موقع الصراط ... الموضوع : دوافع النهضة الحسينية-3
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دوافع النهضة الحسينية-3  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 14 / شعبان / 1434 هـ
     
  بقلم: أسرة البلاغ
غياب الطاغية وتصاعد وتيرة الأحداث:
كان لغياب معاوية عن مسرح الحياة السياسية آثار نفسية كبيرة على أوساط الأمة المختلفة في دولة المسلمين، فماعدا الطبقات النفعية، والوصولية، شهدت قطاعات الأمة المختلفة حركة وعي غير اعتيادية، تفاعلاً مع ذلك الحدث التاريخي، خصوصاً الطبقات الشعبية المسحوقة... وإن كان ذلك التفاعل قد تفاوت بين العفوية في الحركة، والتخطيط لمرحلة ما بعد معاوية، وبين الحيرة السلبية والاستعداد للتضحية... بيد أنّ القاسم المشترك لعموم التحرك الشعبي بأجوائه المختلفة كان الرفض للنفوذ الأموي الجاثم على صدر الأمة...
لقد رفض البيعة للملك المراهق يزيد بن معاوية كثير من رموز الأمة يومذاك من الصحابة، والتابعين، ومفكري الأمة، وفقهائها، ومحدثيها، كما رفض النفوذ الأموي البغيض مدن، وقبائل، وبطون، وتجمعات بشرية واسعة، إلاّ أن الهاجس الذي يؤرق الجماهير كان البطش الأموي الذي اعتاده الطغاة، وحزبهم المنتشر في أصقاع كثيرة، فالأمة لا تنسى سياسة قطع الأرزاق، ونهب الأموال، والاغتيال السياسي الغامض والتصفيات الجماعية العلنية، والرعب والإرهاب، والدسائس، واستعداء البعض على البعض وغير ذلك من ممارسات لئيمة بشعة..
اعتمدها الأمويون لردع كل معارضة شعبية، وإبادتها، إن هذه السياسات تظل راسخة في أذهان الناس، مؤثرة على مواقفهم وإن كانوا قد علموا بانهيار جدار الطغيان بموت معاوية، فلا يعلمون ماذا سيواجهون من مصير إذا هم أعلنوا النهضة الشعبية في وجه الطغاة الجدد!
وهكذا تفاوتت المواقف في المدن، ولدى القبائل، والجماعات والأحزاب السياسية في الدولة انتظاراً لما تسوقه الأقدار لهذه الأمة المستضعفة التي شاع فيها النفاق الاجتماعي بسبب عنف السياسة الأموية، وطغيان الحاكمين، أو لما ستؤول إليه الأمور بعد الفراغ الذي خلفه الداهية الأموي بعد رحيله...
لقد غاب معاوية عن المشهد السياسي، فخلف وراءه فضائع لا تعالج بشكل سريع أبداً وها هي تلقي بثقلها على كاهل الأمة كلها...
أوّلاً: فتعليق الدستور الإسلامي، واستبداله بتشريعات، وقوانين وضعية تلامس مختلف شؤون الحياة يشكل إحدى الكوارث التشريعية والقيمية الكبرى التي تواجهها الأمة.
فتعليق الدستور أعقبه ظهور أنماط مختلفة من التشريعات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، من قبيل:
1- استبدال الحكم الانتخابي الشعبي بنظام امبراطوري ثيوقراطي دكتاتوري.
2- استبدال العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في العطاء والمصالح التي ينص عليها دستور المسلمين، بالتمييز في الإمكانات، وتقديم الحزب الأموي، ورؤوس الحكم على عموم الأمة، واعتبار الثروة ملكاً خاصاً للإمبراطور، يهب ما شاء لمن يشاء ويمنع ما شاء من يشاء، باعتباره ظل الله في الأرض، يحكم ما يريد..
3- شيوع النفاق الاجتماعي بين الناس، وخوف بعضهم من بعض بسبب المطاردة، والإرهاب، وإشاعة الخوف في صفوف الأمة، حتى أنّ الرجل كان يخشى من زوجته وخادمه، وعمال مزرعته ـ كما ينص المؤرخون ـ.
4- التمييز بين الناس بسبب الانتماء القبلي، والقطري، والقومي، والديني، والاتجاه السياسي، وكان أكثر الناس أذىً، ومظلومية أهل العراق، والأنصار، وشعوب البلدان المفتوحة (الموالي)، وأتباع أهل بيت النبي (ص).
ثانياً: إلغاء رأي الأمة، والاستهانة بها، واتباع سياسة التمييز بين المواطنين، واعتماد سياسة الإرهاب، والترغيب، بالمال، والمناصب، أوجد حالة من الانكماش، والذعر لدى الأمة، حتى صار الاعتراض على السلطة ضرباً من المستحيل، ومن أجل ذلك يلاحظ أن اتخاذ أبي عبد الله الحسين (ع) قراره بالاعتراض على الحكم، ورفضه لبيعة يزيد ابن معاوية ـ رغم تشخيص الأمة عموماً ليزيد ـ كان يواجه من أقرب المقربين للحسين (ع) بعدم الرضا والنصح له، بعدم التعرض للحكومة، وكان شعار الغالبية: الطلب من الإمام السبط (ع) أن ينأى بنفسه عن معارضة السلطة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، كما تشهد بذلك الوثائق التاريخية التي تتحدث عن لقاءات بين زعامات إسلامية رفيعة مع الإمام الحسين (ع)، وطلبها منه ذلك، حتى دعاه بعضهم للتسليم، والبيعة ليزيد..
وفي الأحداث التي جرت في الكوفة، والانهيار النفسي السريع لدى الناس، عندما أشيع من قبل عملاء السلطة إن جيشاً من الشام توجه إلى الكوفة لمعاقبة «المعارضة»، دليل صريح على تأثير الإرهاب الأموي على نفوس الناس.. حتى وصف أحد العقلاء المعاصرين لتلك الأوضاع تلك الحالة من الازدواجية الشديدة: إنّ القلوب مع الحسين، والسيوف عليه.. ومن ذلك شيوع شعارات: ما لنا، والدخول بين السلاطين..
إن هذه الظواهر تلقي ظلالاً على شدة الإرهاب، والتمييز، ومصادرة الرأي الآخر في المجتمعات المسلمة، حتى غدت تعيش حالة من الإزدواجية قلّ نظيرها في تاريخ الإنسان.
ثالثاً: السياسة المالية التي تميزت بالنفس الإقطاعي ـ الرأسمالي معاً، حيث السياسة الإقطاعية في امتلاك الأراضي الزراعية، في الشام، والعراق، وبلاد فارس، وغيرها، وكانت السياسة الضريبية من أسوأ السياسات التي يمارسها الوكلاء، والإقطاعيون كالدهاقين، في بلاد فارس وخراسان وما وراءها...
هذا إضافة إلى سياسات الحرمان، وقطع الأرزاق، والأفقار للطبقات الأوسع في المجتمع، وفي تاريخ تلك الحقبة أرقام مذهلة عن هذه الحالة التي قلّ نظيرها في تاريخ المسلمين..!
إن هذه الوقائع، والأحداث كانت تلقي بظلالها على الأمة بمختلف طبقاتها، وقطاعاتها، حتى إذا هلك معاوية كان الطغيان قد فعل فعله الكبير في الأمة، نفسياً، وسياسياً، وثقافياً، واقتصادياً... ولذا كانت حركة الأمة بعد انكسار باب الجور (موت معاوية) بطيئة، أخذت بالنمو شيئاً، فشيئاً، حيث بدأت بالعراق، ثم مكة، وتسربت إلى اليمن... على تفاوت في الوسائل، وطرق المواجهة، وطبيعة التحرك... حيث يلقي الرعب بظلاله على الجماهير، وقطاعات الأمة المختلفة.

الحسين (ع).. مكانته الدينية وموقعه الاجتماعي:
الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، وأمّه فاطمة الزهراء بنت محمّد رسول الله (ص).. عاش في كنف الوحي، والرسالة، وأرضعته ثدي الإيمان، والهدى.. تنزلت آيات الله تعالى تجاهر بطهارته، وقداسته، ومكانته السامية، كآية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب/ 33).
وآية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران/ 61).
كما تواترت أحاديث النبي (ص)، ووصاياه، تشيد بالمكانة السامية التي يحظى بها هذا السبط الإمام (ع).
ـ «الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنّة».
ـ «حسين منِّي، وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط».
ـ وعن الصحابي البرّاء بن عازب قال: «رأيت رسول الله (ص) حاملاً الحسين بن علي على عاتقه، وهو يقول: أللّهمّ إنِّي أحبه، فأحبّه».
وكان الحسين السبط (ع) صورة حية لشريعة الله تعالى وقيمه الجليلة سواء أكان في سلوكه الشخصي، أو في أسرته، أو في علاقته مع الناس، حيث الطهر، والنبل، والشهامة، وكرم النفس، وحب الناس، والسهر على مصالحهم...
إن هذه الخصائص النسبية، والحسبية المميزة قد وضعت الإمام أبا عبدالله الحسين (ع) في موقع اجتماعي قلّ نظيره، حيث ترى فيه أوسع قطاعات الأمة أملها المنشود، ترجو أن تتوفر الفرص العملية ليقود مسيرتها نحو الخير، والخلاص، والحرية والعدل الاجتماعي العميم...
لقد كان الحسين (ع) ـ إضافة إلى شخصيته الدينية المقدسة المتميزة ـ أملاً للشعوب التي تتكون منها الدولة الممتدة من المحيط إلى المحيط يومذاك خصوصاً الشعوب المستضعفة التي تشعر بالظلم، والأثرة، والاستعلاء الأموي، ومصادرة الحقوق... بسبب المؤهلات الروحية والنفسية والقيادية التي كان يتمتع بها، وحرصه على تطبيق العدالة وإقامة الحقوق، وصيانة كرامة الإنسان...
لقد هلك معاوية، فتنفس الناس الصعداء، وتحركت قطاعات الأمة المختلفة رويداً، رويداً، وكانت بلاد الرافدين أكثر أقاليم الدولة تحركاً من أجل الخلاص، بسبب فاعلية القوى المعارضة، وسعة القطاعات الشعبية الرافضة للظلم في كبريات المدن العراقية كالبصرة، والكوفة، اللتين كانتا مدناً كبرى جداً، تشكل مساحتهما الجغرافية، ضعف الخريطة السياسية لعراق اليوم... وبدأت الحركة الإعلامية الثورية تتفاعل في مختلف قطاعات المجتمع...
فهذه أمة من الناس يخاطبها زعيمها في مركز ولاية البصرة، داعياً إياها إلى الالتفاف حول الزعيم الشعبي الحقيقي للأمة: الحسين بن علي (ع) شارحاً خصائصه الدينية، والسياسية، ومؤهلاته القيادية.
فقد جمع يزيد بن مسعود النهشلي قبيلة بني تميم، وبني حنظلة، وبني سعد وخطب فيهم قائلاً: «إنّ معاوية مات فأهون به والله هالكاً ومفقوداً ألا وإنه قد انكسر باب الجور والإثم وتضعضعت أركان الظلم وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظن إنّه قد أحكمه وهيهات الذي أراد اجتهد والله ففشل وشاور فخذل وقد قام يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين ويتأمر عليهم بغير رضى منهم مع قصر حلم وقلة علم لا يعرف من الحق موطأ قدميه فاقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي وابن رسول الله (ص) ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنه وقدمه وقرابته يعطف على الصغير ويحسن إلى الكبير فأكرم به راعي رعية وإمام قوم وجبت لله به الحجة وبلغت به الموعظة فلا تعشوا عن نور الحق ولا تسكعوا في وهد الباطل».
وتصاعدت وتيرة الأحداث، وانهالت على أبي عبدالله الحسين (ع) المذكرات، والرسائل، والوفود تدعوه للتوجه إلى العراق ليكون منطلقاً لدعوة الخير، وإقامة المعروف، وإطلاق حقوق الناس، التي امتهنها الظالمون حتى بلغ الحال أن ورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب كلها تدعوه للبيعة، والطاعة، وبلغ ما وصله من المذكرات ورسائل التأييد إثنا عشر ألف كتاب وكل كتاب كان توقعه العشيرة أو المحلة أو الجمع من الناس، وكان مضمونها: «إنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يا ابن رسول الله، فأقدم، إنما تقدم على جنود مجندة...».
على أنّ الإمام أبي عبد الله الحسين (ع) رغم أنّ الحجة قامت لديه بضرورة الاستجابة لصرخة المظلومين، وتلبية دعوة الجماهير الواسعة من الناس من أجل النهوض بالمسؤولية التاريخية لإقامة المعروف، والحق إلاّ أن تلك الدعوات لم تستفزه، ولم تخرجه عن حكمة، ورصانة في التفكير، وأناة في التدبير، فإنّ مسؤولية بهذا الحجم لابدّ من التمهيد لها عبر دراسة علمية متقنة، وهكذا فعل المصلح الرشيد أبو عبد الله الحسين (ع)، فقد أرسل مسلم بن عقيل أكثر أهل بيته حكمة، ودراية ورزانة واستيعاباً لظروف الجماعات، وطبيعة حركتها، واتجاهات الرأي العام فيها، فهو ابن عم الإمام (ع)، وابن أبرز شخصية في المجتمع العربي والمسلم في معرفة أنساب العرب، وخصائص الجماعات العربية..
فلم يكتفِ الإمام (ع) بالمذكرات، والرسائل، وإن كثرت فمن الراجح أن تكون العواطف الجياشة هي التي أملت كتابة هكذا مذكرات، بيد أن الظروف إذا تغيرت، وأحكمت السلطات سيطرتها على الأقاليم، أو هددت بقطع الأرزاق، أو أشاعت الذعر من جيوش قادمة من الشام مركز الدولة العاتية. فمن الممكن جداً أن تذهب تلك العواطف أدراج الرياح.. وهكذا شاء الإمام السبط (ع) أن يدرس الموقف عن كثب وبروية حيث أرسل إلى الكوفة وهي عاصمة العراق يومذاك، الشهيد مسلم بن عقيل، كما ذكرنا.
وهذا ما يتضح من فلسفة إرسال ابن عقيل القائد الحكيم، كما يتجلى من نص رسالة الإمام (ع) إلى جماهير الكوفة المتحفزة لنصرته!
فقد كتب الإمام السبط (ع) رسالة إلى جماهير الكوفة التي دعته للمجيء إلى الكوفة جاء فيها ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أما بعد فإن هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم وقد فهمت كلّ الذي قصصتم وذكرتم ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم فإن كتب إنه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليَّ به رسلكم وقرأت في كتبكم، أُقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله! فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله، والسلام».
وهكذا تحرك مسلم (ع) باتجاه الكوفة، من أجل دراسة الموقف عن كثب، واطلاع الإمام السبط (ع) بالواقع، أولاً، بأول، والتحرك في ذلك الاقليم بطريقة سلمية محفوفة بدرجة عالية من الكتمان بعيداً عن العنف كما تضمن ذلك نص التكليف...
فكانت مهمة مسلم (ع) لدراسة الموقف مباشرة، وإطلاع الإمام السبط (ع) على تطوراته، لأنّ الحسين (ع) أرادها نهضة برضى الناس، وقناعتهم دون فرض أو إكراه، ثم هي من أجل الناس، وتحقيق مصالحهم الدينية، والدنيوية على حد سواء: «ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق...» كما نصّ على ذلك كتابه إلى جماهير الكوفة الذي حمله مبعوثه الخاص مسلم بن عقيل (ع).

دراسة موجزة للوثيقة:
هذه الرسالة هي التي بعثها الإمام السبط أبو عبد الله الحسين بن علي (عليهما الصلاة والسلام) إلى جماهير الكوفة بصحبة آخر رسولين منهم إليه: هاني وسعيد، وقد حملت مضامين مهمة تشرح بعمق طبيعة التحرك الحسيني في ضوء ظروفه الموضوعية التي كان يرصدها بعمق، ووضوح:
ـ فالحسين (ع) قد بعث إلى الكوفة رجلاً من صفوة رجاله، ليس عسكرياً فحسب، وإنما هو رجل بصير بالأمور، ثقة في التقويم، وتشخيص ما يدور حوله ليعطي قيادة النهضة، صورة دقيقة عن الواقع كما هو، «.. بعثت إليكم أخي، وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي..» ثمّ هو من أهل البيت (ع) الذين يحضون لدى الأمة بكل الثقة والحب، والإجلال، وليس من سائر الناس..
ـ والمهمة التي بعث الحسين (ع) بها هذا الصفوة من رجاله: هو دراسة الموقف عن كثب، ليشخص للحسين (ع) ما كان قد صدر عن ثورة عاطفية غمرت جماعة من الناس بسبب شعورهم بالرضا والفرح لهلاك معاوية، وانكسار باب الجور، والإثم بموته، وما كان صدر من بعضهم بحثاً عن مطامع دنيوية، أو شماتة بالظالمين، أو بسبب ارتخاء القبضة الأموية الحاكمة عند انتشار خبر هلاك الطاغية، وهذا ما يحدث عادة عند كثير من الشعوب التي تبتلي بطاغية، فإذا هلك، تحركت حركة عفوية، دون دراسة علمية للعواقب، خصوصاً حين يضطرب الأمن، وتخف حماسة الحكام المحليين، وأجهزتهم خوفاً على مواقعهم، ومصالحهم، إضافة إلى معرفة حجم المندكين حقاً بأهداف النهضة، والمتمسكين ببرامجها.
يقول الإمام أبو عبد الله الحسين (ع) بهذا الصدد في رسالته المذكورة ما يلي: «... وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم، وأمركم، ورأيكم، فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملئكم، وذوي الفضل، والحجى منكم على مثل ما قدمت عليَّ به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله...»، فتقرير القائد مسلم (ع) إلى الإمام السبط (ع)، هو الذي يحدد طبيعة حركة الإمام (ع) بعد ذلك سلباً أو إيجاباً، لأنه هو الذي يقوّم الواقع الذي يجري في الكوفة وليس الرسائل والمذكرات مجردة، مهما كانت صادقة في لهجتها، وعواطفها، لأن الوقائع تتغير عادة عند الأزمات الحادة..
ثمّ يتحدث الإمام السبط (ع) عن خصوصيات الحاكم الشرعي بعد رسول الله (ص)، فيتحدث عن خصائص ثلاث:
1- منهجه ومحددات برامجه: «العامل بالكتاب»، فهو المتمسك بكتاب الله عزّوجلّ، في أوامره، ونواهيه، وهو الذي يملي عليه برامجه الحياتية، ويحدد البنية التحتية لكافة مشاريعه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والشخصية.
2- طبيعة سياسته الاقتصادية ـ الاجتماعية: «الآخذ بالقسط»، والأخذ بالقسط، يريد به العمل بكل وجوده من أجل إقامة أعلى درجات العدل، حيث إن القسط بالمفهوم الإسلامي، هو إقامة العدل، بأجلى صوره، وأعلى درجاته، سواء أكان في البرامج الاقتصادية، وإجراء عدالة التوزيع، أو في السياسات الاجتماعية كالحكم، والقضاء، والعلاقات مع قطاعات الأمة المختلفة، أو ما إلى ذلك..
3- الحابس نفسه على ذات الله: وهذا هو الركن الثالث من أركان الحكم العادل في نظر الإسلام حيث يكون الحاكم منضبطاً بضوابط الشريعة الإلهية المقدسة، وسائراً في حياته الشخصية، والعامة حيث اتجهت به في قيمها، وتوجيهاتها العظيمة، وما أعظم هذه العبارة، وأدقها: «الحابس نفسه على ذات الله» أي يوطن نفسه، وعواطفه، ونوازعه الذاتية، ويربطها بمشيئة الله، وإرادته، فيما يأمر، وينهى.. حيث إن أعلى درجات هذه الحالة لا يحققها إلاّ القائد المعصوم، وهو رسول الله (ص)، والأئمة الهداة من آله عليهم الصلاة والسلام، ثمّ تتدرج مستويات الناس بعدهم ضمن درجات مختلفة يصنفها الإسلام الحنيف ضمن السلَّم الذي وضعه للشخصيات المسلمة في مجتمعه العتيد...

التطورات السريعة وموقف الإمام السبط (ع):
وبينما اتّخذ الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) مكة المكرّمة منطلقاً لحركته ورصده لمسيرة الأحداث، وتقويمها، فأقام فيها قرابة الخمسة أشهر، فقد راح يلتقي المعتمرين، والحجيج، والمتعبدين من أهلها، ومن أقطار العالم المختلفة، يبصّرهم بحقائق الأمور، ويفتح قلوبهم على الوقائع، وما آلت إليه أمور المسلمين، ومصالح البلاد، والعباد تحت نفوذ تلك السلطة المنحرفة عن مصالح الإسلام والأمة..
ورغم أن مهمة الإمام السبط (ع) كانت سلمية، حكيمة، وهادئة، إلاّ أن السلطة الأمية ضاقت به ذرعاً، لأنّ توعية الناس في نظر السلطة، يخرق جدار التعمية، والتزييف، ويوسع الهوة بين جماهير الأمة وسلطات البغي، والدكتاتورية، ويقوي من أرصدة المعارضة السياسية ضدها، وهكذا أصدرت القيادة العليا في الشام، قراراً بتصفية الإمام السبط (ع) جسدياً، حتى وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة!!
وقد تحملت السلطة المحلية مهمة التنفيذ، حيث أخضعت تحركات الإمام (ع) للمراقبة الدقيقة من أجل تنفيذ تلك المهمة القذرة، وقد أحس الإمام (ع) بما يبيت له، وخشي أن تنتهك حرمة البيت الحرام إذا تمّ اغتياله في مكة المكرّمة، فقرر مغادرة مكة المكرّمة في وقت حرج جداً، وكان خروجه يوم التروية، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة الحرام، بعد أن حول حجه المستحب إلى عمرة مفردة، وغادر مكة، خوفاً من تنفيذ الهجوم المسلح الغادر على داره، وقتله في داره أو في الطريق، أو الطواف، أو في أي منسك أو عبادة، واتّجه بمن معه من أهل بيته وأنصاره باتجاه العراق مرغماً تحت تلك الظروف التي ذكرناها، وطوال تلك الفترة كان يتلقى رسائل موفده مسلم بن عقيل من الكوفة التي تكشف عن تطورات الوضع فيها..
وكان مسلم بن عقيل، قد اتخذ مكاناً عاماً بداية وصوله إلى الكوفة عاصمة الإقليم العراقي يومذاك، وكان يجمع الأنصار، وينظّم الجماعات، ويعطيهم التوجيهات السياسية المناسبة، كما كان يجمع الأموال من أنصاره...
وكانت حركة القائد مسلم بن عقيل علنية في بداية الأمر، كما ذكرنا تدرس الأوضاع وترصد الاتجاه العام للأمة، حتى عاهده على النصرة، والدعم عدة آلاف من أبناء العشائر، والفلاحين، والطبقات المستضعفة الموتورة من سياسات الحكم الأموي، وتصرفاته المشينة، واستمر هكذا شهرين كاملين.
ومن تقييم أولي للحالة، فإن الأنصار الذين جمعهم مسلم (ع)، لم يشكلوا الشطر الأعظم من جماهير الكوفة، رغم ضخامة عددهم نسبياً إذ كانوا بحدود ثمانية عشر ألفاً، كما ذكر المؤرخون.. وجميع هؤلاء عاهدوا مسلماً على الدعم، وعلى الموقف الإيجابي من الحركة الحسينية في ظروف كانت السلطة المحلية ضعيفة جداً، إذ كان الحاكم المحلي الأموي «النعمان بن بشير الأنصاري» الذي لم يكن من وجوه الحزب الأموي وإنما من أنصاره، وكان ليناً في تعامله، ولذا فإنّه حين تسربت إليه المعلومات عن تفاقم الدعم لمسلم بن عقيل، أذاع بياناً فيه كثير من الليونة، وقلة الحزم، بالنسبة لحكومة تقوم على الغشم، والدكتاتورية، والبطش، والتنكيل..
ورغم تكتم مسلم بن عقيل (ع) على ما حققته حركته من مكاسب نسبية إلاّ أن السلطة الأموية المحلية شعرت بخطر نفوذ الحركة الإصلاحية، فكتب بعض عناصر حزب السلطة المحلية تقريراً عن طبيعة الحركة في الكوفة، وضعف الحاكم المحلي عن مواجهتها، وسارعوا إلى مفاتحة المركز بذلك..
وجمع يزيد مستشاريه لدراسة الموقف، فقرروا تغيير القيادة المحلية للكوفة كإجراء أولي، فوقع الاختيار على عبيد الله بن زياد الذي كان والياً على البصرة.. فوصل الكوفة بسرعة استثنائية، حيث تسارعت الأحداث بعد ذلك لصالح السلطة الأموية، خصوصاً وإن الحاكم المحلي الجديد، قد استعمل أقصى درجات الشدة، والقمع، وأعلن الحصار على الكوفة، وفرض حالة حظر التجول ليلاً، كما باشر عملية توزيع الأموال لمن يريد ومَن لا يريد!
وجرت عمليات واسعة من القمع، والاعتقال، والتهديد، وتفتيش الدور، كل ذلك لمواجهة عمل جماهيري معارض في بدايته، فما ظنك بحركة إصلاحية في بدايتها؟! حيث لا تملك إلاّ نسبة من أهل تلك البلاد مؤيدين لبرامجها الإصلاحية، وليس كل أهل البلاد، ولا شطرهم الأكبر معها، فإنّ نفوس الكوفة كانت بالمئات من الألوف!
وخلال أيام محدودة أخذت دائرة المؤيدين للحركة الإصلاحية تضيق تحت مطارق العنف، والمطاردة، والإغراء والحرب النفسية لا سيما، وهي لا تزال دائرة هشة لم تتشكل بعد في صيغة سياسية أو عسكرية، متينة، وفي بلد معقد في ولاءاته السياسية، وانتماءاته القبلية، والقومية..
وهكذا أخذت مساحة المؤيدين بالتلاشي شيئاً فشيئاً والاختفاء خصوصاً بعد تسليط الجواسيس، والمداهمات، والاعتقالات الواسعة، وإثارة الهلع!
وفي ظل هذه الأوضاع اختفى مسلم بن عقيل عن الأنظار، وضمته دار الوجيه الكوفي والصحابي المعروف هاني بن عروة، زعيم قبيلة مذجح، وراح يباشر نشاطه بطريقة سرية، ولا يتصل به إلاّ المخلصون من أنصار الحركة الإصلاحية...
بيد أن يد الجواسيس وصلت إليه من خلال أحد الزعامات المخلصة مسلم بن عوسجة، الذي أوهمه أحد الجواسيس الأمويين أنه يحمل مالاً لدعم النهضة الحسينية وأوهمه أنه عجز عن العثور على مسلم بن عقيل لتقديم المال المذكور له، وتظاهر الرجل الجاسوس بالتشيّع لأهل البيت (ع)، وأنه في حيرة من أمره فأرشده ابن عوسجة (رض) إلى مسلم بن عقيل (ع)، وراح يتردد عليه مراراً، ربما لأعذار وأساليب لم يحدثنا التاريخ عنها، حتى تمكن من معرفة كثير من أسرار الحركة، وكيفية توجيه القائد مسلم (ع) لها..
وهكذا أخذ هاني بن عروة على حين غرة، واعتقل وعذب في قصر الإمارة، وأشيع أن الحاكم المحلي استدعاه لأمر هام يخص شؤون البلاد...
وفي تلك الساعات الحرجة، تحركت السلطات المحلية لإجهاض أي تحرك مضاد من قبيلة مذحج ـ وهي قبيلة كبيرة جداً ـ ضدّ السلطة، من خلال الدعاية، والمال، والإرهاب لقياداتها، وما إلى ذلك حتى تمّ إجهاض عملية زحفها على القصر!
وحين علم مسلم بانكشاف أمره، واعتقال أهم أركان الحركة، أصدر أمراً للمتطوعين الذين كان يجمعهم في بيوت مجاورة لبيت هاني، أن يهاجموا قصر «الإمارة».
ومن خلال متابعة خطوات مسلم بن عقيل (ع) وطبيعة حركته، منذ وصول الحاكم المحلي الجديد عبيدالله بن زياد إلى الكوفة نجد أن تسارع الأحداث قد أجهض خطوات الحركة بشكل كامل، وغير مسيرة العمل التي كانت بعيدة عن العنف، والمواجهة أساساً، حيث تحولت أخيراً إلى موقع الدفاع عن النفس، وأصبح رجالها بين الموت، والحياة...
على أن هناك فراغاً في حركة الأحداث، فإن التاريخ لم يحتفظ بمعلومات عن كيفية الهجوم على قصر الإمارة، وكيف فشل الانقلاب العسكري الذي قاده مسلم، وما هي معوقات نجاحه، وكم عدد الذين صمدوا في وجه الطغاة، وماذا كان مصيرهم، وكيف تسلل مسلم بن عقيل (ع) بعد ذلك بعيداً عن قبضة الطغاة، وكيف صار وحيداً... يبحث عن مأوىً له.
إنّني أشكك في قصة تسلله إلى دار امرأة، وهو البطل الهاشمي المعروف، وكيف لم يصمد في المقاومة عند قصر الإمارة حتى الموت، كما فعل في اليوم الثاني؟
هناك أسئلة تبقى حائرة حقاً في هذا المقطع من حركة مسلم (ع) في الكوفة، على أني أشك في بعض المعلومات التي تذكرها «المقاتل» فلربّما دسها بعض المغرضين من أنصار الحزب الأموي، وعملاؤه!!
وهكذا تمّ اخماد تلك الجهود الكبيرة التي بذلها المخلصون من الباحثين عن الإصلاح، والخلاص على يد إمام مصلح من أهل بيت محمد (ص) ذلك هو الحسين بن علي عليهما الصلاة والسلام، وتمت تصفية القائد مسلم بن عقيل (ع) بطريقة مأساوية بعد موقف بطولي فريد شهده حي كندة في الكوفة.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com