موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-10
 
الثلاثاء - 10 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-10  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 14 / شعبان / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
عاقبة الظلم:
لم تزد الآيات والمعجزات التي أجراها الله على يد موسى فرعون وملئه إلا طغيانا وكفرا، فواصل ظلمه على بني إسرائيل بشكل أشد، قتلا للرجال واستحياء للنساء. بل أصروا على كفرهم عنادا واستكبارا وقالوا لموسى (ع): ((مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)) (الأعراف:132) وبالمقابل واصل موسى (ع) دعوته بدون توقف إلى أن وصل حدا ألا يستمعوا له، ولم يرتدعوا عن غيهم فحينئذ يئس موسى منهم فدعا ربه ((رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيم)) (يونس:88) إن موسى هنا لم ييأس من إيمان القوم إلا أنه كان يرى أن الشر في طغيان آل فرعون كان ناتجا مما أوتوا من أموال وقوة وسلطان، فأراد أن يردعهم لعلهم يرجعون عن غيهم، ويتذكرون نعم الله تعالى... فجاء الرد الإلهي لموسى وهارون (ع): ((قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) (يونس:89) وحل البلاء بآل فرعون على شكل حلقات متواصلة، وعلى مراحل مختلفة وفي أنواع من البلاء لم يكونوا يتوقعونه. فأول ما أصابهم القحط، والجدب. يقول تعالى: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)) (الأعراف:130) جاء الجدب، في أرض مصر (المخصبة، المثمرة، المعطاء، وهي ظاهرة تلفت النظر، وتهز القلب، وتثير القلق، وتدعوا إلى اليقظة، والتفكر، لولا أن الطاغوت والذين يستخفهم الطاغوت - بفسقهم عن دين الله - فيطيعونه، لا يريدون أن يتدبروا، ولا أن يتفكروا؛ ولا يريدون أن يروا يد الله في جدب الأرض ونقص الثمرات ولا يريدون أن يتذكروا سنن الله ووعده ووعيده، ولا يريدون أن يعترفوا أن هناك علاقة وثيقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة العملية... لأن هذه العلاقة من عالم الغيب)(1)
ومضت سني القحط والجدب، ولم يرتدعوا، ولم يعتبروا ولم يتفكروا...
ثم توالت عليهم المصائب والبلايا والمحن فمن قضا القحط والجدب حتى جاء الطوفان، والجراد، والقمل والضفادع والدم آيات من الله تعالى إلا أنهم لم يخضعوا، ولم يتراجعوا بل ازدادوا علوا واستكبارا وفي كل مرة كانوا يهرعون إلى موسى أن يدعوا الله لهم ليكشف عنهم العذاب وفي كل مرة يدعوا الله لهم وما أن يرتفع البلاء إلا ويمكثون عهدهم الذي عاهدوا ((وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)) (الأعراف:132-135)

خروج بني إسرائيل:
كلما توالت سني البلاء والمحن على فرعون ازداد ظلما واستكبارا وتعذيبا لبني إسرائيل ووصلت الدعوة إلى حد لا ينفع مع فرعون وملئه معجزة ولا آية ولا كرامة ولا عذاب، فهو مصر على عتوه وظلمه ولم يتراجع قيد أنملة، وحينئذ أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ويتوجه نحو فلسطين. يقول تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)) (الشعراء:52) ويخرج موسى (ع) ببني إسرائيل خلسة من فرعون وملئه وما أن يطرق خبر خروجهم سمع فرعون حتى استنفر جنوده ((فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)) (الشعراء:54) ليوهن بهم ويستصغر قدرهم ولكن رغم ذلك يستنفر قواه كلها؛ ليقضي عليهم إلا أنه جهل أن هلاكه في هذا الخروج المشؤوم الذي أخرجه من كل النعيم الذي أطغاه ((فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)) (الشعراء:57-58).
ويخرج فرعون بقضه وقضيضه مستنفراً كل قواه، - وقد أخذه الغرور والطغيان- يريد أن يقضي على موسى (ع) وبني إسرائيل وكاد أن يلحق بهم ويدركهم لينزل بهم العذاب الأليم، ويشعر بنو إسرائيل بالخطر ويهرعون إلى موسى (ع) قائلين يا موسى ((إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)) إلا أن موسى (ع) لم يكن ليعبأ بمخاوفهم متوكلاً على الله شاعرا بمعيته فمادام هو مع الله كان الله معه فلا يرهبه جيش فرعون ولا تخيفه أعماق البحر لأن كل ذلك بيد الله والله تعالى هو الذي يدبر الأمر ويحمي عباده ((قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)) (الشعراء:62) ويصل موسى (ع) والذين معه إلى البحر وتنقطع الحيل ويوشك أن يقعوا في قبضة فرعون إلا أن اليد الإلهية تتدخل فتوحي إلى ((أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ)) وتحدث المعجزة الكبرى الذي لم يعرف لها مثيل ((فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)) (الشعراء:63) وفي جواب رسول الله (ص) لعبد الله بن سلام اليهودي حين سأله قائلاً: (فأخبرني عن بقعة أضاءته الشمس مرة ولا تعود أخرى إلى يوم القيامة؟
قال (ص): لما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق البحر باثني عشر قطعة وأضاءت الشمس على أرضه فلما اغرق الله فرعون وجنوده أطبق البحر ولا تضئ الشمس إلى تلك البقعة إلى يوم القيامة، قال: صدقت يا محمد)(2)
وقرب الله فرعون وجنوده إلى البحر ووصلوا إليه ورأوا المعجزة العظمى إلا أنهم يفكروا بما حدث وإنما أغروا بأنفسهم ليلاحقوا موسى وبني إسرائيل فاقتحموا الطريق خلفهم وما إن جمعهم الله في داخل البحر أطبق عليهم فكانت لهم قبوراً وأغرقهم الله وراح فرعون عندما أدركه الغرق وقد تجاوز بنو إسرائيل البحر وإذا به يصرخ ((آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) (يونس:90) لكن هذا لم يجديه نفعاً لأنه كان من المفسدين ((آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)) (يونس:91) أبعد هذا العصيان والظلم لا ينفعك يا فرعون إيمانك لأنه إيمان المضطر الذي لا يجدي حيلة ((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)) (يونس:92).
إنها الآية الناطقة الحسية منذ عصر فرعون حتى اليوم وقد اكتشف سنة 1900 بعد الميلاد في حفريات الأقصر وجثته اليوم في المتحف المصري.

الهوامش:
(1) سيد قطب: في ظلال القرآن: 3/615 .
(2) الشيخ المفيد: الاختصاص: 51 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com