موقع الصراط ... الموضوع : لماذا التأكيد على المجالس الحسينية-2
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لماذا التأكيد على المجالس الحسينية-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 13 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
بركة استشهاد الحسين (ع): روى المؤرخون أن النبي (ص) رجع من سفر له مغموماً وصعد المنبر فخطب ووعظ والحسين بين يديه مع الحسن فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسين ورفع رأسه إلى السماء, وقال : ( اللهم إني محمد عبدك ونبيك, وهذان أطائب عترتي، وخيار ذريتي وأرومتي, ومن أخلفهما بعدي . اللهم وقد أخبرني جبرائيل بأن ولدي هذا مقتول مخذول, اللهم فبارك لي في قتله, وأجعله من سادات الشهداء إنك على كل شيء قدير , اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله)
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند قولـه (ص): (اللهم فبارك لي في قتله) ونتساءل.. كيف يكون قتل ابن بنت رسول الله (ص) بركة لجده ؟ وأي بركة تلك التي يطلبها رسول الله ؟!!
إنها بركة بقاء الإسلام حيا, نابضاً في قلوب حامليه, متحركاً, ومغيراً, ورافضاً لكل العبوديات ببركة دم الحسين (ع) وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.
بعد هذا كله يمكن أن نتوصل إلى سر التأكيد على إقامة المأتم الحسيني, ويمكن أن نشير إلى ذلك بنقاط .
1 - إن إقامة الشعائر الحسينية تكشف لنا عن أهمية الإسلام, وقيمته في حياة البشرية, وانه فوق كل الاعتبارات المادية والمعنوية, وان كل شيء من مال وبنين بل كل ما في الدنيا يجب أن يبذل من أجله حتى لو كان التضحية بالنفس, وقد بذل الحسين (ع) دمه لأجله وهو دم رسول الله (ص) وليس فوق ذلك من قيمة ...
2 - إن إحياء هذه الذكرى تكشف باستمرار عن المنهج الذي انتهجه أئمة أهل البيت في حماية الإسلام, ونشر مبادئه, وتحقيق أهدافه, وهو منهج يتسم بالتخطيط الواعي الهادف كما يتسم بالتضحية والفداء .
3 - من خلال إظهار تضحياتهم الكبرى في سبيل الحق والعدل يوجه المجتمع روحياً, وفكرياً, ووجدانيا, وأخلاقياً, وبذلك تضع هذه المجالس الإنسان على جادة الصواب, وتعمل على تغير الواقع الفاسد إلى واقع سليم .
وبعبارة أخرى إن ذكر مواقفهم وكلماتهم تعمق روح الولاء في نفوس شيعتهم وتدفعها إلى الثورة والرفض لكل ما يخالف شريعة الله,كما أنها لها دور فعال في تنقية النفوس من الأدران ومذام الأخلاق؛ وذلك لأن ذكر الأولياء ودراسة سيرتهم يوجب المحبة, والمحبة توجب التجاذب, والتجاذب يوجب التواصل معهم في مسيرتهم, يقول الإمام الخميني (قده): (ونرى ذكر الأولياء ومقاماتهم دخيلاً في تصفية القلوب, وتخليصها وتعميرها, لان ذكر الخير بالنسبة إلى أصحاب الولاية والمعرفة يوجب المحبة والتواصل والثبات, وهذا التناسب يوجب التجاذب, وهذا التجاذب سبب التشافع الذي ظاهره الإخراج من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية والعلم, وباطنه الظهور بالشفاعة في العالم الآخر, لأن شفاعة الشافعين لا تكون من دون تناسب وتجاذب باطني, ولا تكون جزافاً ولا باطلاً )
طبعاً هذا يتحقق إذا كانت المجالس مجالساً واعية هادفة يتبنى إقامتها أناس عارفون لأهداف ثورة الحسين (ع) وأبعادها وإلا فلا ...
4 - كما إن تلك المجالس توضح أن الصراع الذي دار بين أئمة الهدى, وبين خصومهم ليس صراعاً شخصياً ذاتياً - كما يحاول بعض الكتّاب أن يصوره - وإنما هو صراع بين اتجاهين مبدئيين عقائديين, وبعبارة أدق إنه صراع بين الإيمان الواضح الصريح وبين الشرك المبطن بالإيمان .
5 - إن استعراض إحداث الطف, وترديد شعاراتها, وبيان سلوك قادتها في مختلف حالاتهم يتضمن أدانه صريحة لكل نظام مخالف لشرعة الله تعالى .
وأحسن من قال : (كل طعنة سيف في عاشوراء هي طعنة لمفاسد الحكم في أي وقت, وكل نقطة دم أُريقت فداء للحق استمرت تعلن فداءها في رغبة الإنسان العامرة في الاستشهاد في سبيل مبادئه)
وبهذا أصبحت مجالس العزاء الحسيني الواعية مدارس تبعث حس البطولة والشجاعة, وتذكي روح الحماس في النفوس, وتصعد فيها روح التطلع للشهادة وحب الموت في سبيل الله تعالى, وبهذا تبعث الشعور بالمسؤولية إزاء كل الأوضاع المنافية لأحكام الله تعالى ...
وبذلك يتضح لنا معنى قول الصادق (ع) (أحيوا أمرنا)، فعن أبي الصلت الهروي قال: (سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا, فقلت: وكيف يحيي أمركم؟ قال : يتعلم علومنا، ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا)
وعن ابن سعد عن الأزدي عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال لخيثمة وأنا أسمع: (يا خيثمة اقرأ موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله ؛ وأن يعود غنيّهم فقيرهم؛ وقويّهم على ضعيفهم, وأن يشهد أحياؤهم جنائز موتاهم, وأن يتلاقوا في بيوتهم فإنَّ لقياهم حياة لأمرنا ؛ ثم رفع يده فقال : رحم الله من أحيا أمرنا )
فإحياء أمرهم إذن هو إحياء للإسلام في نفوس معتنقيه بكل أبعاده الفكرية والروحية, والسياسة, والأخلاقية, والإجماعية... ولهذا جاء التأكيد من قبل أئمة الهدى (ع) على إحياء هذه المناسبة لا سيما في أيام محرم وصفر .لما فيها من ذكر لسيرتهم, وما تستبطن من حث على الالتزام بأحكام الإسلام ,وتَخَلْقٍ بأخلاقه, ودعوة لمبادئه, وشرائعه وأحكامه .
يقول دعبل الخز اعي دخلت على سيدي ومولاي على بن موسى الرضا (ع) في مثل هذه الأيام - أيام محرم - فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله فلما رآني مقبلاً قال لي مرحباً بك يا دعبل مرحبا بناصرنا ثم قال لي يا دعبل أحب إن تنشدني شعراً في الحسين فانشده التائية المعروفة :
أفاطم لو خلت الحسين مجدلا     وقد مات عطشانا بشط فرات
إذاً للطمت الخد فاطم عنده     وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي     نجوم سماوات بأرض فلاة
قبور بكوفان وأخرى بطيبة     وأخرى بفخ نالها صلواتي
وأخرى بأرض الجوز جان محلها     وقبر بباخمرى لدى الغربات
وقبر ببغداد لنفس زكية     تضمنها الرحمات بالغرفات
وقبر بطوس يا لها من مصيبة     ألحت على الأحشاء بالزفرات
وهكذا يرسم دعبل لوحة رائعة مفجعة لما سيؤول إليه مصير آل محمد (ص) ولعله يشير إلى الخبر الوارد عن النبي (ص) أنه (كان ذات يوم جالساً, وحوله علي وفاطمة والحسن والحسين (ع) فقال لهم كيف بكم إذا كنتم صرعى, وقبوركم شتى؟ فقال الحسين (ع): أنموت موتاً, أو نقتل قتلاً ؟ فقال (ص): بل يا بني تقتل ظلماً, ويقتل أخوك ظلماً, وتشرد ذراريكم في الأرض, فقال الحسين (ع): ومن يقتلنا يا رسول الله ؟ فقال (ص): شرار الناس . قال : فهل يزورنا بعد قتلنا أحد ؟ قال : نعم : طائفة من أمتي يريدون بزيارتكم بري وصلتي, فإذا كان يوم القيامة جئتهم إلى الموقف حتى أخذ بأعضادهم وأخلصهم من أهواله وشدائده)
وعن أمير المؤمنين (ع) قال: (زارنا رسول الله (ص) ذات يوم, فقدمنا إليه طعاماً، وأهدت إلينا أم أيمن صحفة من تمر, وقعباً من لبن وزبد ، فقدمنا إليه فأكل منه, فلما فرغ قمت فسكبت على يديه ماءً, فلما غسل يده, ومسح وجهه ولحيته ببلة يده ، ثم قام إلى مسجد في جانب البيت, فخر ساجداً فبكى فأطال البكاء, ثم رفع رأسه فما اجترأ منا أهل البيت أحد يسأله عن شيء ، فقام الحسين (ع) يدرج حتى صعد على فخذي رسول الله (ص) فأخذ برأسه إلى صدره, ووضع ذقنه على رأس رسول الله (ص) ثم قال : يا أبه ما يبكيك؟ فقال: يا بني إني نظرت إليكم فسررت بكم سروراً لم أسر بكم قبله مثله ، فهبط إليَّ جبرائيل (ع) فأخبرني أنكم قتلى, وأن مصارعكم شتى فحمدت الله على ذلك, وسألته لكم الخيرة . فقال له: يا أبه فمن يزور قبورنا ويتعهدها على تشتتها؟ قال : طوائف من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، أتعاهدهم في الموقف, وأخذ بأعضادهم فأنجيهم من أهواله وشدائده) والأخبار في هذا الباب كثيرة مستفيضة .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com