موقع الصراط ... الموضوع : الحركة النسوية ومنزلة المرأة في الإسلام-1
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الحركة النسوية ومنزلة المرأة في الإسلام-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 14 / ربيع الثاني / 1435 هـ
     
  بقلم: السيد محمد شفيعي المازندراني
المقدمة:
قبل فتح مكة كان أبو سفيان قد نقض صلح الحديبية فأراد المجيء إلى المدينة لوضع حلٍّ للمشكلة لصالحه، لهذا الأمر توجّه قاصداً المدينة للقاء كبرائها؛ بغية التوسط لمقابلة رسول الله (ص) والحصول على الأمان، والتوصل لمعاهدة للصلح، فلم تتم الاستجابة له، ويروى أنه التجأ إلى السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام فلم يصل إلى نتيجة: ((فالتجأ إلى فاطمة عليها السلام فلم ينفعه))(1).
من هذا المقطع التاريخي، يظهر لنا أنّه كان للسيدة فاطمة (ع) دخالة في الأمور الاجتماعية والسياسية؛ ولذلك رجع أبو سفيان إليها، إلاّ أنها لم تقبل التوسّط له.
وفي عام فتح مكة التجأ الحارث بن هشام إلى أم هانئ ابنة أبي طالب فأعطته الأمان، ولما دخل الإمام علي (ع) المنـزل أراد مجازاة الحارث، فوقفت أم هانئ أمامه حائلةً دون ذلك.
عندها دخل النبي الأكرم (ص) فشاهد أم هانئ على هذه الحالة فنظر إليها فتبسّم، وقال: ((قد أجرنا من أجرت؛ ولا تغضبي علياً فإنّ الله يغضب لغضبه)).
ثم قال (ص): يا علي أغلبتك امرأة؟ فقال: يا رسول الله ما قدرت أن أرفع قدمي من الأرض، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ((لو أن أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعاناً))(2).
وفي كتاب ((النهاية)) لإبن الأثير، ورد في بحث ((لمم)) حول استجواب السيدة فاطمة الزهراء (ع) لأبي بكر حول مسألة فدك: ((أنها خرجت في لُمّة من نسائها تتوطّأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته))(3).
ومن ملاحظة الشواهد الكثيرة في العديد من مصادر أهل السنة والمقبولة عندنا أيضاً، نخلص إلى ما يلي:
أ ـ المرأة التي تملك اللياقة والجدارة لها حق إبداء الرأي في أهمّ الأمور السياسية والاجتماعية للبلاد.
ب ـ اهتمام النبي (ص) بآراء النساء ومواقفهنّ، بحيث إن أعطين الأمان لأحد وافق (ص) على ذلك وأمضاه.
ج ـ على الرغم من أنّ مسألة الاهتمام برأي المرأة ونظرتها للأمور لا تتمتّع بسابقة طويلة في البلدان الديمقراطية، إلاّ أن الإسلام ومنذ ظهوره كان قد احترم رأي المرأة وكان له السبق في هذا المضمار.

حضور المرأة في المجتمع ومنع دوافع الفساد:
في المدينة المنورة منطقة تعرف باسم ((المساجد السبعة))، وهي المنطقة التي وقعت فيها معركة الأحزاب، حيث يوجد هناك وعلى مقربة من مسجــد لإمـــام عــــلي (ع) مسجد السيدة فاطمة (ع) ، هذه المساجد انت أماكن عبادة للحاضرين في ذلك الميدان (معركة الاحزاب) وللمتخندقين للحرب، وهي شهادة تاريخية على حضور المرأة ودورها في مجتمع المسلمين.
بناءً عليه، كان حضور المرأة ودورها في الساحات الاجتماعية والسياسية مورد تأييد الرسول الأكرم وقبوله (ص) ، وإنما نهى (ص) فقط عن تلك النشاطات والفعاليات التي تؤدّي إلى تهييج النفوس وإثارة الشهوات.
بعد إنجاز بناء مسجد النبي (ص) في المدينة، أقيمت فيه صلاة الجماعة للرجال بإمامة النبي (ص) ، وللنساء بإمامة أحد الصحابة.
ينقل عبدالله بن عمر عن النبي (ص) أنّه قال: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خيرٌ لهن))(4)، وقد فسَّر (ص) الآية: ((ولا يبدينَ زينتهنَ إلاّ لبعولتهن)): ((لا خلخال ولا شنف ولا قرط ولا قلادة)). وفي معرض تفسير الآية: ((الاّ ما ظهر منها)) قال (ص): ((الثياب))(5).
روى أبو موسى الأشعري أنّ النبي (ص) قال: ((أيّما امرأة استعطرت، فمرّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية))(6).
بعد التدقيق في الأحاديث المتقدّمة يظهر أنّ ما هو محرَّم وممنوع هو حضور النساء المضرّ والمخرّب، وليس الحضور البنّاء الهادف.
في الماضي كان الأب يحزن ويغتم إذا ولدت له اُنثى، في ذلك الوقت قال رسول الله (ص): ((البنات حسنات))(7)، وفي مجتمع لم يكن يرى أية قيمة تذكر للنساء قال (ص): ((حبّب إليّ النساء والطيب، وجعلت قرة عيني الصلاة))(8).
وكان النبي (ص) في بعض أسفاره يصطحب معه عدداً من النساء، وكذلك في الحروب، كان يأخذ معه إلى ساحة القتال ممَّن لديهنّ القدرة والخبرة في الحرب.
ففي معركة أحُد كانت هناك امرأة تدعى نسيبة، أخذت سيفاً ودافعت به عن الرسول (ص) حيث قال في حقّها: ((لمقام نسيبة بنت كعب أفضل من مقام فلان وفلان))(9).

دعاة تحرير المرأة أو الحركة النسوية:
إنّ شعار ((حقوق المرأة)) والدفاع عنها واحد من الشعارات المغرية التي انتشرت في أفق الفكر الإنساني، وإن مسألة حماية حقوق المرأة إن كانت جدّية وبعيدةً عن الكذب والخداع فهي ذو قيمة واحترام؛ ذلك أنّ نظرة الدين عموماً وبخاصة الدين الإسلامي إلى المرأة نظرة خاصة، تعطي المرأة مكانتها اللائقة بها وتحترمها، على عكس ما هو موجود ـ وللأسف ـ في المجتمعات اللادينية أو البعيدة عن الدين.
ولاشـكّ أنّ غلو المدافعين عن المرأة وإفراطهم ساهم في تضييع حقوقها الإنسانية، فكانت النتيجة أن انتقص هؤلاء ـ دعاة حقوق المرأة ـ من قيمة المرأة وهويتها تحت شعار الدفاع عنها. وبديهي ألاّ يصلوا إلى غير هذه النتيجة بسبب سلوكهم المنحرف والضال؛ وإن جاءت فكرة الدفاع عن حقوق المرأة بوصفها ردة فعل طبيعية على إهمال حقوق المرأة وتجاهلها على مدى عصور، لكن لا ينبغي البحث عن العلاج من خلال هذه الحركات.
نعم في الأعصار المختلفة ـ ظُلمت المرأة كثيراً وتعرضّت للامتهان إلا لدى أتباع الرسل والأنبياء، وأمّا فكر الحركة النسوية فإنّ له ارتباطاً ـ بالتأكيد ـ بالعلوم الإنسانية، دون أن يحظى بماضٍ طويل من الناحية التاريخية.

منطق الحركة النسوية:
راجت فكرة المساواة بين الرجل والمرأة في القرن السابع عشر الميلادي. فالحركة التي بدأت في ذلك القرن باسم حقوق الإنسان الفطرية والطبيعية ظهرت ثمارها في فرنسا في القرن الثامن عشر الميلادي.
في البداية نظر دعاة حقوق البشر نظرةً دونيةً للمرأة، فالكاتب الفرنسي الشهير مونتسكيو ـ أحد رادة الثورة الفرنسية ـ عرَّف النساء في كتابه روح القوانين (1748م) بأنها موجودات ذات أرواح حقيرة وضعيفة الدماغ، متكبرة ومحبّة لنفسها.
هذا ولم يرد كلام حول المساواة بين الرجل والمرأة في وثيقة ((حقوق الإنسان)) التي صودق عليها في فرنسا عام 1789م، وهذه الوثيقة في الحقيقة كان ينبغي إعلانها وثيقةَ حقوقٍ للرجل.
في القرن التاسع عشر الميلادي توسّعت حركة المرأة في فرنسا، وأُطلق عليها المصطلح الفرنسي ((Feminusm))، وفي الواقع كانت الحركة هذه نوعاً من الاعتراض على سيادة الرجل الواضحة والتي كانت حاكمة على وثيقة حقوق الإنسان التي صدرت في فرنسا(10).
عام 1918م حصلت النساء في بريطانيا على حقّ إبداء الرأي، وهذا الأمر كان واحداً من إنجازات الحركة النسوية التي تراجعت بعد ذلك وخبا وهجها، حتى أن البعض اعتبر العقدين الأوّلين من القرن العشرين سنوات الطفرة البدائية لحركة المرأة.
بعد الحرب العالمية الثانية، أي في سنة 1945م، وجدت نظرية ((المساواة بين الجنسين)) أنصاراً كثر، فكانت محصّلة الأمر أن طرحت لأول مرة مسألة ((المساواة)) وبشكل واضح في إعلان ((حقوق الإنسان)) على مستوى عالمي، لينتشر عام 1948م من قبل الأمم المتحدة.
وعلى كلّ حال، فمع أنّ إعلان حقوق الإنسان، أكّد على الحقوق الطبيعية والفطرية للإنسان إلا أنه أضحى فاقداً للاعتبار القانوني وللضمانة التنفيذية، وبمعنى آخر، لم يصل إلى حيز التنفيذ ولم يطبق بالأصل (11).
ومنذ ذلك الحين فصاعداً أدّى هذا الأمر إلى بروز معاهدات دولية ضمن منظومة عمل الأمم المتحدة تتمتّع باعتبار قانوني أكبر، وتعنى بشكل أوضح بقضايا المرأة، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى عدة اتفاقيات أو وثائق.
ـ وثيقة حقوق النساء السياسية عام 1952م.
ـ وثيقة موافقة المرأة في زواجها عام 1962م.
ـ وثيقة منع أي شكل من أشكال التمييز ضد النساء عام 1979.
وأعلنت الاُمم المتّحدة الأعوام العشرة ما بين 1974 و 1985م أعوام المرأة العشرة أو عقد المرأة.

أفول الحركة النسوية:
خلال عقد السبعينات كانت أي امرأة تنتسب أو تناصر الحركة النسوية تعرف من خلال مظهرها الخارجي، شعرها القصير (الذكوري)، الحذاء ذو الكعب البسيط الارتفاع، البنطال (السروال) الخشن الملاصق للجسم، والوجه الخالي من آثار التجميل، بحيث تمتاز بذلك عن باقي أفراد بنات جنسها.
وقد أعلن أتباع هذه الحركة عن أهدافهم عبر رفضهم المطلق للزواج، وتأكيدهم على حرية المرأة، واستقلالها في العمل من الناحية الاقتصادية.
من هنا، يمكن القول: إنّ شعار ((نساء من دون رجال))، أو ((السلوك الرجالي)) قد ارتبط بهذه المرحلة وكان من سماتها.
فيما بعد، انتقلت الحركة النسوية من حالة التطرّف إلى حالة الاعتدال حيث سلكت منحىً آخر، الاّ أنّ الآثار السيئة للتطرّف كانت ما زالت واضحة لدى تلك الحركات التي كان مبدؤها محورية المرأة، مما أدّى إلى أن تغدو المرأة عرضةً ـ بالدرجة الأولى ـ لهذه الأضرار.
لقد كان من نتائج تلك المرحلة العنف الذي أخذ يتزايد يومياً في محيط العائلة وفي محيط العمل، بالإضافة إلى فقدان الأمان الجنسي.
على إثر ذلك، توجّه المجتمع الغربي مجدداً نحو الأدوار التقليدية للأسرة من خلال النظر إلى ترويج العادات والتقاليد الأسرية، فالعالمان دانيل لژه Danyal Lageh وبرنزان هارويو Bern Zane Harvyou لاحظا عند البحث في أحوال المجتمع، أن تحولاً جديداً قد ظهر إلى العلن. حيث ظهرت صورة العائلة الأكثر تقليديةً ومثالية، وأنّ الناس توافقوا على ضمّ الجد والجدة إلى البنية العائلية، لتصبح العائلة متكوّنة من ثلاثة أجيال: الأم والأب، الأولاد، الجد والجدّة، وبرزت هذه الأدوار التقليدية ونمت بشكل متسارع، وبالنتيجة أصبح الرجل أكثر قوّة وقيمومة على الأسرة(12).
وأيضاً أعلنت منظمة الأمم المتحدة عام 1994م عاماً للعائلة، ومنذ ذلك الحين أخذت النساء العصريات تسعى في إظهار تمايزها عن الرجال بمظهرها وسلوكها الأنثوي الخاص المتميّز باللين والرقّة واللطافة.

الإفراط في الدعوة إلى حرية المرأة:
اعتبر بعض دعاة حرية المرأة أنّ أساس الظلم الذي لحق بالمرأة يكمن في فقدان الحقوق المدنية، وعدم المساواة في فرص التعليم.
كما أن بعضهم رفض أن يكون جنس الشخص (ذكر أو أنثى) مؤثراً في تحديد حقوقه، واعتبروا أنّ الفطرة لدى النساء والرجال واحدة تماماً، وأنّ ما هو موجود هو الإنسان فقط لا الجنس.
وقد كانت من أهداف هؤلاء تحقيق المجتمع القائم على الجنسين معاً اللذَيْن هما أعضاء المجتمع سوية، بغضّ النظر عن الخصائص الرجالية والنسائية والاختلافات والفوارق النفسية المبالغ فيها.
وهذا يعني عدم وجود فروقات قوية بين تلك الخصائص للجنسين، فالفتيان والفتيات يحظون سويةً بإمكان التعلّم، ولا تفرض تلك المميزات والخصائص عليهم أمراً آخر.
وكذلك اعتبروا أنّ واقع الجنس ودوره كان نتيجة العلاقات الاجتماعية طوال التاريخ، وليست ودائع أو مواهب للطبيعة غير قابلة للتخلّف.
وقد قبلوا بنظرية ((موركَان)) Morkan الذي اعتقد أنّ الأمومة ((قيمومة الأم)) قد راجت في بداية الحياة البشرية، أما قيمومة الرجل ((الأب)) فاعتُبِرت أمراً طارئاً وعابراً، بحيث هيمن ـ وبشكل تدريجي ـ على المجتمعات فيما بعد(13).

الحركة النسوية الماركسية:
في القرن التاسع عشر للميلاد وانطلاقاً من نظرية مروكَان morkan في ((قيمومة الأم)) في المجتمعات البشرية، اعتقد المذهب الماركسي أنّ ظهور الملكية الخاصة في المجتمعات سبّب تقييد المرأة والحدّ من فعاليتها، وهذه الحالة ستستمر مادامت الملكية موجودة وما دامت الأسرة البرجوازية حاكمة.
بينما سعت الرأسمالية إلى المحافظة على العمل المنـزلي بشكله الحالي، وقد عارضوا تحوّله إلى ظاهرة تعمّ المجتمع أي: ((حالة اجتماعية عامة)).
وانطلاقاً من هذا التحليل عينه طرح إنجلز وماركس [Marx & Engls] نظرية إلغاء الأسرة، كونها أصغر وحدة اقتصادية في المجتمع، حيث اعتقد انجلز Engles أنّ ظهور الأسرة كان تجلّياً ونتيجة لاستثمار الرجل للمرأة والأولاد. وقد ادعوا أنّ النساء سوف يتحرّرن بعد سقوط النظام البرجوازي، ومن هذه الجهة افترضوا أنّ النظال النسوي من أجل تحرير المرأة تابعٌ للنضال الطبقي.
وبالنظر إلى أنّ النظام الراسمالي قد قسّم المجتمع إلى قطاعين وساحتين:
ـ القطاع العام (السوق).
ـ القطاع الخاص (العائلة).
اعتبر انجلز أنّ أول شرط لتحرير النساء ربات البيوت، هو انخراط هذا الجنس (المؤنث) في الحياة اليومية والأنشطة العامّة في حياة المجتمع، وقد سدّدت الماركسية بهذه الطريقة ضربة قاسية إلى أركان الأسرة، لم تكن قابلة للجبران بتلك السرعة.
أما المغالون من دعاة الحركة النسوية وتحرير المرأة فقد عارضوا الزواج لأنّه يحوِّل المرأة إلى ((ربة منـزل، ومنجبة أولاد)) و((متفانية في خدمتهم)). ويحوّل الرجل إلى ((معيل، وأب، وأناني)).
من جانب آخر، وبسبب إخضاع الرجال النساءَ لسلطتهم حتى في علاقاتهم الجنسية، ينبغي أن تعيش النساء منفصلةً عن الرجال، وأن يعتبرن الرجال العدو الأساس لهنّ.
وقد عدُّوا نظرية ((الزواج الحر)) أسهل طريقة للخلاص من العبودية والاستغلال الذكوري.
و((الزواج الحر)) نوع من التعايش المشترك بين الرجل والمرأة.
وعلى أساس هذه النظرية لا توجد أية مسؤوليات حقوقية على عهدة الطرفين، وهذه الرابطة هي فقط استجابة للحاجات الجنسية بدون إيلاء دور للجانب العاطفي.
والجدير بالذكر أن هذه الدعوة الإفراطية ترقّت بعد ذلك إلى مرحلة الدعوة إلى حرية الزواج بالمثل.

أنصار الحركة النسوية اليوم:
من السبعينات من القرن الماضي برز على الساحة تيار جديد داخل الحركة النسوية باسم: ((دعاة المرأة الجدد))، حيث تأثّر هذا التيار بالمدارس الفكرية ما بعد الحداثية، بحيث استند دعاة المرأة الجدد إلى علم النفس السلوكي للتأكيد على حفظ الخصائص النسائية.
وهؤلاء بتأكيدهم على أصل التفاوت الموجود بين بني البشر اعتقدوا أن قيم ومبادئ الحركات النسوية الراديكالية التي سادت العالم آنذاك ليست مستحيلة التحقق فقط، بل من الممكن لها خلق أشكال جديدة من الظلم؛ ذلك أنّ هذه الرؤى قد غفلت عن تفاوت ظروف المجتمعات واختلاف الثقافات.
بالإضافة إلى ذلك، يذهب هذا الاتجاه إلى أنّ المرأة تحتاج إلى الأسرة سواء زوجة كانت أو بنتاً.
ومع وجود الاختلافات الكثيرة في توجهات أتباع الحركة النسوية، إلاّ أنّه يمكن الإشارة إلى الوجوه المشتركة فيما بينها جميعاً.
ـ إنّ مصدر التشريع والتقنين ومعيارهما هو النتاج الفكري البشري نفسه.
ـ جميع أعضاء هذه الحركات هم ((الأبناء البررة)) لعصر النهضة ومذهب الأنسنة.
ـ الهجوم على الأسرة ومحاربتها باعتبارها نواةً قائمةً على أساس قيمومة الرجل ورعايته.
ـ المطالبة بإزالة التمايز بين الجنسين في قوانين التربية والتعليم، وعلى مستوى الفرص والإمكانات.

الحركة النسوية في إيران:
مع الغزو الجديد للثقافة الغربية، وعلى أعتاب الحركة الدستورية، تغيّرت وضعية النساء في إيران، وجاء ذلك مترافقاً مع سائر التغييرات التي رافقت بقية فئات المجتمع.
ومن هنا، ينبغي اعتبار الحركة الدستورية نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ إيران السياسي؛ لأنّها أوجدت تأثيراً وتحولاً جديداً في تطوّر التوجهات والاهتمامات في أوساط النساء وتبدلها، وجرَّت المجتمع الإيراني ـ على حين غفلة ودون إرادته ـ إلى فلك الثقافة الغربية.
وقد قرأ بعض المتأثّرين بالغرب والفكر الغربي في الداخل التحوّلات الثقافية في العالم الغربي بنوعٍٍ من الإيجابية والتفاؤل، معتبرين أنّ طريق السعادة يكمن فقط في السير على خطى العالم المتحضِّر واتخاذه قدوة، وترك المظاهر التقليدية والعادات المحليّة.
ولهذا ظهرت في أواخر حكم القاجاريين حركات قويت ونمت بفعل نشاط النساء ـ زوجات وبنات ـ اللواتي تربين في أجواء ثقافة الغرب، حتى أنّ بعض هؤلاء المثّقفات كنّ يكتبن مقالات في مجلات إيرانية تطبع خارج البلاد قبل الحركة الدستورية نفسها، وكنّ يروّجن ـ في كتاباتهن هذه ـ ثقافة الغرب ورؤاه، بحيث أصبحت الكتابات والأفكار التي تبنتها هذه الفئة شاهداً قوياً على تأثرهنّ بالتحولات والتغيّرات الغربية(14).
مع حلول عصر سلالة البهلويين ـ الحكم الشاهنشاهي ـ بدأ فصل جديد في تاريخ المرأة في إيران، بحيث أظهر التغرُّب واللاإنتماء ما تبقّى من وجهه المخفي، إلى درجة أصبحت الدعوة إلى ((كشف الحجاب)) الذي جرى عام 1938م بحجّة تحرير نصف قوى المجتمع الإنساني، أصبحت نقطة تحوّل حملت الكثير من التغييرات في الساحة الإيرانية، مما أوجد تأثيرات وانطباعات سلبية في ذهن المجتمع الإيراني المسلم.

مبادئ الحركة النسوية:
المبادئ الإنسانية لهذه الحركة في الغرب مبنية على ما يلي:
1 ـ رفض الكنيسة ونفوذ المسيحية.
2 ـ تحطيم الانتماء الديني، وإبعاد الدين عن الأسرة.
3 ـ رفض قيم الدين الأخلاقية المتعلّقة بالمرأة ومن أبرزها:
ـ الحجاب.
ـ العفاف.
ـ التحصُّن.
ـ الوفاء.
ـ الحياء... وكل ما يشكّل قيمة إنسانية بنظر الدين.
4 ـ التعدّي على حريم الأسرة وتخريب العلاقات العائلية السليمة.
5 ـ العمل على الحدّ من الضوابط والالتزامات الأسرية والقضاء عليها.
هذه المبادئ أعلاه بنيت على أساس نظرية المتشدّدين في الدعوة الى الأنسنة، حيث النفي القاطع للجوانب المعنوية من الإنسان، ومعاداة الدين وإنكار كلّ ما يتعلّق بالله من مبادئ وأصول.
لذا كان لزاماً على المسلمين الالتفات إلى أن تعاليم الحركة النسوية ومبادئها قد تشكّلت في إطار معايير ومعتقداتٍ إلحادية خاصّة، لا تمتلك أي موازين ثابتة أو نقاط اشتراك مع مبادئ وتعاليم الأديان الإلهية السمحة والحيّة، وخاصة الإسلام، من أجل الدفاع عن المرأة وحماية حقوقها، وجعلها في المكان المناسب الذي يليق بها وبكرامتها ومنـزلتها.


الهوامش:
1) الفخر الرازي، التفسير الكبير.
2) الزمخشري، ربيع الأنوار1: 869، منشورات الشريف الرضي.
3) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر4: 373.
4) الحاكم، المستدرك2: 237 ـ 431، بيروت، دار الكتب العلمية.
5) المصدر نفسه.
6) المصدر نفسه.
7) الصدوق، ثواب الأعمال: 448، والطبرسي، مكارم الأخلاق: 251.
8) الحاكم، المستدرك2: 175،
9) راجع كتاب المغازي1 :269.
10) راجع كتاب: جان ستيورات ميل، استعباد النساء.
11) توضيح من المترجم.
12) مارتن سكالن ـ علم اجتماع تاريخ العائلة: 335.
13) الحركة النسوية، من منشورات مكتب ممثل الولي الفقيه في الجامعة.
14) المرأة في الحقبة القاجارية: 111.

يتبع....
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com