موقع الصراط ... الموضوع : دوافع النهضة الحسينية-4
 
الثلاثاء - 6 / جمادي الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دوافع النهضة الحسينية-4  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 20 / رمضان / 1434 هـ
     
  الكاتب: أسرة البلاغ
مع الحسين (ع) في طريقه إلى العراق:
غادر الإمام المصلح مكة المكرّمة، بعد أن علم أن عملية إجرامية خططت في الظلام لاغتياله في البيت الحرام، فكره أن تستباح حرمة البيت الحرام في الشهر الحرام، كما ذكرنا.
وقبل خروجه بقليل وجه خطاباً مقتضباً للجماهير التي كبر عليها خروجه من مكة، وكشف لهم عبر كلماته الخالدة عن أسرار مغيبة عنهم: «الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا فيملأن منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده. ألا من كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى».
وفي هذا المقطع من حركته المباركة، واجه اعتراضات من رموز وشخصيات كبيرة، فقد اعترض على خروجه عبدالله بن الزبير، ومحمد بن الحنفية، وعبدالله بن جعفر، وعبدالله بن العباس، وآخرون غيرهم.. ولكنه أصرّ على مغادرة مكة المكرّمة باتجاه العراق، وأبلغ الجميع كلاً بطريقة خاصة: إن الله شاء أن يراه قتيلاً.
وتفيد الوثائق التاريخية: إن الناس حزنوا حزناً شديداً لمغادرته البلد الحرام وخروجه عن جوارهم، ولما اشتدّ اصرارهم عليه بضرورة البقاء، وإنهم يخشون عليه من تلك الوجهة، بعد أن علموا أنه يتجه نحو العراق، حيث أوقف احتجاجاتهم ومخاوفهم بهذه الكلمات الخالدة:
سأمضي فما بالموت عار على الفتى **** إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً
وواسى الرجال الصالحين بنفسه **** وفارق مثبوراً وخالف مجرما
وتحرك الركب الحسيني المبارك خارج مكة باتجاه العراق، وفي أحد منازل الطريق أخبر بتغيير الموقف في الكوفة، وانقضاض السلطة على سفيره مسلم بن عقيل، واستشهاده، فتألم الحسين (ع) وسرى الأسى في أهل بيته، وأصحابه، حتى إذا مضى في طريقه لقيه الحر بن يزيد الرياحي التميمي وهو يقود فرقة عسكرية، مكلفة بمهمة إكراه الحسين وأصحابه (ع) على دخول الكوفة، ومنعهم من العودة إلى المدينة، المنوّرة.. وبعد حوار مع الجيش أخبرهم إنه إنما جاء إلى العراق بدعوة من أهل الكوفة، فإن تغير موقفهم، فسيعود إلى البلد الذي جاء منه. ومن كلماته التي ألقاها عليهم ما يلي: «إنّها معذرة إلى الله عزّوجلّ وإليكم وإنِّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت بها عليَّ رسلكم أن أقدم علينا فإنه ليس لنا إمام ولعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فاعطوني ما أطمئن به من عهودكم ومواثيقكم وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم».
بيد أنّ الحر أبلغه أنه لا يعلم بتلك الرسائل، ولا بالذين كتبوا له بذلك إلاّ أنه مأمور من قبل القيادة الاقليمية في الكوفة أن لا يسمح للحسين وأصحابه (ع) بالعودة إلى المدينة المنوّرة، ودار بينهما جدل مرير، تمّ حسمه بحل وسط اقترحه الحر الرياحي نفسه، حيث قال لأبي عبدالله الحسين (ع): اسلك طريقاً وسطاً لا يسلك بك إلى الكوفة، ولا يعيدك إلى المدينة، حتى لا أبتلي بشيء من أمرك.
وكان الحر من أهل الدين، إلاّ أن الأمور كانت قد التبست عليه في تلك المرحلة، ولم تتضح له بشكلها الكامل إلاّ فيما بعد!!
وظل الحر وأصحابه يسايرون الحسين وأصحابه عن بُعد بحيث يرى أحدهما الآخر، وفي منطقة «البيضة» خطب الإمام السبط (ع) أصحاب الحر الرياحي بكلام، أوضح لهم فيه تجاوزات السلطة الأموية على الدستور الإلهي وتعطيلهم لأحكامه، وقوانينه، واعتداءهم على مصالح الأمة، وحقوقها، وكيف نهبوا خيرات الأمة، واستأثروا بها، وقد أوضح للمخاطبين، ضرورة النهوض في وجه هؤلاء الظالمين، وإلاّ تحملوا المسؤولية التاريخية الكبرى في الدنيا والآخرة..
ثمّ أوضح الأسباب التي دعته للتوجه إلى الكوفة، وإنها كانت بدعوة رسمية صريحة من جماهير الكوفة ـ على وجه الخصوص ـ فإن نقضوا عهودهم، فسيصيبهم الخسران المبين في الدنيا والآخرة، ثم حمل بشدة على موقفهم المتردد الجبان...
وهذا نص خطابه التاريخي في ذلك الموقع: «أيُّها الناس! إن رسول الله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً عهده مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق ممن غير، وقد أتتني كتبكم وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم إنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن أتممتم عليَّ بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ولكم فيَّ أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، فالمغرور من اغترّ بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
وهكذا نقرأ عبر العديد من المواقف أن أبا عبدالله الحسين (ع)، كان يلقي الحجة على الطغاة، ومنها: طلبه العودة أدراجه إلى المدينة المنوّرة.. ولكن عملاء السلطة حالوا بينه، وبين ذلك: «.. إن كنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم..».
وقال له أبو هرم، وهو رجل من أهل الكوفة، عندما لقيه في الطريق: يا ابن رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم جدك، فقال: يا أبا هرم! إن بني أمية شتموا عرضي، فصبرت، وأخذوا مالي، فصبرت، وطلبوا دمي فهربت..».
واستمرت قوات البغاة تواكب الإمام القائد وصحبه، حتى بلغوا جميعاً أرض كربلاء، حيث توقف الإمام السبط (ع) عن المسير وعزم على المرابطة فوق ذاك الصعيد، الذي شهد بعد ذلك أحداثاً تاريخية هائلة لوت عنق التاريخ، وهيأت لتغييرات سياسية، وثقافية، واجتماعية، لا تزال آثارها فاعلة في حياة مئات الملايين من الناس في يومنا هذا...
لقد لاحظنا، ونحن نستعرض هذه الحركة الاصلاحية التاريخية المباركة إنّ الإمام السبط (ع) كان يحرص أن تكون حركته سلمية، وبقناعة الناس وجهدهم دون فرض أو إكراه لأحد أبداً، ملتمساً ذلك من قول الله تعالى: (إنّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم) (الرعد/11).
ولذا فإنه حين علم بمقتل مسلم بن عقيل (ع)، وتغير موقف الكوفة ـ مهما كانت العوامل ـ لم يعتم على أنصاره، ولم يتركهم يسيرون دون معرفة الواقع، لذا فإنّه اطلعهم على الوقائع مجردة، فأذاع لهم البيان التالي: «.. وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف، فلينصرف من غير حرج، ليس عليه منّي ذمام..».
ومنذ اليوم الثاني من محرم الحرام عام 61هـ، دخلت الحركة الحسينية منعطفاً جديداً، ولكن الإمام السبط (ع) ظل طوال الأيام السبعة التي قضاها في كربلاء، يصر على أداء رسالته: في فضح الظلم، والإرشاد للخير، والمعروف، وحق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة.. وهذا جدول ببعض يومياته في تلك الفترة التاريخية الهامة من عمر النهضة الحسينية العظيمة.
فعندما عزم الإمام السبط (ع) على النزول بكربلاء، باشر الحر الرياحي بمكاتبة الحاكم العام في الكوفة عبيدالله بن زياد لإخباره أن الحسين (ع) نزل في كربلاء، وانتهى إليها.. فكتب ابن زياد هذه الرسالة الطاغوتية الموجزة التي تقطر خسة واستعلاء ووقاحة: «أما بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك كربلاء، وقد كتب إليَّ أميرالمؤمنين يزيد: أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو ألحقك باللطيف الخبير، أو تنزل على حكمي، وحكم يزيد..»، ولما قرأ الحسين (ع) هذه الرسالة، رماها من يده، ثمّ لم يكتب جواباً لابن زياد، ولكنه علق على تلك الرسالة بقوله: «لا أفلح قوم، اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق..».
ثمّ زحفت قوات الحزب الأموي إلى كربلاء قادمة من الكوفة، وضيقت الخناق على كافة الطرق التي يمكن أن يصل منها مدد عسكري للإمام السبط (ع)، وتقدر بعض المصادر عدد الذين زحفوا لمواجهة آل محمد (ص) وأصحابهم بثلاثين ألفاً.
وتواصلت خطط الحصار على الإمام، وأصحابه حيث سيطر الجيش المعتدى على شاطئ الفرات لمنع الحسين (ع) من الوصول إلى الماء، وذلك بتوجيه خطي من ابن زياد حيث نفذ تلك المهمة القذرة أحد قادة الجيش الأموي: عمرو بن الحجاج، ومعه خمسمائة مقاتل..
وعند اشتداد العطش على أصحاب الإمام (ع)، وأطفاله، أصدر أمراً بكسر الحصار الذي ضربه العدو، فنفذ تلك المهمة حامل لوائه أخوه العباس بن علي (ع) وهو يقود كتيبه من أصحابه، ونقل ما بوسعه أن ينقله من ماء، في وسائل تلك الحقبة التاريخية، حيث كانت تستعمل القرب لذلك الغرض عادة..
وبين اليوم الثاني والتاسع من شهر محرم الحرام جرت مفاوضات بين الإمام السبط (ع) وعمر بن سعد، حضرها مقربون من الطرفين، ولم يذكر المؤرخون ما جرى في تلك المفاوضات بشكل مفصل، ولكن بعض المصادر تشير إلى أن عمر بن سعد قائد جيش الطغاة أقنعه الإمام السبط أن يسير بأصحابه إلى أي بلد يشاؤون دون اندلاع صراع عسكري، وكتب إلى ابن زياد بذلك، إلاّ أن تلك المبادرة أفشلها الشمر بن ذي الجوشن، وخلق جواً مشحوناً حرض من خلاله ابن زياد على الحسين (ع) وابن سعد معاً، فباءت المحاولة بالفشل، حيث كان من تحريض ابن ذي الجوشن ما يلي: «لئن رحل من بلادك، ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة، وتكون أولى بالضعف، والوهن...»، ولو نجحت هذه المحاولة، وكسر الإمام القائد الحصار المفروض عليه، لكسب كثيراً من الأنصار، والمؤيدين بعد ذلك، ولكن المحاولة فشلت!!
وفي هذه الأيام ذاتها تسلل الشهيد حبيب بن مظاهر الأسدي إلى إحياء بني أسد قبيلته وكانوا من سكان تلك المنطقة، ودعاهم إلى نصرة الإمام السبط (ع)، فلبى نداءه منهم تسعون رجلاً، ولكن عيون السلطة الأموية، أفشلت الخطة، وسربت تلك الأنباء إلى قيادة الجيش الأموي، الذي عزز كمائنه، واشتبك مع تلك الجماعة أثناء تسللها، ووقعت ضحايا من الطرفين، واضطرت القبيلة أن تغادر مواقعها هرباً من بطش الطغاة!!
وتصاعد الموقف مساء اليوم التاسع من المحرّم، وأصدرت قيادة الجيش الأموي أمراً بالزحف ليلاً على الإمام السبط وأصحابه (ع)، فاستمهلهم الحسين (ع) تلك الليلة بواسطة أخية العباس (ع)، فاستجابت بعد حوار بين عناصرها الفاعلة.
وفي اليوم العاشر من المحرّم الحرام عام 61هـ، وهو اليوم الذي جرت فيه أفظع الكوارث الإنسانية في تاريخ هذا الكوكب، وجه الحسين (ع) عدة بيانات للجيش الأموي.. أنصبت الخطبة الاُولى على التعريف بنفسه، ومكانته من رسول الله (ص) والإسلام، ثم ناشد العدو أن يعطوه فرصة للتوجه إلى أي بلد شاء، ولا يبتلوا بدمه الطاهر.. إلاّ أنه حين رأى اصرارهم على طلب بيعته للطاغية والإقرار بالوضع المنحرف عن الهدى، والحق، أصرّ على رفض ذلك كلّه: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد..».
وهذا نص كلماته الخالدة تلك:
«أيُّها الناس! اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم عليَّ سبيل وإن لم تقبلوا منّي العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.
فلما سمعت النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه علياً الأكبر، وقال لهما: سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن.
ولما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يسمع متكلّم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه، ثمّ قال: عباد الله اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحق بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء، غير أن الله خلق الدنيا للفناء فجديدها بال ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر والمنزل تلعة والدار قلعة فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلّكم تفلحون.
أيُّها الناس! إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنّكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (ص)، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتباً لكم ولما تريدون إنّا لله وإنّا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين.
أيُّها الناس! انسبوني مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمّه وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أوَ لَيس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوَ لَيس جعفر الطيّار عمّي؟ أوَ لَم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيِّدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ويضرّ به مَن اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!
فقال الشمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول!
فقال له حبيب بن مظاهر: والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك!
ثمّ قال الحسين (ع): فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أنِّي ابن بنت نبيكم، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم، أتطلبوني بقتل منكم قتلته! أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة، فأخذوا لا يكلمونه!
فنادى: يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن أقدم، قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب وإنّما تقدم على جند لك مجندة؟
فقالوا: لم نفعل.
قال: سبحان الله بلى والله لقد فعلتم. ثمّ قال: أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض، فقال له قيس بن الأشعث: أوَ لا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه».
وبعد ساعة توجه الإمام المصلح (ع) بخطاب آخر، ليضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية، محذراً إياهم مما يخططون له، فجاء في ذلك الخطاب الرائع ما يلي:
«ألا وإنّ الدعي بن الدعي قد ركز بين إثنتين بين السلة والذلّة وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنِّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر. ثمّ أنشد أبيات فروة بن مُسيك المرادي:
فإن نهزم فهزامون قدماً **** وإن نهزم فغير مهزمينا
وما أن طبنا(54) جبن ولكن **** منايانا ودولة آخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا **** سيلقى الشامتون كما لقينا
إذا ما الموت رفع عن أناس **** بكلكله أناخ بآخرينا
أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس، حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إليَّ أبي عن جدّي رسول الله: «فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون إنِّي توكلت على الله ربّي وربّكم ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها إن ربّي على صراط مستقيم».
وهكذا استمرت الأحداث الجسيمة تترى، وقادة الجيش الأموي، والنفعيون والوصوليون يزدادون عتواً، وضلالاً، حتى قتلوا تلك الفئة الخيرة الطاهرة من آل رسول الله (ص)، وأصحابهم، وأسروا نساءهم وأطفالهم، ارضاءً للطغاة، وطمعاً بالفتات..

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com