موقع الصراط ... الموضوع : المرأة ومهمة التبليغ الإسلامي-3
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المرأة ومهمة التبليغ الإسلامي-3  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 13 / جمادي الثاني / 1434 هـ
     
  الكاتب: أم صادق الجزائري
موقع المرأة في المهمة التبليغية:
إن للمرأة موقعاً مهماً ومتميزاً يمكن ملاحظته من خلال دائرتين:
أولاً: الدائرة العامة.
قال اللّه تعالى في محكم كتابه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللّه ورسوله أولئك سيرحمهم اللّه إن اللّه عزيز حكيم)(6).
إن الإسلام يعتبر تحصيل العلم واكتساب المعرفة فريضة من الفرائض، وواجباً من الواجبات المؤكدة، وهذه التأكيدات تشمل المرأة والرجل معاً، والأدلة مطلقة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الإسلام وعن مقدسات الدين، والدعوة إلى الإسلام والعمل لنشره، ومكافحة الظلم والعدوان والدفاع عن المحرومين والمظلومين، والتعاون في أعمال البر والإحسان ومساعدة الضعفاء والمساكين، ومكافحة الفساد الأخلاقي والدفاع عن القيم الإسلامية، وتقوية ودعم الحكومة الإسلامية العادلة، فكما أن هذه كلها تكاليف موجهة للرجل، هي أيضاً تكاليف موجهة للمرأة.

ثانياً: الدائرة الخاصة:
هذه الدائرة تلحظ المرأة لما تملكه من خصوصيات لا توجد في الرجل، ومن أهمها:
1 ـ خصوصية المرأة في إثارة عواطف المجتمع، فبإمكان المرأة إثارة الجو السياسي في المجتمع بطريقة خاصة وغير مباشرة، وذلك ببث الوعي والحركة في النساء لخلق أجواء تعبوية تستنهض الرجال، وتسند حركتهم الرسالية، مما يخلق في المجتمع مناخاً مسهّلاً لعملية التغيير، والأمر نفسه يمكن ممارسته على مستوى التثقيف الديني والسياسي، حيث يجب عليها تعلم الأصول والأحكام المبتلى بها، ويحسن اطلاعها على ما يزيد عن ذلك، بل يستحب نشر وتعليم ما اكتسبت من علوم وفكر وثقافة، ومن المسائل المتسالم عليها أن تصل المرأة إلى مرحلة الاجتهاد، والعمل باجتهادها الخاص.
وهناك مصداق عملي يجسد دور المرأة في تقرير مصيرها السياسي، وإعلان التزامها بقرارات القيادة الإسلامية، وهو ما يروى عن مبايعة النساء للرسول(صلى الله عليه وآله) تاريخياً، فضلاً عما ذكره القرآن الكريم من حقهن في إعلان البيعة والالتزام بمبادئ الإسلام الأخلاقية والعقائدية (يا أيها النبيّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن باللّه شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن اللّه إن اللّه غفور رحيم)(7).
2 ـ خصوصياتها زوجة وأماً، فهي القلب العطوف الذي يفيض بمشاعر الودّ والرحمة والسكينة. (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(8).
فهي مصدر السكينة والطمأنينة والاستقرار النفسي بالنسبة للرجل، وهي مركز الاجتماع والالتقاء الذي يحمي الأبناء من الضياع والتشريد، وهي منبع الودّ والرحمة لكل من الزوج والأبناء، فهي مسؤولة عن رعاية أبنائها وتربيتهم تربية توجيهية صالحة، فدورها في البيت هو دور المعلم والمربي والموجه.
أما تطوعها في الخدمة والحضانة والرضاعة فذاك عمل يحبه اللّه سبحانه ويؤجرها عليه، بل يحثها الإسلام على التطوع بمثل هذه الأعمال ويدعوها إليها، من غير إلزام ولا إكراه، هذا من جانب، ومن جانب آخر ينبغي عليها المساهمة في تنقية وتطوير الرجل على المستويين الفكري والعملي، فلا تصنع المعوقات بتحويل الجو المنزلي إلى جو غير ملائم، أو إغراقه بالتفاصيل والاحتياجات الكمالية، لان ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى الخلل الكامل في البناء الأسري وحياة الطرفين، ومن ثم انهيار بناء المجتمع، فالعائلة هي خلية البناء الأساسية في هيكل المجتمع، وهي تقوم على أُسس فطرية تكوينية ونظام متقن، فهي حاجة لا يستغني الفرد والمجتمع عنها، وإن هدم العائلة معناه هدم القانون الطبيعي للحياة الاجتماعية، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الأُنس بالآخرين والاجتماع معهم، وإن بين الرجل والمرأة عملية تكامل نفسي، هي غير الإشباع الغريزي، يسبب فقدها الشعور بالوحشة، والإحساس بالقلق والتوتر، والألم النفسي، عند كل واحد منهما، ولا يمكن التعبير عن هذه المشاعر، مشاعر الحب والشوق إلى الجنس الآخر، والتخلص من الآثار النفسية المؤلمة عن طريق الإشباع الغريزي وحده، كما تصوّر المفاهيم المادية والنظريات الإباحية ذلك.
وقد صوّر القرآن الكريم هذه الأسس النفسية، والدواعي الفطرية لبناء العائلة بقوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)(9)
3 ـ دورها التربوي الخاص في التعليم المدرسي، فالمدرسة هي الجو العائلي الكبير بعد الأسرة، وقد نافست الأسرة في كثرة الارتباط بها والتماس معها، إلاّ أن للمدرسة وظيفة تعليمية وتربوية أكثر عمومية من الوظيفة التربوية للعائلة، فهي تؤثر على الطفل وتساهم في شيء من بنائه التربوي، ولو بوصفها جزءاً من المحيط الذي لا بد أن يتأثر به الإنسان مهما كان سنه، إلاّ أنها تحتاج إلى تعاضد وتظافر مجموعة من المتخصصات بالتربية والتعليم لتتحقق وتتكامل العلمية التربوية، ولتكمل المدرسة دور العائلة في بناء النشء الإسلامي الرسالي، ولا يمكن تصور أن المدرسة هي البديل عن الأسرة، ولا الاكتفاء بالأسرة وإهمال المدرسة بحجة اقتصار وظيفتها على التعليم، فبهما معاً تتكامل مهمة التربية والإرشاد والتعليم الإسلامي.
4 ـ دور المرأة في التعبئة والبناء السياسي والاجتماعي النسوي، فلا شك أن للمرأة دوراً رئيسياً وأساسياً في إنشاء التجمعات النسوية، والسير بها نحو أهدافها الرسالية، ولا نرى عائقاً أمام قيام المرأة بدورها في هذا السبيل، وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار مجتمع المرأة، ويتأكد هذا الأمر إذا أدركنا أن عالم المرأة عالم واسعٌ يحتاج إلى من يقوم بتبعاته، خصوصاً وأن بعض الجوانب هي من اختصاص المرأة، ولا يمكن أن نقتصر فيها على دور الرجل فقط، بل لابد من دور للمرأة حتى لو استوجب ذلك خروجها متظاهرة رافعة صوتها بنداء الحق والعدل، وخير دليل على ذلك الأسلوب الذي استخدمته الزهراء(عليها السلام) بعد السقيفة، حيث يروى أنه اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها: (يا بنت رسول اللّه كيف أصبحتِ عن علتكِ ؟)(10)، فقالت لهن خطبتها المشهورة التي أثارت فيها موقفها السياسي والشرعي(11)، الأمر الذي دفع بالنساء إلى إعادة قولها على رجالهن: (فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين، وقالوا: يا سيدة النساء، لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد، ونحكم بالعقد، لما عدلنا عنه إلى غيره، فقالت (عليها السلام): إليكم عني، فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم)(12).
والأمر نفسه يمكن ممارسته على مستوى التثقيف الديني والسياسي، وقد روي أنّ امرأة جاءت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فقالت: (يا رسول اللّه، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتك فيه تعلمنا مما علمك اللّه ؟ قال: اجتمعن يوم كذا وكذا في موضع كذا وكذا، فاجتمعن فأتاهن النبي(صلى الله عليه وآله)، فعلّمهن مما علمه اللّه)(13).
5 ـ دور المرأة في مواجهة الانحرافات والتشويه الهادف لوضع المرأة في غير موضعها الرسالي.
يحدثنا التاريخ عن صور مأساوية، وطبيعة وحشية أساءت لقانون الحياة، وحادت عن نظام الطبيعة والفطرة البشرية، ووضعت المرأة في مواضع لا تتناسب ووضعها الإنساني في بيئة الحياة، فاضطربت نتيجة لهذا الفهم الخاطئ موازنة الحياة الاجتماعية، واختلت معادلة العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، وصارت المرأة تعاني من شقاء المجتمع وسوء معاملة الرجل لها، ووحشية القانون أشد المعاناة بدءاً بأقدم العصور وانتهاءً بالحضارة المادية الحديثة، فكل تلك الحضارات والقوانين ـ إلاّ ما ندر ـ تعتبر المرأة سلعة من سلع الحياة، وأداة من أدوات المتعة، وأسيرة لا تملك من أمرها شيئاً، ومخلوقاً لا يتمتع بالخصائص الإنسانية التي يتمتع بها الرجل، بل اعتبرت المرأة مصدراً للشرور في هذا العالم، وسبباً للخطيئة، ورجساً يجب التطهر منه. أما صورة الانحراف والتشويه التي يُنظر إلى المرأة من خلالها في واقع الحضارة المادية الزائفة هذه، فهي استخدام المرأة في مجال المنافع المادية الرخيصة، وخصوصاً في المجتمع العلماني اللاديني، حيث ينظر إليها من:
أ ـ زاوية المنافع واللذائذ المادية، وهذا الاتجاه يعبّر عن طبيعة المفهوم الأخلاقي المادي للذة والجنس والاستمتاع والتعامل الغريزي، الذي رفعته الحضارة الأوربية المادية ضد أوضاع المرأة، ومفهوم الجنس والعلاقة بين الرجل والمرأة، في مجتمعنا التي خُطّط للحياة والعلاقات الاجتماعية فيها بوحي من افكار الكنيسة المتحجرة وبقايا الفكر اليهودي المنحرف، فقد أبيحت كل الممارسات، وصور التعبير الجنسي مهما توغلت في الشذوذ والانحراف، حتى إن بعض القوانين الأوربية أباحت الشذوذ الجنسي، ولم تعتبره مخالفة أو جريمة يعاقب فاعلها، وهكذا انتهت أوربا بفلسفتها ونظرياتها وممارساتها في شأن المرأة والجنس إلى كارثة تهدد كيان حضارتها ونظام الحياة فيها.
ب ـ استخدامها في مجال الدعاية الاقتصادية والتجارية الرخيصة، ففي أوائل القرن التاسع عشر، عندما تقدموا صناعياً، وفتح الرأسماليون الغربيون مصانع كثيرة، كانوا بحاجة إلى عمال بأجور زهيدة لا يثيرون العناء، ولذا رفعوا ضجة حول المرأة من أجل سحبها من الأسرة إلى المصانع، والاستفادة منها باعتبارها عاملاً زهيد الأجور، وبذلك أسقطوا كرامتها ومنزلتها، وأصبحت سلعة مثل السلع المعروضة في السوق، دون النظر إلى عفّتها ونزاهتها وحيائها وكرامتها ; بل جعلوها سلعة لكي يستثمروا أنوثتها في الإثارة والدعاية التجارية الرخيصة، وهذا الأمر أدّى إلى أن يهمل دورها التربوي في بناء جيل رسالي مثقف ونظيف، يعي مسؤوليته ومشكلته الإنسانية، وقد أكد ذلك الكاتب الانكليزي جورج اسكات في كتابه الشهير تاريخ الفحشاء: (إن من الأسباب التي قوّضت الخُلق والأدب في انكلترا، هو تدهور المرأة واشتغالها بالفسق والفجور والعهر).
في حين نجد أن الدين الإسلامي يأبى ذلك ; لان العفة والطهر اللذين أوجبهما ديننا يُنزهانا من السقوط في مستنقع الفسق والفجور، ولهذا حرّم الإسلام كل عمل يقترن بهدر الكرامة والشرف والعفّة الإسلامية.
وهذه المسألة تشكل زاوية مهمة يجب أن تأخذها الأخت المبلغة بعين الاعتبار، وتؤكد عليها ; لان الإسلام بحاجة إلى إنشاء مجتمع فاضل بعيد عن كل الأهواء والميول الفاسدة، والانحطاط الخلقي والنفسي، لتستعيد الحضارة الإسلامية تُراثها المجيد.
6 ـ دورها الإنساني الذاتي في مجالاتها الخاصة بها، يجب أن نفكر بضرورة تنمية هذا العمق الإنساني الذاتي في المرأة، وذلك بالتخطيط لبناء شخصيتها على أساس تقوية الطاقة العقلية لديها بالتجربة الحيّة، والمعرفة الواسعة، والعمل لبث طاقاتها في القضايا الإنسانية الكبرى، في إطار المسؤولية الشاملة لمجمل قضايا الحياة، لتؤكد نجاحها في هذه الدائرة، فإن مسألة النمو العقلي والعلمي والحركي في شخصيتها الإنسانية، ليست شيئاً بعيداً عن طبيعة الأشياء في وجودها، فيما لاحظناه من النتائج الايجابية الكبرى في أكثر من صعيد، وفي أكثر من أُفق، مما يوحي بأن ما تعيشه المرأة من ضعف وما تعانيه من تخلف ليس هو القضاء والقدر الذي لابد منه في حياتها، بل هو نتيجة الإهمال الكبير لعناصر القوة والوعي في تربية شخصيتها وبناء وجودها، كما في الرجل الضعيف في فكره والمتخلف في وعيه وحركة حياته، فإن ذلك ليس ناشئاً عن طبيعته في الذات في هذه المنطقة أو تلك، بل هو ناشئ من تقصير في تهيئة عوامل التقدم والقوة في الظروف المحيطة به.

الهوامش:
(6) التوبة: 71.
(7) الممتحنة: 12.
(8) الروم: 21.
(9) الأعراف: 189.
(10) البحار 43: 157 ـ 158.
(11) م. ن: 158.
(12) م. ن: 161.
(13) ميزان الحكمة9:97، عن الترغيب 3: 76.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com