قال بعض النقاد، بلغة غير لغة قومه.
كان على الشاعر الداعية أن يستجيب لهذه الشروط الموضوعية، ليكون شعره حاضراً وفاعلاً في محيطه، ما يقتضي أن يكون الشاعر نفسه قادراً على إنتاج هذا الشعر الفاعل، أي أنه ينبغي أن تتوافر لدى الشاعر شروط ذاتية تؤهله للقيام بمهمة الداعية الناجح، فهل كان الكميت يمتلك المؤهلات اللازمة والكافية للنهوض بأداء مهمات الدعوة للثورة؟ وبِمَ اتصف شعره المختلف؟ وما هو موقعه في سيرورة تاريخ الشعر العربي؟ الكميت بن زيد داعية ثورة متميز تفيد دراسة شخصية الكميت أن هذا الشاعر هيئ ليكون داعية ثورة على الحكم القائم، فقد ولد أيام مقتل الإمام الحسين (ع) سنة ستين أو إحدى وستين للهجرة. وقتل سنة ست وعشرين ومائة في أواخر الحكم الأموي. وكان غزير الإنتاج الشعري، فكان مبلغ شعره حين قتل خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً، لم تحتفظ منها كتب تاريخ الأدب إلا بالقليل، وهذا مظهر من مظاهر إغفال الرواة لهذا النوع من الشعر، ما يؤكد ما ذهبنا إليه آنفاً، من أن الكميت كان يسعى إلى تحقيق شروط تفرض على الرواة حفظ شعره وروايته، ولم ينجح في ذلك تمام النجاح.
ولد الكميت، في الكوفة، في أيام كربلاء، وكان قومه بنو أسد هم الذين دفنوا الإمام الحسين(ع) وأنصاره(رض). ولعلَّ كربلاء ظلت حاضرة في أذهانهم، وذاكرتهم، وفي أحاديثهم وفي نفوسهم ووجدانهم، فرضعها الطفل مع الحليب معرفة بالواقع، ورفضاً له، ورغبةً في تغييره. يعزز ذلك أمران أولهما أن بني أسد لم يكونوا راضين عن ((هذه القرشية)) المستأثرة،والمتمثلة ببني أمية وثانيهما أنه ولد لأبوين لا يملكان من حطام الدنيا شيئاً.
أسهمت شروط هذه النشأة في تحديد اختيار الكميت، فشب وهو يعتقد مذهباً دينياً وسياسياً واجتماعياً، وهو مذهب آل البيت، فراح يدعو له بعد أن تهيأ له الأمر كأفضل ما يكون.
ويمكن أن نلمس هذا من خلال الأخبار التالية التي ترويها كتب الأدب:
يقول صاحب خزانة الأدب: ((قال بعضهم: في الكميت خصال لم تكن في شاعر. كان خطيب بني أسد وفقيه الشيعة وحافظ القرآن. وكان ثبت الجنان، وكان كاتباً، وكان نسابة، وكان جدلياً)).
ويقول أبو الفرج الأصفهاني، في أخبار متفرقة: إن الكميت كان شاعراً مقدماً، عالماً بلغات العرب، خبيراً بأيامها، راوية للشعر والحديث. وقد بلغ من مقدرته أنه كان يحفظ شعر نصيب أكثر منه، وأنه تنازع وحماد الراوية العلم بأيام العرب ورواية الشعر وتفسيره فأفحمه، وأنه كان عالماً بالنجوم، وقد مارس التعليم في جامع الكوفة الكبير.
كان الكميت، إضافة إلى امتلاكه هذه القدرات والمهارات، إنساناً مؤمناً يخاف الله لدرجة أن يندم على هجائه بني كلب، فقال:((فعممتهن بالفجور، والله، ما خرجت بليل قط إلا خشيت أن أرمى بنجوم السماء لذلك)).
وكان مخلصاً في دعوته لمذهبه ((إذ أظهر ما كتم العباد من الحق، وجاد حين ضن الناس))، من دون أن يشاء مقابلاً لذلك إلا الثياب تبركاً. يروي محمد ابن سهل، راوية الكميت: ((دخلت مع الكميت على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ، فأعطانا ألف دينار وكسوة. فقال له الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا. ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه. ولكنني أحببتكم للآخرة. فأما الثياب التي أصابت أجسامكم، فأنا أقبلها لبركاتها، وأما المال فلا أقبله. فرده وقبل الثياب))، ((فقال أبو جعفر، عليه السلام، اللهم اغفر للكميت)).
ويرى د. عبد القادر القط أن قصائد الشاعر المعروفة بـ((الهاشميات)) نموذج فريد اللون من الشعر السياسي الذي يتدفق من عاطفة جياشة بحب صادق يشارف، أحيانا، ما يشبه ((الوجد الصوفي)) و ((الإيمان الوجداني الخالص)).
كان الكميت يصدر، في شعره، عن هذا الإيمان الخالص الذي يقرب من الوجد الصوفي، ويدعو للثورة على الحكم القائم وتغييره. وقد جهد في أن يحتل موقعه عن جدارة.
وقد غدا، بهذا الجهد، الشاعر العارف بكل علوم عصره ومعطياته السياسية والثقافية والاجتماعية، والعامل بكل ما يستطيع على نشر مذهبه والإقناع به، والجهاد من اجله، فأنشد قصائد عرفت باسم ((الهاشميات)) نشر ما وصل إلينا منها في كتاب ((الروضة المختارة)).
ومن الأخبار التي تشير إلى أهمية الكميت في وجدان المسلمين: وعياً ولا وعياً ما يرويه صاحب الأغاني عن دعبل بن علي أنه قال، وكان يهجو الكميت لهجائه اليمنية: ((رأيت النبي (ص) في النوم، فقال لي: مالك وللكميت بن زيد؟ قلت: يا رسول الله، ما بيني وبينه إلا كما بين الشعراء.
فقال: لا تفعل. أليس هو القائل:
فلا زلت فيهم حيث يتهمونني ولا زلت في أشياعهم أتقلب فإن الله قد غفر له بهذا البيت. قال: فانتهيت عن الكميت بعدها)).
نقاش ما ناله من ظلم وتشويه لم ينجُ الكميت، على الرغم من هذا التميز، ولعله بسبب هذا التميز، من ظلم وتشويه نالا من أمثاله من الشعراء، ومن مظاهر ذلك ما يلمسه الباحث، في كتب تاريخ الأدب، من إهمال له وتجنٍ عليه. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:
أهمل محمد بن سلام الجمحي (ت.231ه.) الكميت، ولم يتحدث عنه، في كتابه: ((طبقات الشعراء)) كما تحدث عن أمثاله من الشعراء. وأدّى هذا الإهمال من ابن سلام وسواه إلى فقد القسم الأكبر من شعره.
تحدث الأصمعي (ت.123ه.) عن الكميت غير أنه نال منه، ولم يعامله وفق المقياس نفسه الذي عامل به عمر بن أبي ربيعة وآخرين من المولدين. قال الأصمعي: ((الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذلك الطرماح)). وقال أيضاً:
((وعمر بن أبي ربيعة مولد، وهو حجة. سمعت أبا عمرو بن العلاء يحتج في النحو بشعره، ويقول: هو حجة، وفضالة بن شريك الاسدي وعبد الله بن الزبير الاسدي وابن الرقيات هؤلاء مولدون،وشعرهم حجة)).
تثير أحكام الأصمعي سؤالاً يتعلق بالمقياس الذي اعتمده في تحديد ((الحجة)) الذي يستشهد بشعره، فكيف يكون الكميت ((ليس بحجة)) لأنه مولد، ويكون كل من الشعراء الآخرين الذين يذكرهم ((حجة))، وهم مولدون؟ القضية، كما يبدو، ليست قضية مولد، وإنما قضية نيل من الكميت، وذلك لأن الحكم بـ((الحجة)) مهم جداً في تحديد مكانة الشاعر وشعره، فالشاعر الحجة يروى شعره، ويدرس، ويستشهد به، ويتم تداوله، ونفي هذه الصفة عن أي شاعر يفقده اهتمام الرواة والعلماء وتداول الشعر.
وعاب عليه علماء كثيرون من ((أخذه)) من الشعر العربي القديم واستفادته من معاني القرآن الكريم، فيقول المفضل الضبي: ((لا يعتد بالكميت في الشعر... وأنشدني أي معنى له حتى آتيك به من أشعار العرب)).
وحاول ابن كناسة أن يضع مؤلفاً في سرقاته من القرآن وغير القرآن.
كثر حديث الشعراء والنقاد العرب عن الأخذ، أو السرقات الشعرية، ولم ينجُ شاعر من هذا الاتهام، غير أن اللافت هو الاتهام بسرقة معاني القرآن الكريم، فكأن التأثر بالقرآن الكريم سرقة، وهو في الحقيقة وليد نهج مختلف في الشعر يصدر عن ذلك الإيمان الخالص، أو الوجد الصوفي الذي كون وجدان الشاعر المسلم ورؤيته إلى العالم وأشيائه. يتحدث عبد الله بن قتيبة (ت276هـ) عن إيمان الكميت وشعره، فيقول: ((... فإنه يتشيع وينحرف عن بني أمية بالرأي والهوى، وشعره في بني أمية أجود من شعره في الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلا قوة أسباب الطمع، وإيثار عاجل الدنيا على آجل الآخرة)).
واللافت أن يتفق الجاحظ مع ابن قتيبة، وكانا على طرفي نقيض، فيقول الجاحظ: ((الكميت كان شيعياً من الغالية))، ويصف شعره، في مديح رسول الله (ص)، كقوله: ((إليك، يا خيرَ من تضمنت الأرض، وإن عاب قولي العيب)) بأنه من الحمق. ونقل المرزباني، في موشحه، هذا الرأي فقال:((ولا يعيب قوله في وصف النبي (ص) إلا كافر بالله، مشرك)).
الحق أنه لا يعيب قوله في النبي (ص) وآله (ع) إلا كافر بالله، مشرك، غير أن هذا الذي كان يحدث، فكان الكميت يذكره في قصائده، ليقرر حقيقة، وأنه لمن التجني ألا يرى هذه الحقيقة من يأخذ على الكميت ذكرها في شعره، ويصف صنيعه بالحمق، ذلك أن الواقع التاريخي يفيد أن من يذكرهم الكميت لم يكتفوا بأن يعيبوا المدح، بل اغتصبوا حق آل رسول الله (ص) وقتلوهم، ولعنوهم على رؤوس المنابر، فأي حمق أن يشار إلى هذا في سياق خطاب شعري يرى إلى هذه القضايا؟ أما أن شعره في الأمويين أجود، ومرد ذلك إلى أسباب الطمع فيعود إما إلى التجني والتشويه، أو إلى تحكيم مفهوم شعري يرى إلى شعر محترفي المديح بوصفه الشعر الأجود، أو إلى الأمرين كليهما.
والحقيقة أن الكميت اضطر إلى مدح الأمويين، بعد أن هرب من سجن خالد القسري والي العراق الذي أمره الخليفة بأن يقطع يدي الكميت ولسانه ثم يقتله. وتفصل ذلك أخبار طويلة عن إخفاق الثورة، وتواطئ خالد القسري مع المعارضة وانقلابه عليهم من بعد، واستفحال الصراع اليمني القيسي...، ولجوء الكميت إلى وجوه مضر، واستجارته بقبر معاوية بن هشام الخ.. ثم قتله بسيوف جند والي العراق، يوسف بن عمرو الثقفي، وفي مجلسه، بأن ادخل الجند سيوفهم في بطن الكميت فظل ينزف، ويجود بنفسه، ويقول عندما يفتح عينيه:
((اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد..)).
أما عن مديحه للأمويين، فيقول د. عبد القادر القط:
((للكميت قصيدة معروفة في مدح مسلمة والامويين عامة. نلحظ بينها وبين قصائد الشاعر في الهاشميين فرقاً ملموساً في المستوى الفني والنفسي (...) فغننا نحس إزاء القصيدة بغلبة النظم الرديء والصنعة الشكلية التي لا تنضح بعاطفة أو صدق أو توفق إلى صور فنية ذات قيمة أو عبارة شعرية محكمة)) ويقول صاحب الأغاني، في صدد هذه القصيدة: ((ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذٍ إلا ما حفظه الناس منها فألف. وسئل عنها، فقال: ما أحفظ منها شيئاً، إنما هو كلام ارتجلته)).
ويرى بعض الباحثين أن شعر الكميت أحدث تأثيراً سيئاً شتت الشمل، فيقول أحمد الهاشمي: ((لشعره من التأثير السياسي والمذهبي اثر سيء شتت شمل الوحدة العربية)) .ويقول د. شوقي ضيف: ((ومعنى ذلك أن قصيدته المذهبة جو يقصد القصيدة التي يهجو بها القبائل اليمنية كتبت لخدمة الشيعة عن طريق تشتيت الجماعة الإسلامية وبث الفرقة بينها)).
يقتضي الحكم الدقيق الصادق على هجاء الكميت لأحياء اليمن، أولاً، معرفة ملابسات صدور هذا الهجاء، يروي صاحب الأغاني ((إن سبب هجاء الكميت أهل اليمن، أن شاعراً من أهل الشام يقال له حكيم بن عياش الكلبي كان يهجو علي بن أبي طالب عليه السلام وبني هاشم جميعاً، وكان منقطعاً إلى بني أمية. وانتدب له الكميت فهجاه وسبه، فأجابه. ولج الهجاء بينهما.وكان الكميت يخاف أن يفتضح في شعره عن علي عليه السلام لما وقع بينه وبين هشام، وكان يظهر أن هجاءه إياه في العصبية التي بين عدنان وقحطان)).
ويروي صاحب الأغاني، في مكان آخر، أن الأعور الكلبي عرف قصة هرب الكميت من السجن، متنكراً بثياب زوجته التي بقيت في السجن، فقال قصيدته التي يرمي فيها امرأة الكميت بأهل الحبس، فهاج الكميت ذلك حتى قال: ((ألا حييت عنا يا مدينا))، وهي ثلاثمائة بيت، لم يترك فيها حياً من أحياء اليمن إلا هجاهم، وتوارى، وطلب، فمضى إلى الشام، فقال شعره الذي يقول فيه: ((قف بالديار وقوف زائر))، في مسلمة بن عبد الملك..
تفيد هاتان الروايتان ما يلي:
1- لم يبدأ الكميت بالهجاء، ولم يستجب لدعوات قومه بالرد على الكلبي، كما يذكر أبو الفرج في رواية أخرى، إلا عندما وجد أن لا مندوحة عن الرد لسببين أولهما ديني سياسي وثانيهما شخصي يمس العرض والكرامة.
2- أعطى الكميت رده صفة الهجاء القبلي كي لا يفتضح وكي لا يعرض الإمام علياً (ع) للهجاء. وهذا ما كان يريده الكلبي، أن يستعدي الأمويين على الكميت وعلى مض، ففضلاً عما سبق، نقرأ في الأغاني أن الكميت قال لابنه المستهل: ((... يا بني، أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أمية، وهم أعداء علي، عليه السلام، فلو ذكرت علياً لترك ذكري وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت علياً له، ولا أجد ناصراً من بني أمية، ففخرت عليه ببني أمية، وقلت:إن نقضها علي قتلوه، وإن أمسك عن ذكرهم قتلته غماً وغلبته)). ويعلق صاحب الأغاني على قول الكميت: ((فكان كما قال. امسك الكلبي عن جوابه، فغلب عليه. وأفحم الكلبي)).
3- أنشد الكميت هجاءه في وقت تأجج فيه الصراع بين العدنانية والقحطانية، وكانت الثورة قد أخفقت، وراح خالد القسري والي العراق، القحطاني، يسعى إلى خلع الخليفة، أو إلى أن يكون رجل العراق الوحيد مستنداً إلى العصبية اليمنية، فعمد المضريون العدنانيون، إلى كشف خططه، فعل ذلك الكميت، وفعله الفرزدق أيضاً الذي خاطب هشام بن عبد الملك بقوله:
أرى مضر المصرين ذل نصيرها *** ولكن قيساً لا يذل شآمها
فمن مبلغ بالشام قيساً وخندفاً *** أحاديث ما يشفى ببرء سقامها
فَغَيِّرْ أميرَ المؤمنين، فإنها *** يمانية حمقاء أنت هشامُها
كان الهدف إذاً ما سماه الفرزدق ((يمانية حمقاء))، يطلب تغييرها، وقد تم ذلك في حركة تشبه الانقلاب، وذلك عندما أتى الوالي القيسي يوسف بن عمرو الثقفي في ليل واستلم ولاية العراق من خالد القسري وكان يبيت نية اغتيال الكميت، وقد فعل جنوده ذلك بعد آونة يسيرة من وصوله.
إن الانقسام القبلي، كما يبدو، كان واقعاً، ولم تحدثه مذهبة الكميت، وإنما كانت نتيجة له، ووليدة ملابسات معقدة.
وهذا الانقسام، أو التشتيت، والذي بقي يتخذ أشكالاً من الصراع المرير طوال عهد الحكم الأموي، كان نتيجة لسياسة رد الناس إلى أنسابهم التي وضع معاوية أسسها، واتبعها الحكام من بعده، وكان من مظاهرها التحريض على الهجاء وإذكاء جذوته، بغية تغذية التشتت والصراع القبليين.
وهذا يفيد أن الشيعة ما كانوا يريدون تشتيت الجماعة الإسلامية وبث الفرقة بينها، كما يقول د. ضيف، وإنما كانوا يريدون وحدة الجماعة الإسلامية، فبها يتم الخلاص من حكم السيف والمال المموه بشرعية مدعاة زائفة. وتفرق الجماعة الإسلامية وصراع فئاتها يبقي هذا الحكم مستبداً بها.
هل كانت الجماعة الإسلامية تنتظر مذهبة الكميت كي تتفرق!؟ ألم تكن المبادئ الأساس في السياسة الأموية تتمثل في رد الناس إلى أنسابهم؟ وتقوم على التمزيق القبلي؟ الم توضع نظرية الأنساب بإشراف الأمويين أنفسهم؟ أيحتاج د. ضيف إلى التذكير بنقائض جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم والتي كان السلطان الأموي يتبناها ويذكي جذوتها؟ لقد أتت مذهبة الكميت نتيجة واقع كان قائماً بفعل سياسة الحاكم، وأتت، في الوقت نفسه، على إثر إخفاق ثورة إسلامية لعب الانقسام القبلي الدور الأساسي في إخفاقها.
هذا الإخفاق وملابساته جعل الكميت يستجيب لرجاء عشيرته، ويرد على شاعر طالما هجا قومه وهجاه وأفحش، وما كان ليجيبه لأنه كان مهتما بأمور أخطر بكثير من الهجاء. وقد ندم الكميت، في ما بعد، لصدور هذا الهجاء عنه، كما مر بنا في بداية هذا البحث.
ولم يعدم الكميت من أنصفه من بين القدماء، فقال أبو الفرج الأصفهاني: ((وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره))، وروي أن معاذ الهراء قال عن الكميت: ((ذاك أشعر الأولين والآخرين)) وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي:((الكميت، وكان يتعمد إدخال الغريب في شعره، وله في آل البيت الأشعار المشهورة، وهي أجود شعره)).
ويرى د. نعمان القاضي، بحق، أن المتجنين على الكميت كانوا متأثرين في أحكامهم بأمرين أساسيين: الأول مذهب الشاعر الديني والسياسي، والثاني اتجاه شعره المخالف للقدماء.
إذ طبقوا عليه مقاييسهم المتعارف عليها في المدح والهجاء، في حين كان شعره يقتضي نظرة خاصة جديدة لشعر خاص بصاحبه جديد. وهذه النظرة الجديدة سنرى بها إلى شعر الكميت في بحث يلي، إن شاء الله.

المصدر: مجلة المنهاج، العدد الأول
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com