موقع الصراط ... الموضوع : وصية الشهيد الثاني (قدس سره)
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  وصية الشهيد الثاني (قدس سره)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 14 / رمضان / 1434 هـ
     
  وفقنا الله تعالى وإياك يا أخي لطاعاته، وسلك بنا سبيل مرضاته، وأوقفنا على خلال الخير لنستعملها، وعلى خصال السوء لنجتنبها، وأعاننا على ذلك بحسن توفيقه، فإنه ولي ذلك.
أقول: أول ما أوصيك به تقوى الله تعالى فيما تأتي وتذر، فإنها وصية رب العالمين إلى الأولين والآخرين، قال جل جلاله في محكم كتابه: ((ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله)) وهذه الوصية أجمع كلام للخير وأوجزه، ومن ثم خصها بالذكر وعمها بالنظر إلى الموصى من خلقه من الأولين والآخرين. فلو كان من خصال الخير خصلة أصلح للعبد وأجمع للخير لكانت عناية الله تعالى ورأفته بخلقه تقتضي ذكرها دونها أو معها.
وقد مدح الله تعالى في كتابه التقوى، ووصفها بصفات ورتب عليها فوائد كثيرة:
منها غفران الذنب وإصلاح العمل، قال الله عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم)).
ومنها النجاة من النار، ((ثم ننجي الذين اتقوا)).
ومنها الخلود في الجنة، ((أعدت للمتقين)).
ومنها التأييد، ((أن الله مع المتقين))
ومنها الحفظ والتحصين من الأعداء، ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)).
ومنها - وهي أجلها خصلة وأرفعها قدراً وأعظمها خطراً وجلالة - محبة الله تعالى إياه، ((إن الله يحب المتقين)).
ومنها الأكرمية عنده تعالى على من سواه، ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)).
ومنها النجاة من الشدائد وكفاية المهم في دار الدنيا - وهي من أعظم أسباب التفرغ لعبادته -، ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره)).
إلى غير ذلك من فوائدها.
والمراد بالتقوى ((امتثال أو أمر الله تعالى واجتناب نواهيه))
ومن ثم كانت هذه الخصلة جامعة لجميع خلال الخير. وسئل الصادق عليه السلام عن تفسيرها فقال: ((أن لا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك)).
فعليك يا أخي - وفقك الله تعالى - بمراعاة هذه الوصية الجامعة والتحلي بحليتها، واغتنام عمرك القصير الذي هو متجر الدار الآخرة، وسبب السعادة الأدبية والكرامة السرمدية، وما أعظم هذا الربح وأقل رأس المال وأعظم الحسرة والندامة على تقدير التقصير في المعاملة والاكتساب في وقته إذا عاين المقصر درجات السابقين ومنازل الواصلين وثمرة أعمال المجتهدين وقد فات الوقت ولم يمكن الاستدراك.
واعلم أنك إذا تأملت قدر السعادة المؤبدة التي لا نهاية لها التي تحصل ثمرتها من حين الشروع في تزكية النفس وتخلص من حين فراقها البدن في البرزخ إلى أبد الآبدين وأن سبب حصولها وكسبها في هذا العمر الذي غاية الطمع في زيادته والتمني لطوله لا يبلغ مائة سنة، لا يصفو منها للعمل - وإن اجتهدت - إلا قليل للاضطرار إلى صرف شطره في النوم والراحة وجانب كثير من الشطر الآخر في ضرورات البقاء الإنساني، والفاضل من ذلك - على تقدير ضبطه التام وسلامته عن الآفات وخلوصه عن شوائب النقص ومعارضة المعاصي - هو ثمن هذه السعادة الأبدية التي لا نهاية لها باتفاق أهل الملل، ومرجعها إلى بقاء بلا فناء ولذة بلا عناء وسرور بلا كدر وغنى بلا فقر وكمال بلا نقصان وعز بلا ذل، وبالجملة كلن ما يتصور أن يكون مطلوب طالب ومرغوب راغب على وجه لا يتصرم بتصرم الأحقاب ولا يفنى بفناء الآباد.
بل لو قدرنا أن الدنيا من عنان السماء إلى تخوم الأرض مملوءة بالذر وقدرنا طائراً يأكل منها في كل مائة ألف سنة وأضعاف ذلك حبة لفنيت الذر ولم ينقص من أبد الآباد شيء.
فجدير أن تغتنم تحصيل ذلك وتشمر عن ساق الحد فيه في أيام هذه المهلة اليسيرة التي لا يمكن حصوله في غيرها، و[في] كل نفس من الأنفاس يمكن تحصيل كنز من كنوزه. فما أجدر هذا حثا على طلبه وأقبح الفتور عنه بعد اعتقاد وجوده الذي لا يسع مكلف الغفلة عن اعتماده، ولا يتم الإيمان بالله تعالى بدون اعتقاده، لأنه مما قد تضافرت به الآيات واتفقت عليه الأنبياء والرسل وأجمعت عليه الأمم على اختلاف أديانها وتباين مذاهبها.
وقد رأيت ورأينا من جد أهل الدنيا وتعبهم وتحملهم للمكاره وتركهم للملاذ في الحال رجاء لحصول فائدة في المستقبل تزيد على ما يفوتهم في الحال زيادة قليلة محدودة مشوبة بالكدورات في زمان حصولها، منتهية إلى أمد قليل بغير طمع طامع في بقائها ولا رجاء جاهل ولا عاقل في دوامها، هذا على تقدير سلامتها عن سوء العاقبة ومغبة العاقل وغاية الخسران وهو أعز من الكبريت الأحمر، فكيف لا يسمع العاقل بترك لذة في الحال للتوصل إلى هذه السعادة، والفتور عن تهيئة أسبابها إلا لضعف الإيمان باليوم الآخر، وإلا فالعقل الناقص قاض بالتشمير لسلوك سبيل السعادة فضلا عن الكامل.
واعلم أن ضبط العمر في تحصيل السعادة لا يتم إلا بمراعاة النفس كل يوم ومحاسبتها ثم مراقبتها ثم معاقبتها على تقدير التقصير أو الفتور كما هو اللازم مع معاملي الدنيا، القليل خطرها، التي لا يضر زوال ما زال منها ولا فوات ما فات منها، فكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه ويراقبه ويعاقبه إن قصر ويعاتبه إن غبن، فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة، ومطلبه وربحه تزكية النفس بتخليها عن الخصال الذميمة وتحليها بالخلال الحميدة فبذلك فلاحها، فلاحها، قال الله تعالى: ((قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)) والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة ويستعملها فيما يزكيها، كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله، وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولاً ويراقبه ثانياً ويحاسبه ثالثاً ويعاتبه أو يعاقبه رابعاً، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولاً فيوظف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ثم لا يغفل عن مراقبتها، فإنه من غفل عن مراقبتها لم ير إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد، الخائن إذا انفرد بالمال.
ثم بعد الفراغ سدرة ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء، وخسارتها - والعياذ بالله - عذاب جهنم مع الفراعنة والأشقياء، إذا ليس في تلك الدار إلا الجنة والنار، والجنة أعدت للمتقين كما أن النار أعدت للمقصرين، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا لأنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى، ثم كيف ما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء، ولا خير في خير لا يدوم، بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم، لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى، والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير. ولذلك قيل:
أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالاً
فحتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليه في حركاتها وسكناتها وخطراتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل.
فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قبله ساعة لمشارطة النفس - كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته - فيقول: يا نفس، ما لي بضاعة إلا العمر، ومهما فنى فقد فنى رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ في أجلي، وأنعم به علي، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوماً واحداً حتى أعمل فيه صالحاً، واحسبي أنك توفيت ثم رددت، فإياك ثم إياك! أن تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس هو جوهرة لا قيمة لها.
واعلمي يا نفس، أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وقد ورد في الخبر أنه ((ينشر للعبد بكل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة فيفتح له [منها] خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلة عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الاحساس بألم النار، وتفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح نتنها ويغشى ظلامها وهي الساعة التي عصى الله فيها، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها، وتفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسوؤه وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا فيتحسر على خلوها ويناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير إذا أهمله وتساهل فيه حتى فاته وناهيك به حسرة وغبنا، وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره)).
فيقول لنفسه: اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملك، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لا تفارقك وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق وإن كان دون ألم النار. وقد قال بعض الكاملين: ((هب أن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين؟!)). أشار بذلك إلى الغبن والحسرة. وقال جل جلاله: يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن فهذا وما جرى مجراه أول مقام المرابطة مع النفس وهي المحاسبة قبل العمل.
وأما محاسبتها بعده، فليكن في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التاجر في الدنيا مع الشريك في آخر كل يوم أو شهر أو سنة خوفاً [من] أن يفوته منها ما لو فاته لكانت الخيرة في فواته، ولو حصل بخير لا يبقى إلا أياما قليلة. وكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة أو السعادة أبد الآباد؟! قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)) وهي إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال. وقال صلى الله عليه وآله: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)) وجاءه صلى الله عليه وآله رجل فقال: ((يا رسول الله أوصني. فقال صلى الله عليه وآله أمستوصٍ أنت؟ قال: نعم. قال صلى الله عليه وآله إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن كان رشدا فأمضِه، وإن كان غياً فانتهِ عنه)). وقال صلى الله عليه وآله: ((ينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات: ساعة يحاسب فيها نفسه...)) الحديث.
ولما كانت محاسبة الشريك عبارة عن النظر في رأس المال أو في الربح أو الخسران ليتبين له الزيادة من النقصان، فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي، وموسم هذه التجارة جملة النهار، ومعامله نفسه الأمارة بالسوء، فليحاسبها على الفرائض أولاً: فإن أدتها على وجهها شكر الله تعالى على ذلك ورغبها في مثلها، وإن فوتتها طالبها بالقضاء، وإن أدتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل، وإن ارتكبت معصية عاقبها وعذبها ليستوفي منها ما يتدارك به كما يصنع التاجر بشريكه، وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الدرهم والقيراط حتى لا يغبن في شيء منها، فأولى أن يتقي غبن النفس ومكرها، فإنها خداعة مكارة فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طول نهاره، وليكلف نفسه في الخلوة ما يتولاه غيره بها في صعيد القيامة على رؤوس الأشهاد ويفضحه بينهم، وكما يكره أن يظهر عيبه لأصحابه وجيرانه فيترك النقص لأجلهم فأولى أن يفعل ما يظهر عليه في مشهد تجتمع فيه الأنبياء والرسل والأشقياء والأتباع من الأولين والآخرين فضلا عن الجيران والمعارف من أهل البلد وغيرهم، وهكذا يفعل في تفقد حركاته وسكناته بل جميع العمر في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة.
وقد نقل عن بعض الأكابر - وكان محاسباً لنفسه - فحسب يوماً وإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقى الملك بإحدى وعشرين ألف ذنب، كيف وفي كل يوم ذنوب، ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يا لها ركضة إلى الفردوس. فهكذا ينبغي المحاسبة على الأنفاس وعلى عمل القلب والجوارح في كل ساعة، ومن تساهل في حفظ المعاصي فالملكان يحفظان عليه: ((أحصاه الله ونسوه)).
واعلم أنك قد عرفت أن التقوى شطران: اكتساب واجتناب، فالأول فعل الطاعات والثاني ترك المعاصي، وهذا الشطر هو الأشد ورعايته أولى، لأن الطاعة يقدر عليها كل أحد، وترك المعاصي لا يقدر عليه إلا الصديقون.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((المهاجر من هاجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه)).
وكان صلى الله عليه وآله إذا رجع من الجهاد يقول: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) يعني جهاد النفس.
وأيضا فإن شطر الاجتناب يزكو مع حصول ما يحصل معه من شطر الاكتساب وإن قل، ولا يزكو ما يحصل من شطر الاكتساب مع ما يفوت من شطر الاجتناب وإن كثر.
ولذلك قال صلى الله عليه وآله: ((يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح)).
وقال صلى الله عليه وآله - في جواب من قال: إن شجرنا في الجنة لكثير -: ((نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها)).
وقال (صلى الله عليه وآله): ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)).
إلى غير ذلك من الآثار الواردة بذلك.
فإن ظفرت بالشطرين جميعاً فقد حصلت على التقوى حقاً، وإن اقتصرت على الأول كنت مغرورا، ومثلك في ذلك كمثل من زرع زرعا فنبت ونبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقيته من أصله فأخذ يجز رأسه ويترك أصله، فلا يزال ينبت ويقوى أصله حتى يفسده، أو كمريض ظهر به الجرب وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء، فالطلاء ليزيل ما على ظاهره والدواء ليقلع مادته من باطنه، فقنع بالطلاء وترك الدواء وبقي يتناول ما يزيد المادة، فلا يزال يطلي الظاهر والجرب دائم به يتفجر من المادة في الباطن، أو كمن بنى دارا وأحكمها ولكن في داخلها حشرات ساكنة من الحيات والعقارب والجراد وغيرها، فأخذ في فرشها وسترها بالفرش الحسنة والستور الفاخرة، ولا تزال الحشرات تظهر من باطنها فتقطع الفرش وتخرق الستور وتصل إلى بدنه باللسع، ولو عقل لكان همه أولا دفع هذه المؤذيات قبل الاشتغال بفرشها ليحفظ ما يضعه فيها ويسلم هو من أذاها ولسعها، بل أي نسبة بين لسع الحيات في دار الدنيا الذي ينقضي ألمه في مدة يسيرة ولو بالموت الذي هو أقرب من لمح البصر وبين لسع حيات المعاصي التي يبقى ألمها في نار جهنم، نعوذ بالله تعالى منه ونسأله العفو والرحمة.
ثم القول في قسم الاكتساب موكول إلى كتب العبادات وإن افتقرنا في ذلك إلى وظائف قلبية ودقائق علمية وعملية لم يدونها كثير من الفقهاء وإنما يفتح بها على من أخذ التوفيق بزمام قلبه إلى الهداية إلى الصراط المستقيم.
وأما شطر الاجتناب فمنه ما يتعلق بالجوارح ومنه ما يتعلق بالقلب:
فأما الجوارح التي تتعلق بها المعصية - وهي السبعة التي هي بمقدار أبواب جهنم - فمن حفظها حرس من تلك الأبواب إن شاء الله تعالى، وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل.
فأما العين فإنها خلقت لك لتهتدي بها في الظلمات، وتستعين بها على قضاء الحاجات، وتنظر بها إلى ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، والنظر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ومطالعة كتب الحكمة للاستيقاظ، فاحفظها أن تنظر بها إلى غير محرم وإلى مسلم بعين الاحتقار أو تطلع بها إلى عيب مسلم بل كل فضول مستغن عنه، فإن الله جل جلاله يسأل عن فضول النظر كما يسأل عن فضل الكلام.
وأما الأذن فاحفظها أن تصغي بها إلى بدعة أو فحش أو غيبة أو خوض في الباطل أو ذكر مساوئ الناس، فإنها إنما خلقت لك لتسمع كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وأوليائه وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم.
وأما اللسان فإنه خلق لذكر الله وتلاوة كتابه العزيز وإرشاد خلق الله إليه وإظهار ما في الضمير من الحاجات للدين والدنيا، فإذا استعمل في غير ما خلق له فقد كفر به نعمة الله تعالى، وهو أغلب الأعضاء على سائر الخلق لأنه منطلق بالطبع ولا مؤونة عليه في الحركة، ومع ذلك فجنايته عظيمة بالغيبة والكذب وتزكية النفس ومذمة الخلق والمماراة وغير ذلك من آفاته، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في جهنم، ففي الحديث: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيهوي بها في جهنم سبعين خريفا)) وروي أن رجلا قتل شهيدا في المعركة فقاتل قائل: هنيئاً له الجنة، فقال صلى الله عليه وآله: ((ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه)).
وأما البطن فكلفه ترك الشرة واحرص على أن تقتصر من الحلال على ما دون الشبع، فإن الشبع يقسي القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الأعضاء عن العبادة ويقوي الشبهات وينصر جنود الشيطان، والشبع من الحلال مبدأ كل شر، وهكذا تتفقد باقي جوارحك فطاعاتها ومعاصيها لا تخفى.
وأما ما يتعلق بالقلب فهو كثير وطرق تطهيره من رذائلها طويلة، سبيل الفلاح فيها غامض، وقد اندرس علمه وعمله وانمحى أثره، والورع المتقي في زماننا من راعى السلامة من المحرمات الظاهرة المدونة في كتب الفقه، وأهملوا تفقد قلوبهم ليمحوا عنها الصفات المذمومة عندالله تعالى من الحسد والكبر والبغضاء والرياء وطلب الرئاسة والعلى وسوء الخلق مع القرناء وإرادة السوء للأقران والخلطاء، حتى أن كثيرا لا يعدون ذلك من المعاصي مع أنها رأسها كما أشار إليه صلى الله عليه وآله بقوله: ((أدنى الرياء الشرك)) وقوله صلى الله عليه وآله: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر)) وقوله صلى الله عليه وآله: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) وقوله صلى الله عليه وآله: ((حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل))... إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذه الباب. وقد قال صلى الله عليه وآله: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
فهذه جماع أمر التقوى التي أوصانا الله تعالى بها، على وجه الإجمال وتفاصيلها تحتاج إلى مجلدات.
ولنشفع وصية الله تعالى لعباده بوصية النبي لأمير المؤمنين عليه السلام: يا علي، أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها - ثم قال: اللهم أعنه -:
أما الأولى: فالصدق، لا يخرجن من فيك كذبة أبداً.
والثانية: الورع، لا تجترئ على جناية أبداً.
والثالثة: الخوف من الله تعالى كأنك تراه.
الرابعة: كثرة البكاء لله تعالى، يبني لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة.
والخامسة: بذل مالك ودمك دون دينك.
والسادسة: الأخذ بسنتي في صلاتي وصيامي وصدقتي: أما الصلاة فالخمسون ركعة، وأما الصوم فثلاثة في كل شهر: خميس في أوله وأربعاء في وسطه وخميس في آخره، وأما الصدقة فجهدك حتى يقال: إنك قد أسرفت ولم تسرف. وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال، وعليك بتلاوة القرآن على كل حال، وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما، وعليك بالسواك عند كل وضوء، وعليك بمحاسن الأخلاق فارتكبها ومساوئ الأخلاق فاجتنبها، فإن لم تفعل فلا تلومن إلا نفسك)).
ولأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وصية جليلة لولده الحسن عليه السلام مذكورة في نهج البلاغة وغيره، فينبغي مراجعتها فإنها تشتمل على حكم ومواعظ كثيرة. وقال عنوان البصري للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: أوصني، فقال عليه السلام: ((أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتي لمن يريد الطريق إلى الله تعالى، والله أسأل أن يوفقك لاستعماله وهي: ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة في العلم فاحفظها، وإياك والتهاون بها قال عنوان: ففرغت قلبي له. قال صلوات الله عليه: فأما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما [لا] تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالاً وسم الله واذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما ملأ آدمي وعاءا شر [ا] من بطنه)، فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.
وأما اللواتي في الحلم، فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشراً، قل له: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. ومن شتمك فقل له: إن كنت صادقاً فيما تقول فأسأل الله أن يغفرها لي، وإن كنت كاذباً فأسأل الله أن يغفرها لك. ومن وعدك بالخنى فعده بالنصيحة والدعاء.
وأما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة، وإياك أن تعمل برأيك شيئا، وخذ بالاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلا، واهرب من الفتيا هربك من الأسد، ولا تجعل رقبتك جسراً للناس.
ثم قال عليه السلام: قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي. والسلام))
وقال عليه السلام في وصيته لآخر: ((أفضل الوصايا وأكرمها أن لا تنسى ربك، وأن تذكره دائما ولا تعصيه، وتعبده قائما وقاعدا، ولا تغتر بنعمته وتخرج من أستار عظمته وجلاله فتضل وتقع في الهلاك وإن مسك البلاء والضر وأحرقتك نيران المحن. واعلم أن بلاياه مخبوءة بكراماته الأبدية ومحنه مورثة رضاه وقربته ولو بعد حين فيالها من مغنم لمن علم ووفق لذلك)).
وقال: روي أن رجلاً استوصى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال صلى الله عليه وآله: لا تغضب قط. قال: زدني. فقال صلى الله عليه وآله: صل صلاة مودع، فإن فيها الوصل والقربى. فقال: زدني. قال صلى الله عليه وآله: استح من الله استحياك من صالح جيرانك، فإن فيها زيادة اليقين.
وقد جمع الله ما يتواصى به المتواصون من الأولين والآخرين في خصلة واحدة وهي التقوى، يقول الله عز وجل: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وفيه جماع كل عبادة صالحة، وبه وصل [من وصل] إلى الدرجات العلى والرتب القصوى، وبه عاش من عاش مع الله بالحياة الطيبة والأنس الدائم، قال الله عز وجل: ((إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر)).
هذا آخر ما اتفق ذكره في هذه الوصية في وقت ضيق وخاطر مقسم لم يتفق لذلك زيادة عليه ولعل فيه إن شاء الله كفاية إذا روعي بحسن التدبير، والله تعالى يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويجعل ما بقي من أيام هذه المهلة على طاعته موقوفاً، وعما يبعد عن جنابه مصروفاً، إنه ولي ذلك، وعليه الاعتماد في جميع الأحوال وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المصدر: مجلة تراثنا، العدد 14 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com