موقع الصراط ... الموضوع : الأستاذ الشهيد حميد خلف عبد التميمي
 
الأحد - 16 / شعبان / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأستاذ الشهيد حميد خلف عبد التميمي  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 14 / شعبان / 1434 هـ
     
  حميد خلف
بقلم: الشيخ محمود البياتي
حالات الشهداء وأطوارهم محيرة لا يعرفها إلا من تشبعت روحه بحب الشهادة، تعلقهم بحب الله وحب القرب منه جعلهم يستذوقون الشهادة في هذا الطريق المليء بالأشواك، حياتهم البسيطة، ابتعادهم عن الترف، وعن زخارف الدنيا وزينتها يثير الكثير من الأسئلة المحيرة التي تكون الإجابة عنها في أحيان كثيرة صعبة.
أحد هؤلاء الشهداء هو شهيدنا الغالي الأستاذ حميد خلف عبد (أبو نذير) تعرفت عليه وهو في مرحلة الصبا، توسمت فيه روح الإيمان، وروح التضحية، وحب الآخرين، وحب الخير لهم، واستمرت علاقتي به، وكانت تقوى يوماً بعد آخر، كان وهو في الدراسة الابتدائية متعلقاً بحب القرآن وتلاوته، وكانت تلاوته تجذب من يستمع إليها خشوعاً وربطاً بالله تعالى وبالقيم الإسلامية العالية.
حميد خلف
كان همه وهمته أن تبقى كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ولا يهمه بعد ذلك التضحيات التي يقدمها في هذا السبيل، أعجبني فيه هدوءه وتؤدته، وكنت كلما رأيته أتذكر حديثاً للإمام علي (ع): (كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا قال بذَّ القائلين، ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً! فإن جاء الجِدُّ فهو ليثُ غابٍ، وصِلُّ وادٍ...)
كان يجسد رسالته بسلوكيه قبل قوله ، وكان حقاً مصداقاً لحديث صادق أهل البيت (ع): (كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم) كان هادئاً لا يغضب للدنيا، ولكنه يغضب لله تعالى، عاش حياة الكدح والجهاد، ولم يقر له قرار، وهو يرى تسلط العصابة العفلقية على مقدرات العراق.
كان ذكياً متقدماً في دراسته، ولكنه يخفي نفسه، فلا يتظاهر أنه يعلم بل يستمع إلى كل من يتكلم، وكأنه لا يعلم شيئاً، قال لي مرة أحد أساتذته في الدراسة الابتدائية: إن هذا التلميذ حيرني؛ فهو يعرف كثيراً، ولكنه لا يتظاهر بذلك أبداً حتى إذا رأيته ظننته لا يعرف شيئاً، ولكن بمجرد أن تسأله ينقع غليلك، فوا عجباً لهذا التلميذ الصغير.
ورغم سياسة البطش والتنكيل والاجتثاث التي مارستها العصابة البعثية في العراق، فقد كان يبحث عن طريق يخدم بها دينه وعقيدته، ويسقي بها البعثيين كؤوساً مرة، ولذلك انتمى وبكل شجاعة إلى صفوف حزب الدعوة الإسلامية، وكان أحد المنظمين في صفوفها، وواصل جهاده بتؤدة مع أستاذه (مجيد جواد) الذي عين مدرساً في ثانوية أبي صيدا، وكان هو أحد تلاميذه، واستمرت العلاقات بينه وبين أستاذه، واستمرت لقاءاتهما بمرمى ومسمع من البعثيين الذين كانوا يرصدون كل حركة يتحرك بها ويكنون له العداء، وكان هو فخوراً بذلك، إذ جعل أعداءه من الحمقى المتكالبين على الدنيا وزينتها وزخرفها بينما هو ينظر إلى العلا وإلى القيم الرفيعة والأخلاق السامية.
حميد خلف
وبعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران أعلن تأييده لها بكل شجاعة وقوة، ولم يرهب البعثيين وسلطتهم، في يوم من الأيام كنت وإياه نتحدث سوية عن أوضاع العراق بعد قيام الجمهورية الإسلامية وعن جنون العصابة البعثية في العراق، وتخبطها في كيفية مواجهة هذا السيل العارم الذي انطلق من إيران مبشراً بقيام حكم الله على الأرض، وكنا مطاردين متخوفين أن يتخطفنا البعثيون، وكان رضوان الله عليه يقول: ترى ما نحن فيه من ضيق وشدة وعسر إني أرى أنه لو انتصرت الثورة الإسلامية في العراق فإن الصعوبات التي تواجهها تكون أشد وأعسر من هذه الصعوبات التي نواجهها الآن.
بعد اندلاع الحرب البعثية الصهيونية ضد جمهورية الإسلام في إيران فتحت أبواب جهنم على العراقيين ، فقام البعثيون بكل قوتهم وثقلهم بزج الشباب العراقي في هذه المحرقة، وأصبح الشعب العراقي كله (من يقدر على حمل السلاح وحتى من لا يقدر) مطالباً بأن يتوجه إلى المحرقة التي أوجدتها الصهيونية وعميلهم صدام للقضاء على الحركة الإسلامية في العراق، ودعت القوة الاحتياطية للالتحاق بالجبهات، وكان أحد المدعوين لها هو شهيدنا الغالي، وكان قد أصبح أستاذاً يدرس في كركوك، فاستدعوه للالتحاق بالمحرقة، ولكنه رفض بكل عنفوان، وأبى أن يكون مطية لخدمة صدام وأسياده، ولذلك ترك الجبهة، وذهب إلى بيته بكل شجاعة وقوة متحدياً السلطة، وقد تعجب الناس من أمره إذ لا يجرؤ أحد في ذلك الوقت أن يقف بوجه صدام وعصابته ذلك الموقف، وخاصة مسألة الالتحاق بجبهات القتال، وحاول البعثيون بكل وسائل الترغيب والترهيب أن يثنوه عن عقيدته، ولكنه أبى إلا اندفاعاً في عقيدته، وفي دينه، وبقي مقاوماً لكل عوامل الترغيب والترهيب.
رأيته مرة في مدينة بعقوبة، وركبنا السيارة سوية وكان وجهه يطفح بالإيمان الذي امتلأ به قلبه، ففاض على جوارحه، وكان شديد العزم بعد أن أصدر البعث الكافر قراره بإعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية، وكانت الابتسامة تعلو وجهه وهو يقول: فليفعلوا ما يفعلوا فوالله لم ولن يطفؤوا نور الله بأفواههم.
حميد خلف
في الحديث الشريف: (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بعين الله)، حدثني مرة أنه ذهب إلى المدرسة التي يدرس فيها في كركوك، وكان قد ترك الجبهة وبقي في بيته، وعندما وصل المدرسة لبعض الأشغال قال له مدير المدرسة: عندي شغل معك، انتظرني قليلاً، يقول الشهيد: ولكن قلبي أعلمني أن هناك مكيدة قد أعدها هذا الأستاذ لي، ولذلك تظاهرت بأني خارج إلى المغاسل، ومن هناك انسللت إلى باب المدرسة الخلفي ، واستأجرت سيارة أقلتني إلى المرآب ومنه ركبت سيارات بعقوبة، وبمجرد وصولنا إلى نقطة التفتيش في بداية مدينة كركوك كانوا قد أنهوا تفتيش سيارتنا، وصل كتاب فيه اسمي يطالبون فيه بإلقاء القبض عليَّ، وهم يتصورون أني لا زلت في كركوك.
وقد حاولوا قبل ذلك في فخ من فخاخهم حيث أرسلوا إليه أحد أزلامهم وكان يتظاهر بأنه من ذوي الدين والإيمان وطلب منه مؤلفات الشهيد الصدر والانضمام إلى حزب الدعوة الإسلامية، وعندما كتب تقريراً عنه أخبر من قبل التنظيم أن هذا مندس أرسل إليه.
كانت علاقته بالسيد الشهيد آية الله العظمى محمد باقر الصدر علاقة روحية قوية، كان يحبه كثيراً، وكان يعجب من ذكائه؛ فإنه يقول: رآني السيد الشهيد أول مرة ثم انقطعت، وبعد سنة أو ما يقرب من السنة ذهبت لزيارته، وبمجرد أن رآني هتف باسمي، وقال: أهلاً بأهالي ديالى.
كان متحدياً للسلطة بكل أنواع التحدي حتى أسماء أولاده تمثل هذا التحدي؛ إذ سمى ولده البكر (نذير) منذراً للعصابة البعثية بسوء المنقلب في الدنيا والآخرة، وسمى الثاني (بشير) مبشراً بظهور الإسلام ونشر رايته على ربوع الوطن، فكان كما توقع الشهيد الشيخ عارف البصري إذ قال: (الثمانينات سني الإسلام).
لم يصبر البعثيون كثيراً وهذه عادتهم، فقرروا تصفيته، وكان هو يتحداهم بإيمانه وقوة عقيدته، وكثرت زيارات رجال الأمن، ورجال الحزب الكافر ودورياتهم للمنطقة، وجندوا الأعداد الكثيرة من أزلامهم، وفي يوم من أيام شهر تشرين عام 1981م هاجموه في بيته، وكان مريضاً يشكو الحمى، فأخذوه من فراش المرض، وساقوه إلى زنزاناتهم وطواميرهم وانقطعت أخباره، وهُدِّدَ كل من يسأل عنه بسوء العاقبة من قبل البعثيين، ومرت الأيام ولا علم ولا خبر عنه، وشاء الله تعالى أن يسقط نظام البعث على يد أسياده، وزال الكابوس الذي كان جاثماً على صدر العراق، وبدأت العوائل المنكوبة تفتش عن مصير أولادها ومنهم الشهيد حميد خلف عبد وأخوه يوسف خلف عبد وأخيراً وجدوا اسمه بين أسماء الشهداء السعداء الذين أعدمهم البعث ودفنوا في المقابر الجماعية، فسلام عليك يا أخي، يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com