موقع الصراط ... الموضوع : مفهوم الإنتظار
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مفهوم الإنتظار  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 14 / شعبان / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
جميل الربيعي عن رسول الله (ص) قال: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله)(1)
نريد أن نتحدث في هذه السطور عن نقطتين أساسيتين:
1- ما هي قيمة الاعتقاد بالمهدي صاحب الزمان في حياتنا العملية وعلى طول خط التأريخ؟
2- ما معنى الانتظار؟
إننا نعتقد اعتقاداً دينياً ثابتاً مدعوماً بالأدلة والبراهين الثابتة بوجود المنقذ الأعظم للبشرية، وأن هذا المنقذ سيظهر عندما يأذن الله له؛ لتحطيم قوى الكفر والظلال, وتحكيم شرعة الله في الأرض، ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))(2) حتى لا يبقى حجر ولا مدر إلا رفع فوقه لواء التوحيد، هذا لا شك فيه ولا ريب، وهو من صميم عقيدتنا، يقول الإمام الحسين (ع): (لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)
وقال رسول الله (ص): (الأئمة من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر. ثم وضع يده على صلب الحسين (ع) وقال: تسعة من صلبه، والتاسع مهديهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فالويل لمبغضيهم)
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: (قال رسول الله (ص) للحسين بن علي (ع): يا حسين، يخرج من صلبك تسعة من الأئمة منهم مهدي هذه الأمة ، فإذا استشهد أبوك فالحسن بعده ، فإذا سم الحسن فأنت ، فإذا استشهدت فعلي ابنك ، فإذا مضى علي فمحمد ابنه ، فإذا مضى محمد فجعفر ابنه ، فإذا مضى جعفر فموسى ابنه ، فإذا مضى موسى فعلي ابنه ، فإذا مضى علي فمحمد ابنه ، فإذا مضى محمد فعلي ابنه ، فإذا مضى علي فالحسن ابنه ، فإذا مضى الحسن فالحجة بعد الحسن يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلماً)
ومنها ما رواه الترمذي وأبو داود عنه (ص) قالا: (لا تقوم الساعة حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) وقالا: هذا حديث حسن صحيح ، وزاد أبو داود: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً) ومنها ما روياه من حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال : يخرج من أمتي المهدي يملك خمساً أو سبعاً أو تسعاً ، قال : قلنا : ما ذاك يا رسول الله ؟ قال : سنين قال : يجيء إليه الرجل فيقول : يا مهدي أعطني ، قال : فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله، قال : هذا حديث حسن ، وفي أبي داود من أمتي أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً يملك سبع سنين.
ولنعم ما قال الشاعر:
صلى الإله ذو العلى عليك يا خير البشر
أنت النبي المصطفى والهاشمي المفتخر
بكم هدانا ربنا وفيك نرجو ما أمر
ومعشر سميتهم أئمة اثنا عشر
حياهم رب العلى ثم اصطفاهم من كدر
قد فاز من والاهم وخاب من عاد الزهر
آخرهم يسقي الظما وهو الإمام المنتظر
عترتك الأخيار لي والتابعين ما أمر
نعم، هذا الاعتقاد لا شك فيه، وقد نقل الشيخ المطهري عن بعض علماء السنة قولهم: (إن الاعتقاد بخروج المهدي واجب، وأنه من عقائد أهل السنة والجماعة، ولا ينكره إلا جاهل بالسنة، ومبتدع بالعقيدة)
ولكن ما قيمة هذا الاعتقاد، وأثره في مسيرتنا؟
والجواب: إن لهذا الاعتقاد قيمة موضوعية في حياتنا العملية، وفي مسيرتنا الرسالية، وهذه العقيدة تجعلنا نشعر بحتمية الانتصار النهائي لرسالة الله في الأرض ((ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون))(3) (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين* ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)(4)
إذاً قيمة الاعتقاد بالمهدي (ع) يعطي للمؤمن السائر في طريق ذات الشوكة قوة، وصلابة، ومواصلة، وأملاً بالانتصار إن آجلاً أو عاجلاً، لا سيما إذا استشعر بالائتمام وإن عين الله ترقبه، ويد الإمام معه، فهذا الإحساس يمنحه قوة لتحمل أعباء المسيرة الشاقة، وبذلك يقتلع جذور اليأس من نفسه، هذا أولاً.
وثانياً: إن مفهوم الاعتقاد بالمهدي المنتظر يمنح المعتقد قوة رفض الظلم بكل أشكاله الشرقية والغربية، وإنها مهما بلغت واستعلت فإن لها من سيظهر وينسفها نسفاً فيذرها قاعاً صفصفا، وهذا الاعتقاد أيضاً يجعل الإنسان يشعر بمسؤولية كبرى ملقاة على عاتقه تجعله يرفع عقيرته بوجه كل ظالم، مهما بلغ من العلو والطغيان.
بعد ما تقدم نستطيع أن نفهم معنى الانتظار المقصود في قوله (ص): (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج) وأنه (عدم اليأس من روح الله من المفاهيم الإسلامية الشاملة التي لا تختص بفرد معين أو جماعة محدودة فهو يحمل البشائر للبشرية بأجمعها، ويحمل معه أيضاً صفات محدودة لهذه البشائر) (5).
إذن الانتظار ليس قعوداً وسكوناً وخموداً، وإنما هو حركة وثورة ومقاومة؛ لأن الذي يعتقد بعقيدة لا بد وأن يعمل على ضوء تعاليم تلك العقيدة، وعقيدة المهدي (ع) هي ضد الظلم، إذن لا بد للمعتقد أن يواصل حربه للظلم عند من كان، وأينما كان، يقول الشيخ المظفر: (ومما يجدر أن نذكره في هذا الصدد، ونذكر أنفسنا به أنه ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ (المهدي) أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بل المسلم أبداً مكلف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما تمكن من ذلك، وبلغت إليه قدرته (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) فلا يجوز له التأخر عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي، والمبشر الهادي، فإنَّ هذا لا يسقط تكليفاً، ولا يؤجل عملاً، ولا يجعل الناس هملاً كالسوائم) (6).
ويقول الصافي الكلبايكاني:
(وليعلم أن معنى الانتظار ليس تخلية سبيل الكفار والأشرار، وتسليم الأمور إليهم، والمداهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف، والنهي، والإقدامات الاصلاحية) (فهذا توهم لا يتوهمه إلا من لم يكن له قليل من البصيرة والعلم بالأحاديث)
فالانتظار إذن له مفهومان:
مفهوم سلبي يعني القعود والسكون وترك الظالم يعيث في الأرض، ويهلك الحرث والنسل، وهذا ما لم يقل به عاقل فضلاً عن متشرع مؤمن مجاهد؛ لأن هذا الفهم مخالف للكتاب والسنة وسيرة العلماء المجاهدين.
ومفهوم إيجابي وهو أن هذا الاعتقاد يوجب الإعداد والاستعداد لتوطئة الأجواء لظهوره وتهيئة القوة والجيش الذي يسير تحت رايته، يقول الشيخ جوادي آملي: (إن منتظري إمام الزمان سلام الله عليه هم الذين يهيئون أنفسهم ولو بسهم واحد، قال الإمام الصادق (ع): ليعد أحدكم لخروج القائم (ع) ولو سهماً فإن الله إذا علم ذلك في نيته رجوت لأن ينسئ في عمره حتى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره) (7)
فليس كل إنسان يستطيع أن يسير تحت رايته، وإنما الذي يسير تحت رايته هو الرجل كل الرجل نعم الرجل الذي باع نفسه لله، وهجر الأهل والأموال والأولاد، وأعطى نفسه لله تعالى.
فالانتظار عمل، وحركة، ومقاومة، وصمود بوجه الظالمين، وهو الأمل الوحيد الذي يقلع اليأس من نفوس القانطين.
(فيتضح أن الإنسان المؤمن والملتزم والمسلح والهادف ينتظر إمام الزمان، وإن الذي ليس لديه شأن بالرمي والحرب لا يرتبط بإمامه، إنه يحب غيبة الإمام، ولا يحب قيامه؛ لأن الإمام حين يظهر يكون أول عمله الحرب، وارتداء الملابس الخشنة، والحياة البسيطة، وأمثال ذلك.
يتضح أن الذي ينتظر إمام الزمان يكون مسلحاً أو محارباً ولا يخاف من غير الله والذي يخاف من الله فقط هو الذي يكون من أهل المناجاة وقد جعلت الذات الإلهية المقدسة هاتين الخاصتين من نصيب العلماء) (8)

الهوامش:
(1) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 644.
(2) سورة التوبة: 33 .
(3) سورة الأنبياء: 105 .
(4) سورة القصص: 5-6 .
(5) نهضة المهدي لمطهري.
(6) عقائد الإمامية: 79 .
(7) الحماسة والعرفان: 80 ، سفينة البحار: 2/705 .
(8) الحماسة والعرفان: 81 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com