موقع الصراط ... الموضوع : هاشميات الكميت بن زيد الأسدي<br> (الحافز الحق للثورتين السياسية الاجتماعية والأدبية)
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  هاشميات الكميت بن زيد الأسدي
(الحافز الحق للثورتين السياسية الاجتماعية والأدبية)
 
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 19 / رمضان / 1434 هـ
     
  بقلم الدكتور: عبد المجيد زراقط
مناخ صدور الهاشميات: (كربة مظلمة وثورة مخلص)
((الهاشميات)) مجموعة قصائد طويلة انشدها الكميت بن زيد الاسدي (60هـ -126هـ) يدعو فيها المسلمين لموالاة آل بيت النبي (ص)، الهاشميين، والثورة على الحكم الأموي القائم، في حقبة من الزمن عرفت الإعداد لهذه الثورة، ومثل الكميت، في آونة، دور داعية من دعاتها البارزين.
أنشد الكميت قصائده في مناخ يمكن لهذه الأبيات التي ينشدها الحارث بن عبد اللّه الحشرج الجعدي أن تصوره. يقول الحارث الجعدي:
أبيت أرعى النجوم مرتفقا *** إذا استقلت تجري أوائلها
من فتنة أصبحت مجللة *** قد عم أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن *** بالشام، كل شجاه شاغلها
فالناس، منها، في لون مظلمة *** دهماء ملتجئة غياظلها
يمسي السفيه الذي يعنف بالـ *** ـجهل سواء فيها وعاقلها
عاش المسلمون، كما يبدو، في فتنة شاملة شغلتهم جميعهم، ولم يدروا ما يفعلون.. سواء في ذلك السفيه الجاهل منهم والعاقل.
يحتاج الناس الذين يحيون في كربة مظلمة إلى مخلص، وقد أنشد الكميت قصائده داعياً إلى هذا المخلص، ويبدو أن صوت الكميت كان يصل إلى غير مصر من الأمصار الإسلامية ما يشير إلى امتداد الدعوة وترابط حلقاتها، فقد خاطب الشاعر الداعية ((جماعة أهل مرو)) الذين كان يقودهم الحارث بن سريج:
ألا أبلغ جماعة أهل مرو *** على ما كان من ناي وبعد
رسالة ناصح يهدي سلاماً *** ويأمر في الذين ركبوا بجد
وأبلغ حارثاً عنا اعتذاراً *** إليه بأن من قبلي بجُهد
ولولا ذاك قد زارتك خيلٌ *** من المصرين بالفرسان تردي
فلا تهنوا ولا ترضوا بخف *** ولا يغرركم أسد بعهد
وإلا فارفعوا الرايات سوداً*** على أهل الضلالة والتعدي
فكيف وأنتم سبعون الفاً *** رماكم خالد بشبيه قرد
يقول د. شوقي ضيف، في تعليقه على رسالة الكميت هذه: ((وهذه دعوة صريحة إلى الثورة على أسد وأخيه خالد. وكان الكميت كان يريد أن تثور خراسان على الدولة. وهذا ما حدث فعلاً بعد ذلك، فإن الخراسانيين هم الذين انتفضوا على بني أمية. ولعل في هذا الشعر أيضا ما يدل على أن خراسان كانت تعد منذ هذا التاريخ وكراً مهماً للشيعة)).
يلاحظ استخدام د. ضيف كلمة ((وكر)) المتضمنة موقفاً من هذه الثورة، والمنشئة ظلالاً من الاحتقار والإدانة. ويلاحظ، أيضاً، أن د. ضيف لم يجد قراءة رسالة الكميت، ذلك أنها تعتذر عن المشاركة في ثورة قائمة، وتنصح بالموقف المفروض أن يتخذ، فهي ليست دليلاً على أن الكميت ((كان يريد أن تثور خراسان على الدولة))، لأن خراسان كانت ثائرة، وقد حدث ما منع الكوفة والبصرة من المشاركة في الثورة، ما دفع الكميت إلى الاعتذار والنصح، وقد جاء في تاريخ الطبري في صدد هذه الثورة: ((. .. لما بلغ هشام بن عبد الملك أمر الحارث بن سريج كتب إلى خالد بن عبد الله أن أرسل أسداً أسد بن عبد الله القسري، وهو اخو خالد يصلح ما أفسد، فإن تكن رجية فلتكن به، فقدم أسد إلى خراسان، وما يملك عاصم من خراسان إلا مرو وناحية أبرشهر...)).
ويقول د. النعمان القاضي أن الحارث بن سريج تزعم ثورة عنيفة في خراسان زلزلت المنطقة تحت أقدام الأمويين بضع سنين. والحارث هذا فارس من فرسان الثغور، يؤثر عنه انه اجتاح جيوش الترك ونجى الجيش الإسلامي من العطش. كان خارجيا، ثم تحول إلى الأرجاء والجبر. وعنده، وعند الجهم بن صفوان، انتهت الأفكار السلبية للمرجئة وأصبحت أفكاراً ثورية ملتزمة مبادئ الإسلام الأساسية في المساواة بين المسلمين، وإشاعة العدل في المجتمع.
يفيد ما سبق أن الواقع الاجتماعي بلغ درجة من السوء جعلت المرجئة، وهم المعروفون بإرجائهم الحكم في الأمور الخلافية إلى يوم الحساب، ما كان يخدم الحكم القائم، يشاركون في ثورة تهدف إلى تغيير هذا الحكم، وكان مقدراً لها أن تشمل المصرين: الكوفة والبصرة وخراسان، غير أن ((جهداً)) أصاب ثوار المصرين فلم يؤازروا ثوار خراسان، ما أتاح لأسد بن عبد الله أن يقضي على تحركهم، ثم قضي على حركة المصرين التي قادها زيد بن علي. وقد أوتي لهذه الحركة التي لم تلبث أن استأنفت نشاطها أن تنتصر وتقضي على الحكم الأموي، رافعة الرايات السود التي أشار الكميت إليها في رسالته إلى جماعة ((مرو)). وأن يكن خلفاء بني العباس قد انحرفوا في ما بعد، فقد أشار المستهل بن الكميت إلى ذلك عندما خاطب أبا جعفر المنصور، قائلاً:
فلئن نحن خفنا في زمان عدوكم وخفناكم أن البلاء لراكد وكان الكميت داعية من دعاة هذه الثورة ينشد هاشمياته في مناخها، ويدعو إلى القيام بها، من دون أن يسمي شخصاً معيناً، وإنما كان يتحدث عن صفات هذا الشخص المنتمي إلى آل البيت، وهذا ما كانت تدعو إليه الثورة آنذاك: ((الرضا من آل محمد))، كما تذكر كتب التاريخ.
نوع من الشعر جديد تعد ((هاشميات الكميت)) نوعاً جديداً من الشعر. ففي ملاحظة أولى نرى أنها قصائد تخاطب المتلقي مباشرة، لتحدثه في قضية سياسية اجتماعية كبرى من قضاياه، وهذا ما لم يعرفه الشعر العربي من قبل، إذ كان الشاعر يعرض للقضية التي تهمه في بيت أو بيتين أو عدة أبيات من الشعر، ينظمها في معرض مدحه لشخص ما، أو هجائه لشخص آخر.أما الكميت فانصرف إلى القضية نفسها يعرض، ويكشف ويجادل... ليصل، والمخاطب، إلى الاقتناع بنظرية في الحكم، تقتضي الخروج بغية إقامة النظام الشرعي العادل.
وقد لاحظ الشعراء والنقاد تميز شعر الكميت من الشعر السائد، واختلافه. جاء في الأغاني: انشد الكميت الفرزدق قوله:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب *** ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى *** وخير بني حواء، والخير يطلب
فقال الفرزدق له: ((قد طربت إلى شيء ما طرب إليه احد قبلك. فأما نحن فما نطرب، ولا طرب من كان قبلنا إلا إلى ما تركت أنت الطرب إليه)).
يترك الكميت ما يطرب الشعراء إليه، ويطرب إلى شيء ما طرب إليه أحد من قبل، فكان شعره جديداً، يقتضي رؤية جديدة، وهذا ما لم يفعله كثير من الشعراء والنقاد ما أوقعهم في مشكلة تطبيق مقاييس الشعر التقليدي: المديح والهجاء... على نوع من الشعر غير تقليدي.
وقد وصف القدماء شعر الكميت بالخطب. ومما جاء في هذا الصدد:
((جاء حماد الراوية إلى الكميت فقال: اكتبني شعرك. فقال: أنت لحان ولا أكتبك شعري)). فقال له: وأنت شاعر!؟ إنما شعرك خطب)). وقال بشار: ((الكميت خطيب وليس بشاعر)).
وقال الجاحظ: ((ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل)). وقال: ((إن للخطبة صعداء، وهي على ذي اللب أرمى. الكميت وكان خطيباً))، وهو ((أول من دل الشيعة على طرق الاحتجاج)).
ولاحظ المحدثون تميز شعر الكميت، فقال د. شوقي ضيف: إن أهمية الكميت تتمثل في أنه ((لم يتبع الدروب الموروثة، بل اختار لنفسه درباً جديداً غير مألوف من سابقيه ومعاصريه، فسار فيه وأظهر في ذلك براعة فائقة، إذ حول شعره من ميادين العاطفة إلى ميادين الفكر، وجعله كأنه مقالة يكتب فيها عن نظرية بني هاشم في الخلافة. وهو يجمع لهذه المقالة الخيوط من هنا وهناك، أو قل المقدمات ليكون ما يريد من حجج وأدلة)) . وقال د. النعمان القاضي: ان الهاشميات كانت ((شعراً لا كالشعر. . باباً جديداً من أبواب الشعر فتحه الكميت لأول مرة، وهو باب التقرير والاحتجاج)) .
وإن يكن القدماء والمحدثون قد لاحظوا ان شعر الكميت يتصف بخصائص الخطبة، أو المقالة، التي تجمع الأدلة والحجج لتقرر وتقنع، فإن د. عبد القادر القط يرى أن((هاشميات الكميت)) ((نموذج لهذا اللون الفريد من الشعر السياسي الذي يتدفق من عاطفة جياشة بحب صادق يشارف أحياناً ما يشبه الوجد الصوفي)) ((وإن ما يبدو جدلاً سياسياً في هذه الهاشميات هو في حقيقته ألصق بما يمكن أن نسميه بالاستهواء الخطابي الذي يحيل الخطيب فيه الفكرة الى احساس بوسائل الخطابة المعروفة من تكرار أو سخرية أو تأكيد او اتجاه إلى عاطفة السامع ومحاولة اثارة وجدانه قبل اقناع عقله)).
((الهاشميات))، كما نرى، شعر جديد (خطابة في رأي ومقالة في رأي ثان واحتجاج عقلي في راي ثالث، و((استهواء خطابي يحيل الفكرة احساساً في رأي رابع)))، يهدف إلى إقناع المتلقي بالرؤية التي ينطق بها. وإن تكن الجدة والفرادة العنصر المشترك في هذه الآراء جميعها، فإن الأسئلة التي تطرح في هذا المقام هي: ما الخصائص الفنية التي ميزت هذا الشعر، وجعلته جديدا؟ وما طبيعة نشوئها؟ وما دورها في تطور الشعر العربي؟ فرادة التجربة الشعرية خروج سياسي اجتماعي يؤتي خروجاً فنياً تختلف تجربة الكميت الشعرية عن تجارب الشعراء المحترفين بكونها تجربة حياتية معيشة في حين كانت تجارب أولئك الشعراء ذهنية.
في الحالة الأولى، ينبثق الشعر من التجربة الحياتية ليجسدها وينطق برؤيتها التي كانت الأساس في نشوء الشعر وتشكل بنائه، وفي الحالة الثانية يختار الشاعر بناء شعرياً جاهزاً، أنتجته تجربة سالفة، ويصب فيه المعاني الجاهزة التي نظمها. لم يكن الكميت يطرب لما يطرب اليه الشعراء المحترفون، وإنما كان يطرب لأمر آخر يمليه الواقع، والطرب، هنا، يعني الحالة التي تدفع الشاعر إلى القول، وتملي الشعر، وتنشئ حركة القصيدة إلى التشكل في بناء جديد مختلف، يجسد التجربة الجديدة المختلفة. ويمكن أن نرى في هذين البيتين ما يشير الى طبيعة صدور الشعر وتوجهه:
فاعتتب الشوق عن فؤادي والشـ *** ـعـر إلى من اليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد *** لا يعدلني رغبة ولا رهب
خرج الكميت على الواقع، فكان هواه الذي يجن ويبدي لبني هاشم اصحاب الحق في الحكم القائم على شرع الله، والذي يقضي بالمساواة والعدالة وعيش الانسان حياة كريمة. وقد تمثل هذا الخروج على الواقع خروجاً على تقاليد البناء التقليدي للقصيدة العربية، فلم يبدأ الكميت قصائده بـ((الطللية)) على عادة الشعراء، وإنما بدأها بذكر من يطرب لهم، ويدعو إلى اتباعهم.
بدا الكميت الهاشمية الأولى بقوله:
من لقلب متيم مستهام *** غير ما صبوة ولا أحلام
بل هواي الذي أجن وأبدي *** لبني هاشم فروع الأنام
وبدأ الهاشميات الأخرى بإعلان هواه للهاشميين ودعوته إليهم.
ويبدو أن الكميت كان يدرك حقيقة ما يقوم به من خروج فني، كما كان يدرك خروجه السياسي الاجتماعي، فنراه يدعو الى الاهتمام بالإنسان، ساكن الدار وليس بالدار، ويأخذ على الشعراء الآخرين أنينهم ورحيلهم وبكاءهم التلاع القفار، يقول الكميت:
ما لي في الدار بعد ساكنها *** ولو تذكرت أهلها إرب
لا الدار ردت جواب سائلها *** ولا بكت أهلها اذ اغتربوا
يا باكي التلعة القفار، ولم *** تبكِ عليه التلاع والرحب
ويقول:
فدع ذكر من لست من شأنه *** ولا هو من شأنك المنصب
وهات الثناء لأهل الثناء *** بأصوب قولك فالأصوب
بني هاشم فهم الأكرمون *** بنو الباذخ الافضل الاطيب
ويقول:
سل الهموم لقلب غير متبول *** ولا رهين لدى بيضاء عطبول
ولا تقف بديار الحي تسألها *** تبكي معارفها ضلا بتضليل
ما انت والدار اذ صارت معارفها *** للريح ملعبة ذات الغرابيل
وهكذا يبدو أن الخروج على الواقع السياسي الاجتماعي أثمر خروجاً فنياً على البناء التقليدي، ما يفيد أن التجربة الحياتية هي التي تؤتي التجديد الاصيل. وإن يكن أبو نواس قد خرج على البناء التقليدي، في ما بعد، فإن الكميت سبقه الى ذلك، بفعل تجربته الاصيلة، واهتمامه بالإنسان، فكان التجديد خلقاً لبناء شعري مكتمل وليس اختلاقاً، او افتعالاً يستبدل مقدمة بمقدمة أخرى.
توظيف الحركات الشعرية في سياق البناء العام للمقدمة وظيفة إخراج المتلقي على واقعه والخلق الشعري للبناء المكتمل يوظف الحركة الشعرية في سياق البناء العام، وقد أدت المقدمة في هاشميات الكميت وظيفة إخراج المتلقي على الواقع من طريق إثارة تشويقه وفضوله، ودفعه إلى التأمل في واقعه، ما يفضي إلى حركة تالية تكشف هذا الواقع وتبين بؤسه، وضرورة السعي لتغييره. ومن الامثلة التي تبين وظيفة المقدمة في اثارة شوق المتلقي الى المعرفة، وفضوله، مقدمة الهاشمية الثانية. فقد جاء في الاغاني:
قال الكميت للفرزدق: ((نفث على لساني، فقلت شعراً، فأحببت أن أعرضه عليك، فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحاً أمرتني بستره. وكنت أولى من ستره عليَّ. فقال الفرزدق: أما عقلك فحسن، وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت. فانشده: ((طربت وما شوقا الى البيض اطرب)). قال: فقال لي: فيمَ تطرب يا بن اخي؟ فقال: ((ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب)). فقال: بلى، يا بن اخي، فالعب، فإنك في اوان اللعب، فقال:
ولم يلهني دار ولا رسم منزل *** ولم يتطربني بنان مخضب
فقال: وما يطربك يا بن اخي؟ فقال:
ولا السانحات البارحات عشية *** أمرَّ سليم القرن أم مرَّ أعضب
فقال: أجل، لا تتطير، فقال:
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى *** وخير بني حواء، والخير يطلب
فقال: ومن هؤلاء؟ ويحك، فقال:
إلى النفر البيض الذين بحبهم *** إلى الله في ما نابني اتقرب
قال: ارحني ويحك! من هؤلاء؟ قال:
بني هاشم رهط النبي فإنني *** بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مني جناحي مودة *** إلى كنف عطفاه: اهل ومرحب
فقال له الفرزدق: يا ابن اخي، اذع ثم اذع، فانت، واللّه، اشعر من مضى واشعر من بقي)).
يوصل الكميت متلقيه إلى القول: ((أرحني ويحك! من هؤلاء؟))، فتؤدي المقدمة وظيفة إثارة الشوق والفضول، فيجيب، وينشئ الحركة الثانية بعد أن أخرج المتلقي من سكونه وركوده، وأيقظه من سباته.
رأينا مدى إعجاب الفرزدق بهذا النوع من الشعر، ونقرأ في كتب تاريخ الأدب أخباراً تفيد أن هذا الشعر انتشر وحفظ، ومن هذه الأخبار: ((يروي عكرمة الضبي عن أبيه أنه ادرك الناس بالكوفة من لم يروِ: ((طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب)) فليس بشيعي)).
وقد ابتدع الكميت حركة شعرية أخرى يهز بها السكون والركود ويدفع بالمتلقي الى التأمل في واقعه، والخروج لتغييره، فقد بدأت هاشميته اللامية بهذه الحركة، فقال في مطلعها:
ألا هل عم في رايه متأمل!؟ *** وهل مدبر بعد الإساءة مقبل؟!
وهل أمة مستيقظون لرشدهم *** فيكشف عنه النعسة المتزمل
فقد طال هذا النوم واستخرج الكرى *** مساويهم لو كان ذا الميل يعدل
وعطلت الأحكام حتى كأننا *** على ملة غير التي نتنحل
يبدأ الكميت قصيدته بحرف استفتاح، يليه حرف استفهام يطرح سؤالاً ينكر واقعاً يكون المتأمل، فيه، في حالة عمى. ويكرر الاستفهام، للمرة الثانية، لينكر واقعاً يكون فيه المقبل مدبرا بعد الاساءة. والاستفهام الانكاري يتضمن اتهاماً بالقبول وتحريضاً على الخروج. يتكرر الاستفهام، للمرة الثالثة، ليحرض على اليقظة الى الرشد، والنهوض من حالة النوم، ثم يأتي تقرير الواقع في جمل خبرية تصوره. وهكذا تؤدي الحركة الأولى وظيفة خلخلة السكون القائم، وتشكيل حالة الإحساس بالفقد ما يدفع للخروج والسعي، فتأتي الحركة الثانية لتكشف الواقع وتحدد مسار السعي. يوظف الكميت تقنيات فنية لمسنا منها التكرار، وخروج الاستفهام إلى الإنكار والتحريض، وتنوع الأساليب، ونلمس الثنائيات الضدية بين عمر متأمل، مدبر مقبل، استيقاظ النعسة المتزمل، الاستيقاظ النوم والكرى. ونلحظ أن الاستيقاظ نوع من كشف الغطاء ما يتيح للإنسان أن يرى ويتحرك. وهذا جميعه يفضي إلى الاقتناع بأن النوم قد طال وبأن اليقظة ضرورية.
للرحلة وظيفة السعي إلى الهدف يبدأ الكميت قصائده بحركة تخرج الناعس المتزمل من نومه إلى الاستيقاظ للرشد الوعي، فيخاطب العقل الذي كشف عنه الغطاء في حركات القصيدة التالية التي تنتهي بالرحلة على ناقة تجتاز الصعاب، ويخوض ممتطيها صراعاً ينتصر فيه، وهذه الرحلة تؤدي وظيفة في بناء القصيدة العام، اذ أنها سعي إلى الهاشميين أنفسهم. والشاعر، هنا،يستجيب للجو الشعري السائد، الذي يطلب طللية ورحلة في القصيدة، وينافس بذلك الشعراء المحترفين، لكنه يجعل هذه الحركة في نهاية القصيدة، ليجبر المتلقي الراغب في سماعها، على سماع القصيدة بكاملها، في الوقت نفسه الذي تكون فيه هذه الحركة موظفة في سياق البناء العام، اذ أنها رحلة إلى من بدأت القصيدة بهواهم، فهي حث على السعي اليهم، سعياً يحقق هدف النفس الوالهة.. يقول الكميت في الهاشمية الأولى:
ولهت نفسي الطروب إليهم *** ولها حال دون طعم الطعام ليت شعري هل ثم، هل آتينهم *** ام يحولن دون ذاك حمامي فإن تشيع بي المذكرة الوجنا *** ء تنفي لغامها بلغام
ثم يصف الناقة والرحلة. ويقول في الهاشمية الثانية: أولئك إن شطت بهم غربة النوى *** اماني نفسي والهوى حيث يشعب
فهل تبلغنيهم على بعد دارهم *** نعم ببلاغ الله وجناء ذعلب
ثم يصف الناقة والرحلة، وصراعاً يدور تنتصر فيه الراحلة على الكلاب المدربة ما يشير إلى ذلك الصراع الدائر في الواقع الاجتماعي بين قوى الخير ممثلة بالهاشميين وقوى الشر ممثلة بأرباب الحكم القائم، وإلى أن النصر كائن في نتيجة المطاف لقوى الخير. وهكذا يوظف الكميت حركة القصيدة الأخيرة، وهي وصف للرحلة والراحلة، في بناء القصيدة العام، فيبلغ من ((الدهاء الفني)) مرتبة كبرى، في الوقت نفسه الذي نافس فيه المحترفين في موضوع خاص بهم وتفوق عليهم، كما يبدو للقارئ المطلع.

التحرك الى كشف الواقع:
الثنائية الضدية:
تخرج الحركة الأولى المتلقي من نعاسه إلى رشده، وتوصله الحركة الأخيرة إلى من ينبغي حث السعي اليهم، وتكشف الحركات التي تلي الحركة الأولى وتسبق الحركة الأخيرة للمستيقظ، الثائب إلى رشده، الواقع، فنلحظ، في كل هاشمية من الهاشميات، ثنائية ضدية، يمثل طرفها الأول الحكام والواقع القائم الذي ينشئونه، ويمثل طرفها الثاني الهاشميون والواقع البديل الذي سيقام. وقد جاء، في الهاشمية الاولى، في بيان صفات الهاشميين:
للقريبين من ندى والبعيديـ *** ـن من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما اخطأ النا *** س، ومرسي قواعد الإسلام
والحماة الكفاة في الحرب *** إن لف ضرام وقوده بضرام
والغيوث الذين ان امحل النا *** س، فماوى حواضن الايتام
والروايا التي بها يحمل النا *** س وسوق المطبعات العظام
غصب الهاشميين المتصفين بالكرم والعدل والعلم، وارساء قواعد الاسلام، والشجاعة والاهتمام بالناس. حقهم في الحكم حكام يرون الناس و((الإنعام)) سواء، فما يعنيهم سوى جز الصوف وانتقاء النعجة السمينة. فيقول الكميت في الهاشمية نفسها، ان الهاشميين:
ساسة لا كمن يرعى النا *** س سواء ورعية الأنعام
فلا كعبد المليك او كوليد *** او كسليمان، بعد، او كهشام
فرأيه فيهم كراي ذوي الثلة في الثائجات جنح الظلام فجز ذي الصوف وانتقاء لذي المخة نعقا ودعدعا بالبهام.
وجاء في الهاشمية اللامية، في وصف الواقع الذي أوصل الأمويون إليه المسلمين:
وعطلت الاحكام حتى كأننا *** على ملة غير التي نتنحل
كلام النبيين الهداة كلامنا *** وأفعال أهل الجاهلية نفعل
رضينا بدنيا لا نريد فراقها *** على أننا فيها نموت ونقتل
فلهم في كل عام بدعة يحدثونها أزلوا بها أتباعهم ثم أوجل وافتحل دماء المسلمين لديهم ويحرم طلع النخلة المتهدل ففي هذا الواقع يفزع الناس إلى مخلص، يتمثل في الهاشميين:
ألا يفزع الأقوام مما أظلهم *** ولما تجبهم ذات ودقين ضئبل
إلى مفزع لن ينجي الناس من عمى *** ولا فتنة إلا إليه المتحول
إلى الهاشميين البهاليل إنهم *** لخائفنا الراجي ملاذ وموئل
إلى آي عدل ام لآية سيرة *** سواهم يؤم الظاعن المترحل
وفيهم نجوم الناس، وهم للناس في ما ينوبهم غيوث حياً، واكف ندى، وعرى ثقة ومصابيح تهدي...
التكرار المحور:
يلاحظ تكرار ((الناس)) مرات عديدة ما يدل بوضوح على انهم محور اهتمام الشاعر، وهو يريد ان يخرجهم الى الثورة من طريق كشف الواقع وتقديم البديل، ومن طريق الاقناع، ليس العقلي فحسب، وانما مما سماه هو ((الرشد)).
يريد الكميت من الناس ان يستيقظوا لرشدهم، أي أن يعوا واقعهم وعياً كيانياً يفضي الى سعي قد يكلف الانسان حياته، ولهذا كان لا بد من ايصال المتلقي إلى بلوغ حالة ((الاستيقاظ للرشد)). واستخدم الكميت وسائل كثيرة، ابرزها الجدل الذي كان يدور في صفوف الكلاميين، فمثل شعر الكميت التطور الذي صار اليه العقل العربي في هذه المرحلة.
الجدل الكلامي:
عرض الكميت، في سياق إيصال متلقية إلى يقظة للرشد تفضي إلى اتخاذ قرار الخروج، نظرية الأمويين في الحكم، وناقشها، وبين تهافتها وأنها تتضمن مفارقة كبرى، فكان بهذا يهز السائد والراكد، ويحرض على التفكير. يقول الأمويون إنهم يتولون الخلافة بحكم قرابتهم من النبي(ص). فإن يكن الأمر هكذا، فالأولى أن يتولى الخلافة آل بيت النبي، فإن يكن النبي (ص) لا يورث، كما يزعم الأمويون مناقضين ادعاءهم الأول، فإن القبائل الاخرى لها حق بالخلافة، وخصوصاً الأنصار الذين آووا رسول الله (ص) ونصروه. يقول الكميت في نقاش قضية الحق بالخلافة، مخاطباً الهاشميين: بخاتمكم غصباً تجوز أمورهم *** فلم أرَ غصباً مثله يتغصب
وجدنا لكم في آل حاميم آية *** تأولها منا تقي ومعرب
وفي غيرها آياً وآياً تتابعت *** لكم نصب فيها لذي الشك منصب
بحقكم أمست قريش تقودنا *** وبالفذ والرديفين منها نركب
إذا اتضعونا كارهين لبيعة *** أناخوا لأخرى، والازمة تجذب
ردافا علينا فلم يسيموا رعية *** وهمهمو أن يمتروها فيحلبوا
ولكن مواريث ابن آمنة الذي *** به دان شرقي لكم ومغرب
يقولون لم يورث، ولولا تراثه *** لقد شركت فيه بكيل وارحب
وعك ولخم والسكون وحمير *** وكندة والحيان: بكر وتغلب
ولا كانت الأنصار فيها أدلة *** ولا غيباً عنها إذا الناس غيب
يثبت الكميت تناقض نظرية الأمويين، ويبين أنهم مغتصبون، ويثبت حق الهاشميين بتولي الخلافة، استناداً إلى ما جاء في القرآن الكريم من آيات، منها ما جاء في سورة ((حم)): (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومنها ما جاء في آيات اخرى، مثل قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه) و(وانما يريد اللّه ليذهب عنم الرجس آل البيت ويطهركم تطهيراً) و(واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى).
ويضيف الكميت، في مكان آخر، حجة أخرى يوردها مقرراً حق الإمام علي(ع) بالخلافة، فيقول، مشيراً إلى بيعة غدير خم:
وأصفاه النبي على اختيار *** بما اعيا الرفوض له المذيعا
ويوم الدوح دوح غدير خم *** أبان له الولاية لو أطيعا
ولكن الرجال تبايعوها *** فلم ار مثلها خطرا مبيعاً
أضاعوا أمر قائدهم فضلوا *** واقومهم لدى الحدثان ريعا
تناسوا حقه وبغوا عليه *** بلا ترة، وكان لهم قريعا
يرى الكميت أن الرجال ((تبايعوا)) الخلافة، ولم يطيعوا امر النبي فضلوا، متناسين حق الإمام علي (ع) باغين عليه.

الصياغة الفنية للنظرية:
يسعى الكميت الذي أيقظ الناعس المتزمل إلى إقناع متلقيه بنظرية في الحكم، تستند إلى النص القرآني، ووصية النبي محمد(ص)، وإلى نظرية الأمويين أنفسهم في الإرث، وكان قد بين قبلاً صفات الخليفة الهاشمي، وهي: العلم والعدل والشجاعة والزهد ما يفيد أن الحكم يقوم على شرع الله الذي يقضي بالعدالة والمساواة. يناقش الكميت هذه القضية فيقول:
يا ساسة هاتوا لنا من حديثكم *** ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
أأهل كتاب نحن فيه وأنتم *** على الحق نقضي بالكتاب ونعدل
فكيف، ومن أنى، وإذ نحن خلفة *** فريقان شتى تسمنون ونهزل
كأن كتاب الله يعنى بأمره *** وبالنهي فيه الكودني المركل
ألم يتدبر آية فتدله على تـ *** ـرك ما يأتي أم القلب مقفل

الخروج واجب ديني:
يدعو الكميت الساسة الحاكمين الى حديث ينشئ ثنائية تضاد، تبين التناقض القائم بين فئتين، وهذا يخالف ما أمر به القرآن الكريم الذي عطلت احكامه، فغدا الخروج ضرورة دينية وواجبا شرعيا على حاكم يخالف كتاب الله، فتاتي الدعوة الى الثورة نتيجة طبيعية، فيقول، مستخدما مثلا يتداوله العرب:
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم *** فحتى م حتى م العناء المطول
رضوا بفعال السوء من أمر دينهم *** فقد أيتموا طورا عداء وأثكلوا
كما رضيت بخلاً وسوء ولاية *** لكلبتها في اول الدهر حومل
نباحاً اذا ما الليل أظلم دونها *** وضرباً وتجويعاً خبال مخبل

كربلاء: تبديد الخوف ونهج مقاوم:
وإن يكن الخروج إلى الثورة يقتضي تبديد الخوف، فإن الكميت يوظف حادثة كربلاء، ليبين جور الأمويين من نحو أول، وليقدم نهجاً في المقاومة من نحو ثانٍ، فيقول:
يحلئن عن ماء الفرات وظله *** حسيناً ولم يشهر عليهن منصل
كأن حسيناً والبهاليل حوله *** لأسيافهم ما يختلي المتبقل
تهافت ذبان المطامع حوله *** فريقان شتى ذو سلاح وأعزل
فلم أرَ موتورين أهل بصيرة *** وحق لهم أيد صحاح وأرجل
كشيعته والحرب قد ثفيت لهم *** أمامهم قدر تجيش ومرجل
فإن يجمع الله القلوب ونلقهم *** لنا عارض من غير مزن مكلل
يلاحظ تكرار كلمة السوء، وبيان طبيعة تعامل الأمويين مع الناس، فهم يرونهم كالأنعام، وما أدى إليه التخاذل، وإن الحل يتمثل بأن يجمع الله القلوب ويتم اللقاء المفضي إلى النصر.

حديث الذات، الصراع مع نوازع النفس:
يوصل الكميت، كما راينا، متلقيه الى الاقتناع بضرورة الثورة المفضية، ((ان جمع اللّه القلوب))، الى النصر، ويعرض الى مسالة التضحية بالنفس، فيؤكد ان حياة كالتي تعاش ليست بذات قيمة.
رضينا بدنيا لا نريد فراقها *** على أننا فيها نموت ونقتل
وإن لا بد من تحرك، يحقق الهدف فيعجل اللّه تعالى ما يؤمل:
فيا رب عجل ما يؤمل فيهم *** ليدفأ مقرور ويشبع مرمل
وينفذ، في راض مقر بحكمه *** وفي ساخط منا، الكتاب المعطل
وكيف يتم التعجيل؟.
يقول الشاعر:
تجود لهم نفسي بما دون وثبة *** تظل بها الغربان حولي تحجل
يبدو ان الشاعر يقول أنه يضحي بكل شيء الا بالحياة، لكن ينبغي الا يؤخذ هذا البيت مفردا، إذ أن الشاعر يكمل حديثه مع نفسه، مشاركاً المتلقي في مناقشة الأمر، ويقول: ((وقلت لها بيعي من العيش فانياً... أتتني بتعليل ومنتني المنى، وقد يقبل الامنية المتعلل...))، ثم يحسم الامر، ويقول ما يريد الوصول إليه:
وإن أبلغ القصوى أخض غمراتها *** إذا كره الموت اليراع المهلل
هذا هو الموقف الذي يريد الكميت إيصال متلقيه إليه، ويتمثل في التهيؤ للخروج باقتناع مطلق وبذل مطلق عندما تبلغ الأمور الدرجة القصوى، وقد بلغه من طريق حديث ذاتي، شارك المتلقي فيه، ووصلا سوية إلى اتخاذ الموقف. وهذا نوع من النقاش داخلي، يتم بين الإنسان ونفسه، أو هو نوع من الصراع الداخلي، يتمكن فيه الإنسان من الانتصار على نوازع النفس، وهذه ميزة جديدة في شعر الكميت تتمثل في تصوير الصراع الداخلي، وقد تطورت في ما بعد، وبرزت ظاهرة في أدب الصوفيين الذين جعلوا الصراع الداخلي مع نوازع النفس محوراً من محاور أدبهم.
الهاشمية قصيدة محكمة البناء تنظم العناصر لتنطق برؤية كلية ونحن، إن كنا نريد قراءة هاشميات الكميت قراءة جديدة، يجب ألا نقتطع بيتا ونقول: هذا يمثل موقف الكميت من القضية هذه او تلك، او هذا البيت يمثل ميزة فنية، معتقدين شان كثير من النقاد، ان البيت يمثل الوحدة في القصيدة العربية، ذلك ان هذه الرؤية مخطئة بعامة، وخصوصا في هاشميات الكميت، وان كان من وجود مستقل للبيت، فهو وجود مختلف عن وجوده منتظما في بناء القصيدة العام.
وفي سياق هذه القضية يمكن أن ندرج حديث د. النعمان القاضي عن البيت التالي:
فدى لك موروثاً أبي وأبو أبي *** ونفسي، ونفسي بعد بالناس اطيب
يناقش د. القاضي رأيا ورد في كتاب ((أدب الخوارج)) للدكتورة سهير قلماوي، يقول: ((إن هذا البيت يمثل مدى ما وصل إليه الإسفاف في شعر الكميت)) ويرى أن ((هذا البيت الذي عد مثالاً للإسفاف قد قام في تقرير القضية التي ناظر الكميت فيها بني أمية مقام المقدمة الصغرى من مقدمات المنطق التي انتزعها من خصومه، وبنى عليها بمقدمة اخرى هي زعمهم ان النبي لا يورث ليخلص من ذلك إلى النتيجة المنطقية التي هدف إليها، وهي ان بني أمية متناقضون، وليتخذ من تناقضهم دليلاً على اغتصابهم حق غيرهم من الهاشميين.
فنحن، اذا، لا نحتكم، في هذا البيت، الى مقاييس البلاغة او النقد المالوفة في جمال التعبير ودقة التصوير، وانما نحتكم فيه الى مقياس آخر هو مدى ما قدمه هذا البيت الى القصيدة في موضعه من دلالة فكرية اسهمت في استكمال الاحتجاج وتقرير الفكرة التي استهدفت القصيدة تقريرها)).
انشأت تجربة الكميت الوجدية، كما يبدو، بناء تنتظم فيه حركات القصيدة لتنطق برؤية إلى عالمها.
يبدو الكميت مقرر نظرية، وجدلا خطيبا يهدف الى التأثير والإقناع، وصائغ فكر يمثل ما وصل إليه العقل العربي في عصره، من تطور...
الحافز الحق للثورتين السياسية الاجتماعية والشعرية قد يكون في هذا شيء من الصحة، والصحيح هو ان الكميت كان داعية ثورة، وجسد شعره هذه الدعوة النابعة من ايمان عميق يقرب من الوجد الصوفي... كان الشعر جديدا من حيث بناء القصيدة وقد بينا ذلك ومن حيث بناء العبارة المنتظمة في سياق البناء العام، وسوف نبين هذا في ما يلي.
لاحظ بعض القدماء تميز شعر الكميت على هذا المستوى. يروى ان ابا تمام سال الخشاف عن الكميت بن زيد وعن شعره وعن رايه فيه، فقال: ((لقد قال كلاما خبط فيه خبطاً من ذاك. جمما لا يجوز لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم. وهو، على ذاك، اشبه كلام الحاضرة بكلامنا واعربه واجوده، ولقد تكلم في بعض اشعاره بلغة غير قومه)) .
يقرر الخشاف، أولاً، أن الكميت خرج على المذهب الشعري السائد، وتكلم بلغة جديدة، غير قومه. وثانياً أن الكميت يصنف في الشعراء المحدثين الذين يمثلهم أبو تمام، وثالثاً إن الكميت أقرب هؤلاء المحدثين إلى القدماء، ما يشير إلى أنه يمثل دور الحلقة الوسط بين القدماء والمحدثين.
وقد لاحظ النقاد، في العصر الحديث، ظاهرة فنية في شعر الكميت تتمثل في توظيفه خصائص فنية في سياق قصيدته، ومن هذه الخصائص، استثارة المتلقي، التكرار، التكرار المؤكد، المتمثل والجناس التام، والجناس الناقص والتقسيم، بألفاظ ذات معانٍ متقاربة، والجناس التام، والجناس الناقص والتقسيم، واقتران الالفاظ بصفات توضح دلالتها، والارصاد للقافية، والتضاد، واستخدام الفاظ ذات صيغ واحدة او متقاربة، والطباق، والترصيع والالتفاف لتأييد فكرة أو نفيها، وتكرار ألفاظ ذات ايقاع واحد متقاربة في معناها وايحائها. ورأى د. القط أنه ((يمكن أن نجد في تلك الصيغ الموقعة المشتركة بدايات واضحة لبعض مظاهر البديع التي يربطها الدارسون دائماً بالمخضرمين من شعراء الدولة الاموية والعباسية، وببعض شعراء الدولة العباسية كمسلم بن الوليد وابي نواس ثم ابي تمام راس هذا الاتجاه)).
ويضيف د. القط فيقول: ((وتؤكد هذه الظاهرة الملموسة في شعر الكميت ان التطور الفني الذي عرف، في ما بعد، باسم البديع، كان تطورا طبيعيا ممتدا متأثراً بطبيعة التجربة عند الشاعر وبحسه اللغوي والموسيقي)).
وكان د. أحمد نجا قد انتهى، بعد ان استنفد وجوه المقارنة بين الكميت ومجددي العصر العباسي الى القول: ((الكميت بن زيد هو الحافز الحق للثورة الادبية العباسية والسباق للتحرر والتجديد)).
وإنه لمن الامور ذات الدلالة ان يكون شعر الكميت الحافز الحق للثورة التي اوصلت العباسيين، في ملابسات معروفة، الى الحكم، وان يكون في الوقت نفسه الحافز الحق للثورة الأدبية العباسية، فهذا يفيد ان التجربة الحياتية الكيانية للشاعر الموهوب المتفرد تؤتي الجديد الذي يمثل عصره اصدق تمثيل، ولأنه يمثل عصره بهذا الصدق، فهو شعر إنساني عظيم يظل خالداً ومؤثراً ما بقي الانسان يعيش الوجد والفكر، ويقول الشعر الذي ينطق بهما.

المصدر: مجلة المنهاج، العدد الثاني.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com