موقع الصراط ... الموضوع : العصمة بين النفي والإثبات-2
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العصمة بين النفي والإثبات-2  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 24 / رجب / 1435 هـ
     
  الكاتب: الأستاذ مصطفى خميس
التأويل وتنزيه النبي(ص):
لقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تذكر الأنبياء والمرسلين، تدل بظاهرها على أن بعضهم ارتكب أخطاء تستوجب العقوبة، وقد أوّل الكثيرون هذه الآيات بشكلها الظاهري بما لا يليق بمكانة النبوة والرسالة بعنوانه من الواجب الأخلاقي والشرعي على كل مفسر، أو متحدث عن أحوال أنبياء الله ورسله، أن يلزم نفسه بتنزيههم صلوات الله عليهم عن كل ما يشينهم أو يطعن في عصمتهم وشرف الرسالة المقدسة التي أوكل الله تعالى أمرها إليهم.
فالذي يؤدي رسالة من عظيم، ويبلغ أوامره وتعاليمه إلى البشرية، لا بد أن يكون عظيماً كعظمة تلك الرسالة، وبما يتناسب مع عظمة المرسل: عظيم العظماء ورب الخلق أجمعين، وأن يكون هذا الرسول على قدر من المسؤولية الملقاة على عاتقه. قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) .
وقد وصف الله، عز وجل، سيدنا محمداً (ص) بصاحب الخلق العظيم، فكيف يمكن أن تجري عليه هذه التأولات الباطلة وهو حبيب الله، وخيرته من خلقه، وخاتم الأنبياء والمرسلين، والمكانة العالية والمقام المحمود له عليه السلام، إذا يجب أن نقرا آيات الله في حق أنبيائه على أحسن وجه وأليق مقام، ويجب كذلك أن ننفي الذنب عنهم والخطيئة وارتكاب المحذور، وبخاصة في ما يتعلق بسيدنا محمد (ص) إمام الأنبياء وسيد المرسلين.
إن الحديث عن عصمة الأنبياء والمرسلين، والنظر في الآيات النازلة فيهم، والتي تدل بظاهرها على حدوث أخطاء منهم او ارتكابهم المحذور، هذا الأمر يحتاج الى مؤلف ضخم، واستقصاء كل الآيات الخاصة بذلك.
لكننا هنا سنكتفي ببيت الشاهد، وما اعتبره بعض الكتاب تخطئة للرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وركز عليه لتأكيد نظريته في جواز تخطئة الله عز وجل لنبيه ومعاتبته له ثم نسخ ذلك في ما بعد تزلفاً لأصحاب السلطان، وتأييداً لسياسة الطعن في عصمة النبي (ص) للوصول إلى نفي العصمة كلياً عن الأئمة من أهل بيته الطاهرين عليهم السلام، إضافة إلى الآية الدالة بظاهرها على عدم عصمة آدم عليه السلام، وإنه غوى، وذلك لشهرتها، وتمسك بعض الكتاب بها.
ومن اهم الآيات المتخذة مثالاً توهمه الجاهلون في تخطئة النبي (ص) وقبله آدم عليه السلام الآيات التالية:
1- قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى)(سورة طه، الآية: 121).
2- قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم) (سورة الانفال، الآيتان: 67- 68).
3- قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) (سورة التحريم، الآية: 1).
4- قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) (سورة التوبة، الآية: 43).
5- قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتقِّ الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (سورة الأحزاب، الآية: 37).
6- قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى)(سورة الضحى، الآية: 7).
7- قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (سورة الحج، الآية:52).
8- قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) (سورة الضحى، الآية: 2).
9- قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (سورة الفتح، الآية: 2).
10- قوله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) (سورة الزمر، الآية: 65).
ولا بد من توضيح ما التبس من ظاهر القول، وبيان التأويل بما يناسب تنزيه النبي (ص) وعصمته بما أمكن من الاختصار والتوضيح:
1- قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) قالوا: هذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة، وأكده بقوله (فغوى)، والغي ضد الرشد، واستدلوا بها على أن آدم، عليه السلام، قد عصى الله ربه، وأطاع إبليس، وهذا خطأ منه كان سبباً في إخراجه من الجنة. وإن الله قد تعهد تخطئة آدم لحكمة منه من أجل إخراجه من الجنة حتى يعمر الأرض لأن الله قد خلقه لذلك.
في البدء لا بد من معرفة أن معنى كلمة تعني خلاف الطاعة، وأن كلمة (لا تقرب) في قوله تعالى: (وقلنا، يا آدم، اسكن انت وزوجك الجنة، وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) ، تعني النهي.
والنهي الشرعي إما مولوي يجب طاعته في ما يأمر، ويترتب عليه الثواب على الطاعة، والعقاب على المخالفة وهذا شأن أكثر الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة. وأما أن النهي الشرعي مولوي ينطلق المولى فيه بتوجيه أوامره ونواهيه من موقع النصح والإرشاد، والعظة والهداية. فيترك اختيار أحد الجانبين من الفعل والترك للمخاطب، كالطبيب عندما يصف الدواء لمريضه، وأن الآيات الواردة في سورة (طه) تكشف النقاب عن نوعية هذا النهي، وتصرح بأن النهي كان إرشادياً لصيانة آدم عما يترتب عليه من الآثار المكروهة، والعواقب غير المحمودة، قال سبحانه: (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. أن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (سورة طه، الآيات: 117- 119) فإن قوله تعالى: (فلا يخرجنكما فتشقى) صريح في أن أثر امتثال النهي هو البقاء في الجنة ونيل السعادة التي تتمثل في قوله: (أن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) وأن أثر المخالفة هو الخروج من الجنة والتعرض للشقاء الذي يتمثل في الحياة التي فيها الجوع والعري، والظمأ وحر الشمس.
كل ذلك يدل على أنه سبحانه لم يتخذ لدى النهي موقف الناهي الواجب الطاعة، بل كان ينهى بصورة الإرشاد والنصح والهداية، وأنه لو خالفه لترتب عليه الشقاء في الحياة والتعب والنصب فيها ولو اتخذ موقف الناهي الواجب الطاعة المحذر من عدمها، لاختلف الموقف وطرد من الرحمة كقصة إبليس.
ومن هنا يتبين أن آدم عليه السلام كان نزيهاً عما ألصق به من التهم بمخالفة التكليف الإلهي الإلزامي، الواجب الطاعة، الموجب العقوبة في حال العصيان. وإن عصيانه هنا كان عن أمر إرشادي لصيانته عما يترتب على النهي كما أوضحته الآيات السابقة من سورة (طه).
أما كلمة (فغوى) فلها غير مدلول، فهي تعني الخيبة، قال الشاعر:
فمن يلقَ خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغوِ لا يعدم على الغي لائما
أي من حرم من الخير ولم يلقه، لا يحمده الناس ويلومونه.
وفي حديث موسى وآدم: (أغويت الناس) أي خيبتهم. كما أنه يستعمل في معنى الفساد، وبه فسر قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) أي فسد عليه عيشه .
يقول العلامة أستاذ جعفر السبحاني: (ولو سلم أن الغي بمعنى الضلال في مقابل الرشد، لكن ليس كل ضلالة معصية، فإن من ضل، في طريق الكسب، أو في طريق التعلم، يصدق عليه أنه غوى، أي ضل، ولكنه لا يلزم المعصية).
(وكان سيدنا العلامة الطباطبائي، رضوان الله عليه، يقول في مجلس بحثه: إن لفظة تعني الحالة التي تعرض للغنم عندما تنفصل عن القطيع، فتبقى حائرة، تنظر يميناً وشمالاً، ولا تشق طريقاً لنفسها، وكان آدم أبو البشر حائراً بعدما خالف نهي ربه وابتلي بما ابتلي، لا يدري كيف يعالج مشكلته، وكيف يتخلص من هذا المأزق الحرج).
وبعد هذا البيان لا يمكن القبول بالقول: إن آدم قد أخطأ، أو أن الله تعالى قد تعمد تخطئته لحكمة منه، فإذا كان الله عز وجل هو الذي خطّأ آدم، فما ذنبه حتى يعاقبه ويجعله من أهل الغواية على فعلة هو مجبر فيها، أليس هذا من كلام الجبرية، وينافي العدل الالهي، والعصمة النبوية؟
ويمكن لنا القول: إن الله تعالى خلق آدم وخلق له حواء ليأنس إليها وأسكنهما جنته، وأصدر أوامر ونواهي، وعلمهما الخير والشر في كل ذلك، وجعلهما مخيرين في اختيار الأمر الذي يرغبانه، وبيّن لهما نتائج كل عمل يقومان به كما في سورة طه، الآيات (117- 119)السابقة.
غير أن آدم لم يكن ذا عزم على اختيار الأحسن، فتاه بعد أن ترك المندوب، وهو مخير فيه لأنه ليس بواجب، فلو أنه فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم، فلما خالف الأمر ولم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب من حيث إنه لم يحصل على الثواب الذي كان يستحقه بالامتناع عن التناول.
لقد كان ذلك كله بعلم الله عز وجل وباختيار آدم.
ولما كانت الجنة لا تحتاج إلى نبي يهدي من فيها لأن كل من فيها مهديون طائعون لله، فلا موجب لعصمة آدم في الجنة، وهو ليس مسدداً فيها لضرورات النبوة أو الرسالة، وهذه الضرورة في الأرض وليست في الجنة، ولما أراد الله عز وجل أن يسكن آدم وزوجه وذريته الأرض، جعل ذلك التيه وتلك الغواية سبباً في اهباطه إلى الأرض ليعمرها، وجعل إبليس عدواً له ولذريته من بعده، لأنه هو السبب في إغواء آدم واستحقاقه الاهباط من الجنة، وليجعل عز وجل هذا الأمر بداية للصراع بين الحق والباطل، بين الفضيلة والشر، ولما أسكنه الله الأرض عصمه بالوحي لتكون بداية كل نبي أو رسول بعد آدم عليه السلام.
روى الشيخ الصدوق في أماليه بإسناده إلى أبي الصلت الهروي قال:
(لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات، واليهود والنصارى، والمجوس، والصابئة، وسائر أهل المقالات، قام إليه علي بن الجهم، فقال: يا ابن رسول الله، أتقول بعصمة الانبياء؟ قال: بلى. قال: فما تقول في قول الله عز وجل: (وعصى آدم ربه فغوى)؟ فقال الرضا (ع): ويحك يا علي، اتقِّ الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش، ولا تؤول كتاب الله برأيك، فإن الله عز وجل يقول: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)، وأما قوله عز وجل: (وعصى آدم ربه فغوى) فإن الله عز وجل، خلق آدم حجة في أرضه، وخليفة في بلاده، ولم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة، لا في الأرض، لتتم مقادير أمر الله عز وجل، فلما أهبط إلى الأرض جعله حجة وخليفة، وعصمه الله بقوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض).
2- قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) قالوا: الآية تدل على عتاب الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتلومه على استبقاء الأسرى، وأخذ الجزية أو الفداء عوضاً عن قتلهم. واعتبروا ذلك من أدلة خطأ رسول الله (ص).
لكن الحقيقة غير ذلك، وهي أن ظاهر الآية يقتضي توجيه القول والعتب إلى غير النبي (ص) لأنه بعيد جداً عما أراده الله تعالى بقوله: (تريدون عرض الدنيا) وبعيد هذا القول عن خلقه العظيم وصفاته الحميدة، وسلوكه السامي، والرغبة في عرض الحياة الدنيا لا تنسجم مع روحانيته وطهارته وقدسية نفسه، وتقواه وزهده، في كل ما يتعلق بهذه الدنيا الفانية، وهو صلى الله عليه وآله وسلم معصوم بالوحي، ومسدد بأمر الله، فكيف به يريد عرض الدنيا الفانية، ويرغب فيها؟ وهو يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وهو الذي هدى الله به الناس، ولولاه لما كان هناك مؤمنون مهديون، فكيف لا يكون هو نفسه مهدياً إلى اختيار الأفضل، ولما فيه نجاته، ومسدداً لما فيه الخير، بعيداً كل البعد عن عرض الدنيا وما يؤدي التمسك به إلى الهلاك وإلى العذاب العظيم. وأن قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) لا شك أنه موجه لغيره صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فالمعاتب غير النبي أيضاً، لأن التهديد هنا لغير النبي ولجملة المسلمين الذين خالفوا أوامره في جلب الأسرى، وهو لم يأمرهم بذلك.
ومن الرجوع إلى أسباب النزول، وقصة السورة وأحداث المعركة، يزول الإشكال، ونعلم أن المعاتب فيها ليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يخطئ في شيء يستحق فيه هذا العتاب والتهديد بالعذاب العظيم.
لقد كانت الدولة فتية، وكانت هذه الحرب أول حرب يخوضها رسول الله (ص) مع المسلمين ضد الغطرسة الجاهلية السفيانية والصنمية القرشية، ولم يطلب من أصحابه اصطحاب أسرى من المشركين معهم، فالموقف لا يتطلب ذلك، وكذلك وضع الدولة الإسلامية الفتية التي ما زالت تبنى ركناً ركناً، ولقد أمرهم رسول الله (ص) أن يثخنوا في قتل عدوهم في هذه المعركة الفاصلة التي وقف فيها المسلمون نداً لند مع جيش المشركين في معركة (بدر الكبرى) وذلك بعد أن صدر الأمر الإلهي بذلك في قوله تعالى من سورة الأنفال: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان).
والأمر هنا للمسلمين كافة ولعموم المحاربين في هذه المعركة. وقد أوضح المفسرون ذلك. قال فخرالدين الرازي في تفسيره الكبير.
أما قوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق) ففيه وجهان:
الأول: إنه أمر للملائكة متصل بقوله تعالى: (فثبتوا) وقيل: بل أمر للمؤمنين. وهذا هو الأصح، لما بيناه أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة .
وذكر ذلك الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) فقال:
(ولقد كان الأمر واضحاً في قوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)، وقد قام النبي (ص) بتبليغه إلى أصحابه، فخالفه بعضهم في ذلك، كما خالفوه في ما بعد، يوم أحد، بتركهم الجبل ونزولهم لجمع الغنائم، مما كان سبباً مباشراً في هزيمتهم.
لقد أسر المسلمون في معركة بدر الكبرى جماعة من المشركين، طمعاً بالفداء والأموال، وهذا هو المعني بقوله تعالى: (تريدون عرض الدني)، فأنكر عز وجل عليهم هذا الأمر، وبين أن الذي أراده الله ورسوله غير ما فعلوه فاستحقوا بذلك هذا اللوم والعتب القاسي، والتهديد بالعذاب العظيم.
أما قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) فقد نسب الأسرى للنبي(ص) لأن الأصحاب أسروهم ليكونوا في يده عليه الصلاة والسلام، فهم أسراه وفي يديه في حقيقة الأمر، وهم كذلك مضافون اليه لأنه قائد الأمة، وقائد جيوشها الأعلى، وان لم يقم هو نفسه بأسرهم، ولم يأمر بذلك، فقد أضيفوا اليه.
فالعتاب والتهديد هنا ليس للنبي (ص) بل للذين خالفوا أوامره وأسروا بعض المشركين ولم يقتلوهم امتثالاً لأمر النبي (ص).
وقد ذكر فخر الدين الرازي، في كتابه (عصمة الأنبياء)، هذه الآية، مؤيداً القول بعدم عتاب الله تعالى لنبيه (ص)، بل توجيه ذلك كله إلى أصحابه الذين قاموا فعلاً بالأسر، رغم عدم رغبة النبي بذلك. وقد علل ذلك في الشبهة الرابعة من كتابه المذكور ، وقال:
أما قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا) فهو خطاب جمع، فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال.
وأما قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق) فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذبتكم بسبب اخذكم هذا الفداء، وهذا غاية التقريع في تخطئتهم في اخذ الفداء من جهة التدبير.
ولرب قائل يقول: ما بال النبي(ص) لم يأمر بقتل الأسرى، لما صاروا في يده، إن كان أسرهم موجب للمعصية والعتاب؟ ويجيبنا على ذلك الشريف المرتضى في كتاب (تنزيه الأنبياء) فيقول:
(أما الوجه في أنه عليه السلام لم يقتلهم، فظاهر لأنه غير ممتنع أن تكون المصلحة في قتلهم وهم محاربون، وأن يكون القتل أولى من الأسر، فإذا أسروا تغيرت المصلحة، وكان استبقاؤهم أولى) .
وفي الحقيقة أن قتل المشركين في المعركة والاثخان في الجراح والقتل، وعدم اصطحاب الأسرى، أمر مرعب جداً للمشركين المنهزمين في هذه المعركة، ويعطي صورة عن فتك المسلمين بأعداء الله وأعدائهم، وعدم إعطائهم الفرصة للعودة إلى القتال مرة أخرى. أما أسر بعضهم، فإنه يزرع في نفوسهم الأمل بالعيش، وبالعودة مرة أخرى لقتال المسلمين. وهم غير خائفين اذ الوقوع في الاسر يعني حياتهم، وبروز سبب مشجع لهم بالعودة الى قتال المسلمين. لكن بعد الأسر، تختلف الصورة، فقد أصبحوا في ذمة المسلمين وأصبحوا مجردين من السلاح، وليست الحكمة في قتلهم في هذه الحال، بل الحاجة إلى المال الحاصل من فدائهم أفضل لبناء الدولة الاسلامية.
3- قوله تعالى: (يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) قالوا: عتاب الله تعالى لنبيه ظاهر في هذه الآية، ولا يكون العتاب إلا عن ذنب كبيرٍ أو صغير، وفي هذا تخطئة للنبي (ص) وعتاب له وتوبيخ.
في الحقيقة ليس هناك ما يقتضي عتاباً أو توبيخاً، وكيف يعاتبه ربه على ما ليس بذنب، لأن تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب هو أمر مباح، وليس فيه ذنب، وهو بالمحصلة ليس داخل في جملة الذنوب، وأكثر ما يقال فيه أنه مباح، والدليل في أنه ليس بالذنب، الطلاق والعتاق، وهما ليسا بأقل من التحريم إذا كان التحريم قبيحاً، وهو ليس كذلك.
وإن قوله تعالى: (لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) قد خرج مخرج التوجع له صلى الله عليه وآله وسلم، من حيث تحمل المشقة في إرضاء زوجاته، وحتى يكون هذا الأمر لهن زجراً عن مطالبته بمثل ما حصل له منهما، (حفصة وعائشة) كما يقول القائل لغيره: لم قبلت أمر فلان وهو دونك، وآثرت رضاه وهو عبدك؟.
فليس في هذا عتاب ذنب، وإنما هو عتاب تشريف، وكذلك في هذه الآية الكريمة، فالعتاب عتاب تشريف، جاء نتيجة حرص رسول الله (ص) على مرضاة أزواجه، وقضية هذه الآية، الواردة في سورة التحريم، معروفة لدى المفسرين. ويذكر هؤلاء، أسباب نزولها، فيقولون إنها تتمثل في موقف حفصة وعائشة، زوجتي الرسول (ص) وإفشائهما سره، وتظاهرهما عليه من أجل تحريم مارية القبطية، أو شرب العسل عند زوجته سودة بنت زمعة.
فقد أفشت حفصة سره وأخبرت به عائشة، وذلك في قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض، فلما نبأها به قالت: من أنبأك هذا قال: نبأني اللطيف الخبير) .
وقد تظاهرت عليه زوجتاه (حفصة وعائشة) وتوعدهما الله بالعقوبة وبين ما أعد لهم النصرة نبيه (ص) في قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صفت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) .
وبين لهما عز وجل العقوبة إن لم تتوبا في قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين).
إذاً فالعتاب هنا ليس عتاب لوم وتقريع، لكنه عتاب تشريف وتوجع له بسبب تحمله المشقة في محاولة إرضاء زوجاته.
وقد عاتب الله عز وجل زوجات النبي بعد ذلك لقيامهن (حفصة وعائشة) بإفشاء سر النبي(ص) والتظاهر عليه، ودعاهن الى التوبة من هذا الذنب، وبين عقوبة ذلك ضارباً المثل بامرأة نوح وامرأة لوط، وهما زوجتان لنبيين خانتاهما فدخلتا النار.
قال الشريف المرتضى: (لا يمتنع ان يكون قوله تعالى: (لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك) خرج مخرج التوجع له من حيث تحمل المشقة في ارضاء زوجاته)) .
ومن هنا ندرك ان الله لم يعاتب نبيه لخطا اخطاه او ذنب ارتكبه بل عتاب تشريف وتوجع له لتحمل المشقة في ارضاء زوجاته، وهو تنبيه لهن من أجل عدم العودة إلى ما فعل بعضهن، كما شرحته الآيات التالية من سورة التحريم.
4- قوله تعالى: (عفا الله عنك لم اذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) قالوا: هذا من قبيل خطا رسول الله(ص)، اذ ان العفو لا يكون الا عن الذنب، وان قوله تعالى:(لم إذنت لهم) ظاهر في العتاب، والعتاب لا يكون إلا عن الخطأ.
ان قوله تعالى: (عفا الله عنك) لا يقتضي وقوع المعصية من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا طلب غفران الذنب، او ترك العقاب، ولا يمتنع ان يكون المقصود به التعظيم، والملاطفة في المخاطبة، فقد يقول قائل: أرأيت رحمك الله وغفر لك، لو انك فعلت كذا وكذا.. وهو بذلك لا يقصد الصفح عن الذنب وترك العقاب عما أذنبه المخاطب أو فعله، بل الغرض من ذلك الاجمال في المخاطبة وتعظيم المخاطب وتوقيره.
أما قوله تعالى: (لم أذنت لهم) فظاهره الاستفهام، والمراد به التقرير، واستخراج ذكر علة اذنه لهم، وليس حمل ذلك على العتاب بواجب، وغاية ما يمكن أن يقال في ذلك: إن الآية تدل على ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك الاولى والافضل، وهذا ليس بذنب ولا خطيئة، لان الانبياء يجوز ان يتركوا كثيرا من النوافل، ولا يأثمون أو يخطئون في ذلك، ولوادوه كله لكان افضل، لكن يحدد ذلك العزم والطاقة والوقت والمناسبة والظرف.
وقصة الآية ان بعض المنافقين استأذنوا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، في عدم الخروج الى غزوة تبوك فأذن لهم، وهو يعلم أنهم منافقون، ولا حاجة بهم الى الخروج مع المسلمين المتقين الذين فيهم الكفاية عنهم.
وقد اخبره الله عز وجل أن الاولى ألا يأذن لهم حتى اذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم وعرفهم الناس. لانهم قالوا: (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم) فلو لم يأذن لهم لظهر الكاذبون منهم والصادقون، لهذه الغاية فقط كان خروجهم اولى، ولا خير فيهم وفي خروجهم والله ورسوله يعلمان ذلك، ولقد كره الله خروجهم وبين خطورته في قوله تعالى:(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) ، كما بين خطورة خروجهم مع المسلمين بانهم سيثيرون فتنة ومفسدة للمؤمنين في قوله تعالى: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) .
ولقد علم رسول الله(ص) كل هذه المخاطر من خروجهم فأذن لهم، لكن الله تعالى أخبره أن في عدم الإذن لهم كشف حقيقتهم وبيان الصادق فيهم من الكاذب. والرسول(ص) مميز في الإذن وليس مجبراً كما خاطبه عز وجل في موضع آخر: (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ان الله غفور رحيم) علما بأن الاستئذان هنا للمؤمنين وليس للمنافقين.
5- قوله تعالى: (واذ تقول للذي انعم الله عليه، وانعمت عليه: امسك عليك زوجك، واتق الله، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله احق ان تخشاه) قالوا: هذه الآية تدل على خطا رسول الله(ص) وعتاب الله له، حتى لقد روى ابن جرير عن عائشة انها قالت: ما نزلت آية اشد على رسول الله من هذه الآية، ولو كتم شيئا مما اوحي اليه من كتاب الله تعالى، لكتم هذه الآية .
وكان الراوي عن عائشة، او عائشة نفسها ان كانت هي التي روت الحديث مقتنع، او مقتنعة، تماماً بخطأ رسول الله(ص).
وإن الراوي ما أراد بهذا الحديث إلا ليخطئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ورووا أيضاً أن النبي(ص) رأى زينب بنت جحش بعدما زوجها ربيبه زيداً، فهويها النبي(ص)، ولما حضر زيد لطلاقها، أخفى رسول الله(ص) في نفسه عزمه على نكاحها بعده، لهواه لها، فعاتبه ربه على ذلك، ومما قالوه: إن رسول الله(ص) أبصرها بعدما أنكحها إياه (أي زيد)، فوقعت في نفسه .
قال السيوطي: فزوجها النبي (ص) لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين، فوقع في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهيتها.
وقال: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجتها .
ولست أدري كيف يسوغ بعض الكتاب لأنفسهم التفوه بمثل هذه الاحاديث، ونشر مثل هذه الاراجيف في حق سيد المرسلين، وإمام النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، وهو النور المرسل، والنبي المبجل، وحبيب رب العالمين، وأفضل جميع المخلوقات بإجماع كافة المسلمين.
إذ أن المعروف في هذه الآيات وقصتها، ان الله تعالى أراد ان ينسخ عادة جاهلية متمكنة من نفوس الناس، وهي تحريم زوجة الدعي، فأوحى الله عز وجل إلى رسوله(ص) أن زيد بن حارثة، وهو دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سيأتيه مطلقاً زوجته، ويأمره عز وجل بان يتزوج منها بعد فراق زيد لها، وكمال عدتها، كأية امرأة من المسلمين، ليكون ذلك ناسخاً لسنة جاهلية متمكنة في النفوس. فلما حضر زيد عازماً على الطلاق، اشفق عليه رسول الله(ص) ورأى أن لا يمسك عن وعظه وإرشاده وتذكيره. فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله فيها، فلما وجد إصرار زيد على الطلاق وأن لا فائدة من استمراريته، أمضاه له رسول الله(ص) لأن زيداً كان يعاني من زينب حيث كانت ترى نفسها أعلى مقاماً ومنزلة منه، وقد استنكفت عنه سابقاً حين خطبها رسول الله(ص) قائلة: (انا خير منه حسب).ويبدو أن هذا الأمر كان السبب المباشر في ما بعد لعدم استقرار الحياة الزوجية بينهما.
وقد كان رسول الله(ص) يعلم ان زيدا لا بد ان يطلقها، وأخفى في نفسه أنه مأمور بالزواج منها بعد طلاقها، منفذاً أمر الله في ذلك، ولم يظهره للناس حتى لا يرجف المنافقون ويتقولون عليه الأباطيل، فقد خشي رسول الله(ص) كلام الناس، فأخفى في نفسه أمراً سيبديه الله، في ما بعد، وهو زواجه منها، وهذا أمر لا عيب فيه ولا خطيئة.
أما قوله: (والله أحق أن تخشاه) لا يعني مطلقاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يخش الله في هذا الموقف، وإلا لكان ذلك نقضاً لنبوته وطعناً في رسالته، وهتكاً لعصمته، لكن هذا القول هو تأكيد لما في نفس رسول الله(ص) وتقرير لما يكنه من أن الله أحق بالخشية من الناس.
وقوله تعالى: (وتخشى الناس) أي تستحي منهم، وتخشى ألسنتهم من أن يقولوا: نكح رسول الله(ص) زوجة ابنه، ويكون ذلك مجالاً للطعن من المنافقين والمرجفين وضعاف النفوس. إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المعصوم بالوحي، المسدد بأمر الله، لا يمكن أن يكون أسيراً لهوى يشغل فكره، أو عرضة لتأثير سحر الفاتنات حتى يهوى ويعشق، فيدمر اسرة مسلمة نتيجة لذلك. وإذا كان جمال زينب بنت جحش قد بلغ هذا المبلغ من السحر الذي صورها فيه الاخرون حتى أن رسول الله لما رآها وقعت في نفسه وهي زوجة محترمة مصونة محصنة. ألم يرَها قبل زواجها من زيد فيأسره هذا الجمال؟ وما الذي منعه من الزواج منها حينما كانت بنتاً بكراً، بنضارتها وجمالها، قبل أن يتزوجها زيد؟ علماً بأن زينب هذه هي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقريبته، وهو نفسه الذي خطبها لزيد وزوجها منه، وهو نفسه الذي حاورها وتحدث معها طالباً منها قبول الزواج من زيد، فاستنكفت أولاً لأن زيداً أقل مكانة منها.
قال مجاهد وقتادة ومقاتل ابن حيان ان الآية: (ما كان لمومن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً) نزلت في زينب بنت جحش، رضي الله عنها، حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مولاه زيد بن حارثة، رضي الله عنه، فامتنعت ثم اجابت.
وفي رواية ابن عباس انها استنكفت منه، وقالت: (انا خير منه حسب) .
وفي هذا بيان بان رسول الله(ص) قد رآها سابقا وخطبها لزيد بنفسه. ولم يفاجأ بجمالها بعد زواجها حتى يهواها. ولعله مما يوسف له ما ادعاه بعض الكتاب في هذه القصة، وأعرضنا عن كثير منه كما أعرض عنه كثير من المفسرين، وأن هؤلاء المدعين لم ينزهوا رسول الله(ص) فأصبح هذا الأمر من المطاعن لديهم في عصمته صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد توصل الأمر بعالم كبير كالحافظ ابن عساكر الدمشقي، المعروف، إن ألف كتاباً أسماه كتاب (الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين)، وذكر فيه عدداً من القواعد المختصة بزواج وأزواج رسول الله (ص) فقال في فصل: من خصائصه(ص) الزيادة على الأربع إلى التسع: (ووجب على من له زوجة ورغب في نكاحها ان يطلقها زوجها لقصة زيد) .
اي أن هذه القاعدة تنص على أن من خصائصه(ص): أنه إذا رأى النبي (ص) زوجة أحد المسلمين ورغب بالزواج منها، بعدما أعجبته ووقعت في نفسه، فعلى زوجها واجب شرعي أن يطلقها ليفسح المجال للنبي من أجل زواجه منها، ويستشهد بقصة زيد، لقناعته بصحة ما لفق حولها من حب وغرام وهوى، والعياذ بالله وهو بذلك يريد ان يثبت ان زينب وقعت في نفس النبي(ص) فطلقها زيد إكراماً له، وقد نسي ابن عساكر رحمه الله أن النبي(ص) كتم أمر زواجه عن زيد حتى لا يكون ذلك مجالاً للطعن في هذه القضية وذلك في قوله تعالى: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) فكيف علم زيد بهوى رسول الله لها، والقرآن صريح بذلك؟! أن زيداً لم يعلم أن رسول الله (ص) مأمور بالزواج من زوجته زينب بعد طلاقها، وكان طلاقه لها عن علم ودراية منه بانها لن تستمر معه لتعاليها عليه، وكانت ترى انها اعلى مكانة منه واعز حسبا، وكان الطلاق عاديا وقع كما يقع لأية امرأة من المسلمين.
أما قاعدة ابن عساكر فلا قيمة لها، وقد وهم غفر الله له في ذلك ظناً منه أن زيداً علم بمحبة رسول الله لها فطلقها ليتزوجها النبي، وجعل ذلك قاعدة شرعية.
إن ما قيل في هذه القصة لا قيمة له لأنه يخالف ما عليه رسول الله (ص) من العصمة والتنزيه عن العيوب وما وصفه به ربه سبحانه وتعالى في قوله: (وانك لعلى خلق عظيم) فسبحان الله عما يصفون وتعالى علواً كبيراً.
6- قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى) قالوا: الضلال ضد الرشد، وهذا يعني أنه، عليه الصلاة والسلام، يصدق عليه الخطأ والذنب قبل الوحي. وطالما أخذنا على أنفسنا ان ننزه النبي قبل الوحي وبعده عن الأخطاء والنواقص والذنوب، فيجب أن نأخذ هذه الآية على أنه تعالى عنى بالضلال، الضلال عن النبوة والوحي فلم يكونا للنبي(ص) قبل البعثة، فهداه الله إلى الوحي والنبوة فقرت عيناه بهما.
ويمكن القول: إنه يعني بقوله: (ووجدك ضالا فهدى) اي مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم الى معرفتك وأرشدهم إلى فضلك. وهذا له نظير في الاستعمال. يقال: فلان ضال في قومه وبين أهله، إذا كان مضلولاً عنه .
ويؤكد المعنى الأول ما اورده فخر الدين الرازي بقوله: (وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليه) . ويوكده قوله تعال: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان) .
ولا تعني الآية مطلقاً أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ضالاً كضلال قومه المشركين أو الملحدين أو الكافرين.
وقد ذكر بعض الباحثين، في هذا المعنى، أنه: (وجدك ضالاً في زمان الصبا في بعض المفاوز). وهذا بعيد ولا دليل عليه.
7- قوله تعالى: (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا اذا تمنى القى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته، والله عليم حكيم) لقد كثرت الروايات والأقاويل في تفسير هذه الآية، وملخص ما قالوا فيها:
إن رسول الله(ص)، لما اشتد عليه ما ناله واصحابه، من اذى المشركين وتكذيبهم، واحزنه ضلالهم، تمنى هداهم، فلما انزل الله سورة النجم قال: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى. الكم الذكر وله الانثى) ، القى الشيطان عندها كلمات على لسان النبي(ص)الذي تمنى مقاربتهم وهدايتهم فتلاها عليهم وسمعها المشركون وهي (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) فلما سمعت قريش ذلك سرت به، ثم سجد رسول الله(ص)وسجد معه المؤمنون وكذلك المشركون لما سمعوه من ذكر آلهتهم بما اعجبهم، فلم يبق في المسجد مومن ولا مشرك الا سجد حتى الوليد بن المغيرة كان شيخاً لا يقوى على السجود، فاخذ بيده حفنة من التراب فسجد عليها. وجاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاتباً له على ذلك، فحزن حزناً شديداً.
فأنزل الله تعالى عليه الآية (وما أرسلنا من قبلك...) معزياً ومسلياً، جاعلاً هذا الإلقاء من الشيطان حدث مع غيره من الأنبياء والرسل.
وأنت ترى أن في هذا التأويل بعداً كبيراً عن حقيقة الأنبياء والمرسلين وناموس الرسالات السماوية وعصمة الانبياء والمرسلين، إذ أنهم يقرون في هذا الكلام أن كل نبي أو رسول قد شاركه الشيطان في كلام ربه وهو لا يدري، ثم إن الله يعلمه بذلك فينسخ ما ألقى الشيطان، فيعطون للشيطان قوة فوق قوة الله وفوق قوة الأنبياء، ولم يذكروا قوله عز وجل: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) . وقوله تعالى: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) .
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره: (تفسير القرآن العظيم) أن كثيراً من المفسرين قد ذكروا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير ممن هاجر إلى الحبشة ظنّاً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ثم قال: ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح والله اعلم. ثم ذكر بعض مصادر هذه القصة الخرافية، فنقل روايتها عن كل من: ابن ابي حاتم، وابن جرير، والبزار في مسنده، وعن قتادة، وعن ابن شهاب الزهري، وفي تفسير ابن جرير عن الزهري، والحافظ ابو بكر البيهقي في كتابه (دلائل النبوة)، ومحمد بن اسحاق في السيرة، وعن البغوي في تفسيره.
قال ابن كثير: وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتابه (الشقاء) لهذا وأجاب بما هو حاصله انها كذلك لثبوتها، وقوله (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته)هذا فيه تسلية من الله لرسوله(ص) أي لا يهدينك فقد اصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
قال ابن كثير: (قال البخاري، قال ابن عباس: (في امنيته) إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان (ثم يحكم الله آياته) قال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس: (إذا تمنى القى الشيطان في امنيته) يقول: اذا حدث القى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد: (إذا تمنى) يعني إذا قال، ويقال امنيته قراءته..) وأنت ترى أن كل هذه الروايات وهذه المصادر قد نقلت هذه الخرافة التي اتخذها المستشرقون وأعداء الإسلام سبة للطعن في عصمة رسول الله(ص) وحجة للتهجم على الاسلام ونبي الإسلام والنيل منه، وحجتهم في ذلك هذه المصادر المتعددة من كتب المسلمين ورواتهم الذين نقلوا هذه الخرافة الإسرائيلية دون جرح أو تثبت من منافاة هذا القول لشرف النبوة والعصمة التي قررها الله تعالى في حق انبيائه ورسله سلام الله عليهم اجمعين.
لقد ابتعد هؤلاء المفسرون والرواة كثيراً عن الحقيقة ولم ينزهوا رسول الله(ص) ولا الأنبياء من قبله، لأنهم أساؤوا فهم الآية حين اعتبروا أن الشيطان ألقى في أمنية النبي(ص) أي تحدث بلسانه وتلفظ بكلمات ما ارادهن رسول الله(ص)، اي ان الشيطان تلبسه بهذه الحالة وتكلم بلسانه، ثم جاء الوحي فعاتبه ونسخ ذلك الكلام واحكم الله آياته.
لكن الحقيقة في ذلك بكل بساطة هي: إن كل نبي، أو رسول، إذا تمنى بقلبه وفكر بعقله لهداية قومه، وسعى الى ذلك جاهدا، فان الشيطان يوسوس للناس غير ما يريده الرسول، ويحض الناس على رفض دعوته وانكار نبوته ومحاربتها، وإن الله عز وجل يمحو من النفوس دعوة الشيطان وينسخها من العقول، ثم يهديهم الى اتباع الرسول ويثبت دعوته التي هي دعوة الله سبحانه ورسالته المحكمة إلى الناس.
واعلم ان لكل نبي أمنية، وهي هداية قومه أولاً، وهي شغله الشاغل وهدفه السامي قال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) ، وقال: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) . وقد فسر ابن فارس الأمنية بمعنى تقدير شيء ونفاذ القضاء به .. ولعل في الآيتين السابقتين كفاية لمعرفة أماني الرسل.
وإذا عرفنا ذلك فلا بد من معرفة هل يمكن ان يتحدث الشيطان بلسان النبي أو يوسوس له خلاف الوحي وخلاف العصمة؟ ولا شك ان التحدث بلسان النبي او الوسوسة طعن في النبوة والعصمة معا، والله تعالى يؤكد لنا عدم إمكانية ذلك في كتاب العزيز، قال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان).
وقال عز وجل: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) .
فإذا كان عباد الله المخلصين ليس للشيطان عليهم سلطان، فكيف بأنبياء الله ورسله وهم صفوة عباده المخلصين؟ ويؤكد لنا القرآن الكريم كذلك فكرة أن الشيطان يوسوس للناس غير ما يريد الرسل، ويسعى إلى حضهم على ترك دعوة الرسول وإنكار نبوته ومحاربتها. قال تعالى: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) .
ونستخلص أن معنى (أحكام الآيات) هو تثبيت نبوة النبي ورسالته والدلائل والإرشادات التي تؤدي إلى الإيمان واتباع شريعة الله سبحانه وتعالى.
أما (النسخ) فهو إبطال دعوة الشيطان وما يوسوسه في صدور الناس وبيان بطلانه وتثبيت الحق والايمان، وان كل ما قيل من حكايات وخرافات وتأويلات، خلاف ما أثبتناه، يعارض القرآن الكريم، لذلك فإننا نضرب به عرض الحائط، خاصة وانه يتعارض مع عدم سلطان الشيطان على الانبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين كما في آية: (يعدهم ويمنيهم) ومع الآيات التالية الدالة على عصمة النبي وحفظ القرآن الكريم، وحفظ النبي من الشياطين وشرورهم، وعدم تمكن احد مهما كان من اضافة شيء إلى كلام الله تعالى:
1- قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) .
2- وقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) .
3- وقال تعالى: (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً) .
4- وقال تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) .
فكيف يمكن للشيطان الدخول بوحي الله تعالى، او أن يصبح وحياً؟ وهذا شيء محال.
وكيف يضيف إلى القرآن ما ليس منه؟ وقد تكفل الله تعالى بحفظه وعصمه عن كل زيادة أو نقصان.
وكيف رصد الله نبيه عن الجن والشياطين واذاهم؟ ثم يلقي الشيطان بلسان النبي ما يسيء إلى الرسالة ويحرف مسيرتها، وبدلا من هتك حرمة الشرك والاصنام التي كانوا يعبدونها، تجده يشيد باللات والعزى ومناة. وكيف يمكن للشيطان ان يلقي ويزيد ما فيه ذلك الطعن وانحراف الرسالة؟ ولم يترك عز وجل مجالا لاحد لكي يضيف قولا او كلمة، حتى لرسول الله (ص).
وفي هذا التوضيح كفاية ولا حاجة لنقض اقوال المتاولين والقصاصين لأنها تعارض القرآن وسيرة رسول الله(ص) وخلقه وعظمته فلا التفات لها، ونردها على مصادرها ليفعلوا بها مايشاؤون، فليس محمد بن عبدالله نبي الله ورسوله وحبيبه هو الذي يقترب منه الشيطان ويلقي على لسانه كلمات يظنها الناس قرآناً، في حين ان الشيطان يفرق من عمر بن الخطاب، ولو سلك عمر واديا لسلك الشيطان واديا آخر)، وهذا مروي في كتب الحديث المعتبرة، فكيف برسول الله(ص)، ونقبل مثل هذه الافتراءات والخرافات والأراجيف؟!
8- قوله تعالى: (الم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك) قالوا: الوزر هو الذنب، والآية صريحة في الذنب، وقالوا: حمل الوزر على ما كان قبل النبوة أو ترك الصغيرة. وفي الحقيقة ان الوزر في اللغة يعني الثقل، وسميت الذنوب أوزاراً لأنها تثقل حاملها، وكل غم وهم ومسؤولية هو وزر في اللغة والتفسير اللغوي.
وانطلاقاً من تنزيه النبي والرسول عن الذنوب والمعاصي قبل النبوة وبعدها، لما قدمناه في بداية هذا البحث، فان الوزر الذي وضعه سبحانه وتعالى عن رسوله عليه الصلاة والسلام، هو إزالة الهم والغم مما كان يتحمله من قومه أو دعوته إليهم للإيمان بالله ونبذ عبادة الاصنام.
وبعد أن بعث سيدنا محمد(ص) إلى قومه وبدا بالدعوة لاقى من المعارضة والمضايقة والقتل والتشريد لبعض اصحابه، فهمه ذلك كثيرا وغمه الأمر لوجود المعارضة القوية وضعف أصحابه، فطمأنه الله عز وجل وشرح صدره من بعد هذا الثقل وهذا الوزر الكبير الذي أهمه، ووضع ما كان عنه من هم وغم بأن يعلي كلمته وينشر دعوته ويهدي قومه، وما عليه سوى الدعوة ونشر الإسلام والصبر على ذلك وان النتيجة هي النصر له ولدعوته العظيمة، وبذلك ازال عنه سبحانه وتعالى ذلك الهم الذي أثقل ظهره، لأن نقض الظهر هو الثقل والحمل كما جاء في معاجم اللغة.
والذي يقوي ما قلناه الآيات التالية لهذه الآية من سورة (ألم نشرح)، وهي قوله تعالى:(ورفعنا لك ذكرك) وهذه طمأنينة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبشارة له بعلو شأنه وانتصار دعوته، وبقاء ذكره سامياً عالياً في السماء والأرض، فكيف لا ينشرح بذلك صدره، ويزول همه وغمه؟ ويؤيده أيضاً قوله تعالى: (فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً) وهي تحكي حالة النبي(ص) وحالة أصحابه في وقت العسرة وشدة المعارضة، وليس أعسر وأصعب مما كانوا عليه في بدء الدعوة وقبل أن يأذن الله بقتال المشركين، حتى لجأ جبابرة قريش إلى قتل ياسر وزوجته رضوان الله عليهما، وإلى تعذيب بلال الحبشي وغيره، والى الضغط الشديد على المسلمين حتى اضطر قسم كبير منهم الى الهجرة إلى الحبشة فراراً بدينهم وأرواحهم، ووصل بهم الأمر إلى أذية رسول الله(ص) في الطائف وفي مكة، وتعرض الصبيان له، وكذلك الكبار ووصفه بالمجنون والساحر..
وبعد كل هذا العسر وعده الله باليسر والنصر وسيادة دعوته صلى الله عليه وآله وسلم وإزالة كل هذه الهموم والغموم، وهذا كله يفسر قوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك).
وإذا علمت أن السورة مكية، فإن مضمونها هو وعد الله لنبيه وتطمين لقلبه، بأن الله سيظهر دينه وينصره على المشركين.
قال الرازي: (إن وعد الله حق، فلما وعده الله بذلك في مكة فقد قوى قلبه وزالت كربته) .
9- قوله تعالى: (ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قالوا: هذا نص صريح في ان لرسول الله(ص) ذنوبا قبل النبوة وبعدها، وقد غفرها الله له.
وهذا الادعاء هو نقض للنبوة وطعن في العصمة، ولا بد من معرفة الحقيقة من ذلك كله لدى المتكلمين في هذا الباب.
قال الشريف المرتضى: (المغفرة على هذا التأويل هي الازالة والفسخ والفسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه وذنوبهم اليه في منعهم اياه عن مكة وصدهم له عن المسجد الحرام) .
وقد عنى بذلك إضافة ذنوب قومه إليه وغفرانها بعد أن أنعم الله عليه.
وقال فخر الدين الرازي: (المراد ما تقدم من ذنب امتك وما تأخر).
وقال: (اذا ترك الاولى يسمى ذنبا كما يقال: حسنات الابرار سيئات المقربين).
وقال: ليغفر لأجلك وببركتك ما تقدم من ذنبهم في حقك وما تأخر.
وقال: لو كان لك ذنب لغفرته لك .
وقال السيد الطباطبائي: وللمفسرين، في الآية، مذاهب مختلفة اخرى، فمن ذلك قول بعضهم: ان المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه مغفرة ما تقدم من ذنب ابويه آدم وحواء عليهما السلام ببركته(ص)، والمراد بمغفرة ما تأخر منه مغفرة ذنوب امته بدعائه.
ومن ذلك: إن القول خارج مخرج التعظيم وحسن الخطاب، والمعنى: غفر الله لك كما في قوله تعالى: (عفا الله عنك) ومن ذلك ما ارتضاه جمع من اصحابنا من أن المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مغفرة ما تقدم من ذنوب أمته وما تأخر منها بشفاعته(ص) ولا ضير في إضافة ذنوب أمته (ص) إليه للاتصال والسبب بينه وبين أمته.
قال السيد الطباطبائي: من موارد استعمالاته (اي الذنب) هو العمل الذي له تبعة سيئة كيفما كان، والمغفرة هي الستر على الشيء، ثم قال: وقيام النبي(ص) بالدعوة ونهضته على الكفر والوثنية فيما تقدم على الهجرة وارادته ذلك، وما وقع له من الحروب والمغازي مع الكفار والمشركين فيما تأخر عن الهجرة كان عملاً منه (ص) ذا تبعة سيئة عند الكفار والمشركين، وما كانوا ليغفروا له ذلك ما كانت لهم شوكة... غير ان الله سبحانه رزقه(ص) هذا الفتح، وهو فتح مكة او فتح الحديبية المنتهي إلى فتح مكة، فذهب بشوكتهم واخمد نارهم فستر بذلك عليه ما كان لهم عليه(ص) من الذنب وآمنه منهم .
ويؤيد هذا القول قوله تعالى: (ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصراً عزيزاً).
فقوله تعالى: (ويتم نعمته عليك) أي بإظهارك على عدوك وإعلاء أمرك في الدنيا، وبرفع درجاتك في الآخرة. ثم يهديك صراطاً مستقيماً يؤدي بسالكه الى الجنة، وينصرك الله نصراً عزيزاً تمتنع به عن كل جبار عنيد ويعز دينك ويظهره على كافة الأديان.
وكل هذه الاقوال وخاصة ما قاله السيد الطباطبائي رحمه الله، توكد ان لا ذنب لرسول الله(ص) حتى يغفره الله عز وجل لا قبل النبوة ولا بعدها، لكن ما عنته الآية هو اضافة ذنوب قومه إليه، او آدم وحواء على قول آخر، وغفرانها ببركته وشفاعته، وهو إزالة التبعة السيئة التي تركها في نفوس المشركين بعد اسلامهم، وسترهم على ذلك بعد أن أنعم الله عليهم برسوله الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا القول هو الانسب لقضية الفتح ومناسبة الآيات.
10- قوله تعالى: (عبس وتولى أن جاء الأعمى) قالوا: هذا العبوس والتولي عن الأعمى من قبل النبي(ص) هو من الذنوب الصغيرة، لذلك عاتبه ربه سبحانه وتعالى هذا العتاب الشديد قائلاً له: (وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى). إن المتأمل في هذه الآية وما بعدها يدرك بكل وضوح أن الخطاب فيها غير موجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد قال تعالى: (عبس وتولى)، والخطاب هنا غير دال على توجهها الى النبي(ص) بل يدل الخطاب فيها على انه موجه الى شخص آخر غير النبي، ولو كان الخطاب للنبي(ص) لقال: عبست وتوليت، إذا فالآية خبر محض لم يصرح فيها بالمخبر عنه. ولما كان المخبر عنه غير النبي فهو يصح على غيره من المسلمين، وقد اجمعت التفاسير على ان الذي جاء الى هذا العابس والمتولي هو الاعمى ابن ام مكتوم، وقد وردت روايات تحكي قصة مجيئه الى الرسول وعنده قوم من كبار مشيخة قريش يحدثهم في شأن الإسلام، فعبس الرسول بوجهه لأنه كان حريصاً على دعوة هؤلاء، وهذه الروايات تتناقض مع اخلاق النبي(ص) وعصمته وسيرته بين اصحابه وطبيعة دعوته التي كانت بدايتها بين الفقراء والمستضعفين.
وكذلك فهي تصف النبي بالعبوس في وجه من جاءه مسلماً، وليس العبوس من صفاته صلى الله عليه وآله وسلم مع أعدائه، فضلا عمن جاءه يريد الإسلام والله تعالى يقول: (وإنك لعلى خلق عظيم) .
والرواية تصفه بأنه يتصدى للأغنياء ومشيخة قريش وصناديدها، ويتلهى عن الفقراء، وهذا أيضاً مناقض لصفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
وقوله تعالى: (أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى) ففيه عتاب وتوبيخ أشد من قوله: (عبس وتولى) لأن الاستغناء من الغنى ووفرة المال، والمعنى: إن من كان غنياً تقبل عليه وتلاطفه وتحادثه، وتترك الفقير، وما عليك ألا يزكى، اي ليس عليك بأس أن لا يتزكى حتى يبعثك الحرص على إسلامه. وأنه لا يجوز أن يقال للنبي: (وما عليك ألا يزكى) فإن هذا إغراء بترك الحرص على إيمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبيه، كما قال الفخر الرازي .
وقد قال أيضاً: لا نسلم أن هذا الخطاب موجه للنبي(ص) لأن هذه رواية أحاد فلا تقبل في هذه المسالة، ثم إنها معارضة بأمور:
1- انه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي(ص) في قرآن ولا خبر مع الأعداء والمعاندين. 2- وصفه بانه تصدى للأغنياء وتلهى عن الفقراء وذلك غير لائق بأخلاقه.
3- انه لا يجوز ان يقال للنبي: (وما عليك الا يزكى) فان هذا اغراء بترك الحرص على ايمان قومه. واعلم أن العبوس والتصدي للأغنياء دون الفقراء، والتلهي عمن جاء مسلماً لفقره أو عماه، وقوله تعالى: (وما عليك الا يزكى) كل ذلك يتعارض مع خلق وصفات رسول الله(ص) ومع صريح القرآن الكريم في الآيات التالية:
1- قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) .
2- قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
3- قوله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) .
4- قوله تعالى: (فاصدع بما تومر واعرض عن المشركين) .
قلت: اجمعت التفاسير على ان الاعمى هو عبدالله بن أم مكتوم، لكنها اختلفت فيمن خوطب بالسورة ووصفه الله بتلك الصفات فقال بعضهم: هو النبي(ص) وقد تقدم بطلان نسبة ذلك إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل ان المخاطب هو رجل من بني أمية كان عند النبي فجاءه ابن ام مكتوم فما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس واعرض بوجهه عنه فحكى الله قصته . وقيل إن ذلك الرجل هو عثمان بن عفان كان عند النبي(ص) وهو المعني بقولهم: رجل من بني أمية.
11- قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) قالوا: فلو لم يصح ذلك منه لما خوطب به.
الخطاب، في هذه الآية، ليس للنبي بل لأمته. وإن كان هو المخاطب ظاهراً، لكن المراد أمته، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال: نزل القرآن بإياك اعني واسمعي يا جارة ، ومثل ذلك قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) فدل قوله تعالى فطلقوهن على أن الخطاب توجه الى غيره.
إن في علم الله أن النبي(ص) والأنبياء الذين سبقوه أنهم محضوا الإيمان ولا يمكن أن يصدر الشرك عنهم. ولكن هذا الخطاب فيه تخويف وترهيب للأمة، حتى لا يطمع أحد في الله عز وجل فيتهاون في أحكامه وعبادته، فمهما عظم الإنسان فلن يصل إلى مرتبة سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد(ص)، ورغم هذا فلو بدر منه الشرك أو الذنب، لذهب بكل عمله وكان من الخاسرين.
وهذه الآية في حكمها والمراد منها مثل قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) ، والله تعالى يعلم أن نبيه (ص) لن يتقول عليه شيئاً من الأقاويل، وإنما المراد بذلك غير النبي، ولبيان خطورة هذا العمل وتنبيه الأمة إليه. وكذلك شبيه قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، وهذا تعليم لنا، لأنه بعلم الله لا يوجد آلهة الا الله سبحانه وتعالى.
خاتمة وهكذا وجدنا، في احدى عشرة آية من كتاب الله، انها تدل بظاهرها على خطا النبي(ص)وعتابه، او احتمال وقوع الذنب او المعصية منه. وبينا ما يجب فيه تنزيه النبي (ص) ورفعه إلى المستوى اللائق بشرف النبوة والرسالة والعصمة، وتأويل الآيات بما يناسب ذلك للحفاظ على خط الرسالة النقي الطاهر، وعلى شرف النبوة وسمو مكانة النبي(ص) وترفعه عن الصغائر وعن الخطأ وعن المعاتبة، وبذلك لا يكون هناك تعارض بين هذه الآيات الكريمة وبين الآيات الدالة على عصمته صلى الله عليه وآله وسلم كقوله تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى) وقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) وقوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، ونخلص من ذلك كله أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم معصوم عن الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها، وأنه لا يجوز نسبة الخطأ إليه. وأن الله تعالى لا يمكن أن يخطئه ثم يعاتبه وينسخ ذلك الخطأ، كما توهم الآخرون، وضربوا الأمثلة والشواهد، التي رددناها عليهم، وبينا في تفنيدها ان الله عز وجل لا يخطئ نبيه ولا يعاتبه في ذلك.
لأنه وحي يوحى اليه، فقوله قول الله عز وجل، وفعله وتقريره بأمر منه تبارك وتعالى. وإن ما ينطبق على سيدنا محمد(ص) من العصمة والحفظ والتسديد من الله ينسحب على غيره من اخواته الانبياء والمرسلين الذين سبقوه، وإن البحث في الآيات التي تصف الانبياء والمرسلين الذين سبقوه، لأن ناموس النبوة والرسالة عند الله واحد، نتعرض لهم تحتاج إلى بحث خاص، والله أعلم حيث يجعل رسالته، والحمد لله رب العالمين.

المصدر: مجلة المنهاج، العدد الرابع.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com