موقع الصراط ... الموضوع : العصمة بين النفي والإثبات-1
 
الإثنين - 4 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العصمة بين النفي والإثبات-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 12 / صفر / 1435 هـ
     
  بقلم الأستاذ مصطفى خميس
كثر الجدل والحوار حول قضية بلغت من الحساسية درجة جعلتها تمس شخصية رسول الله محمد(ص)، وهي قضية: (العصمة).
وتجاوز بعض الكتاب حدود المعقول والمنقول حين جنح إلى الطعن في هذه القضية، وبخاصة ما يتعلق منها بعصمة رسول الله(ص) في أمور الوحي والعقيدة، وما يتعلق بآيات القرآن الكريم.
وهذه فقرات من نظرية بحثت هذا الموضوع، ولكن بشكل غير متفق عليه وجاء فيها: (إذا قلنا أن الحكم من قبل الناس بخطأ رسول الله (ص) غير جائز، فذلك لا يعني انه غير جائز أن صدر من الله عز وجل في حق نبيه.. فإن الله يقضي بما يشاء في حقهم، ويوجههم، أو يعتب عليهم، أو يخطئهم كما يريد).
(ولكن الله عز وجل، وقد علم نبيه وأدبه، له أن يخطئه، وأن يعتب عليه وأن ينسب إليه ما يريد فقد قال له: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) ).
(وقال له: (يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك). وقال: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك اتقِّ الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه). وقال: (عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم) ).
وقال: (حتى عندما يخطئ في اجتهاده في علم الله وحكمه إنما يكون خطوه ذاك بإلهام من الله لحكمة باهرة. ثم إن الوحي ينسخ ذلك الإلهام في الوقت المناسب). ومثل هذه الأقوال والنظريات تجدها لدى الكثيرين ممن لم ينزهوا رسول الله (ص) وكذلك غيره من الأنبياء والرسل، سواء في أمور الدين والشريعة، أم في أمور الدنيا والحياة الدنيوية.
واحتج القائلون بذلك بآيات أخرى، وأولها خطأ آدم عليه السلام في قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) وغيرها من الآيات.
ومن هنا نجد أنه من الواجب علينا تبرئة الأنبياء والرسل من النواقص والأخطاء التي نسبت إليهم، وتأويل ما جاء بحقهم من آيات بما يليق بمكانتهم وفضلهم عند الله. وقد كثر التساؤل حول هذه الآيات ودلالاتها، وما يستفاد منها في تثبيت عقيدة المسلمين، ونظرتهم إلى شخصية رسول الله (ص) وقدسية الرسالة المعصومة.
ولست أدري لماذا يثير بعض الكتاب مثل هذه القضايا مركزين على تخطئة الرسول (ص) في أمور كثيرة تناقض عصمته، وتحط من مكانته، وتتعارض مع كثير من الآيات الدالة على عصمته مطلقاً، هل يفعلون ذلك تسويغاً لمواقف بعض الأمراء والملوك والسلاطين، الذين جعلوا سنتهم حجة كسنة رسول الله (ص)، فإذا جاز للرسول أن يخطئ، وإذا ثبت ذلك، فما المانع من أن يقع مثل ذلك مع من هم دون الرسول رتبة؟ وعند هؤلاء لا بأس بالطعن في عصمة النبي والكذب عليه إذا كان ذلك يرفع واضعي سياساتهم المعادية لرسول الله (ص)، وللدين الحنيف الذي ركزه النبي وبينه، ثم رحل وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها حين قال لهم في غدير خم مرجعه من حجة الوداع: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً، ولقد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) وقال في هذا الموقف المشهود نفسه: (من كنت مولاه فعلي مولاه).
كان لا بد من إلقاء الضوء، باختصار، على هذا كله، وبقدر توفيق الله عز وجل، للدفاع عن أنبياء الله ورسله، وبخاصة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين.
العصمة من الدلائل العقلية، والبراهين النقلية، ومن الضرورات الشرعية، أن يكون الرسول أو النبي معصوما. لأنه إذا عرف عن النبي الكذب أو ارتكاب الذنب، صغيراً كان أم كبيراً، كان ذلك مذمة له ومنقصة، وسبباً في عدم تصديقه في ما يوحى إليه من الله عز وجل، لعدم الاطمئنان إليه أولاً، ولأنه إذا كذب في أمر صغير فإنه يكذب في أمر كبير ثانياً، وهو إضافة إلى ذلك لا يمتنع بحقه أن يرتكب خطيئة أو فاحشة بعد ذلك.
وهذا كله يعتبر قدحاً في الرسالة وطعنا في النبوة، وهو، صلى الله عليه وآله وسلم، الذي عصمه الله بالوحي في قوله تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى).
ووصفه بما لم يصف به أحداً من قبل بأنه على خلق عظيم في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم). والخلق العظيم يعني ترفعه على كل صغيرة وكبيرة، أو ذنب أو هفوة تخل بخلقه العظيم قبل الرسالة أو بعدها. وقد ذكر كافة أرباب السير أنه عليه الصلاة والسلام كان يسمى بـ(محمد الأمين) قبل البعثة.
إذاً فقد اختاره الله وهيأه وعظمه خلقاً وخلقاً، وصدقاً وعدلاً، وحفظاً من كل ما يشينه، وحفظه الله من كل خطأ أو ذنب، أو هيأ له من لدنه روحاً ملكاً يسدده ويحفظه بأمر الله عزَّ وجل. قال أبو بصير: (سألت أبا عبد الله، عليه السلام، عن قول الله تبارك وتعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) قال: خلق من خلق الله عزَّ وجل أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله يخيره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده).
قال أمير المؤمنين، عليه السلام، في خطبته المعروفة بـ(القاصعة):
(ولقد قرن الله به، صلى الله عليه وآله وسلم، من لدن أن كان فطيماً، أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن اخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما، ويأمرني الاقتداء به)، إضافة إلى ما عنده من عزم واستعداد وصبر.
فإذا كان الرسول، او النبي، يعمل بوحي من الله، وهو سبحانه وتعالى المسدد لأفعاله وأقواله، فكيف يمكن لله، عز وجل، خالق الأفعال، وبارئ كل شيء، أن يخطئ نبيه أو رسوله بنفسه، ثم بعد ذلك يعتب عليه ويلومه على ما فعل؟! ولو أن الله، عز وجل، أراد حقاً أن يخطئه، فإن العدل الالهي يقتضي أن لا يعتب عليه، لأن الله عادل في حكمه، ولا يمكن أن يفعل المتناقضات، وهو عز وجل لا يأمر بشيء ويعاقب على طاعته فيه، لأن إرادة الله مقضية ومبرمة، وطاعة النبي فيها تلزم ثوابه وليس عقابه أو معاتبته.
فقولهم: (إن الله يخطئ نبيه ثم يعتب عليه)، يبطله ما قلناه.
ولا يجوز الخطأ على النبي، فكيف يفعل الله ذلك؟! اذ ان النبي ما هو الا وحي يوحى، قوله من قول الله وفعله بتسديد منه وتوجيه، وهو مطاع بأمر الله، وقد امر الله بطاعته وجعله حجة على الناس، وقرن طاعته بطاعته، قال تعالى: (من يطع الرسول فقد اطاع الله) . ان خطا النبي من قبل الله ممتنع، ولا يمكن ان يقع، لأن الله تعالى لا يخطئ، ولا يجوز ان ينسب اليه الخطأ. فعندما نقول: (إن الله يخطئ نبيه، ويعتب عليه)، فكأننا نقول: إن الله تبارك وتعالى يخطئ ذاته ويعاتب نفسه، وهذا قبيح في حق الله سبحانه وتعالى وعلا عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. ولا يجوز كذلك القول إن: النبي(ص) (عندما يخطئ في اجتهاده في علم الله وحكمه انما يكون خطوه ذاك بالهام من الله لحكمة باهرة، ثم ان الوحي ينسخ ذلك الالهام في الوقت المناسب).
فهذا يؤكد أن الخطأ هو إلهام من الله، وكيف يلهم الله الخطأ؟! وهذا الأمر مناقض لذات الله تعالى وصفاته، ومناقض لعصمة الانبياء والرسل.
وإن الادعاء بأن الوحي يأتي فينسخ ذلك الإلهام، تراجع عن الخطأ من الإله الموحي نفسه، وهذا أيضاً لا يصح لأنه يناقض العدل الإلهي، وينسب القبح لله وينفي العصمة عن النبي.
وطالما أن القبيح ليس من فعل الله تعالى، فهو تبارك وتعالى لا يلهم القبيح لأنبيائه ورسله، وإذا ألهم الرب عز وجل رسوله أمراً قبيحاً خطأ، فهو بدوره سيبلغه للأمة عنه تعالى كما نزل، وهو مأمور بالتبليغ فليس على الرسول إلا البلاغ المبين، وهو أيضاً سيبلغ أحكامه للناس قال تعالى: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) .
فإذا ما نسخ الله تعالى هذا الأمر الخطأ، والمتصف بالقبح، فيجب على الرسول أن يعلم الناس بذلك، وأن يبين لهم أنه كان خطأ، أو أنه كان مخطئاً بذاته، وأن الله قد نسخ هذا الخطاب الوحي، أو على الأقل قد صحح له خطاه، ثم عاتبه عليه ولامه.
وهذا كله غير جائز لأنه من أسباب الطعن في عصمة النبي، وزعزعة الثقة به.
ويؤدي إلى تكذيب النبي في كثير من الأمور العقائدية والحكمية والفقهية.. لاعتقاد الناس بحصول الخطأ عند النبي في غير ما أقر على نفسه فيه، وتلك الأخطاء ربما يأتي الوحي فينسخها، ويصححها، وربما لا يأتي، فيبقى الخطأ خطأ، وهكذا سيفهم الناس مسألة الرسالة، وهذا كله يؤدي إلى الطعن في عصمة النبي والرسول، واتهامه بالكذب والتدجيل، ويكون السبب المباشر والرئيسي في الإقدام على التمرد عليه وعدم اتباعه، وعدم الايمان بما جاء به من عند الله، وذهاب الطمأنينة والثقة بكل ما يقوله ويفعله.
يضاف إلى ما قلنا أنه يجب النظر إلى طبيعة الرسالات السماوية، وأنها تأخذ قدسيتها من الله عز وجل، ومن الأنبياء المرسلين لأن قدسيتهم نابعة عن طبيعة تلك الرسالات وعبء المسؤولية التي ألقيت على عواتقهم، فهم صلوات الله عليهم حجج الله على عباده، شرفهم عز وجل بالنبوة والرسالة، فوجبت عصمتهم عن الذنوب والأخطاء، ليؤدوا رسالات ربهم خير الأداء، وليوفوا بعهد الله خير الوفاء، وصدقهم في كل ما يقولون، سبب هام في تصديق الناس لهم في كل ما يصدر عنهم، لتكون حجة الله على خلقه تامة وبالغة. ولكي يستحقوا بهذه الصفة أن يكونوا خزان علم الله ومكمن أسراره المقدسة، يمتثلون أوامر الله وينتهون عن نواهيه، وهم يضاهون الملائكة بهذه الصفات الحميدة، قال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون) وكذلك فإن أنبياء الله ورسله لا يصدر عنهم الذنب، لأنه لو صدر عنهم لكانوا استحقوا الذم في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، أكثر من ذم عصاة الأمة وفاسقيها وعقابهم، ذلك لأنهم محجوجون بالوحي من الله عز وجل، وبالإلهام والإيمان به تبارك وتعالى، وهم مشمولون بنعمة النبوة، وكل من كانت نعم الله عليه اكثر، كان صدور الذنب عنه افحش، وكان عقابه عند الله أعظم. قال تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) وقال: (يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) .
وهؤلاء ليس لهن فضيلة الأنبياء والرسل، ولا مكانتهم، ولا مهمتهم، بل جعل الله لهن حساباً خاصاً، لأنه قد شملهن بنعمة تزويجهن من النبي، صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد هدد، عز وجل، رسوله المكرم سيدنا محمداً (ص) بأشد العقوبات، وهو حبيب الله وصفيه وخيرته من خلقه، وذلك فيما لو ادعى على الله أبسط الأمور وأقل كلام لم يقله الله عز وجل، قال تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين) .
كما أنه لو صدر الذنب عن الأنبياء والمرسلين، لكان ذلك طعناً في عدم قبول شهاداتهم، ومن الواجب أن تكون شهاداتهم مقبولة، فهم الشهداء على الناس يوم القيامة، وقد شهد الله عز وجل بأن سيدنا محمداً، صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة الطاهرين عليهم السلام، شهداء على الكل يوم القيامة وذلك في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).
ولو كان الرسول أو الشهداء معه أياً منهم مرتكباً للمعاصي او مذنباً بما يحرم لما قبل الله شهادته. ولو صدر الذنب أو المعصية من الأنبياء والرسل، لوجب زجرهم عنها، ولما كنا مأمورين بالاقتداء بهم فلا يجوز زجرهم، كذلك لا ينبغي طاعتهم إذا كانوا كذلك، قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) .
فاتّباع الرسول اتّباع لله عز وجل، فهل يصح زجره، أو صدور الذنب عنه، وهو بهذه المكانة العظيمة؟ ولو صدر الذنب عنهم لكانوا ممن توعده الله تعالى بجهنم ونارها وعذابها، وهذا باطل لأنهم أئمة للناس وللمؤمنين خاصة، وهم أئمة هدى يقودون إلى الجنة.
قال تعالى وهو يخاطب خليله إبراهيم عليه السلام: (قال إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي؟ قال لا ينال عهدي الظالمين) .
فلو صدر الذنب عنهم لكان اقتداء الناس بهم يجرهم إلى الذنب وإلى الخطيئة، وهذا غير جائز في حقهم.
كل هذه الأسباب أدت إلى ضرورة عصمة الأنبياء والمرسلين، وهي لطف إلهي اقتضته مصلحة الرسالة، وهي أدلة عقلية على وجوب عدم تخطئة الله تعالى لأنبيائه ورسله، وعدم صدور ذلك منه أو منهم أو من الناس بمعاييرهم البشرية البسيطة، وهي كذلك أدلة واضحة وبراهين جلية، وأن الله عز وجل قد قرر في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إن أنبياء الله ورسله معصومون محفوظون، لا يعملون بوحي من أنفسهم بمعزل عن إرادة الله وتوفيقه، فيخطئون تارة ويصيبون أخرى. قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى) .
وهذا يعني أن النبي (ص) مسدد من الله عز وجل قولاً وفعلاً، وأن قوله وفعله كلاهما بوحي من الله عز وجل. ولما كانت طاعة النبي واجبة كطاعة الله فلا يجوز خطؤه أو تخطئته كما أنه لا يجوز خطأ الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) .
فلما كانت طاعته واجبة كطاعة الله، وجبت عصمته، فالله تعالى لا يأمر بطاعة من يعصاه أو يفتري عليه.
كذلك فقد أمرنا الله عز وجل بالأخذ عن الرسول (ص) في كل ما جاء به مطلقاً دنيوياً أو أخروياً، عقائدياً، أو اجتماعياً أو اقتصادياً.. قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). فأعطى عز وجل لرسوله حكماً مطلقاً في قبول ما يصدر عنه وأخذه، والانتهاء أيضاً عن كل ما نهى عنه، وهذا الكلام يشمل كل نواحي الحياة. أما قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ، فهو لعمري دليل قاطع وبرهان ساطع، على أن إرادة الرسول وأفعاله، من إرادة الله عز وجل، وهو عبد الله المتفاني في العبودية، يسيره الله تعالى وفق إرادته، وحسب مشيئته عز وجل، مسدداً خطاه، حافظاً له ومرشداً بأمره تعالى.
لقد كثر الجدل بين الفرق الاسلامية والمذاهب الكلامية، حول عصمة الأنبياء والمرسلين، فأقر الجميع بوجوبها، وقد اختلفوا في وقتها، هل هو قبل البعثة أم بعدها؟ كما اختلفوا في كيفيتها، وهل هي عصمة عن الصغائر والكبائر أم عن الكبائر فقط؟ كما أنهم اختلفوا في العصمة، هل هي في ما يتعلق بشؤون الرسالة والتبليغ فقط؟ أم بشؤون الرسالة والتبليغ وشؤون الدنيا وكل ما يتطلبه بناء المجتمع الإسلامي بمختلف أركانه الاجتماعية والاقتصادية والرسالية؟
ولا حاجة بنا في هذه العجالة إلى إيراد كل هذه الآراء وتفنيدها، ولكنه يكفي أن نقول أن الرسول (ص) معصوم مسدد من الله عز وجل بكل ما ذكرناه، قبل الرسالة وبعدها، عن الصغائر والكبائر، في شؤون الرسالة وأمور الدنيا.
وان كل حديث يناقض قولنا هذا فهو باطل، ويتناقض مع عظمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وما وصفه به ربه من الخلق العظيم، وما عرف عنه من سمو الخلق والأمانة والصدق قبل البعثة، وما أوردناه من أدلة في وجوب العصمة. أما ما جاء من آيات بينات في كتاب الله العزيز فلا بد من إلقاء الضوء على بعضها لبيان تنزيه النبي عن النقائص، ومنزلته الرفيعة من ربه، وإنها يمكن تأويلها بما يليق بشرف الرسالة وعظمة المبلغ عنها والمبين لها والمؤول لأحكامها.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com