موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : خطورة اللسان-2
 
الثلاثاء - 9 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خطورة اللسان-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 27 / جمادي الثاني / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
الصمت والكلام :
لقد وردت روايات وأحاديث وحِكم كثيرة تمدح الصمت وترجحه على الكلام فقد قيل: (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) كما وصف الصمت بأجمل الأوصاف فهو كما في الأحاديث: علامة العقل، وآية النبل وثمرة العقل، وروضة الفكر، وزينة العالم، وستر الجاهل، وزين العلم، وعنوان الحلم... كما أثبت أحاديث أخرى آثاره: فهو منجاة من الهلكة والهذر ويوجب الوقار، ويكسب المحبة، يقول أمير المؤمنين (ع): (إن أحببت سلامة نفسك وستر معايبك، فأقلل كلامك، وأكثر صمتك، يتوفر فكرك، ويستنير قلبك ويسلم الناس من يدك)(9)
وهنا تبرز لنا الآثار المهمة للصمت: فهو سلامة للنفس من المخاطر التي يتعرض لها الإنسان نتيجة زلة لسانه، ويستر نواقصه وعيوبه، ويتركز فكره ويتنور قلبه، ويسلم الناس من يده، فأي عاقل يزهد بهذه الفوائد العظيمة ؟ يقول أحد الحكماء: (في الصمت سبعة آلاف خير، وقد اجتمعت في سبع كلمات في كل كلمة ألف، أولها: الصمت عبادة من غير عناء، والثانية: زينة من غير حلي والثالثة: هيبة من غير سلطان، والرابعة: حصن من غير حائط ، والخامسة: استغناء عن الاعتذار إلى أحد، والسادسة: راحة الكرام الكاتبين، والسابعة: ستر لعيوبه)(10)
والأحاديث والحكم نثراً وشعراً في مدح الصمت أكثر من أن تحصى وجميل ما قاله الشافعي:
إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى***وذنبك مغفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ***فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك مساوئاً***فدعها وقل يا عين للناس أعين
والإسلام عندما حث على الصمت لم يكن يقصد الصمت المطلق في كل حياة الإنسان، بل أراد أن يكون الكلام موزوناً تاماً سالماً من العيوب كالفضول والتدخل في ما لا يعني، والقول في غير الوقت المناسب ، والموضع غير المقبول فيه الكلام، وبعبارة أخرى أن لكل من الصمت والكلام شروط يجب أن تتوفر فيه ، ليكون تاماً مقبولاً فلا الكلام على إطلاقه أفضل، ولا الصمت على إطلاقه أحسن ، وإنما لكل منهما ما يناسبه، وأفضل كلام في المقارنة بين الكلام والسكوت ما ورد عن الإمام زين العابدين (ع) حين سئل عن الكلام والسكوت أيهما أفضل ؟ فقال (ع): (لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت، قيل: كيف ذلك يا بن رسول الله ؟ قال: لأن الله عز وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا توقّيت النار بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنك تصف فضل السكوت بالكلام ولست تصف فضل الكلام بالسكوت)(11)
إذن نستطيع أن نقرر أن لكل من السكوت والكلام فضل ، ولكن في محله فقد يكون السكوت أفضل من الكلام في حالات معينة، وقد يكون العكس... فالتقدير للمقام، وللمقال، وللحاجة، والمناسبة هو الذي يحدد ذلك، وكل ذلك يوزن بميزان العقل... فقد يكون الكلام في بعض الأحيان لغو وفضول حين لا يكون مناسباً للمقام، وقد يكون السكوت جمود وتحجر وغفلة حين يقتضي المقام الكلام، وعلى كل حال ينبغي للمرء أن لا يكون في غفلة في أي حالة من حالاته سواء كان ساكتاً، أو متكلماً، أو متأملاً.
يقول أمير المؤمنين (ع): (جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر، والسكوت، والكلام، فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكر فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبراً وسكوته فكراً، وكلامه ذكراً، وبكي على خطيئته، وأمن الناس شره)(12)

القلب واللسان :
لقد ربطت الأحاديث الشريفة بين القلب واللسان، وجعلت بينهما تلازماً مع اختلاف في الأشخاص والأهداف... فالمؤمن عندما يصدر الكلام يصدره بعد تأمل، وتفكر في منافعه، ومضاره، وقربه وبعده من رضوان الله؛ ولذا عبرت الأحاديث بأن لسانه وراء قلبه، أو لسانه في قلبه، وبعكسه المنافق الذي يجعل قلبه تابعاً للسانه، يقول رسول الله (ص): (إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه، ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه، ولم يتدبره بقلبه)(13)
وخلاصة الكلام إن الإنسان ينبغي له أن يتأمل، ويفكر في كل كلام يريد أن يقوله، وينظر هل أن كلامه بدافع من أهواء نفسية ، وميول ذاتية ؟ أم لأهداف إلاهية ؟ قال أمير المؤمنين (ع): (المرء مخبوء تحت لسانه فزن كلامك وأعرضه على العقل والمعرفة، فإن كان لله، وفي الله فتكلموا به، وإن كان غير ذلك فالسكوت خير منه)(14)

الهوامش:
(9) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 216.
(10) السيد حسن القبانجي، شرح رسالة الحقوق: 1/109.
(11) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 71/274.
(12) المصدر نفسه: 275.
(13) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 5/195.
(14) المصدر نفسه: 196.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com