موقع الصراط ... الموضوع : دوافع النهضة الحسينية-2
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دوافع النهضة الحسينية-2  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 19 / جمادي الثاني / 1434 هـ
     
  الكاتب: أسرة البلاغ
المشروع الرجعي قيد التنفيذ:
ذكرنا قبل قليل أن الحاكم الأموي معاوية بن أبي سفيان، قد وضع خطة سرية لتهديم كل القيم الإلهية، والإنسانية التي بشّر بها النبي محمد (ص)، وقد تسربت هذه الخطة في فلتة لسان منه، في حوار جرى بينه، وبين نديمه التاريخي المغيرة بن شعبة كما رأينا..
وقد كان معاوية بن أبي سفيان قد باشر عملية «دفن» القيم الإسلامية في العدالة والأخوّة والحرية، والاستقامة، وكرامة الإنسان، وحرية إرادته وإشاعة الخير والمعروف، خطوة بعد خطوة..
وهذه هي الخطط الأموية الرجعية التي نفذها معاوية بن أبي سفيان التي شكلت انقلاباً مضاداً للحركة التغييرية الكبرى التي باشرها رسول الله (ص) في حياة الناس:
1ـ إشاعة حالة الإرهاب والقتل العام، والتصفية الجسدية لكل من يعارض حكمه، لا سيما أصحاب علي بن أبي طالب (ع)، وقد وضع خطة حمراء رهيبة من أجل متابعتهم، وإخراس أصواتهم بكل وسائل التنكيل والاضطهاد، وقد عبرت عن سياسته هذه، الكلمات التالية التي يوصي بها أحد قواده: «.. فاقتل كل من لقيته، ممن ليس هو على مثل رأيك، واضرب كل ما مررت به من القرى، واحرب الأموال، فإن حرب الأموال شبيه بالقتل، وهو أوجع للقلب..».
وقد تفاقم الأمر كثيراً بعد ذلك حتى روى أبو الحسن علي بن محمد ابن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: «إن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته»، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي (ع)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة، وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي (ع)، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: «ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة».
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشدوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: «انظروا من قامت عليه البينة إنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به، وأهدموا داره».
فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أنّ الرجل من شيعة علي (ع) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة، ليتمكن عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاء والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها.
فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسين بن علي (ع)، فازداد البلاء والفتنة فلم يبقَ أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض.
وقد صور الإمام محمد بن علي بن الحسين الباقر (ع) تلك المأساة الحمراء بهذه الكلمات الدالة، وقال: «... فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكل من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (ع)».
وفي مقدمة مَن راح ضحية الظلم والاضطهاد الذي صبه معاوية على أخيار الأمة وصلحائها: الصحابي الفذ حجر بن عدي وجماعته ورشيد الهجري وميثم التمار وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأوفى بن حصن وغيرهم من الأبرار، وفي تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير الجزري أرقام مذهلة عن تلك المأساة التأريخية الحمراء الكبرى.
2ـ شراء الذمم والضمائر إمعاناً من معاوية في إضعاف الشخصية المسلمة، والاستمرار في سياسة الهيمنة على حركة الأمة العامة.
وتركزت هذه السياسة البغيضة على نمطين من الناس:
أـ المحدثين والوعاظ والفقهاء، وقد نجح معاوية فعلاً نجاحاً منقطع النظير في كسب مجموعة من المرتزقة ممن يستأكلون بدينهم من أمثال المغيرة ابن شعبة وأبي هريرة الدوسي، وعروة بن الزبير وعمرو بن العاص وتميم الداري وغيرهم..
ولكي ندرك عمق الكارثة التي ألمت بالأمة بسبب هذه السياسة الفظيعة، نذكر ما يلي:
روى الطبري: إن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وأمّره عليها دعاه وقال له: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليّ وذمّه، والترحم على فلان والاستغفار له، والعيب لأصحاب عليّ والإقصاء لهم، والإطراء لشيعة فلان والإدناء لهم، فقال له المغيرة: قد جربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذممني وستبلو فتحمد أو تذم، فقال: بل نحمد إن شاء الله.
وروى المدائني في كتاب الأحداث وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: إن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته وكان أشد البلاء حينئذ أهل الكوفة وهاهو معاوية يبذل «للصحابي» سمرة بن جندب أربعمائة ألف درهم على أن يروي أن هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة/ 204-205)، قد نزلت في علي بن أبي طالب (ع). وإنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهو قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ..) (البقرة/ 207)، فروى ذلك.
وبسبب هذه السياسة الثقافية المرتدة نشأت معلومات وأفكار وقيم وأحكام لا تنسجم مع ذوق الإسلام ومبادئه أبداً وأصبحت ديناً يدان به من قبل الناس، وأكثرهم لا يعلمون.
ب- شراء الوجوه الاجتماعية، ومفاصل المجتمع المهمة، وقد نجح معاوية في شراء الكثير من مفاصل القطاعات الاجتماعية الفاعلة، وزعماء العشائر، حتى تميز الحكم الأموي في هذه الخصيصة أكثر من غيره من الأنظمة على الإطلاق.
3ـ الحرب الاقتصادية وطريقة التجويع: ومن أشد الأساليب الأموية فتكاً بعد القتل، كانت الحرب الاقتصادية، ومحاربة الناس في أرزاقهم، حيث سلك معاوية هذا الأسلوب، وأشاعه لإذلال العباد وتركيعهم، وإشاعة المسكنة في نفوسهم، وكان أكثر ضحاياه في بلاد المسلمين أهل بيت النبي (ع) وشيعتهم، فقد كتب إلى عماله وولاته بشأن محاربة أهل البيت وشيعتهم ما يلي: «انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه».
وقد استمرت هذه السياسة الخبيثة عشرين عاماً، وهي مدة خلافة معاوية (41-60هـ) على العالم الإسلامي، حيث خربت ضمائر، وهلكت نفوس، واضطربت أوضاع اجتماعية، واهتزت قيم، وتغيرت مقاييس، بسبب هذه السياسة الخبيثة.
4ـ تمزيق الأمة الإسلامية، والتأثير على ولائها للإسلام، وذلك بإثارة النعرات القومية، والإقليمية بين الناس من أجل إشغال الأمة بمعارك جانبية تبعدها عن حقيقة المحنة، وحقيقة المؤامرة.
فقد اشتغل الناس بالضغائن والفرقة بين العرب والموالي، وبين قيس ومضر، وأهل اليمن والمدينة، وبين العراق والشام، وشاعت العداوات والثارات، وحقرت أقوام، وارتفعت أخرى تحت هذه المقاييس الجاهلية.
ولقد زخر الأدب العربي في تلك المرحلة بهذه الروح الرجعية كما يلاحظ ذلك في شعر الأخطل وجرير ومسكين الدارمي وغيرهم الذين يثيرون بشعرهم مكامن الفتن بين القبائل والأقوام، انسجاماً مع سياسة معاوية.
5ـ الاغتيال السياسي: ومما اقترفه معاوية في حياته المكرسة للشر والمنكر، قتله للمعارضين له أو ممن يخشى من وجودهم، بطرق مختلفة، كانت أهمها تمرير القتل للمعارضين دون ضجيج أو إثارة، ولذا، فقد اعتمد أسلوب السم، لقتل مناوئيه، كما فعله مع سعد بن أبي وقاص والحسن بن علي السبط (ع)، والأشتر النخعي، وعبد الرحمن ابن خالد بن الوليد وغيرهم، وقد عبر عن هذا المنهج المتبنى من قبله بقوله: إن لله جنوداً منها العسل.
وكان من ضحايا هذه الجرائم ـ كما ذكرنا ـ قتله لابن بنت النبي (ص) الحسن بن علي (ع) في سم دسه إليه، لكي ينهي معارضته.
6ـ تحويل حكم الخلافة إلى حكم ملكي إمبراطوري تحت ظل الكبت والتدمير والتآمر على الأحرار حيث عين ولده «يزيد» ملكاً على الأمة بعد اغتياله للحسن المجتبى السبط (ع).
وهكذا يجد المتتبع كيف سلك معاوية مخططاً رهيباً لإنهاء الوجود الفكري والروحي، وكافة المقومات التي امتازت بها أمة محمد (ص).
وقد أثرت سياسته المذكورة في الأمة تأثيراً سلبياً ليس لها حدود، من الناحية الروحية والثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
وهكذا وصل معاوية إلى نهاية الشوط في مشروعه الرجعي حيث علق الدستور الشرعي للدولة بالرغم من احتجاج الأمة، ومفكريها ورجال الرأي فيها، وحكم الجماهير بالنار والحديد، ووسائل التزييف الإعلامي، والتضليل، وشراء الذمم، وحوّل الدولة من نظام الخلافة الجمهوري الشعبي إلى نظام دكتاتوري ثيوقراطي إمبراطوري تقوده الأسرة الأموية، وحزب من المرتزقة، مدجج بكل إمكانات الدولة الإعلامية، والعسكرية، والمالية...
لقد علق «معاوية» دستور الأمة الشرعي، وغيب الرأي الآخر، ولاحق المعارضة في كل مكان، وزيف الرأي العام ونهب الأموال العامة، وسلك سبيل التآمر على الأحرار والمصلحين، فشل بذلك حركة التنمية، والإصلاح، وأقام حكماً ملكياً دكتاتورياً ثيوقراطياً مدججاً بسلاح الحقد، والتآمر ومصادرة حقوق الإنسان، وحقه في الحياة الحرة الكريمة...
وكان آخر ما أعلنه من خطط مشروعه الرجعي ـ كما أشرنا ـ تنصيبه لولده يزيد حاكماً على الأمة، دون استشارة منها، ولا رضى، ودون أن يتمتع ذلك الشاب المدلل بقيم روحية أو كفاءة إدارية أو سياسية، فقد كان ذلك الحاكم المفروض على الناس، خمّاراً، مدمناً، يقول عنه المؤرخون، وهم يصفون شخصيته المائعة: «اشتهر بالمعازف، وشرب الخمر، والغناء، والصيد، واتخاذ الغلمان، والقيان،والكلاب،والنطاح بين الكباش والدباب، والقرود، وما من يوم إلاّ ويصبح فيه مخموراً...».
وكان لشدة اشتهاره بالانحطاط الأخلاقي أن ضاق به أبوه الطاغية ذرعاً حتى نصحه بهذه النصيحة التاريخية التي تكشف عن سوء حاله، وانحطاطه: «يا بُنيَّ! ما أقدرك على أن تصل إلى حاجتك من غير تهتك تذهب بمروءتك، وقدرك، ويشمت بك عدوك، ويسيء بك صديقك، ثم قال له: يا بُنيَّ! إنِّي منشدك أبياتاً، فتأدب بها، واحفظها، فأنشده:
انصبْ نهاراً في طلابِ العلا **** واصبرْ على هجرِ الحبيبِ القريبْ
حتى إذا الليل أتى بالدجى **** واكتحلت بالغمضِ عينُ الرقيبْ
فباشر الليلَ بما تشتهي **** فإنّما الليلُ نهارُ الأريبْ
كم فاسق تحسبهُ ناسكاً **** قد باشرَ الليلَ بأمر عجيبْ
غطّى عليه الليلُ استارهَ **** فباتَ في أمن، وعيش خصيبْ
ولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌ **** يسعى بها كلُ عدو مريبْ
وهكذا يعلمه أبوه أسلوباً آخر لاقتراف الآثام وارتكاب المنكرات دون افتضاح أمام الناس.
وبعد أن كيّف الدكتاتور التاريخي معاوية بن أبي سفيان مسيرة الأمة تكييفاً مخالفاً لقيمها، وأعرافها، ودستورها الشرعي المتبنى، حضره الموت في رجب من عام 60هـ، حيث تسلم ولده يزيد أمور الدولة، وجدد بيعة الناس له تحت الإرهاب، والقمع، وشراء الذمم.

يتبع....
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com