موقع الصراط ... الموضوع : المرأة في الجاهلية المعاصرة
 
الأحد - 5 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المرأة في الجاهلية المعاصرة  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / شعبان / 1434 هـ
     
  بقلم حوراء الربيعي
إن استذكار مأساة المرأة في الجاهليات الأولى لا يخفف من مآسيها في جاهلية عصرنا، واستشعار بشاعة ما لاقته في سالف الأزمان لا يهون بشاعة ما تلاقيه اليوم من امتهان لكرامتها وإنسانيتها، فلسنا بحاجة لاستعادة الأجواء التي عاشتها المرأة سابقاً، وما في جاهلية عصرنا لا يقل خطراً وقبحاً عن تلك الأجواء التعيسة، كما إننا في غنى عن إعادة ذكريات أليمة طوى عليها سجّل الزمان صفحاته، فاندثرت تحت غبار العصور، واستثارتها لا يحقق غاية مهمة ولا يجدي نفعاً، ففي جاهلية عصرنا من الإجحاف والتعسف في حق المرأة ما يكفي لأن ننشغل به عن تلك الصور الميّتة القديمة لكن ما يمكن الاستفادة منه في هذا الجانب هو المقارنة بين ما كان وما صار إليه حال المرأة دون الدخول في جزئيات ما مضى، بالإضافة إلى الاستفادة مما يمثل بقايا وجذور الرواسب الجاهلية القديمة.
لقد كانت المرأة ولا تزال مسرحاً لمختلف الاجتهادات البشرية، كلٌ يعرض فيه ما يراه مناسباً لحالها وفق آرائه وتخرصاته، فمن محتقر لها إلى أبعد الحدود، ومنزلها منزلة الحيوان، ومن مستعطف رؤوف حمله إشفاقه ورحمته وإنسانيته على إطلاق العنان لها في التحرر، والمساواة، وتحقيق الذات، دون قيود أو حدود. وبين هذا وذاك كان للإسلام الحنيف رأيه، فما بين إفراطٍ وتفريطٍ وقف دين الله موقف التوازن والاعتدال، وكما يقول السيد الطباطبائي فإنه (أبدع في حقها أمراً ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطن فيها قاطنوها، وخالفهم جميعاً في بناء بنية فطرية عليها، كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت أثرها)(1) وهذا واضح من أحكامه التي خالف فيها تفريط المتقدمين وإفراط المتأخرين وكان الإسلام بالنسبة للمرأة فيئاً تستظل بظلاله الوارفة منع عنها قسوة الجاهلية الأولى وانحراف الجاهليات المتعاقبة، والتي كانت قد احترقت بلظى نيرانها، ولو قُدّر لتعاليمه السامية أن تأخذ مجراها في الحياة لما راحت المئات بل الآلاف من النساء ضحية لعنجهيات الجاهلية المستبدة قديمها وحديثها.
إن الابتعاد عن تعاليم الدين في عصرنا الحاضر وضع المرأة في حالين متباينين اِبتنت عليها صورتان من التعامل:

الصورة الأولى: معاملتها بما تبقى من رواسب الجاهلية القديمة:
إن عصرنا الحاضر لا يزال يضم بين جنباته الكثير ممن يحملون العقلية الجاهلية القديمة تجاه المرأة، فالازدراء، والتحقير، والنظرة الدونية التي يُنظر بها للبنت مقارنة بنظرة الإكبار والتعظيم للذكر لا تزال آثارها ملموسة في عصرنا الحاضر وفي جوانب عديدة منها:

أولاً: حرمانها من التعليم
تقول الدكتورة سعدى الخطيب: (ما زالت نسبة الأميات أكثر من الذكور في العديد من الدول العربية... ويعود السبب في ذلك إلى العقلية السائدة في بعض المجتمعات العربية، وهي أن الفتاة ليست بحاجة إلى التعليم طالما أنها ستتزوج وتقتصر على تربية أولادها)(2).
وفي ذلك أكبر دليل على أن الغباء والتحجر لا زال يجد له محلاً في عصر الحداثة والتطور، وإلا كيف يمكن لجاهلة فاقدة للعلم والمعرفة أن تؤدي دورها التربوي بشكل سليم وكما يقول الكاتب عمر حسنة: (ولا ندري كيف يمكن أن تقوم بأداء وظيفة تربوية، وتُخرّج نماذج لحياة لا تعرفها وكأن التربية تقتضي الجهل، والغباء، والعطالة بحيث تصبح أقرب لتنظيف البيت والطفل منها إلى تربيته)(3).

ثانياً: حرمانها من الإرث
قال تعالى: (( لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا))(4) وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: (من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء)(5) فلا تزال المرأة في بعض الأماكن محرومة من إرثها الذي جعله الله تعالى لها رغم تأكيد تعاليم الإسلام على عدم أخذ حقها يقول السيد المرتضى: (وقد كانت الجاهلية تورث الرجال دون النساء فمن أخذ بذلك فقد أخذ بسنة الجاهلية)(6).

ثالثاً: إعضال المرأة
يتجلى ذلك في منعها من الزواج من الكفء في الكثير من الأحيان لاعتبارات عشائرية قبلية بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام، بالإضافة إلى إعضالها لإكراهها عن التخلي عن مهرها لفكاك رقبتها من الزوج الظالم لها. بينما أكدت تعاليم القران الكريم على خلاف ذلك ((وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ))(7)

رابعاً: اعتبارها مصدراً للعار
ساوى الإسلام في الحكم بين الزانية والزاني، ولم يفرق بين الاثنين لكن العقلية القبلية المتحكمة في النفوس لا تزال تحسب الزنا عاراً تلحقه المرأة بعائلتها دون الذكر، ولذلك فإن أغلب جرائم الشرف ترتكب بحق المرأة دون الرجل والتي تقع أحياناً على مجرد الظن والشبهة.
والأشنع في كل ذلك أن هذه الأمور تحدث أحياناً باسم الإسلام.
وإلى جانب هذا التطرف والغلو في التضييق على المرأة، وفي عالم واحد نجد صوراً أخرى تقع بالنقيض للصور التي تقدم الحديث عنها.
ولو عدنا من حيث انتهينا في الكلام عن جرائم الشرف التي تمثل إفراطاً في الغيرة على المرأة نجد إلى جانبها صورة أخرى تناقضها تماماً، فلا تجد للغيرة على الشرف والعرض من أثر يذكر، بل قد يدفع الأب ابنته إلى مواطن الفساد ولا يجد بذلك عيباً أو حرجاً، وكلا الصورتين دليل واضح على الجاهلية العمياء التي يتخبط فيها الجميع بلا فرق بين المتخلف والمتحضر وكما يقول أمير المؤمنين (ع): (لا يرى الجاهل إلاّ مفرطاً أو مفرّطا)(8) وقد علق الشيخ جوادي آملي على الحديث بقوله: (فانعدام الغيرة بشأن الرجل مستقاة من الثقافة الغربية، والغيرة على النساء ورثناها عن الثقافة الجاهلية فجمعناها سوية، وجعلناها على حساب الإسلام الأصيل)(9).


الصورة الثانية: معاملتها بما استحدثته الجاهلية المعاصرة:
كما نجد مقابل الصور التي مرّت في التعامل مع المرأة صوراً أخرى في نوع آخر من التعامل وهي:

أولاً: الإكراه على البغاء
وهو الإكراه على البغاء الذي ذكرته الآية الكريمة ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء))(10) حيث تُستخدم الأعراض لجني الأموال، وتُكره المرأة على المتاجرة بشرفها، ويُدفع بها إلى مراكز الفساد؛ ليكون بذل عفتها أفضل وسيلة لجمع الثروات الطائلة، يقول الشيخ مكارم في تفسيره للآية: (هذه الآية تكشف عن مدى الرذيلة والانحطاط الخلقي الذي كان سائداً في عهد الجاهلية... ومع بالغ الأسف نجد عصرنا الذي سمي بجاهلية القرن العشرين تمارس البشرية هذا العمل، وعلى قدم وساق في بلدان تدعي المدنيّة والحضارة)(11).

ثانياً: اتخاذ المرأة سلعة:
تجري المعاملة مع المرأة في جاهلية العصر الحديث على أنها سلعة ويُساء الاستفادة من أنوثتها وجسدها لتسويق البضائع و المنتوجات، ولا يكاد يخلو إعلان تلفزيوني من استخدام مشين لجسد المرأة سواء كان المنتج من الأمور التي تخص المرأة أو لم يكن! لقد تم استخدام جسد المرأة لسحق إنسانيتها وآدميتها، فأبرزت كجسد فاتن وعُرِّيَت من كل كمال إنساني آخر، وكأن مواهبها في الحياة انحصرت في جسدها وقدرتها على الإثارة و الأغراء، حتى كان استخدام المرأة كسكرتيرة لرجال الأعمال، أو مضيفة في شركات الطيران، أو بائعة في مراكز التسوق أفضل وسيلة لاستجلاب الزبائن، وجذب أنظارهم، ونيل رضاهم، وما ذلك إلا صورة من الاستخدام الرخيص لأنوثة المرأة وهي في غفلة عن ذلك.
يتلخص الحديث عن كل ما مر بأن المرأة التي كانت تُوأد في الجاهلية الأولى لا زالت تُوأد بصورة مختلفة يمكن أن نطلق عليها اسم الوأد المعنوي فهوان النفس الإنسانية هو السبب المشترك لتحقق الوأد وإن اختلفت صوره في عصرنا الحاضر يقول صاحب كتاب (مراجعات في الفكر والدعوة): (إن الوأد التربوي والنفسي و الاجتماعي لا يزال يتم لكن بصورة أكثر حداثة وإخراجاً)(12) وأضف إلى ذلك أنه أكثر خطراً، وأكبر قبحاً، فقد كانت الأنثى تُوأد فتنتقل إلى ربها مظلومة لتسأله ((بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ))(13) والمرأة اليوم تُقتل عفتها، وتُهدر كرامتها في الدنيا، ويسلب منها كمالها الإنساني، وبذلك يكون وأد الكرامة، والعفة، والمنزلة الإنسانية أشدّ وأعظم، لأنها فقدت حياة الطُهر والعفاف في الدنيا وعرضّت آخرتها للخسران والضياع بقبولها بهذا الوأد وسكوتها عنه.

الهوامش:
(1) الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص269.
(2) الخطيب، سعدى محمّد، حقوق الإنسان بين التشريع والتطبيق، ص114.
(3) حسنة، عمر عبيد، مراجعات في الفكر والدعوة، ص67.
(4) سورة النساء، آية 19.
(5) الشريف المرتضى، علي بن الحسين، رسائل المرتضى ج1، 260.
(6) الطوسي، محمّد بن الحسن، الخلاف، ج4، ص64.
(7) النساء: 19.
(8) ابن الأثير، المبارك بن محمّد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج3، ص445.
(9) جوادي آملي، عبد الله، المرأة في مرآة الجمال والجلال، ص524.
(10) النور: 33.
(11) الشيرازي، مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج11، ص95.
(12) حسنة، عمر عبيد، مراجعات في الفكر والدعوة، ص68.
(13) التكوير: 9.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com