موقع الصراط ... الموضوع : حول الوضع المعاش في الحوزة
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حول الوضع المعاش في الحوزة  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 19 / رمضان / 1434 هـ
     
  محاضرة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ألقاها في سنة 1385هـ
السيد الصدر [الاتّجاهات في النظرة إلى الدنيا والمسؤوليّة الرساليّة : ]
أيّها الأعزّاء: اُريد أن اُحدّثكم بحديث يرتبط بالموضوع الذي نعيش لأجله ، ونحيا بأمله ، ونسير في خطّه ، ونستعين بالمصاعب في طريق إنجازه وتحقيقه .
اُريد أن اُحدّثكم بحديث يرتبط بواقع عملنا بصفتنا مبلّغين ومفكّرين في بناء هذه الحوزة ، لبناء أفضل يرتبط بأداء رسالتها الكبرى وممارسة عملها ومسؤوليّتها في الدعوة والتبليغ في أرجاء العالم الإسلامي .
إنّ هناك أيّها الأعزّة اتّجاهين متناقضين ، وسنجد لهما أمثلة وشواهد على طول الخطّ في التاريخ .

[ الاتّجاه الأوّل :]
أحد هذين الاتّجاهين يقوم على أساس قاعدة المصلحة الشخصيّة كاُسلوب فيما يفعل وما يترك . أصحاب هذا الاتّجاه يجعلون من مصلحتهم‏ الشخصيّة مقياساً أعلى يميّزون به بين النافع والضارّ ، وما ينبغي وما لا ينبغي ، فيقدمون حيث توجد ، ويمنعون حيث لا يجدون مصلحة شخصيّة في الإقدام .
وإذا أردنا أن نلخّص منطق هؤلاء في وضع هذا المقياس وما يستندون إليه من مبرّرات [ بجعل ] المصلحة الشخصيّة أساساً وقاعدةً للعمل والسلوك ، نستطيع أن نلخّص وجهة نظرهم بما يأتي :
1 - يقول هؤلاء المتديّنون : إنّ المتديّن بوصفه متديّناً ليس ملزماً من الشرع إلا باجتناب المحرّمات الصريحة وإتيان الواجبات الصريحة، وفي غير نطاق الواجب والمحرّم - ولنسمّ كلّ ما يخرج عن هذا النطاق بنطاق المباحات بالمعنى الأعمّ للإباحة - في نطاق الإباحة بالمعنى الأعمّ ، يملك المتديّن حريّته وإرادته ، فله أن يترك وله أن يفعل ، وليس عليه حرج على كلا التقديرين .
إذاً فبإمكان هذا المتديّن أن يجعل من مصلحة الشخص ومن المصلحة الشخصيّة قاعدة للانطلاق في ما يفعل وما يترك ، وأساساً للسلوك ، ما دام ملتزماً بالأصل الموضوعي المفروض ، وهو اجتناب المخالفة في دائرة الواجبات والمحرّمات الصريحة .
وهذا الاتّجاه الذي يتمثّل في هذا المنطق يتّخذ دائماً مع الدنيا سلوكاً إيجابيّاً ويواجهها وجهاً لوجه ، ليأخذ منها ويتفاعل معها ، ويتأثّر بمغرياتها في حدود هي على أفضل تقدير حدود المباحات بالمعنى الأعمّ التي افترضها في تحليله المنطقي السابق .
وأسعد الناس حظّاً من أصحاب هذا الاتّجاه من بقي وفيّاً لأصله الموضوعي ، أميناً على حدوده التي افترضها في تحليله المنطقي ، فمارس مقياسه الشخصي في دائرة المباحات ولم يتعدّ هذه الدائرة .
وأتعس هؤلاء حظّاً من تمدّد به المقياس كلّما تمدّد في تطبيقه ، ومن اتّسع به كلّما اتّسع في تنفيذه ، حتّى أصبح هذا المقياس هو الحاكم المطلق في كلّ شؤون حياته ، دون فرق بين دائرة ودائرة أو مجال ومجال .

[ الاتّجاه الثاني : ]
وهناك أيّها الأعزّة اتّجاه آخر يناقض هذا الاتّجاه كلّ المناقضة ويقف بصورة مقابلة له تماماً، هذا الاتّجاه ينظر أصحابه إلى الدنيا من أعلى، ينظرون إليها من أعلى، من قمّة الجبل، فيشيرون بوضوح وبجلاء إلى كلّ ما في هذه الدنيا من محدوديّة وزيف وفراغ . وهم ينظرون إليها من أعلى يعصمون أنفسهم من التأثّر بمغرياتها ، والاستجابة لدوافعها ، والانصياع مع جذبها الأكيد في كلّ ميادين ومجالات مساعيها . وعلى هذا الأساس يقفون منها موقفاً سلبيّاً ، ويرون أنّ الدنيا كميّة مهملة في حسابهم لا تميد إليها هممهم ولا يرتبط بها شأنهم ؛ لأنّهم أعلى من هذه الزخارف والسفاسف ؛ لأنّهم يعيشون مع اللََّه في جوٍّ من المناجاة والانطلاق الروحي والانقطاع إلى اللََّه تعالى ، [ الذي ] يشغلهم عن تلك الزخارف والسفاسف التي ألهت الأوّلين وجذبتهم ، وجعلت منهم اُناساً يركضون وراء مصالحهم الشخصيّة .
إنّ منطق هؤلاء يتلخّص في أنّ هذه الدنيا ، بمحدوديّتها وزيفها وما يكتنفها من فتنة وشدائد ومصاعب ، وما يتمخّض عنها من زوال ، وما يلابسها من أخطار ، أنّ هذه الدنيا ليست جديرة بالاهتمام .
وهكذا نجد - أيّها الأعزّة - أنّ هذين الاتّجاهين يختلفان اختلافاً كبيراً في طبيعة نظرتهما إلى صلتهما بالدنيا ، ويختلفان اختلافاً كبيراً نتيجة لذلك في موقفهما العملي من الدنيا .
الاتّجاه الأوّل يقف موقفاً إيجابيّاً ، والاتّجاه الثاني يقف موقفاً سلبيّاً .
الاتّجاه الأوّل يجد من مغريات الدنيا مبرّراً للاستجابة لها ما دام لا يخرج عن دائرة المباحات . والاتّجاه الثاني يجد من وضاعة الدنيا وتفاهتها ومحدوديّة غاياتها وأشواطها ما يترفّع عن الانسياق معه ومواكبته والمشي في خطّه .
الاتّجاه الأوّل يفتح عينيه وقلبه للدنيا معاً . والاتّجاه الثاني يغمض عينيه وقلبه عن الدنيا معاً .
يقال في تاريخ هذه البناية التي نباحث فيها في كلّ يوم صباحاً ومساءً إنّ شخصاً من العلماء الأبرار كان يسكنها، وهو الشخص المعروف بالمقدّس الأردبيلي رضوان الله عليه، هذا الشخص الذي نظر إلى الدنيا من أعلى ، فترفّع عنها وعن كلّ ما فيها وما تزخر به من متع وشهوات . هذا الرجل العظيم كان يسكن في هذه البناية بالذات على ما يقال في تاريخها .
يقال إنّه قدس سره استيقظ لصلاة الصبح أو لصلاة الليل ، أراد أن يستسقي من البئر ماءً ليتوضّأ به فخرج الدلو مملوءاً ذهباً ، فألقى بالذهب كلّه إلى قاع البئر ، وكرّر العمليّة فتكرّرت النتيجة هكذا ثلاث مرّات ، وهو يقول : ما شأني والذهب ؟ أنا اُريد ماءً أتوضّأ به . إنّ هذا الرجل لم يكن يجد له شأناً من النظر ؛ لأنّه نظر إلى الدنيا من أعلى فأحسّ بواقع زيف الذهب ، ولم يستطع الذهب - بالرغم من كلّ قوّته وإغرائه ولمعانه - أن يخطف أبصار هذا الرجل العظيم ، أو أن يزلزل قلبه ، أو أن يخطف منه عقله ، أو أن يسرق منه روحه ، فبقي ينظر إلى هذا الذهب وهو يلمع أمامه كما ينظر إلى كومة من الحديد ، بل إنّه انزعج منه وتضايق ؛ لأنّه منعه أو حال بينه وبين الماء ، بين الماء الذي يريده ليتطهّر به ، لكي يتهيّأ لمناجاة ربّه ، للعبادة التي عاش لها وتعشّقها وشعر بلذّتها واستصغر كلّ اللذّات في مقابل تلك اللذّة .
هذه القصّة سواء كانت قد وقعت بالفعل أم لم تقع فهي رمز بدون شكّ إلى روحيّة الاتّجاه الثاني ومنطق الاتّجاه الثاني ، وتعكس بوضوح سلبيّة الاتّجاه الثاني في الموقف العملي ، وشعور أصحاب هذا الاتّجاه بأنّه لا يحسب للدنيا حساب في حياتهم العمليّة . هذان الاتّجاهان يختلفان كلّ الاختلاف كما ترون أيّها الأعزّة.

[الاتّجاه الثالث : ]
وهناك اتّجاه ثالث عاش معهما بين الاتّجاهين على طول التاريخ ، نجد أيضاً له نظائر وشواهد، كما نجد للاتّجاهين السابقين شواهدهما ونظائرهما ، على اختلاف في شواهد ونظائر هذا الاتّجاه من حيث درجة الوعي، ومستوى التفكير ، وإقبال [ الناس ] ، والقابليّات ، ومدى النظر الذي يتمتّع به هذا الاتّجاه ، ومن ينسب إلى هذا الاتّجاه .
إنّ هذا الاتّجاه يختلف عن كلا الاتّجاهين السابقين : فهو يأخذ من الاتّجاه الثاني جوهر روحه ، ويرفض سلبيّته، ويأخذ من الاتّجاه الأوّل طبيعته الإيجابيّة في العمل ، ويرفض مقاييسه وروحه ومنطقه ؛ فبينما فتح الاتّجاه الأوّل عينيه وقلبه معاً للدنيا ، وبينما أغلق الاتّجاه الثاني عينه وقلبه معاً عن الدنيا ، يقف هذا الاتّجاه فاتحاً عينه للدنيا موجّهاً قلبه إلى الرسالة وأهداف الرسالة وواقع المسؤوليّة التي تحدّد تلك الأهداف .
هذا الاتّجاه يعترض على كلا الاتّجاهين السابقين : فهو يناقش منطق الاتّجاه الأوّل ومقياسه وقاعدته في السلوك والعمل ، فيقول : صحيح ما يقولونه من أنّ المتديّن بوصفه متديّناً هو بالخيار في دائرة المباحات ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ، ما دام لم يرتكب معصية صريحة في دائرة الواجبات والمحرّمات ، هذا صحيح ، ولكن هذا الشي‏ء الصحيح إنّما ينسجم ويتّفق مع المتديّن الاعتيادي الذي يريد أن يعيش تحت الراية ، لا مع من يريد أن يمارس حمل الراية وأداء الأمانة والقيام بأعباء الرسالة ؛ هذا صحيح بالنسبة إلى المتديّن الذي يسير في الخطّ المحدّد له ، لا بالنسبة إلى المخطّط الذي يريد أن يقود الاُمّة ويمشي بها في طريقها الشرعي الصحيح ؛ هذا صحيح بالنسبة إلى الرعيّة ، لا بالنسبة إلى من يريد أن يسجّل في موكب الأنبياء والأوصياء ، أي : من يريد أن يسجّل اسمه في موكب الأنبياء والأوصياء ، هذا الموكب العظيم الذي قدّم لتاريخه الطويل الطويل من التضحيات والبطولات والدم الغالي والوقت الغالي والجهد الغالي ما لا يمكن أن يوصف أو يعبّر عنه . إنّ من يريد أن ينخرط في هذا الموكب العظيم يجب أن يسمو إلى روح هذا الموكب ، يجب أن يتعالى إلى مستوى أهداف هذا الموكب ، وإلى مقاييس هذا الموكب ، يجب أن يستشعر دائماً أ نّه أمين على أغلى أمانة ، وأ نّه مسؤول عن أعظم رسالة ، مسؤول عن الأمانة التي من أجلها بذل الشهداء دماءهم ، التي من أجلها بذل أغلى الناس دمه ، وبذل أغلى الناس نفساً نفسه‏، هذه الأمانة التي خاض في حملها آلاف الأنبياء والأوصياء والشهداء والصدّيقين ، والأمين تختلف مسؤوليّته عن غيره .
أنت حين ترى مالاً لغيرك لا تعتبر نفسك مسؤولاً عن حمايته وحفظه بدرجة معيّنة ، وإنّما أنت مسؤول فقط عن عدم التعرّض له بإتلاف أو غصب أو نحو ذلك . ولكنّك حينما تؤتمن على ذلك المال ، حينما يسلّم إليك ذلك المال لكي تحفظه ، وحينما تقبل أنت هذا الائتمان ، وحينما تعلن أ نّك أمين على هذا المال ، حين ذلك تجد نفسك مقيّداً ، تجد نفسك محدّداً بمقتضيات هذه الأمانة ، تجد نفسك مسؤولاً عنه ، لاضطلاعك بمسؤوليّة هذه الأمانة وقبولك حفظ ذلك المال .
إذا كان هذا هو شأن مال بسيط ، فما هو بال أعظم الرسالات ، رسالة السماء على وجه الأرض ، هذه الرسالة التي عمل من أجلها مئة وأربعة وعشرون ألف نبي ، وعمل من أجلها أوصياء هؤلاء الأنبياء ، وعمل من أجلها سيّد الأنبياء ، وضحّى من أجلها سيّد الشهداء ؛ ما بال هذه الرسالة ، وما هو ثمن أمانتها إذا كان الشخص يريد أن يضطلع بمسؤوليّة هذه الأمانة ؟ ! أليس لهذه الأمانة حرمة تحدّد وتهيمن وتحكم على سلوك الأمين ؟ الإنسان بالخيار في دائرة المباحات ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ما لم يكن أميناً ، فإن أصبح أميناً تطلّب الموقف منه ما تفرضه عليه الأمانة . وكلّما كانت الأمانة أغلى ، وكلّما كانت الأمانة أعظم وأوسع نطاقاً ، وأكثر أهمّيّة ، وأكبر مسؤوليّة ، كان الموقف أدعى لأن يتكيّف بموجبها ويتأثّر بحدودها ويتلوّن بظروفها .
إذن فالمنطق الذي يمثّله الاتّجاه الأوّل لا يمكن أن يكون منطق الداعية المبلّغ الذي نذر نفسه للرسالة والذي اضطلع بواجبات الأمانة .
إنّ القاعدة للسلوك يجب أن تكون هي الطاعة لله ‏في دائرة الواجبات والمحرّمات الصريحة ، وهي التكيّف وفقاً لمتطلّبات الأمانة الكبرى ، وحمل الرسالة ، ومواصلة السير في طريق الشهداء والأنبياء والأوصياء . هذا ما يقوله أصحاب الاتّجاه الثالث للاتّجاه الأوّل .
ولكنّهم في نفس الوقت يعترضون على الاتّجاه الثاني أيضاً ، فلا يقبلون منه سلبيّته [ تجاه ] الدنيا ، لا يقبلون منه اعتقاده بأنّ الدنيا صفر أو كميّة مهملة في حسابهم وفي حياتهم وفي مجال عملهم . كلّا : إنّ الدنيا في نظر الداعية المبلّغ سواء كان هذا الداعي المبلّغ نبيّاً أو وصيّاً أو شخصاً سائراً في موكب الأوصياء والأنبياء ومقتفياً آثارهم ومقتدياً بطريقتهم .. إنّ الدنيا في نظر هؤلاء هي الحقل الذي يجب أن يمارسوه ، يجب أن يحفروه ، يجب أن يزرعوه ، يجب أن يسقوه ، ـ يجب أن يحصدوا زرعهم ، يجب أن يقطفوا ثمار زرعهم ؛ لأنّ الدنيا هي حقل التبليغ ، وهي حقل الدعوة .
إنّ الرسالة لم تنزل لتبقى وقفاً على أشخاص معيّنين ، أو على لحظات معيّنة من المناجاة ومن الانقطاع إلى اللََّه، وإنّما نزلت ليعمّ نورها الأرض كلّها ، نزلت الرسالة ليهتدي بنورها أكبر عدد ممكن من البشر ، وليسير على هداها وعلى نورها هؤلاء البشر . فلكي تحقّق الرسالة أهدافها ، ولكي تصل إلى أبعادها ، ولكي تنفذ في مجالها، ولكي تنتشر أفكارها، ولكي تعمّم أحكامها وثقافتها ، [ وتكون ] هي الثقافة السائدة ، هي الثقافة الواضحة اللائحة العامّة ، لكي تحقّق كلّ ذلك ، أو لكي تكون في طريق التحقيق ، يجب أن يُمارَس العمل مع البشر، مع الناس الذين لأجلهم اُنزلت هذه الرسالة . يجب ممارسة العمل مع الدنيا ، مع أهل الدنيا ، لكي تنتصر الرسالة وتملك زمام الموقف ، وتسيطر ، وتدخل إلى قلوب الناس وإلى عقولهم .
من يحمل بيده المصباح ويجد هناك اُناساً يعيشون في الظلام ، ويجد نفسه مسؤولاً عن إنارة الطريق لهم ، عن إزالة الظلام عنهم ، عن إخراجهم من الظلمات إلى النور ، إنّ هذا الشخص الذي بيده المصباح لا يجوز أن يتّخذ منهم موقفاً سلبيّاً ، فيقول ما بالي وبالهم ؟ أنا في نورٍ وهم في ظلام ، كيف أنزل إلى مستوى ظلامهم ؟ لا ! تنزّل إلى مستوى ظلامهم وبيدك المصباح لكي ترفعهم إلى مستوى نورك .
إذاً فالعمل على صعيد الدنيا هو عمل الداعية المبلّغ ، ولكن لا بدافع الدنيا ، وإنّما بدافع الرسالة وبدافع الأمانة ؛ فكما أنّ مقاييس الاتّجاه الأوّل تتعارض مع الأمانة ومع حفظ الرسالة ، كذلك سلبيّة الاتّجاه الثاني لا تنسجم مع طبيعة موقف الأمين الذي يريد أن يسير في موكب الأنبياء والأوصياء ، ويقتفي آثارهم ، ويسجّل اسمه في قائمة متّبعيهم . وهذا معنى ما قلته منذ البداية من أنّ أصحاب هذا الاتّجاه الثالث يفتحون عيونهم للدنيا ويفتحون قلوبهم للرسالة والأمانة ، وحينما يوزّعون عيونهم وقلوبهم هذا التوزيع يصبحون قادرين على مواصلة العمل ، عمل الأنبياء والأوصياء . وهنا يكمن الخطر ، ومن هنا تبدأ المتاعب والمصاعب ، ذلك أنّ الإنسان الداعية المبلّغ الذي يمثّل الاتّجاه الثالث قد قضي عليه بمنطق هذا الاتّجاه أن يفتح عينه للدنيا ، وهذا معناه أ نّه قد قضي عليه أن يواجه الدنيا بكلّ مغرياتها وشهواتها ، وأن يمارس العمل على صعيد الدنيا بكلّ ما في هذا الصعيد من أخطار وألوان ومتاعب ومشاكل ، أي أ نّه فرض عليه أن يعيش في المنزلق ، ولكنّه في نفس الوقت فرض عليه أن لا ينزلق ؛ لأنّ قلبه الموجّه لإرادته هو ملك الرسالة لا ملك الدنيا .
انظروا إلى هذا الموقف الحرج ، انظروا إلى موقف شخص قدّر عليه دائماً في خطّ حياته أن يعيش في المنزلق وكلّف بأن لا ينزلق ، إنّها المحنة ، إنّه الامتحان الذي إن نجح فيه المرء كان من الصدّيقين ، كان من أصحاب محمّد وعليّ عليهما السلام ، وإن سقط فيه المرء ثبت بذلك أ نّه لا تتوفّر فيه الشروط الصحيحة الكاملة لأن يمثّل الخطّ الثالث .
وبودّي أن اُوضّح هذا الموضوع بشكل أوسع فأقول : إنّ المبلّغ الذي يحمل الرسالة ويريد أن يشقّ لها الطريق في عالم الدنيا ، في عالم الناس الذي هو مجال التبليغ ، حينما يريد أن يشقّ للرسالة طريقاً ، يشقّ في نفس الوقت طريقاً لنفسه ، وهذا معناه أنّ طريق الرسالة هو طريق الرسول أو طريق القائد أو طريق المبلّغ ، وطريق الرسالة هو طريق من حمل هذه الرسالة ، اتّحدت طبيعة انتصارات الرسالة مع انتصارات الشخص ، وانتصارات الشخص مع انتصارات الرسالة ، التقت إلى حدّ كبير مصالح الشخص مع مصالح الرسالة ، ومصالح الرسالة مع مصالح الشخص ، هذا يعني : أنّ عمليّة التبليغ يمتزج فيها قطبان ، يمتزج فيها عنصران: عنصر الرسالة وعنصر المبلّغ الذي يحمل أهداف الرسالة ، ويسعى في سبيل تحقيقها ؛ إذ لا يمكن أن تتمّ عمليّة التبليغ بدون إنسان يسعى لتحقيق تلك الأهداف ، وإلّا بقيت الرسالة وحدها معلّقة بدون تبليغ بين الأرض والسماء ، كما أنّ المبلّغ بدون رسالة لا يمكن أن يكون مبلّغاً .
فعمليّة التبليغ بطبيعتها توحّد بين عنصرين : بين الرسالة والإنسان الذي يضطلع بمسؤوليّات تلك الرسالة ، أو المجموعة من الناس التي تعيش أهداف تلك الرسالة وتسعى في سبيل تحقيقها ، وهذا التوحّد بين هذين العنصرين يقتضي توحّدهما صريحاً وانتصاراً وانكساراً ، وتوحّدهما تقدّماً وتأخّراً ، وتوحّدهما في المشاكل والمتاعب من ناحية ، وفي المكاسب والفوائد من ناحية اُخرى ، وتوحّدهما في الآلام والآمال ؛ فآمال الداعية هي آمال الرسالة وآلام الداعية هي آلام الرسالة ؛ لأنّه يريد أن يشقّ الطريق للرسالة .
من يكون بيده مصباح من نور، ومن يريد أن يشقّ الطريق بهذا النور ماذا يصنع؟ إنّه في نفس الوقت وبصورة أوتوماتيكيّة يشقّ الطريق لنفسه؛ لأنّ المصباح بيده ، فطريق المصباح هو طريق صاحب المصباح . هذا التوحّد بين الرسالة وبين الأشخاص الذين يعملون من أجل هذه الرسالة في الطريق ، بالانتصار والانكسار ، بالمشاكل والمصاعب ، والمكاسب والفوائد ، هذا التوحّد هو مصدر الخطر ؛ وذلك لأنّ الرسالي الذي يشقّ هذا الطريق يجب عليه أن يبقى دائماً على درجة كبيرة كبيرة من الإحساس ؛ لأنّه يشقّ الطريق للرسالة ، وإنّه إنّما يمشي في هذا الطريق لأنّه كلّف بمشيه من قبل هذه الرسالة ،لأنّه يحمل بيده المصباح ، ولو توقّف لتوقّف هذا المصباح . يجب عليه أن يشعر بأنّ هذا الطريق منسوب إليه نسبة حرفيّة ، ومنسوب إلى الرسالة نسبة اسميّة . يجب عليه أن يشعر بأنّه هو في تحرّكاته ، وفي مصالحه ، وفي فوائده ، وفي خسائره ، إنّما يحسب الحساب للرسالة لا لنفسه ، وهذا الشعور هو الذي قد يتحرّك ، هو الذي قد يتأرجح ، هذا الذي قد يبدو في بعض الأحيان صعباً على الإنسان ما لم يؤته اللََّه التأييد ، ذلك أنّ الإنسان الداعي بحكم عمله لا بدّ له أن يفكّر في مصالح ومفاسد هذا الطريق ، لا بدّ له أن يفكّر تفكيراً إيجابيّاً في الدنيا ؛ لأنّ الدنيا هي مجال عمله ، وبهذا قد ينفتح له من هذه الإيجابيّة مشاعر ومشاعر ، وقد ترد على قلبه انفعالات وانفعالات ، وإذا به يخرج عن كونه ذلك الداعية المبلّغ الأمين الحامل للرسالة ، قد يختلط عليه في أثناء الطريق المعنى الاسمي بالمعنى الحرفي ، وقد ينقلب المعنى الحرفي عنده إلى معنى اسمي ، وقد يتضاءل عنده المعنى الاسمي ويبرز الحرفي ، قد يتعوّد عقله على التفكير في منطق المصالح والمفاسد ، فيتحوّل هذا العقل إلى عقل مصلحي ، كالعقل الذي يعيشه أصحاب الاتّجاه الأوّل .
اُنظروا أيّها الأعزّة ! ما هو قدر المسؤوليّة ، وما هو قدر الحرج ، ما هو مقدار ما يجب على الداعية أن يثبّت به نفسه لكي يتحصّن ، ولكي يواصل طريقه بكلّ أمانة ودقّة ووضوح ؟ ! إنّه في نفس الوقت الذي يفكّر بعقليّة المصالح والمفاسد يجب أن يجعل في نفسه هذه الحقيقة واضحة جليّة في كلّ حين ، وهي : أ نّه إنّما يفكّر بهذه العقليّة لحساب الرسالة ، وإنّما يفكّر بهذا المقياس لا لأنّ هذا المقياس هو مقياس نفسه ، بل لأنّه هو مقياس لانتصارات الرسالة وتقدّم الرسالة ، لا تقدّم ذاته وشخصه . وهنا قد يشتبه الحساب ، هنا يجب على الداعية أن يراجع نفسه بين كلّ حين وحين ، ويمتحن عمله ، ويمتحن إقدامه ، ويمتحن عقليّته ، ويمتحن اتّجاهه التفكيري في المصالح والمفاسد ، ليتأكّد في كلّ ساعة وفي كلّ وقت من أنّ اتّجاهه التفكيري في المصالح هو اتّجاه يقوم على أساس حمل الرسالة والأمانة ، ولا يقوم على أساس الأشخاص ، ولا يقوم على أساس آخر من الاُسس النفعيّة التي يؤمن بها أصحاب الاتّجاه الأوّل ويعملون بها .

[فروق ثلاثة بين إيجابيّة الداعية وإيجابيّة غيره :]
ويمكنني أن اُلخّص الفروق الرئيسيّة بين الموقف الإيجابي [ في ] الاتّجاه الثالث وأيّ موقف إيجابي آخر لا يقوم على أساس حمل الرسالة والأمانة في ثلاثة فروق . هذه الفروق الرئيسيّة الثلاثة هي المائز الرئيسي ، وهي الفارق الجوهري بين إيجابيّة الداعية وإيجابيّة غيره ، بين إيجابيّة جماعة تؤمن برسالتها وتعمل في سبيل رسالتها ، وبين إيجابيّة جماعة تؤمن بنفسها وتعمل في سبيل نفسها .
هذه الفروق الثلاثة :
1 - نظافة الوسائل : إنّ شقّ الطريق لا بدّ له من وسائل ، تختلف هذه الوسائل باختلاف الظروف والملابسات ، وباختلاف مرحلة الطريق التي يراد شقّها ، وباختلاف نوع المصاعب والمشاكل التي يواجهها هذا الشخص الذي يريد أن يشقّ الطريق ، وكثيراً ما يتّفق أنّ الشخص الذي يريد أن يشقّ الطريق ، أو الجماعة التي تريد أن تشقّ الطريق تواجه وسائل عديدة ، بعضها نظيفة وبعضها غير نظيفة . واُريد بالنظيف وغير النظيف من الوسائل هنا أنّ بعض هذه الوسائل تتّفق مع روح الرسالة وأهدافها الكبيرة ، وبعض هذه الوسائل توصل إلى الغرض ولكنّها تعتبر انتكاساً بحسب مقياس الرسالة ، تعتبر تراجعاً بحسب مقاييس الأمانة .
افرضوا شخصاً يريد أن يحمي مال غيره . هنا تارةً يحمي هذا المال عن طريق سرقة مال من شخص آخر لينفقه في سبيل حماية هذا المال ، هذه الوسيلة وسيلة غير نظيفة ، لأنّها لا تتّفق مع روح الأمانة ، وتكشف عن أ نّه إنّما يحمي هذه الأمانة لأنّه بذلك يحمي ذاته ، وإلّا لو كان يريد أن يحمي الأمانة من حيث إنّها أمانة لما خان في مقام حمل الأمانة ، لما سرق مال شخص ليحمي مال شخص آخر . هذه هي الوسيلة غير النظيفة . لا اُريد أن أستعرض لها شواهد وأمثال من خطّنا الحياتي ؛ لأنّ الاستعراض هنا لا مبرّر له ، وإنّما تدرس هذه الوسائل وتطبّق وتعيّن على خطّ العمل بالتدريج ، وأقصد هنا بيان الفكرة .
إذن الفارق الأوّل الرئيسي بين إيجابيّة هذا المبلِّغ وإيجابيّة غيره هو نظافة الوسائل ، التزامه بوسائل لا تتهافت بحسب مضمونها وبحسب روحها مع روح الرسالة والأمانة ، ولا تتناقض مع طبيعة تلك الرسالة والأمانة.
2 - وهو إلى حدّ ما يرتبط بالفارق الأوّل : الاجتناب مهما أمكن وبقدر الإمكان عن العناوين الثانويّة واستغلال هذه العناوين الثانويّة للخروج بها عن أحكام العناوين الأوّليّة . صحيح أنّ العناوين الثانويّة قد تتغيّر ، وكثيراً ما تغيّر أحكام العناوين الأوّليّة ، ولكنّ العمل على صعيد العناوين الثانويّة مظنّة الانزلاق ، ومظنّة الاستغلال ، ومظنّة تحوّل العمل من عمل رسالي إلى عمل آخر فردي . إنّ الداعية يحتاج إلى مبرّرات كبيرة جدّاً لكي يقدم على ارتكاب العناوين الثانويّة . إنّ الداعية يجب أن يقتصر على أقلّ مقدار ممكن من العناوين الثانويّة ، وأقصد من العناوين الثانويّة هذه العناوين التي لا يوجد لها مبرّر بما هي هي ، بحيث إنّها لو خلّيت ونفسها تكون غير جائزة بالشرع ، ولكن يوجد لها مبرّر من ناحية فوائدها وما يترتّب عليها من نتائج ومن آثار . هذه العناوين التي تكتسب مبرّراتها من ناحية فوائدها وآثارها ، هذه المبرّرات يجب على الداعية أن يتريّث ويصبر ويتوقّف ويحقّق حتّى يقدم على ارتكاب شي‏ء منها ، إنّ هذه العناوين هي مظنّة الانزلاق أيّها الإخوان . ولعلّ هذا الفارق الثاني ينبع من الفارق الأوّل بحسب الحقيقة ، أو هو تطبيق من تطبيقاته .
3 - الذي يرتبط أيضاً بحسب الحقيقة بالفارقين السابقين هو الفارق في مورد التزاحم ، إيجابيّة المبلّغ قد تتعرّض للتزاحم بين المصلحة الشخصيّة والمصلحة الرساليّة . نعم ، صحيح ما قلناه من أنّ مصالح الرسالة ومصالح هؤلاء الذين يعملون في سبيلها تتوحّد في كثير من الأحيان ، ولكنّها لا تتوحّد دائماً ، وإلّا لأصبح كلّ إنسان رساليّاً . ورساليّة الرساليّين ، عظمة الأنبياء والأوصياء ، عظمة هذه المواكب الحاملة للنور منذ خلق اللََّه آدم على وجه الأرض إلى يومنا هذا ، عظمة هذا الموكب مستمدّة من هذه المواقف التي كان يتّخذها رجالات هذا الموكب في موارد التزاحم بين مصلحة الرسالة في هذه الموارد ، ويتبلور ويظهر الفرق بين إيجابيّة الرساليّين وإيجابيّة المصلحيّين النفعيّين . المصلحيّون النفعيّون الذين عاشوا بعقليّة المصلحة الشخصيّة ، هؤلاء كثيراً ما ينهارون في مورد التزاحم ، فيقدمون على مصلحتهم الشخصيّة ولو أدّى ذلك إلى فوت المصلحة العامّة للرسالة ، ويجدون في العناوين الثانويّة أو غيرها من المبرّرات أو حتّى قد لا يجدون مبرّراً ويقدمون . أمّا هؤلاء الرساليّون السائرون في طريق موكب حملة النور مع الأنبياء والأوصياء والشهداء والصدّيقين ، أمّا هؤلاء - أيّها الإخوان - فإنّهم هم الذين يجب أن يُثبتوا في لحظاتٍ شخصيّتهم كدعاة ، شخصيّتهم كمبلّغين ، وذلك بتقديم الرسالة على ذواتهم ، على وجودهم ، على مصالحهم .
وكيف لا يقدّمون ؟ ! ألم يقدّم قادة هذا الموكب ، قادة موكب النور ، ألم‏ يقدّموا الرسالة على حياتهم ، على وجودهم ، على كلّ ما يمكن أن تصل إليه مطامع الإنسان ؟ ! ألم تكن الدنيا منفتحة للحسين عليه السلام ، ألم تكن الدنيا بكلّ ما فيها من متع ، بكلّ ما فيها من إغراء ، بكلّ ما فيها من جاه ، بكلّ ما فيها من مال ، كانت منفتحة للحسين عليه السلام ؟ ! لم يكن الحسين بحاجة إلى جاه ، ولم يكن بحاجة إلى مال ، ولم يكن الحسين بحاجة إلى شي‏ء من المتع إلّا ويجده بين يديه ، ولكنّ هذه الدنيا المنفتحة كلّها كانت صفراً في نظر الحسين عليه السلام ؛ لأنّها لم تكن دنيا الداعية ، وإنّما كانت دنيا المتميّعين والمتسيّبين ، والحسين عليه السلام لم يكن متميّعاً ومتسيّباً ، وجد الدنيا إلى جانب ووجد الرسالة إلى جانب ، فوقف إلى صفّ الرسالة وحارب حتّى خرّ صريعاً .
إنّ لحظات التزاحم بين الدنيا والرسالة هي اللحظات التي يصعد فيها الداعية أو يهبط ، هي اللحظات التي ينجح فيها الداعية أو يسقط .
إذاً هذا هو المائز الثالث الذي يتميّز به الموقف الإيجابي للداعية .
وبحسب الحقيقة فإنّ هذه الفوارق الثلاثة ترجع بحسب روحها إلى نقطة جوهريّة واحدة . وهذه النقطة الجوهريّة الواحدة هي أنّ الدنيا هي مجال العمل لا الدافع إلى العمل ، هذا هو الفارق بين إيجابيّة الداعية وإيجابيّة غيره ، وبقدر ما يتوفّر في الجماعة الذين آلوا على أنفسهم أن يسيروا في الاتّجاه الثالث ، بقدر ما يتوفّر فيهم من الخصائص الروحيّة والشرائط الفكريّة ، والقابليّات النفسيّة التي تمهّد لهم تحقيق هذه المميّزات الثلاثة والحرص عليها ، وتشييدها في سلوكهم ، في خطّ عملهم ، بقدر ما يتوفّر لهم ذلك يتوفّر لهم النجاح والفلاح ورضى اللََّه سبحانه وتعالى ، والوصول إلى ما لا اُذن سمعت ولا عينٌ رأت ولا عرض على خيال بشر، والوصول إلى الجنّة التي وعد اللََّه بها المتّقين .
وهذه الاُمور الثلاثة أو المميّزات الثلاثة تظهر أكثر فأكثر كلّما شقّ الداعي طريقه أكثر فأكثر ، ويتعرّض الداعي لها أكثر فأكثر كلّما اتّسع مجاله ، وكلّما امتدّ ميدانه ، وكلّما تنوّعت مشاكله وتعدّدت ، كلّما صار هذا أصبح معرّضاً أكثر لكي يثبت قدرته على الاحتفاظ بهذه المميّزات الرئيسيّة الثلاثة .
وما دمنا نحن الآن في أوّل الشوط وفي بداية الخطّ ، فأرجو منكم وأرجو من نفسي أن نفكّر دائماً وأن نتدبّر دائماً موقفنا ؛ أن نتدبّر أنفسنا وأن نمرّن عقولنا وقلوبنا على هذه الاُمور الثلاثة .
من الآن يجب أن نراجع أنفسنا بين كلّ حين وحين لكي نتأكّد من سلامة تفكيرنا ومن سلامة أجهزتنا الروحيّة والعقليّة ، من أنّ هذا الدافع الذي نعيشه ، هذا الدافع الروحي الذي نعيشه لا يزال متأجّجاً ، لا يزال مُشعلاً في نفوسنا ، يملأ جوانب وجودنا ، لا تزال المسؤوليّة موجودة في أعماقنا ، لا تزال هذه المسؤوليّة تعيش معنا في كلّ تصرّفاتنا وسلوكنا .
أيّها الإخوان ! حينما نفكّر في المصالح والمفاسد يجب أن نرجع إلى أنفسنا بين كلّ حين وحين لنرى أنّنا بأيّة عقليّة نفكّر، وبأيّ دافع نفكّر، وهل أنّنا نفكّر بدافع موقفنا الرسالي أو نفكّر بدافع موقف آخر والعياذ بالله؟
أيّها الإخوان ! يجب علينا أحياناً أن نمتحن أنفسنا ، ولو بأن نقوم بعمليّة مضادّة لما نفكّر ، وذلك لأجل أن نرى أنّنا كيف ولماذا وبأيّة صورة نفكّر، أي بتعبير آخر: أنّنا في اللحظة التي نشكّ في أنفسنا ، في اللحظة التي يخطر على بالنا أ نّه لعلّ تفكيرنا لم ينبع من واقع المسؤوليّة والرسالة ، في لحظة الشكّ من المستحسن أن نجرّب أنفسنا ، أن نمتحن أنفسنا ، وذلك بأن نخالف ، وذلك بأن نرفع يدنا عمّا آثرنا فى تلك القضيّة أو في هذه القضيّة ، لكي نرى أنّ تفكيرنا في تلك القضيّة أو في هذه القضيّة ، في هذه المسألة ، في حلّ هذه المشكلة ، في التغلّب على هذه الصعوبة ، في تحصيل هذه المصلحة ، في اكتساب هذه الفائدة ، أنّ تفكيرنا كان تفكيراً موضوعيّاً ، كان تفكيراً رساليّاً ، كان تفكير ذلك الشخص الذي يريد أن يسير في موكب الأنبياء والأوصياء والشهداء والصدّيقين وحسن اُولئك رفيقاً؟!
أنا أقول هذا ولا يعني أنّني ضعيف الثقة بكم أيّها الأعزّاء ، فأنتم والحمد لله قرّة العين ، وأنتم والحمد لله‏ اُولئك الذين يمكن لإنسان أن يرافقهم في هذا الطريق الطويل الطويل البعيد البعيد، ولكن طويل مع قوّة ، طويل مع لذّة، لا طويل مع سأم وملل . إنّ اللذّة التي يجنيها الإنسان من تحقيق انتصارات أهدافه ورسالته وأمانته ، إنّ هذه اللذّة أيّها الأعزّاء هي سلوتنا في هذا الطريق الطويل . إنّ هذه اللذّة وحدها هي أعظم اللذّات ، هي اللذّة الكبرى التي يجب أن تملأ وجودنا والتي يجب أن تهزّ مشاعرنا . إنّ هذه اللذّة لا يعرف حلاوتها ولا يعرف كنهها إلّا اُولئك الذين ساروا في هذا الطريق ، إلا الذين حملوا الرسالة واتّبعوا طريق الأنبياء واقتفوا أثر الأوصياء . إنّ هذه اللذّة هي سلوتنا ، إنّ رضى اللََّه هو غايتنا ، إنّ اللََّه معنا ما دمنا معه ، فلنكن أمينين في أهدافنا وفي رسالتنا ، ولنكن مع اللََّه ليكون اللََّه معنا ، واللََّه وليّ التوفيق .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

المصدر: كتاب الومضات
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com