موقع الصراط ... الموضوع : هيمنة القرآن على الكتب السماوية
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  هيمنة القرآن على الكتب السماوية  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / شعبان / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جعفر الهادي
هل يصدّق القرآن الكريم بكل ما تضمّنته الكتب السماوية، وبخاصة التوراة والإنجيل الرائجين، أم يرفضها ويكذب مضامينها جملة وتفصيلاً؟
وما هي ـ ترى ـ منزلة القرآن الكريم، كآخر كلمة في مفكّرة السماء، وكذروة ما نزل من جانب الله تعالى إلى البشرية، بين غيره من الكتب المنزلة قبله؟
يجيب القرآن الكريم عن هذا السؤال في الآية 48 من سورة المائدة بصراحة كاملة، وبلاغة إذ يقول:
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه، فاحكم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق).
في هذه الآية يصف البارئ تعالى كتابه العظيم (القرآن) بثلاثة أوصاف جديرة بالتأمل والإمعان:
1 ـ إنه كتاب نزل بالحق.
2 ـ إنه مصدق لما بين يديه.
3 ـ إنه مهيمن عليه.
وما يرتبط بالسؤال المطروح ـ هنا ـ هو الوصف الثالث وهو كون القرآن مهيمنا على ما تقدمه من الكتب المنزّلة فماذا تعني الهيمنة القرآنية على تلكم الكتب؟
قال العلامة ابن منظور في (لسان العرب) : في التنزيل ومهيمنا عليه. قال بعضهم: معناه الشاهد، يعني وشاهداً عليه.
وقال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) فأما المهيمن: وهو الشاهد.
وذهب إلى مثل ما ذهب إليه هذان العالمان اللغويان العلامة الفيروز آبادي في القاموس المحيط.
وإذا كان الشاهد بالحق هو الذي يقرر ما يصح، وينفي ما لا يصح فالمهيمن هو من يقرر ما يصح، ويبطل ما لا يصح.
والقرآن الكريم يقوم بهذه المهمة عينها بالنسبة إلى ما تضمنته الكتب السماوية الرائجة.
صحيح أن القرآن ـ حسب الوصف الثاني من الأوصاف الثلاثة المذكورة في الآية المطروحة في مطلع هذا المقال ـ هو كونه (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ) ولكن هذا التصديق لا يعني أنه يقرر كل ما تحتويه تلك الكتب على نحو الإطلاق حتى ما كان باطلا، بل يصدق ما صح فيها من المعارف، والمفاهيم، والقضايا، والموضوعات، ولهذا كان ضرورياً أن يضاف إلى هذه الجملة ما يقيّد هذا التصديق كيف لا، والوصف الأول من الأوصاف الثلاثة المذكورة هو كون القرآن نزل بالحق، وقد تكرر هذا الوصف مرتين في هذه الآية، عندما يقول سبحانه (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ).
وبهذا يعرف الترابط الدقيق بين هذه الجمل الثلاث في الآية وهي: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) و(مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ).
فإن الكتاب الذي قام على أساس بيان ما هو الحق والحقيقة، وما هو الصحيح والواقع في مجال المعارف والمفاهيم، لا يمكنه إلا أن يصدّق ما جاء في الكتب السابقة من حق وحقيقة، ويفنّد ما هو باطل، مخالف للواقع، مغاير للحقيقة.
إن هذا يتطلب منا أولا أن نقف على ما وصف الله تعالى به كتابه العزيز (القرآن) ليتسنى ـ بعد ذلك ـ فهم مسألة الهيمنة القرآنية على ما عداه من الكتب المنزلة الرائجة.
أوصاف القرآن في القرآن:
لقد وصف الله سبحانه كتابه (القرآن) بأنه:
1 ـ الكتاب الذي لا ريب فيه إذ قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) (البقرة/ 2 ـ والسجدة/ 2).
2 ـ الكتاب المبين إذ قال: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (القصص/ 2).
3 ـ الكتاب الذي حوى كل شيء مما كان عليه بيانه للناس إذ قال: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام/ 38).
4 ـ الكتاب الحكيم، إذ قال سبحانه (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (يونس/ 1).
5 ـ الكتاب الذي أنزل ليخرج به النبي (صلى الله عليه وآله) للناس من الظلمات إلى النور إذ قال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (إبراهيم/ 1).
6 ـ الكتاب الذي يتصف بأنه تبيان لكل شيء إذ قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً) (النحل/ 89).
7 ـ الكتاب الذي يخلو من العوج إذ قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا). (الكهف/ 1).
8 ـ الكتاب المبارك الذي أنزل للتدبر إذ قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص/ 29).
9 ـ وإنه أحسن الحديث: قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (الزمر/ 23).
10 ـ وأنه أحسن القصص قال سبحانه: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف/ 3).
11 ـ وإنه القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم قال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء/ 9).
12 ـ وإنه الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت/ 41 ـ 42).
إذن يصف الله تعالى كتابه وبصريح العبارة بأنه الكتاب المبين الحكيم. المبارك الذي يخلو عن العوج، والذي لا ريب فيه، العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولكن الله لا يكتفي بهذا الأمر، بل يعمد إلى التعريف بالكتب السماوية الرائجة، وما لحقها من التغيير والتبديل والتصحيف والتحريف، والنقص والزيادة على أيدي الأحبار والرهبان، ويشير في أكثر من موضع إلى أن هناك فرقا بين ما أنزل وبين ما هو رائج من هذه الكتب، وبين ما هو مكتوم منها من جانب الأحبار والرهبان، وبين ما هو مصرح به للناس.
الكتب المنزلة وعمليات التحريف والكتمان:
ونحن نذكر هنا بعض الآيات الصريحة في هذا المجال:
1 ـ قال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة/ 15).
2 ـ قال سبحانه: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة/ 75).
3 ـ قال سبحانه: (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ـ البقرة/ 41 ـ 42.
4 ـ قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران/ 71).
5 ـ قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران/ 78).
6 ـ قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (البقرة 174/ 176).
إن القرآن الكريم يصرح في هذه الآيات بأن هناك تحريفا وكتمانا، وتغييرا وتبديلا تعرضت له الكتب السماوية المتقدمة عليه، وإن ما كان رائجا في بيئة نزول القرآن وإبان بزوغ الإسلام باسم التوراة والإنجيل لم يكن كل الذي نزل على النبي موسى وعيسى عليهما السلام، بل كان فيه المحرّف والمبدل بل والمحذوف من رأس(1).
نظرة متجددة إلى آية الهيمنة:
ولتكميل الصورة الطبيعية عن طبيعة القرآن ومكانته، وطبيعة الكتب السماوية المتقدمة على القرآن، يوم نزوله، ينبغي إلقاء نظرة أخرى إلى الآية 48 من سورة المائدة المذكورة في مطلع هذا المقال من حيث السياق، والآيات الحافة بها. فإن مثل هذه النظرة المتجددة تعيننا على الوقوف على ما ذكرناه من هيمنة القرآن على الكتب السماوية الرائجة.
لقد مهد القرآن لهذه الحقيقة (أعني كون القرآن مهيمنا وشاهدا على الكتب السماوية الرائجة يصحح منها ما صحّ، ويفند ما لم يصح) لقد مهد لهذه الحقيقة في نفس سورة المائدة عبر الآيات السابقة واللاحقة على آية الهيمنة.
فقد تعرض القرآن الكريم في الآيات السابقة لذكر عملية التحريف البغيضة، والتي كان منها تحريف الكلم عن مواضعها.
قال تعالى في الآية 13 من هذه السورة: (فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكّروا به).
وقال سبحانه في الآية 41 إلى 44 من هذه السورة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ)
قال العلامة الطباطبائي عند تفسير هذه الآيات: يتحصل من المجموع أن عدة من اليهود ابتلوا بواقعة دينية فيما بينهم لها حكم إلهي عندهم، لكن علماءهم غيروا الحكم بعد ثبوته، ثم بعثوا طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأمروهم أن يحكّموه في الواقعة، فإن حكم بما أنبأهم علماؤهم من الحكم المحرّف فليأخذوه، وإن حكم بغير ذلك فيحذروا.
ثم قال رحمه الله: وفي الآية (الأخيرة) تصديق ما للتوراة عند اليهود اليوم، وهي التي جمعها لهم عزراء بإذن (كورش) ملك إيران بعد ما فتح بابل، وأطلق بني إسرائيل من أسر البابليين، وأذن لهم في الرجوع إلى فلسطين، وتعمير الهيكل، وهي التي كانت بيدهم، في زمن النبي صلى الله عليه وآله وهي التي بيدهم اليوم، فالقرآن يصدّق أن فيها حكم الله، وهو أيضاً يذكر أن فيها تجريفاً وتغييراً.
ويستنتج من الجميع: أن التوراة الموجودة الدائرة بينهم اليوم فيها شيء من التوراة الأصلية النازلة على موسى عليه السلام، وقد حُرّفت وغُيّرت، أما بزيادة أو نقصان، أو تغيير لفظ أو محل، أو غير ذلك، وهذا هو الذي يراه القرآن في أمر التوراة، والبحث الوافي عنها أيضا يهدي إلى ذلك(2).
ولم يكن هذا شأن اليهود وتوراتهم خاصة بل شملت هذه الحالة حتى النصارى قال سبحانه عنهم: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به).
ثم يشير بعد هذا التلويح بل والتصريح بما قام به أهل الكتاب يهودا ونصارى من التحريف والتغيير والتبديل في كتبهم إلى نماذج ومصاديق لهذا الأمر.
ثم يشير بعد هذا التلويح بل والتصريح بما قام به أهل الكتاب يهودا ونصارى من التحريف والتغيير والتبديل في كتبهم إلى نماذج ومصاديق لهذا الأمر.
فنستنتج من كل ما مضى أن القرآن كتاب حكيم عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن الكتب السماوية المتقدمة عليه، الدائرة بين أهل الكتاب تعرضت للتحريف والتغيير. وهذا هو ما أهل القرآن الكريم لأن يكون المحك الذي يميّز به الأصيل عن الدخيل في الكتب السماوية الرائجة، وأن يكون المعيار الذي يُعرف به ما يصح في هذه الكتب وما لم يصحّ، وهل هذا إلا مهمة الشاهد، وهل هي إلا الشهادة التي هي أبرز معاني الهيمنة.

القرآن والهيمنة على الكتب السماوية الرائجة:
أجل إن القرآن بما طرحه من حقائق صادقة، وقضايا متطابقة مع الواقع، مدعوما بالبراهين العقلية الساطعة والمسلمات الفطرية القاطعة يقوم بدور الشاهد على الكتب السماوية الرائجة، وبدور المعيار الذي يكشف ما أدخل في هذه الكتب من خرافات، وما دسّ فيها من أباطيل، وما تركته فيها أيدي التحريف من ثغرات ونواقص، وهناك عيون.
على أن المجالات التي يعرض فيها القرآن الكريم الحقائق هي عبارة عن:
1 ـ مجال التوحيد.
2 ـ مجال التشريع.
3 ـ مجال التاريخ.
4 ـ مجال العلوم.
5 ـ مجال الأخلاق.
وها نحن نشير إلى نماذج مما يعرضه القرآن، وتعرضه الكتب السماوية الرائجة لتتضح مسألة الهيمنة القرآنية على هذه الكتب، ونكتفي باستعراض موقف القرآن الكريم والكتب الأخرى في مجال التوحيد خاصة تاركين التعرض لبقية الجوانب إلى فرص أخرى.

موقف القرآن والكتب الأخرى في مجال التوحيد:
أ ـ يقرر القرآن الكريم في آيات عديدة أن الذات الإلهية المقدسة منزهة عن شوائب الجسمانية، وأنه تعالى ليس بجسم ولا جسماني، وأنه لا يشبهه شيء من مخلوقاته، وأنه لا يرى، وأنه سبحانه ليس في مكان، ولا يخلو منه مكان، وأنه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد.
قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى/ 11).
وقال تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام/ 103).
وقال تعالى: (أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة/ 115).
وقال تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) (الفرقان/ 1).
وقال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (سورة الإخلاص).
وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف 143).
وما قرره القرآن الكريم في هذا الصعيد يؤيده العقل السليم، وتؤكّده الفطرة النقية لاستلزام الجسمية التركيب، والتغيّر، والتخير والاحتياج، وكل ذلك ينافي وجوب الوجود الذي يُفترض أن يتصف به الحق تعالى، وإلا لكان أحد المخلوقين من جنسهم. هذا والتفصيل، والتوسع، والبرهنة، والاستدلال العقلي والفطري متروك إلى محله في كتب الكلام والفلسفة.
ولكن التوراة والإنجيل الرائجينِ يصرّحان، ومن دون تحرّج، بأنه تعالى جسم ينتـقل ويمشي، وله مكان، وأنه ينزل ويصعد، ويرى، وله صوت عند مشيه كالبشر.
فإن التوراة عندما تتعرض لذكر بدء الخلق، وتصرح بأن الله خلق آدم وحواء وأسكنهما في الجنة، وأوصاهما بأن يأكلا من كل الأشجار والثمار فيها إلا شجرة واحدة، ولكنهما أكلا منها رغم المنع والتحذير، فانفتحت أعينهما على أنهما عريانان تقول:
وسمعا صوت الرب ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت. (العهد القديم ـ سفر التكوين الإصحاح الثالث: 8 ـ 11).
وتقول التوراة أيضا: (لما عزم بنو آدم بعد الطوفان أن يبنوا في بابل مدينة وبرجا حصينا لئلا يتبددوا على وجه كل الأرض) نزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذينِ كان بنو آدم يتبنونهما وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتـنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض) (سفر التكوين الإصحاح الحادي عشر: (6 ـ 8).
ولم تكن التوراة هي وحدها التي تنحو هذا المنحى في مجال التوحيد والمعارف الإلهية بل شاركها الإنجيل في ذلك أيضاً.
جاء في إنجيل مرقس الإصحاح السادس عشر: 20 ثم أن الرب (أي عيسى عليه السلام) بعد ما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله.
وجاء في الرسالة إلى العبرانيين من العهد الجديد الإصحاح العاشر: 13.
وأما هذا فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله.
وجاء في أعمال الرسل من العهد الجديد الإصحاح السابع: 56 و58: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله. فقال ها أنا أنظر السماوات مفتوحة وابن الإنسان قائما عن يمين الله.
كل هذا يقتضي التجسيم وأن الله جل جلاله يحويه المكان ويكون له جهة يمين.
والجدير بالذكر أن أهل التوراة والإنجيل لا يملكون أي تفسير عقلائي، وأي تأويل منطقي لهذه العبارات، من شأنه أن يرفع عنها طابع التجسيم، بل ويرفضون أن يحملوا هذه العبارات على المجاز والتجوز، أو يعالجوها بالتأويل وما شابه ذلك.
على أن هناك ما هو أصرح في التجسيم من هذه العبارات في التوراة نذكر أبرزها:
1 ـ لله تعالى رجل ويد: ورأوا إله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذرات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا. (سفر الخروج الإصحاح 23: 10 ـ 12).
2 ـ لله سبحانه حدقة عين: إن قسم الرب هو شعبه يعقوب حبلُ نصيبه، وجده في أرض قفر وفي خلأ مستوحش خرب. أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه!! (التوراة، سفر التثنية الإصحاح 932 ـ 11).
3 ـ لله سبحانه أجفان: الرب في هيكل قدسه. الرب في السماء كرسيُّه. عيناه تنظران أجفانه تمتحن بني آدم!! (المزامير المزمور الحادي عشر: 4).
4 ـ لله سبحانه فم: بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان!! (سفر التثنية: الإصحاح الثامن: 8).
5 ـ لله جناحان: إحفظني مثل حدقة العين. بظل جناحيك استرني!! (المزامير المزمور السابع عشر: 8) وجاء في المزامير في المزمور الحادي والتسعين أيضا: أقول للرب ملجأي وحصني إلهي فاتكل عليه لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن وباء الخطر بخوافيه(3) يظلّلك وتحت أجنحته تحتمي!
6 ـ لله سبحانه أنف: يمينك يا رب تحطّم العدو... وبريح أنفك تراكمت المياهُ!! (سفر الخروج الإصحاح الخامس عشر: 8).
7 ـ لله سبحانه موطئ قدم: ووقف داوود الملك على رجليه وقال اسمعوني يا أخوتي وشعبي. كان في قلبي أن ابن بيت قرار لتابوت عهد الرب ولموطئ قدمي إلهنا.!! (أخبار الأيام من العهد القويم ـ الإصحاح الثامن والعشرون: 2).
8 ـ الله سبحانه يبتلع: ابتلع السيد (أي الله تعالى) ولم يشفق كل مساكن يعقوب. (العهد القديم مراثي ارميا الإصحاح الثاني: 2).
9 ـ الله يلتحف بالسحاب: نحن أذنبنا عصينا. أنت لم تغفر.. إلتحفت بالسحاب حتى لا تنفذ الصلوات!! (مر العهد القديم ـ مراثي أرميا، الإصحاح الثالث: 42 ـ 45).
10 ـ الله سبحانه يضحك: الشرير يتـفكر ضد الصديق ويحرّق عليه أسنانه. الرب يضحك به لأنه رأى أن يومه آت!! (العهد القديم المزامير المزمور السابع والثلاثون: 13).
هذه طائفة من نصوص العهد القديم (التوراة) التي تصرح بجسمانية الله، وقيامه سبحانه بكل ما يقوم به البشر من ابتلاع، وضحك، والتحاف، وله كل ما للبشر من يد، ورجل ، وأنف، فم، وحدقة عين، وأجفان، وجناحان، وموطئ قدم، وما شاكل ذلك.. وشابه.
يقول العلامة الطباطبائي بعد ذكر قضايا ونصوص من التوراة مماثلة لهذه النصوص.
أول ما يبدو لك من التوراة أنها جعلت الرب تعالى موجودا أرضيّا على صورة إنسان.. فحاله حال إنسان أرضي من جميع الجهات، غير أنه نافذ الإرادة إذا أراد، ماضي الحكم إذا حكم، وعلى هذا الأساس يبتـني جميع تعليمات التوراة والإنجيل فيما يبثان من تعاليم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (إلى أن يقول): مع أن الله جل شأنه متـنزه عن الاتصاف بصفات المادة وأحوالها، متـقدس عن لحوق عوارض الإمكان وطوارق النقص والحدثان، وهو الذي يبينه القرآن(4).
ومن المؤسف جدا أن شيئا كثيرا من هذه السفاسف حول الله تعالى أدخلت بين ثنايا السنة الشريفة عبر رجال من أهل الكتاب، أسلموا ظاهرا، ودسوا في أحاديث الرسول من تلك الأباطيل ليطعنوا الإسلام من خلف بعد أن فشلوا في مواجهته وجها لوجه.
ومن المؤسف أن هذه المدسوسات ـ التي اصطلح على تسميتها بالإسرائيليات ـ وجدت طريقها إلى مصادر بعض المسلمين الحديثية، والتفسيرية، والتاريخية، وتلقيت بالقبول رغم معارضتها لمعارف القرآن الكريم الواضحة البينة، ورغم أنه كان يتوجب على المسلمين أن يعرضوا كل حديث مشتبه على الكتاب العزيز، ويحققوا فيه في ضوء ومقررات القرآن الكريم. فإن انسجم معه أخذوا به ونقلوه ودوّنوه في كتبهم، وأن تعارض مع روحه ونصه ضربوه عرض الحائط، وأعرضوا عن ذكره، وتسجيله، لكيلا يشوبوا عقيدة المسلمين بمثل هذه الشوائب.
فقد نسبت طائفة من هذه الأحاديث المدسوسة، إلى الله سبحانه ما نسبته التوراة والإنجيل من الجسمانية واليد والرجل، والساق والقدم؟ والعين، والصوت، والذراع والصدر والوجه والإصبع والضحك والرؤية، والمكان والتنقل والنزول وموطئ قدم إلى آخر(5).
ولا شك في أن كل هذه الأباطيل مما دسه اليهود والنصارى في الأحاديث. يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه وهي كلها مستمدة من التوراة(6).
2- إن القرآن الكريم يصرح في الكثير من آياته بنفي صفات المخلوقين عن الله سبحانه من جهل وعجز، وعبث وشر، وخداع وكذب، وندم وضعف بل يصفه تعالى بأنه العالم القادر، الحكيم الرحيم المحيط بما خلق، الهادف مما يعمل، والآيات في هذا المجال أكثر من أن تحصى، ولكننا نذكر هنا نماذج منها للعالم:
قال سبحانه: (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران/ 29).
وقال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الإنعام/ 90).
وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحجرات/ 18).
وقال تعالى: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك/ 14).
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) (فاطر/ 44).
وقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) (التوبة/ 2).
وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ). (المؤمنون/ 115).
وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً) (ص/ 27).
وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً) (النساء/ 126).
إن ما يقرره القرآن الكريم من هذه الصفات لله تعالى أمر يؤيده العقل، بل ويوجبه للإله الخالق، المدبر للكون الواجب الوجود، وتفصيل القول في هذا المجال موكولٌ إلى كتب علم الكلام والفلسفة.
ولكننا نلاحظ في التوراة والإنجيل (العهدين) نصوصا تصرّح بوصف الله تعالى بالجهل، والعبثية، والندم والحزن مما فعل:
جاء في الإصحاح السادس من سفر التكوين: 6 ـ 8:
ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الرب امحوا عن وجه الرب لإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم.
وجاء في الإصحاح الثاني من سفر التكوين: 15 ـ 18:
وأخذ الرب الإله آدم وضعه في جثة عدن ليعملها ويحفظها وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة نذكر أكلا. أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتا تموت.
ثم جاء في الإصحاح الثالث من نفس السفر (التكوين): 2 ـ 8:
وكانت الحية أحيل جميع الحيوانات البرية التي عملها الرب الإله، فقالت للمرأة أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة، فقالت المرأة للحيّة من ثمر الجنة نأكل.. وأما ثمر الجنة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا؛ فقالت الحية للمرأة: لن تموتا. بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين والخير والشر. فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعين وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا معها فأكل. فانفتحت أعينهما أنهما عريانان.
وجاء في آخر هذا الإصحاح: 22 ـ 24 من نفس السفر: وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد.
انظر كيف تنسب التوراة الخداع والكذب إلى الله تعالى. في النصوص الثلاثة الأخيرة، كما نسب الندم والتأسف إلى الله في النص الذي تقدمها.
الجدير بالذكر هنا هو أن القرآن الكريم دأب على عرض كل المسائل التوحيدية، على العقول، وحثها على التفكير فيها، حتى أنه تكررت لفظ (العقل) و(الفكر) و(اللب) و(النظر) بصيغها المختلفة خاصة عقيب آيات العقيدة أكثر من خمسمائة مرة ، بينما لا يدعو إلا إلى التعبد في التشريعات على الأغلب، وكأن القرآن يعتبر نفسه في مجال الاعتقادات بمثابة المرشد والمشير، ويرى أن على العقل بنفسه أن يسلك طريق المعرفة، ويرتقي في مدارجها في ضوء إرشادات القرآن وتوجيهاته، وبالتالي: عليه أن يتدبر في استدلالات الكتاب العزيز، ويتأمل في براهينه، فيعتقد ما يعتقده في هذا المجال عن تحقيقه لا تقليد. وهذا ينبئ عن صحة وسلامة ما يعرضه القرآن الكريم من المعارف والمفاهيم، فهو يخاطب العقلاء ويدعوهم إلى التحقيق فيما يقول، ويتحدى أن يأتي أحد بما يفند شيئا من مفاهيمه.
وفي ختام هذا البحث ينبغي أن نشير إلى ما كتبه العلامة الطباطبائي في ميزانه حول قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).
فقد كتب رحمه الله يقول: (هيمنة الشيء على الشيء ـ على ما يُتحصل من معناها ـ كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرف فيه، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية، يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيرة، وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرق إليها التغير، والتبدل حتى يناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقي والتكامل بمرور الزمان، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء/ 9) وقال: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (البقرة/ 106).
وقال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ). (الأعراف/ 157).
فهذه الجملة أعني قوله: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) متممةٌ لقوله: (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ) تتميم إيضاح إذ لولاها لأمكن أن يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والإنجيل إنه يصد ما فيهما من الشرائع والأحكام تصديق إبقاء من غير تغير وتبديل، لكن توصيفه بالهيمنة يبين أن تصديقه لها تصديق أنها معارف وشرائع حقة من عند الله، والله يتصرف فيها بما يشاء من النسخ ولا تكميل كما يشير إليه قوله ذيلا: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
فقوله: (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) معناه تقرير ما فيها من المعارف والأحكام، بما يناسب حال هذه الأمة، فلا ينافيه ما تطرّق إليها من النسخ والتكميل والزيادة كما كان المسيح عليه السلام أو انجيله مصدقا للتوراة من إحلاله بعض ما فيها من المحرمات كما حكاه الله عنه في قوله: (وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) (آل عمران/ 50).
إذن فالهيمنة القرآنية على الكتب الأخرى ـ حسب هذا التفسير ـ تعني أن القرآن، يصدق ما تتضمنه الكتب السماوية المتقدمة عليه من المعارف والشرائع، لكن لا تصديق إبقاء لجميع تلكم المعارف والشرائع بل يغير منها ما لا يراه مناسبا لحال البشرية، في مرحلتها الراهنة، ومراحلها المستقبلة.
ويشير صاحب كتاب (في ظلال القرآن) إلى ما يشمل هذا الرأي وما ذكرناه في المبحث السابق، إذ قال عند قوله تعالى: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).
(فهذه الصورة الأخيرة لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن، والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس، ونظام حياتهم بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل، ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يردّ إلى هذا الكتاب، ليفصل فيه سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي، بين أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم، في شأن الحياة كله هو هذا الكتاب، ولا قيمة لآراء الرجال، ما لم يكن لها أصل يستـند إليه من هذا المرجع الأخير)(7).

النتائج المترتبة على هذا البحث:
وتترتب على هذا البحث نتائج عديدة هامة أبرزها ما يأتي:
1 ـ إن القرآن الكريم يقرر ـ في ضوء هذا البحث ـ وحدة الأديان الإلهية في الأصول والأسس، إذ أنه يثبت ما ورد منها وبصورة صحيحة في الكتب السماوية المتقدمة عليه، ويصدقها ويؤيدها ويؤكدها بأمانة.
2- إن القرآن ليس متخذاً من كتب اليهود والنصارى إذ لو كان متخذا ومقتبسا منها لكان أمينا على ما يأخذ منها، ولما عارض الكثير من مقررات تلك الكتب في مجال التوحيد والتكوين والتشريع، والتاريخ والأخلاق، ولما هاجمها في هذه المواقع، وشدد النكير على مرتكبي التحريف فيها.
صحيح أن هناك تشابهاً بين الحقائق القرآنية التوراتية والإنجلية وهو شيء أمَرَ به القرآن نفسه إذ يقول من دون خيفة أو توجس: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ) (الشعراء/ 196) (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الشعراء/ 197). ولكن التشابه والإتفاق شيء والاقتباس شيء آخر وبينهما فراغ شاسع وفرق كبير.
3-إن على البشرية أن تتبع القرآن الكريم وتتخذه دستورا لحياتها، لأن القرآن وأن لم ينكر انتساب أصول الكتب السماوية الرائجة والديانات المستـندة إليها، إلى الله، إلا أنه بنسخه ما لا يتناسب من أحكامها من احتياجات البشرية المتطورة، وإتيانه بأحكام وقوانين عامة وجزئية تتمشى مع متطلبات الأجيال والعصور يكون قد عرض منهجا أكمل وشريعة أفضل، ودينا أقوم.
4- إن الثغرات والعيون الموجودة في الكتب السماوية الرائجة هي التي دفعت بعلماء الغرب ومثـقـفيه إلى الابتعاد عن الدين المتمثل في الكنيسة وكتبها ورجالها لتصادم أكثر مقررات هذه الكتب مع القضايا العقلية المسلمة، والقوانين العلمية الثابتة عن طريق التجربة والاستدلال، وهذا ما صرح به أكثر من واحد منهم.
ومن هنا يكون إعطاء مقارنات ومقايسات دقيقة بين القرآن الكريم والكتب السماوية الرائجة مدعومة بالأدلة العقلية والمنطقية القوية أفضل وسيلة لاجتذاب أولئك المثقفين والعلماء إلى حظيرة الإسلام.
5- إن هذه المقايسة، بين معارف القرآن الكريم ومحتويات الكتب السماوية الرائجة، ومسألة الهيمنة القرآنية على تلك الكتب من شأنها أن تثبت مسألة (مصونة القرآن من التحريف).
فإن أيدي الدس والتحريف وان طالت بعض مصادر الحديث، وبعض مجالات السنة كما عرفت، إلا أنها ـ رغم الدواعي القوية لدى مسلمة أهل الكتاب ـ لم تطل الكتاب العزيز، ولم تستطع أن تنال منه. ولهذا كان هذا الكتاب (القرآن الكريم) المصدر الإسلامي الوحيد الذي لم تطرأ عليه الزيادة والنقصان، ولا التصحيف ولا التحريف وبذلك يكون المعيار الوحيد لتمحيص حتى السنة النبوية والأحاديث والأخبار. ولهذا جاء في الحديث (إذا جاءكم عني شيء فأعرضوه على القرآن).
6- إن هذه الهيمنة التي يمتاز بها القرآن الكريم تؤهّله لأن يكون ـ بحق ـ الكتاب الأبدي الخالد الذي يغني البشرية عن أي كتاب آخر إلى قيام الساعة، لكونه يقرر الحقائق النهائية في جميع المجالات التي يخوضها، ويرفع النقاب بعناية إلهية عن كل ما لا يتوصل إليه البشرية إلا بعد لأي ومن خلال قرون من التجارب المختبرية والتحقيقات العلمية من أمور تتعلق بالكون والإنسان والحياة.
ولا شك أن إثبات هذا الكلام بصورة جزئية وعبر بيان المصاديق والشواهد العينية يحتاج إلى بذل جهود كثيرة، وإعداد دراسات يقوم بها علماء أو لجان بصورة مستمرة على أن لا يقتصر ذلك على مسألة الاعتقادات والأخلاق بل تشمل كل مناحي الحياة، والكون، والإنسان.
7- إن المقارنة والمقايسة بين معارف القرآن الكريم وبين محتويات الكتب السماوية المتداولة تكشف عن المصدر الإلهي للقرآن من أوله إلى آخره، بينما تكشف ـ في الوقت نفسه ـ عن المصدر البشري لكثير من محتويات التوراة والإنجيل، حيث طابع التفكير البشري المحدود والمادي يغلب على أكثر محتويات هذين الكتابين. وهذا بدوره يضع الإنسان أمام مرجعين أحدهما مطمئن، والآخر غير مطمئن.
الأول هو القرآن والآخر هو غيره من والملفت للنظر أن هذه النقطة استوقفت الكثير من المفكرين الغربيين فراحوا يتساءلون عن مدى أصالة وإلهية العهدين، ونمثل لذلك بالكاتب الفرنسي (موريس بوكاي) في تأليفه (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) حيث قال في الصفحة 11 منه: وثمة فرق أساس آخريين المسيحية والإسلام فيما يتعلق بالكتب المقدسة ذلك هو غياب النص الموحى به ـ والمحدد في الوقت نفسه ـ عند المسيحية، بينما يملك الإسلام القرآن الذي يحقق هذا التعريف.
إن القرآن هو نص الوحي المنزّل على محمد من سيد الملائكة جبرئيل قد كتب في الحال ثم حفظه المؤمنون على ظهر قلب. رددوه أثناء صلواتهم، وبخاصة طيلة شهر رمضان. وقد رتب محمد آياته في سور(8)، جمعت مباشرة عقيب وفاته.. (إلى أن قال) وخلافا لما جرى في الإسلام فإن الوحي المسيحي أنبنى على شهادات إنسانية (بشرية) متعددة وغير مباشرة، لأننا لا نملك أية شهادة من شاهد عاين حياة المسيح، خلافا لما يتصوره كثير من المسيحيين وهكذا تجدها مطروحة مسألة أصالة نصوص الوحي المسيحي والوحي الإسلامي.
ثم يطرح سؤالاً في الفصل الذي عقده تحت عنوان (العهد القديم) هو: من هو مؤلف العهد القديم؟ كم من قارئ للعهد القديم يُلقى عليه هذا السؤال فلا يحير جواباً إلا مردداً ما قرأه في مدخل التوراة بأن مؤلف هذه الكتب المقدمة كلها هو الله، مع أن الذين كتبوها هم بشر من الذين أوحى الروح القدس إليهم. (راجع ص15).
ويقول في الصفحة 22 من هذا الكتاب تحت عنوان أسفار العهد القديم وبعد أن يستعرض قضية أشياء كتبت بعد النبي موسى بقرون ثم ألحقت بالتوراة: لقد اختلط الوحي بكل هذه الكتابات. ولا نعرف اليوم إلا ما تركه لنا منه الذين عالجوا نصوصه حسب أهوائهم وفقا للظروف التي وجدوا فيها، والضرورات التي واجهوها.
إن هذا الكلام من الأهمية بمكان فهو اعتراف يكتبه فرنسي في أواخر القرن العشرين، وهو يكشف عن إعجاز القرآن، وأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وعلى صدق دعوة محمد صلى الله عليه وآله وصدق الله تعالى إذ يقول (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة/ 78).
هذه دراسة عابرة وموجزة لهذه الناحية الهامة في القرآن الكريم نرجو أن نوفق إلى متابعتها مستقبلاً إن شاء الله تعالى.

الهوامش:
(1) كما في قصة البقرة التي جاءت قصتها مفصلة في الآيات/ 67 ـ 72 ولم تذكر في التوراة الموجودة عند اليهود، راجع تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي ج1، ص200.
(2) الميزان ج1، ص340 ـ 343.
(3) الخوافي هي الريش الصغار من الأجنحة..
(4) الميزان ج6، ص326 ـ 325.
(5) راجع الكتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل، والتوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة، وصحيح البخاري ج أو 2، و5، و6، و8 ,9 وصحيح مسلم1 ج2 و6 و8.
(6) راجع الملل والنحل ج1، ص117 ومقدمة تبيين كذب المفتري ومقدمة ابن خلدون والمنار للسيد محمد رشيد رضا، وضحى الإسلام لأحمد أمين وأضواء على السنة المحمدية للشيخ أبو رية.
(7) إن كان يقصد عن طريق وبواسطة هذا الملك فصحيح، وإلا فلا، فإن القرآن نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جانب الله.
(8) إن كان يقصد حسب ذوقه فغير صحيح وإلا فإن رسول الله وضع كل آية وسورة في موضعها الفعلي، ورتب القرآن على ما هو عليه الآن بأمر الله وإرشاده.

المصدر: مجلة رسالة القرآن، العدد الخامس.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com