موقع الصراط ... الموضوع : حرية الإنسان في عمله
 
الأحد - 12 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حرية الإنسان في عمله  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 28 / محرم / 1435 هـ
     
  بقلم العلامة المرحوم السيد محمد حسين الطباطبائي
الإنسان بحسب الخلقة موجود ذو شعور وإرادة له أن يختار لنفسه ما يشاء من الفعل وبعبارة أخرى له في كل فعل يقف عليه أن يختار جانب الفعل وله أن يختار جانب الترك فكل فعل من الأفعال الممكنة الإتيان إذا عرض عليه كان هو بحسب الطبع واقفاً بالنسبة إليه على نقطة يلتقي فيها طريقان: الفعل والترك فهو مضطر في التلبس والاتصاف بأصل الاختيار لكنه مختار في الأفعال المنتسبة إليه الصادرة عنه باختياره أي إنه مطلق العنان بالنسبة إلى الفعل والترك بحسب الفطرة غير مقيد بشيء من الجانبين ولا مغلول، وهو المراد بحرية الإنسان تكويناً.
ولازم هذه الحرية التكوينية حرية أخرى تشريعية يتقلد بها في حياته الاجتماعية وهو أن له أن يختار لنفسه ما شاء من طرق الحياة و يعمل بما شاء من العمل، وليس لأحد من بني نوعه أن يستعلي عليه فيستعبده ويتملك إرادته وعمله فيحمل بهوى نفسه عليه ما يكرهه فإن أفراد النوع أمثال لكل منهم ما لغيره من الطبيعة الحرة، قال تعالى: "ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله:" آل عمران: - 64 وقال: "وما كان لبشر - إلى أن قال - ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله:" آل عمران: - 79.
هذا ما للإنسان بالقياس إلى أمثاله من بني نوعه، وإما بالقياس إلى العلل والأسباب الكونية التي أوجدت الطبيعة الإنسانية فلا حرية له قبالها فإنها تملكه وتحيط به من جميع الجهات وتقلبه ظهراً لبطن، وهي التي بإنشائها ونفوذ أمرها فعلت بالإنسان ما فعلت فأظهرته على ما هو عليه من البنيان والخواص من غير أن يكون له الخيرة من أمره فيقبل ما يحبه ويرد ما يكرهه بل كان كما أريد لا كما أراد حتى إن أعمال الإنسان الاختيارية وهي ميدان الحرية الإنسانية إنما تطيع الإنسان فيما أذنت فيه هذه العلل والأسباب فليس كل ما أحبه الإنسان وأراده بواقع ولا هو في كل ما اختاره لنفسه بموفق له، وهو ظاهر.
وهذه العلل والأسباب هي التي جهزت الإنسان بجهازات تذكره حوائجه ونواقص وجوده، وتبعثه إلى أعمال فيها سعادته وارتفاع نواقصه وحوائجه كالغاذية مثلاً التي تذكره الجوع والعطش وتهديه إلى الخبز والماء لتحصيل الشبع والري وهكذا سائر الجهازات التي في وجوده.
ثم إن هذه العلل والأسباب أوجبت إيجاباً تشريعياً على الإنسان الفرد أموراً ذات مصالح واقعية لا يسعه إنكارها ولا الاستنكاف بالاستغناء عنها كالأكل والشرب والإيواء والاتقاء من الحر والبرد والدفاع تجاه كل ما يضاد منافع وجوده.
ثم أفطرته بالحياة الاجتماعية فأذعن بوجوب تأسيس المجتمع المنزلي والمدني والسير في مسير التعاون والتعامل، ويضطره ذلك إلى الحرمان عن موهبة الحرية من جهتين: إحداهما أن الاجتماع لا يتم من الفرد إلا بإعطائه الأفراد المتعاونين له حقوقاً متقابلة محترمة عنده ليعطوه بإزائها حقوقا يحترمونها وذلك بأن يعمل للناس كما يعملون له، وينفعهم بمقدار ما ينتفع بهم، ويحرم عن الانطلاق و الاسترسال في العمل على حسب ما يحرمهم فليس له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بل هو حر فيما لا يزاحم حرية الآخرين، وهذا حرمان عن بعض الحرية للحصول على بعضها.
وثانيتهما: أن المجتمع لا يقوم له صلب دون أن يجري فيه سنن و قوانين يتسلمها الأفراد المجتمعون أو أكثرهم تضمن تلك السنن والقوانين منافعهم العامة بحسب ما للاجتماع من الحياة الراقية أو المنحطة الردية، ويستحفظ بها مصالحهم العالية الاجتماعية.
ومن المعلوم أن احترام السنن والقوانين يسلب الحرية عن المجتمعين في مواردها فالذي يستن سنة أو يقنن قانوناً سواء كان هو عامة المجتمعين أو المندوبين منهم أو السلطان أو كان هو الله و رسوله - على حسب اختلاف السنن و القوانين - يحرم الناس بعض حريتهم ليحفظ به البعض الآخر منها، قال الله تعالى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة:" القصص: - 68، وقال تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً:" الأحزاب: - 36.
فتلخص أن الإنسان إنما هو حر بالقياس إلى أبناء نوعه فيما يقترحونه لهوى من أنفسهم، وأما بالنسبة إلى ما تقتضيه مصالحه الملزمة وخاصة المصالح الاجتماعية العامة على ما تهديه إليها وإلى مقتضياتها العلل والأسباب فلا حرية له البتة، ولا أن الدعوة إلى سنة أو أي عمل يوافق المصالح الإنسانية من ناحية القانون أو من بيده إجراؤه أو الناصح المتبرع الذي يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر متمسكاً بحجة بينة، من التحكم الباطل وسلب الحرية المشروعة في شيء.
ثم إن العلل والأسباب المذكورة وما تهدي إليه من المصالح مصاديق لإرادة الله سبحانه أو إذنه - على ما يهدي إليه ويبينه تعليم التوحيد في الإسلام - فهو سبحانه المالك على الإطلاق، و ليس لغيره إلا المملوكية من كل جهة، ولا للإنسان إلا العبودية محضاً فمالكيته المطلقة تسلب أي حرية متوهمة للإنسان بالنسبة إلى ربه كما أنها هي تعطيه الحرية بالقياس إلى سائر بني نوعه كما قال تعالى: "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله:" آل عمران: - 64.
فهو سبحانه الحاكم على الإطلاق والمطاع من غير قيد وشرط كما قال: "إن الحكم إلا لله" وقد أعطى حق الأمر والنهي والطاعة لرسله ولأولي الأمر وللمؤمنين من الأمة الإسلامية فلا حرية لأحد قبال كلمة الحق التي يأتون به ويدعون إليه، قال تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم:" النساء: - 59، وقال تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر:" التوبة: - 71.

الميزان في تفسير القرآن: ج 10/ ص 370-373
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com