موقع الصراط ... الموضوع : سورة القدر، دراسة تحليلية
 
الأحد - 10 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  سورة القدر، دراسة تحليلية  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 21 / رمضان / 1434 هـ
     
  بقلم الدكتور عقيل الخاقاني
تعدُّ سورة القدر إحدى السور القصار التي نزلت في العهد المكي، وتتكون من خمس آيات.
والمراد بـ(السور القصار): السور التي تبدأ بسورة (ق) ــ التي تحمل التسلسل (50) خمسين في القرآن الكريم ــ وتنتهي بسورة (الناس)، أي بآخر المصحف، فضلاً عن سورة (الفاتحة). وبهذا يكون عدد السور القصار (66) ستاً وستين سورة. وهذا القسم من الكتاب العزيز يسمّى بـ(المفصّل)، لكثرة الفصول التي بين السور بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، وقيل: لقلة المنسوخ فيه(1).
ليلة القدر
وتبدأ سورة القدر بـ((إِنَّا))، أي (إنَّنا) التي تتكون من الحرف المشبه بالفعل (إنَّ) الذي يفيد التوكيد، وضمير المتكلمين (نا) الذي يدلُّ على الجمع. ويبدو أنَّ أغلب الأعمال التي يشترك فيها الملائكة يعبر الله عزَّ وجل عنها بصيغة الجمع (إنَّا) أو(إنَّنا) أو(نحن)، كقوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))(2)، أو كقوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ))(3)؛ أي أنَّ عملية إحياء الموتى وتسجيل ما قدمه الإنسان من أعمال يشترك فيها الملائكة؛ لذا لم يعبِّر الله عزَّ وجل عن هذه الأعمال والأفعال بصيغة المفرد، وإنما عبّر عنها بصيغة الجمع. والشيء نفسه يمكن أن يقال في عملية إنزال أو تنزيل الكتاب العزيز؛ إذ تكون من عند الله تعالى وبأمر منه، ولكنَّ هذا العمل يشترك فيه الملائكة أيضا، لذا جاء التعبير عنه بصيغة الجمع (إنّا). هذا رأيٌ نميل إليه، وثمّة رأيٌ آخر يرى فيه أصحابه أنَّ التعبير بصيغة الجمع يدلُّ على التعظيم(4).
((أَنزَلْنَاهُ)): قبل أن نفرّق بين (أنزلناه) و(نزَّلناه) يجدر بنا أن نقف عند معنى (أنزلناه)، فهذه الجملة - التي تتكون من الفعل (أنزل) + الفاعل (نا) + المفعول به (الهاء) - تشير إلى أنَّ القرآن الكريم كان في مكان عالٍ ثم أنزل من ذلك المكان إلى ما هو أدنى منه. وبهذا نستطيع أن نتبيّن السبب في استعمال (أنزل) بدلا من (نزَّل)، لأنَّ (الإنزال) يعني أن تُنزل ذلك الشيء دفعةً واحدة ؛ لذا روي عن ابن عباس ــ وقد تبنى هذا الرأي كثيرٌ من المفسرين ــ أنَّ الله عزَّ وجل أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر؛ ثمَّ كان جبريل (ع) يُنزِّله ــ بالتشديد ــ على الرسول الكريم (ص) نجوماً ــ أي متفرّقاً ــ على مدى ثلاثة وعشرين عاما؛ وبهذا يكون القرآن الكريم قد أنزِل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ومن ثمَّ نُزِّل على النبي (ص) أولَّ مرة في ليلة القدر أيضاً(5).
والتعبير عن القرآن الكريم قد جاء بالضمير(الهاء) في (أَنزَلْنَاهُ)، من دون أن يذكر اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، لأنَّ العرب قد تكني عن الشيء وإن لم يتقدم ذكرُه إذا كان مفهوما؛ كقولهم: ما عليها أعلم من فلان، أي ما على الأرض أعلم من فلان. ومنه قوله تعالى: ((حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ))، يعني: الشمس(6).
((فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)): هنا اختلف المفسرون في معنى (القدر)، فذهب بعضهم إلى أنها سُمِّيت بـ(ليلة القدر) لأنَّ الله تعالى يحكم ويقضي ويقدِّر فيها. وقال بعضهم: سُمِّيت بالقدر لشرفها وخطرها وعظم شأنها، من قولهم: (رجلٌ له قدر)، أي له منزلة وشرف...، ومنه قوله تعالى: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ))(7)، أي وما عظّموه حقَّ عظمته، وقال بعضهم الآخر: إنَّها سُمِّيت بـ(ليلة القدر) لأنَّ من لا قدْرَ له ثمَّ أحياها صار له قدْرٌ عظيم(8).
ولكنَّ الذي نميل إليه هو أنَّ المعنى اللغوي لكلمة ( قدْر) هو أن يكون الشيء مساويا لغيره؛ من غير زيادة ولا نقصان، وقدَّر الله الأمر يقدِّره إذا جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة(9).
وبهذا يكون معنى (ليلة القدر): أنَّها الليلة التي تساوي أو تعادل في أجرها وثوابها وعظمتها ألفَ شهرٍ ليس فيها ليلة القدر. وهذا المعنى أقرب إلى الجو العام للسورة، لأنَّ الجواب يأتينا في الآية الثالثة ((ليلةُ القدْر ِخيرٌ مِنْ ألفِ شَهْرٍ))، أي أنَّ قدْر هذه الليلة المباركة يكون أكثر من قدْر ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
((وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)): هذه الصيغة الاستفهامية تستعمل للتعبير عن ذلك الشيء الذي ليس لأحدٍ أن يحيط به إحاطة تامّة؛ والخطاب موجه إلى النبي (ص)، والمقصود به كلُّ المسلمين، أي: وما أدراك يا محمد ما خطرُ ليلة القدر وعظمتها وحرمتها...، وفي هذا حثٌ على العبادة في هذه الليلة المباركة. وذهب بعض المفسرين إلى أنَّ كلَّ (ما أدراك) في القرآن الكريم تعني (قد أدراك)(10)، أي أنَّه استفهام تقريري، وأنَّ كلَّ (ما يدريك) تعني: (لا تدري)، كما في قوله تعالى: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى))(11). وحقيقة الأمر أنَّ النبي (ص) لم يكن يعلم خطر ليلة القدر وعظمتها وحرمتها قبل نزول السورة ؛ أي قبل أن يخبره الله بها، لذا لا يمكن أن نعدَّ الاستفهام الذي ورد في الآية: ((وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ)) استفهاماً تقريرياً؛ لأنَّ الاستفهام التقريري يأتي لتقرير أو تأكيد أمرٍ يعلمه المخاطب؛ كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيْمَاً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالَاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأغْنَى))(12)؛ فقد كان النبي (ص) يعلم قبل نزول هذه الآيات بأنَّه كان (يتيما وضالا وعائلا)؛ فآواه الله عزَّ وجل وهداه وأغناه ، ولم يكن يعلم بعظمة ليلة القدر قبل نزول السورة المباركة.
((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ))، أي أنَّ قيام ليلة القدر والعمل فيها خير من قيام ألف شهر، أو (83) ثلاثٍ وثمانين سنة وأربعة أشهر ليس فيها ليلة القدر(13). وثمّة روايات كثيرة في هذه المدّة، لعلَّ أبرزها: أنَّ رجلا في بني إسرائيل كان يقوم الليل ويجاهد في النهار لمدة ألف شهر؛ فتعجّب رسول الله (ص)، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ))، أي أنَّ ليلة القدر خيرٌ لأمتك ــ يا محمد ــ من الألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي قام لله وجاهد ألف شهر.
وثمّة رواية أخرى تقول: إنَّ رسول الله (ص) استقصر أعمار أمته وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال ما بلغته سائر الأمم ؛ فأعطاه الله عزَّ وجل ليلة القدر. وقيل: إنَّ رسول الله (ص) رأى في منامه بني أمية يطئون منبره واحدا بعد واحد؛ فشقَّ ذلك عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (ليلة القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر)، على أنَّ حكم بني أمية قد امتد لألف شهر(14).
ومع أنَّ بناء السور القصار، ومنها سورة القدر، يقوم ــ غالباً ــ على أساس مزدوج، يتمثل في قصر السورة من حيث عددُ آياتها، وقصرُ الآية الواحدة، ليوحي بجدِّ الخطاب، وأنَّ الأمر لا يحتمل التفصيل أو الإطالة، وهو ما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي نزلت فيها أغلب هذه السور، ونعني بها مرحلة العهد المكي أو مرحلة الخطاب القرآني الأول، فقد تكررت بعض الآيات أو الجمل القرآنية في السورة الواحدة، مثلما هي الحال في السورة التي نحن بشأن الحديث عنها، إذ تكررت عبارة (ليلة القدر) ثلاث مرت، لأنَّ العهد بالرسالة قريب، والإسلامَ لمّا يزل يافعا، وهو ما يحتاج إلى توكيد بعض المعاني لترسيخها في الأذهان والنفوس. ويمكن أن نمثِّل لهذه الظاهرة بقوله تعالى: ((كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ))(15)، وقوله تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ))(16).
أمّا التناسب الإيقاعي بين مفردات (القدر ــ شهر ــ أمر ــ الفجر) فقد جاء ليزيد من وقع هذه الآيات وقوّةِ تأثيرها في النفوس؛ ذلك بأنَّ للفاصلة القرآنية موقعا يُشبِّه موقع القافية في الشعر. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الإيقاع الموجود بين كثير من المفردات والآيات القرآنية؛ وبخاصّة في السور القصار، لم يكن لإحداث التناسب الموسيقي بينها فحسب، وإنما له علاقة بالنظم العام لهذه السور ومعاني مفرداتها وآياتها والأغراض التي تسعى إلى تحقيقها. ويمكن أن نضرب أمثلة كثيرة لذلك، منها قوله تعالى: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ))(17)، وقوله تعالى: ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ))(18)، إذ قدّم المفعول به (إيّاك)، وشبه الجملة (إلى ربّك)، كي يفيد هذا التقديم القصر والتخصيص، أي أن تختصَّ العبادة والرغبة بالله وحده وتقتصر عليه.
أمّا التناسب العام بين سورة القدر من جهة والسورتين اللتين تقع بينهما سورة القدر ـــ في الترتيب القرآني ـــ فيتمثل في أنَّ (الهاء) في قوله تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) تشير إلى الفعل (إقرأ) الذي استهلت به سورة (العلق) ـــ وهي السورة التي تسبق سورة القدر ـــ ، أي: إقرأ ما أنزلناه في ليلة القدر، وهو القرآن. أما سورة (البيّنة) ـ التي تلي سورة القدر ـ فقد وقعت موقع العلة لما قبلها، وكأنَّ الله عزَّ وجل لمّا قال: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ))، قيل: لِمَ أُنزل ؟، فجاء الجواب بقوله تعالى ــ الذي استهلت به سورة (البيّنة) ــ : ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً)). وبهذا يتحقّق التناسب البياني بين هذه السور الثلاث، مثلما هي الحال في جميع سور الكتاب العزيز(19).
((تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ))، هنا (تنزَّلُ) بمعنى (تتنزَّل). ولابدَّ من أن نقف عند هذه الصيغة لمعرفة دلالتها، لكي تعيننا على الاقتراب من فهم النص فهما دقيقا.
إنَّ صيغتي (نزَّل) و(تنزَّل)، أي فعَّل وتفعَّل، تفيدان التدرُّج والتكرار أو الاستمرار على الفعل. وهذا ما يفسِّر لنا استعمال الفعل (أنزل) في بداية السورة للدلالة على أنَّ القرآن الكريم قد أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ومن ثمَّ (تنزَّل) ـــ فيما بعد ـــ على الرسول (ص) نجوماً، أي متفرّقاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، لذا لم يستعمل الله عزَّ وجل الفعل (تنزلُ) ــ من دون تشديد ــ حين عبَّر عن نزول الملائكة في ليلة القدر؛ وإنّما استعمل الفعل (تنزَّل)، للدلالة على التدرج والتكرار في الفعل.
وإذا ما تتبعنا الفعل (نزل) في التعبير القرآني حيثما ورد نجد الله عزَّ وجل يأتي به مشدّدا مع القرآن الكريم؛ ويأتي من دون تشديد مع الكتب السماوية السابقة. مثال ذلك قوله تعالى: ((الم*اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*نزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ))(20)؛ فاستعمل الفعل (نزَّل) ـــ مشدّدا ــ حين خاطب النبي (ص) ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ))، للدلالة على أنَّ القرآن الكريم لم ينزل على الرسول دفعة واحدة، واستعمل الفعل (أنزل) ـ من دون تشديد ـ حين توجّه بالخطاب إلى موسى وعيسى (ع) ((وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ))؛ لأنَّ هذين الكتابين المقدسين قد نزل كلٌّ منهما جملة واحدة، على كلٍّ من موسى وعيسى (ع).
والذي يؤيد هذا ـــ أيضا ـــ قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ))(21)؛ فاستعمل الفعل (نزّل) مشدّدا مع القرآن الكريم، على أنّه المعجزة في ذاته، ولم يكن الأمر كذلك مع الكتب السماوية الأخرى، ذلك بأنَّ المعجزة لابدَّ من أن ترافق النبي أو الرسول طوال مدّة تكليفه بالرسالة؛ أما الفعل (أنزل) فقد استعمل من دون تشديد، إشارةً إلى الكتب السماوية السابقة ((وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)). ومن المعاني الأخرى التي تنصرف إليها صيغة (فعَّل)، مثل: (نزَّل): المبالغة والاهتمام.
((تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا...))، المقصود بـ(الروح) ــ هنا ــ جبريل (ع)، وقد خصَّه الله تعالى بالذكر لأنّه المكلف، من بين الملائكة، بالتبليغ، وإلا اكتفى بذكر الملائكة، من دون أن يخصَّ جبريل بالذكر، لأنّه واحد منهم. ثمَّ أنَّ العرب قد تَنْسُقُ الشيء على الشيء نفسه وتخصُّه بالذكر على سبيل التفضيل. ومنه قوله تعالى: ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ))(22)، والنخل والرمان من الفاكهة. وكذلك قوله تعالى: ((مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ))، ثمَّ قال: ((وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ))(23)، فمع أنَّ جبريل وميكال من الملائكة أيضا، بيدَ أنَّه ــ تعالى ــ قد خصَّهما بالذكر للأسباب التي تقدّم ذكرها. وهذا ما يسمّى بذكر الخاص بعد العام(24). والله عزَّ وجل ينزّل الملائكة في ليلة القدر أفواجا أفواجا، ابتداء من الليل إلى طلوع الفجر، لكي يسمعوا الثناء عليه وقراءة القرآن وغيرها من الأذكار، ويسلموا على المؤمنين(25).
((بِإِذْنِ رَبِّهِمْ))، أي: بأمر ربِّهم. ((مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)): بكلِّ أمر من الخير والبركة، ومنه قوله تعالى: ((يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ))(26)، أي: بأمر الله. وبعضهم يرى أنَّ (من كلِّ أمر) بمعنى: من أجل كلِّ أمرٍ قضاه الله عزَّ وجل(27).
((سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ))، أي: لا يكتب فيها الله تعالى إلا السلامة والخير ...، و(حتّى) ـ هناـ تفيد الغاية والانتهاء، أي بمعنى (إلى مطلع الفجر)، لذا جاءت كلمة (مطلع) مجرورةً ، للدلالة على أنَّ أعمال ليلة القدر تنتهي بـ(مطلع الفجر)(28).
بقي أن نشير إلى أنَّ المسلمين قد اختلفوا في تحديد ليلة القدر، في أية ليلة تكون، وقد روي عن النبي (ص) أنَّه قال: التمسوها في العشر الأواخر وترا . من هنا ذهب بعضهم إلى أنَّها في الليلة الثالثة والعشرين، في حين ذهب بعضهم الآخر إلى أنَّها في الليلة السابعة والعشرين؛ استنادا إلى روايات كثيرة في هذا الشأن. فضلا عن أنَّ المغرمين منهم بلغة الأرقام، أو ما يسمّى بالإعجاز العددي في القرآن الكريم، أو التناسب الإحصائي، يقولون: إنَّ ليلة القدر تقع في الليلة السابعة والعشرين من رمضان، بحساب كلمات السورة، على أنَّ كلمات سورة القدر ثلاثون كلمةً، بعدد أيّام الشهر، وتبلغ 27 سبعا وعشرين كلمة عند الوصول إلى كلمة (هي)، في قوله تعالى:سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ التي تشير إلى الليلة الموعودة التي تجسِّد أجمل صور العناق الروحي بين الأرض والسماء وأبهاه ؛ وأنَّ جملة ( ليلة القدر) تتكون من تسعة أحرف، وقد وردت ثلاث مرات في السورة ، أي (3×9=27).
وربما أخفاها الله عزَّ وجل لعظمتها وبيان خطرها وأهميتها، ومن ثمَّ يُحيي الإنسان المسلم كلَّ الليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان(29).

الخاتمة:
وبعد، فهذه هي أهم المضامين الفنية والفكرية في سورة (القدر) التي تدلُّ ــ فيما تدلُّ عليه ــ على أنَّ بناء هذه السورة يقوم على أساس مزدوج؛ يتمثل في: قصر السورة، من حيث عدد آياتها, وقصر الآية الواحدة، كما هي الحال في أغلب السور القصار، ليوحي بجدِّ الخطاب، وأنّ الأمر لا يحتمل التفصيل أو الإطالة، وهذا يتناسب مع طبيعة المرحلة التي نزلت فيها أغلب هذه السور، ونعني بها مرحلة الخطاب القرآني الأول، وأنَّ الإيقاع الموجود بين كثير من المفردات والآيات التي وردت في السور القصار لم يكن لإحداث التناسب الموسيقي بينها فحسب؛ وإنّما له علاقة بالنظم العام لهذه السور ومعاني مفرداتها وآياتها والأغراض التي تسعى إلى تحقيقها. أمّا التناسب العام بين سورة القدر من جهة والسورتين اللتين تقع بينهما سورة القدر ـــ في الترتيب القرآني ـــ فيتمثل في أنَّ (الهاء) في قوله تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) تشير إلى الفعل (إقرأ) الذي استهلت به سورة (العلق) ــ التي تسبق سورة القدر ـــ ، أي: إقرأ ما أنزلناه في ليلة القدر، وهو القرآن. أما سورة (البيّنة) ـ التي تلي سورة القدر ــ فقد وقعت موقع العلة لما قبلها، وكأنَّ الله عزَّ وجل لمّا قال: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ))، قيل: لِمَ أُنزل ؟، فجاء الجواب بقوله تعالى ـ الذي استهلت به سورة (البيّنة) ـ : ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً)). وبهذا يتحقّق التناسب البياني بين هذه السور الثلاث، مثلما هي الحال في جميع سور الكتاب العزيز.
وفي ضوء ما تقدم، فإنَّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم يتجلَى في السور القصار مثلما يتجلى في السور الطوال؛ بل جاء أكثرَ جلاء في السور القصار، ذلك بأنَّ أغلب هذه السور قد نزل في العهد المكي، وهي مرحلة الخطاب القرآني الأول الذي يتطلب نمطاً خاصاً من البيان للتأثير في نفوس متلقيه؛ أولئك القوم الذين طالما كان هذا البيان المعجز يهزُّهم، بل كان سببا في إسلام كثير منهم. وهذا ما يفسِّرُ لنا حرص المشركين على أن يصدوا العرب عن سماعه؛ بعد أن أدركوا خطره وقوة تأثيره في النفوس، بوصفه نصّاً بيانياً امتلكهم، إذ رأوا فيه بياناً ونظماً لا عهدَ لهم بهما من قبل، وليس نصّاً تشريعياً، كشف لهم عن أسرار الكون والإنسان، أو أنَّه قدَّم لهم نظاماً جديداً للحياة.
إذن باللغة تغيّر كيانهم، وباللغة تغيرت حياتهم، لذا لا يمكن الفصل، على أي مستوى، وبأيّة حال من الأحوال، بين الإسلام والقرآن من جهة والعربية من جهة أخرى. ولكي نفهم النص القرآني لا بدَّ من فهم لغته أولاً، بل ليس لأحدٍ أن يفهم الإسلام من دون أن يسبر أغوار العربية.

هوامش البحث:
(1) يقسّم القرآن، من حيث طول السور وقصرها، على أربعة أقسام، هي:
أولا ـ الطوال: وهي السور السبع الأولى: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال.
ثانيا ـ المئون: ما ولي السبع الطوال، سمّيت بذلك لأن كلّ سورة منها تزيد عن مائة آية أو تقاربها.
ثالثا ـ المثاني: ما ولي المئين، وقد تسمّى سور القرآن كلها مثاني، بدلالة قوله تعالى: ((كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ))، وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي))، وإنّما سمي القرآن مثاني لأنّ الأنباء والقصص تثنى فيه، وقيل: إنّ المثاني في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي))، هي آيات سورة الفاتحة، سمّيت بـ(المثاني) لأنّها تثنى في كل ركعة.
رابعا ـ أما القسم الرابع فهو (المفصل)، وهو ما يلي المثاني من قصار السور.
أنظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم:1/180،179
(2) الزمر:23
(3) يس:12
(4) أنظر: مفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير)، الفخر الرازي:32/27
(5) أنظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود محمد شاكر: 30/167،166، و الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري:4/780، و مجمع البيان في تفسير القرآن، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي:10/518، و مفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/28، و تفسير القرآن العظيم، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي:4/529، و روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي:10/30/242
(6) سورة (ص):32، وانظر: كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه:142، والكشاف:4/780، ومجمع البيان:10/518، ومفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/27، والبحر المحيط ، لأبي حيّان الأندلسي:8/496، و روح المعاني: 10/30/242
(7) الأنعام:91
(8) أنظر: مفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/28، والبحر المحيط:8/496، وروح المعاني: 10/30/246
(9) أنظر: التبيان في تفسير القرآن ، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق وتصحيح: أحمد قصير العاملي: 10/385،384، و مفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/28
(10) أنظر: معاني القرآن، لأبي زكرياء يحيى بن زياد الفرّاء، تحقيق: د. عبد الفتاح إسماعيل شلبي: 3/280
(11) عبس:3
(12) الضحى:6ـ8
(13) أنظر: التبيان:10/385
(14) أنظر: جامع البيان:30/167، ومفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/30، والبحر المحيط: 8/496، و تفسير القرآن العظيم:4/530
(15) التكاثر:3ـ5
(16) الكافرون:1ـ5
(17) الفاتحة:5
(18) الانشراح:7ـ8
(19) انظر: المصدر نفسه:1/29
(20) آل عمران:1ـ3
(21) النساء:136
(22) الرحمن:68
(23) البقرة:98
(24) أنظر: كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم:143، وتفسير القرآن العظيم:4/531، وروح المعاني:10/249
(25) أنظر: مفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/33
(26) الرعد:11
(27) أنظر: الكشاف:4/781، و مجمع البيان:10/520
(28) أنظر: جامع البيان:30/168، والكشاف:4/781، ومجمع البيان:10/520، ومفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/33، و روح المعاني:30/252
(29) أنظر: التبيان في تفسير القرآن:10/385،384، والكشاف:4/780، ومجمع البيان:10/520، ومفاتيح الغيب، المعروف بـ(التفسير الكبير):32/28 وتفسير القرآن العظيم:4/533
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com