موقع الصراط ... الموضوع : استقبال القبلة
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  استقبال القبلة  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رجب / 1435 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
عن الصادق (ع) أنَّه قال: (إذا استقبلت القبلة فآيس من الدنيا، وما فيها والخلق وما هم فيه, وفرغ قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله تعالى, وعاين بسرك عظمة الله عز وجلّ, واذكر وقوفك بين يديه... يوم (تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ)، وقف على قدم الخوف والرجاء)(1).
الاستقبال للقبلة: هو التوجه إلى الله تعالى بكل كيان الإنسان روحاً وبدناً قلباً وجوارحاً, ويتقوم هذا التوجه بأمرين:
1- المقدمي: كما يسميه الإمام الخميني: (وهو صرف الوجه الظاهر إلى جهة دون سائر الجهات)(2) أي أن يصرف الإنسان وجهه بإخلاص وتجرد تام عن أي جهة مهما كانت, ويقبل إلى الواحد الأحد فقط وفقط.
2- التوجه النفسي: وهو التوجه الكلي إلى الكعبة التي هي مركز الأرض وبعبارة أخرى إن التوجه والاستقبال هو الإقبال النفسي والبدني إلى النقطة الواحدة، وهذه النقطة هي التي تمثل الكمال المطلق, والفطرة البشرية بذاتها تتسم بصفتين أساسيتين وهما:
أ- النفور من النقص والناقص.
ب- العشق للكمال والكامل.
وهاتان فطرتان أحدهما ذاتية أصيلة متمركزة في كينونة الإنسان وهي التنفر من الناقص, والثانية تابعة لها، يقول الإمام الخميني: (اعلم أن في الإنسان -إن لم نقل في كل موجود- حباً فطرياً للكمال المطلق، وللوصول إلى الكمال المطلق, وهذا الحب مما يستحيل أن يفارق الإنسان تماماً كما أنَّ الكمال المطلق محال أن يتكرر، أو أن يكون اثنين, فالكمال المطلق هو الحق جل وعلا, والجميع يبحثون عنه, وإليه تهفو قلوبهم ولا يعلمون, فهم محجوبون بحجب الظلم والنور؛ لذا فهم يتوهمون أنهم يطلبون شيئاً آخراً غيره؛ ولذا تراهم لا يقنعون بتحقيق أية مرتبة من الكمال, ولا بالحصول على أي جمال أو قدرة أو مكانة فهم يشعرون أنهم لا يجدون في كل ذلك ضالتهم المنشودة, فالمقتدرون ومن يمتلكون القدرة الكبرى هم في سعي دائم للحصول على القدرة الأعلى مهما بلغوا من القدرة...
ولو أعطي الساعون إلى القدرة والسلطة, التصرف في جميع العالم المادي من الأرضين والمنظومات الشمسية والمجرات, بل وكل ما هو فوقها, ثم قيل لهم: إنَّ هناك قدرةً فوق هذه القدرة التي تملكونها, أو أنَّ هناك عالماً أو عوالم أخرى فوق هذا العالم، فهل تريدون الوصول إليها؟ فإنهم من المحال أن لا يتمنون ذلك, بل إنهم من المحتم أن يقولوا بلسان الفطرة: ليتنا بلغنا ذلك أيضاً!)(3).
ولا بد أن تعرف أن كل متوجه إلى أي نقطة يرى أن توجهه إليها أما أنها كمال أو تحقق له الكمال. فطالب الدنيا يرى أن الجاه والمال والشهرة تحقق له الكمال فيعيشها ويتوجه إليها, والسفاك يرى في سفك الدماء تحقيق الغلبة والانتصار وهكذا.
والإنسان المؤمن يرى أن في التوجه إلى فاطر السماوات والأرض نقطة الكمال وإدراك الجمال, وتلك هي الحقيقة بعينها... ولأجل أن يتحقق المطلوب من ذلك لابد من آداب يعرفها الإنسان, ويوحي لنفسه بها؛ ليتحقق معنى الاستقبال, ومن هذه الآداب:
أ- أن يُفْهِمَ القلب أنه لا كمال ولا كامل في جميع دار الدنيا إلا الذات المقدسة الكاملة على الإطلاق.
ب- أن يوقن أن كل العالم فان ومتلاشٍ, وأن الباقي هو الله تبارك وتعالى ولنرجع إلى الحديث المتقدم حيث يعطينا الآداب النفسية للاستقبال وكلها تتعلق بالقلب, وهي عبارة عن نقاط خمس:
1- (فآيس من الدنيا وما فيها, والخلق وما هم فيه) :
وحيث يقف بين يدي جبار السماوات والأرض فلابد أن يقطع أمله ورجائه عن الدنيا, ولا يأمل العون والمدد من أحد, وأن يعرف أن الحياة والموت والغنى والفقر والسعة والضيق بيد الواحد الأحد, وان لا كاشف للضر غيره, ولا جالب للرحمة سواه. وفي هذا المعنى يريد الإسلام أن يطهر قلوبنا من الشرك الخفي في (الاعتماد على الخلق) حيث إن الاعتماد على الخلق دون الخالق هو الشرك الحقيقي, ولكن قد لا يشعر الإنسان به.

2- (وفرغ قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله تعالى) :
إن حضور القلب هو الركن الأساسي الذي تتقوم به العبادة, وما لم يكن الإنسان متوجهاً بقلبه إلى الحضرة القدسية لا يمكن أن تكون عبادته مقبولة. ومعنى حضور القلب أن لا يجري الفكر في غير المقام المتلبس به العابد.
والأساس في حضور القلب هو صرف الهمة إلى ما هو فيه من مطلب فإذا هَم الإنسان بعزم وصدق وإرادة خالصة من أي مطلب من المطالب الدنيوية فإن قلبه ينصرف إلى ذلك المطلب.
وهذه المهمة تتقوم (بالعلم العقلي البرهاني أولاً, وبالإيمان القلبي ثانياً), ولابد من تقارن الأمرين العلم والإيمان على نحو طولي, وينتج استفراغ القلب وحضوره التفهم للمقام الذي هو فيه, وبذلك تنصرف جميع الخواطر المانعة عن الله تعالى. ثم الفهم يرتفع بالمؤمن إلى مستوى الوعي؛ ليحقق التعظيم, وهي حالة تتولد في القلب من معرفتين:
أ- معرفة جلال الله وعظمته.
ب- معرفة حقارة النفس وخستها.
وبالجملة أن استحضار القلب يتم بأمرين : سبب خارجي وطريقه الحواس الخمس فلابد من تهيئة الأسباب لحصرها في مقامها المتلبسة بها, وسبب باطني وهو قطع الخواطر التي ترد إلى القلب, وبعد هذا فلنذكر بعض الأحاديث التي تدل على أهمية الإقبال الخالص على الله تعالى .
عن الرسول (ص) أنه قال: (ما لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه بقلبك)(4)
وعن الصادق (ع): (لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب إلا وجبت له الجنة فإذا صليت فاقبل بقلبك على الله عز وجل, فانه ليس من عبد مؤمن يقبل بقلبه على الله عز وجل في صلاته ودعائه إلا أقبل الله عليه بقلوب المؤمنين, وأيده مع مودتهم إياه بالجنة)(5)
وأيضاً عنه (ع) أنه قال: (إذا أحرمت في الصلاة فأقبل عليها, فانك إذا أقبلت أقبل الله عليك, وإذا أعرضت أعرض الله عنك, فربما لم يرفع من الصلاة إلا الثلث أو الربع أو السدس, على قدر إقبال المصلي على صلاته, ولا يعطي الله الغافل شيئاً)(6)

3- (وعاين بسرك عظمة الله عز وجل) :
وهذه الفقرة تؤكد على التعظيم, وقد مر الحديث عنه.

4- (واذكر وقوفك بين يديه يوم (تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ)) :
فان استحضار الموقف بين يدي الله يهز القلب , ويوجهه إلى الله, ويرهف الشعور, ويعمق الوعي والإيمان بالمعاد, ويردع عن الوقوع في المعاصي والآثام, ويثبت الإنسان في المواقف الصعبة العسيرة كما قال سحرة فرعون حين قال لهم (وَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ  قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ) (الأعراف: 125)، و(قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) (الشعراء: 50)

5- (وقف على قدم الخوف والرجاء) :
وللحديث عن الخوف والرجاء حديث في مجال آخر إن شاء الله تعالى.

الهوامش:
(1) مصباح الشريعة: 87 ، ط/ مؤسسة الأعلمي.
(2) الإمام الخميني، آداب الصلاة: 183.
(3) الإمام الخميني, موعد اللقاء: 80-81 .
(4) رسائل الشهيد الثاني: 107.
(5) المصدر نفسه.
(6) العلامة المجلسي, بحار الأنوار : 84/266.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com