موقع الصراط ... الموضوع : الأهواء والميول النفسية في القرآن-1
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأهواء والميول النفسية في القرآن-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 13 / رمضان / 1435 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِه وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُون)) (الجاثية:23)

مصادر الحركة في نفس الإنسان (1):
يستمد الإنسان طاقته الحركية من مصادر ومنابع خمسة كامنة في ذاته وهي:
1 - الهوى: وهي الميول الدافعة إلى إشباع الشهوات النفسية، وهذا المصدر يستبطن الشر، والهبوط، والانحدار من سمو الإنسانية إلى حضيض الحيوانية ولذا عبر عنه القرآن الكريم بالهوى؛ لأنه يهوي بالإنسان من سمو الإنسانية الكريمة إلى مستوى أحط من الحيوانية: ((أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) (الأعراف: 179)
((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)) (الفرقان:44)
2 - الفطرة: وهي مجموعة الغرائز الخيرة الكامنة في نفس الإنسان وتستبطن عوامل الخير كحب الإحسان، والجمال، وحب الله، والمعرفة، والعلم والتعاطف مع الآخرين …
3 - العقل: وهو مصدر التميز والتشخيص في الإنسان .
4 - الإرادة: وهي القوة الدافعة للإنسان لتقرير مصيره بنفسه.
هذه العوامل الأربعة عوامل دافعة ومحركة للإنسان في المرحلة النظرية، أو في مرحلة التخطيط، والتفكير، وأما في مرحلة التنفيذ فإن الهوى، والفطرة والإرادة دافعة، وأما العقل فمشخص ومميّز .
5 - الضمير: وهو الشعور والإحساس الداخلي الرادع عن كثير من الجرائم فهو قوة تأنيب ومعاقبة للإنسان نفسه بنفسه، بعد الوقوع في المخالفات الشرعية أو الإنسانية ، وهو ما يعبر عنه بعذاب الضمير فحركة الإنسان تدور ضمن هذه المحركات الخمسة، ومنها تستمد قوتها وطاقتها، وحين نريد أن نعرف العوامل المؤثرة على سير حركة الإنسان الذاتية فلابد أن ندرس هذه العناصر الخمسة ومع الأسف نحن لا نملك دراسة قرآنية واضحة في هذا المجال.
وفي هذا البحث ندرس الهوى فقط ضمن نقاط :
1 - ما هو الهوى ؟
2 - أخطار الهوى .
3 - كيف يتحرر الإنسان من أهوائه ؟
4 - لماذا نهى الإسلام عن إتباع الهوى ؟

تفسير الهوى :
قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: (الهوى ميل النفس إلى الشهوة ،ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة. وقيل سميّ بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية)(2)
وقيل هوى النفس إرادتها والجمع أهواء .
وقال اللغويون: الهوى محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه(3). قال الله تعالى: ((وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)) (النازعات:40)
فالهوى مجموعة الميول والغرائز النفسية التي تحرك الإنسان، وتحقق عنده مستوى من اللذة، والاتباع المنهي عنه هو الانجرار وراء تلك الميول وتجاوز الحدود الشرعية.
وقد وردت كلمة الهوى في القرآن الكريم في مواقع كثيرة بلغ تعدادها تسع وأربعون مرة، كما وردت في السنة المطهرة بكثرة كالحديث المشهور عن أمير المؤمنين: (إنما أخاف عليكم اثنتين: إتباع الهوى وطول الأمل، أما إتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)(4) وكقول الإمام الصادق (ع): (احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس شيء أعدى للرجال من إتباع أهواءهم وحصائد ألسنتهم)(5)

خصائص الهوى :
لغريزة الهوى مجموعة خصائص نذكر أهمها :
أولاً: إن طلب الغريزة مطلق، ولا نفاذ له، ولا يتوقف عند حد، فالرغبة الناجمة من هذه الغريزة، والصادرة عنها لا تعرف الحدود فمهما ملك ابن آدم من الأملاك والخزائن فإنه يبقى يطلب المزيد بدون توقف؛ لأن رغبة الإنسان بالتملك ليس لها حدود، بل هي كجهنم كلما أُلقي فيها قالت هل من مزيد، وعن رسول الله (ص) قال: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ورائهما ثالثاً)(6)
قال حمزة بن حمران: (شكى رجل إلى أبي عبد الله (ع) أنه يطلب فيصيب ولا يقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه وقال: علمني شيئاً أنتفع به، فقال أبو عبد الله (ع): إن كان ما يكفيك يغنيك، فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك)(7)
وعن أبي (ع) قال :كان أمير المؤمنين (ع) يقول: (ابن أدم إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فإن أيسر ما فيها يكفيك، وإن كنت تريد مالا يكفيك فإن كل ما فيها لا يكفيك)(8)
2 - ليس للهوى مدى محدود على وفق مراحل العمر: يعني ليس هناك مرحلة من مراحل العمر يشعر الإنسان بالاكتفاء والاستغناء، وإنما تبقى الغريزة تلح على الإنسان في كل مراحل حياته فالحرص هو غريزة التملك والتجميع وطول الأمل من غريزة حب البقاء يقول بهلول(9):
(أمهات البلاء في الإنسان ثلاثة: غريزة الجنس، وغريزة التملك، وحب الجاه، ثم قال في رياضتي تمكنت من اثنين: طلب التملك والجنس ، ولكن حب الجاه لا أستطيع أن أقول أنني تحررت منه)
3 - الإلحاح في الطلب: غريزة الهوى ضاغطة على سلوك الإنسان بل هي من أقوى عوامل الضغط عليه، يقول تعالى: ((إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي)) (يوسف:53)
فهذه الآية مجموعة تأكيدات ضمن أدوات التأكيد بأن الهوى قوة ضاغطة قوية في ذات الإنسان، ولا ينجو من سيطرتها إلا من رحم الله، يقول أمير المؤمنين (ع): (ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها ، وخلعت لجمها فتقحمت بهم النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها ، وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة)(10)
4 - إنها لا تسلب الإنسان حريته وإرادته فلا يصح قول من يقول: أني فقدت الإرادة أمام ضغوط الأهواء؛ لأن سلطان الإرادة عند أهل الإرادة يبقى هو الحاكم الأعلى، والفرق بين الإنسان والحيوان أن الحيوان محكوم للغريزة بينما الإنسان لا تحكمه الغريزة والأهواء فقط فهناك فرق جوهري بين تكوين الإنسان وبين تكوين الحيوان والملائكة فالحيوانات والملائكة كل منهما يتحرك ضمن بعد واحد وعامل واحد، وأما الإنسان فذو بعدين معاً، يقول عبد الله بن سنان:
(سألت جعفر بن محمد الصادق (ع) فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم ؟ فقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): إن الله ركَّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كليهما فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم)(11)
5 - من خصائص الهوى أنه يتلطف إذا حَكّمَ الإنسان إرادته وعقله في شهواته، وبالعكس لو استجاب لها فإنها تغلظ وتستحكم وتقوى …
وعندما يسيطر الإنسان على أهوائه النفسية تضعف وتتلطف وتخف تدريجياً حتى تصل إلى درجة اللطف والصفاء، ويصبح صاحبها يكره الحرام فضلاً عن أن يقع فيه بعد ما كان يجد في نفسه دافعاً إليه فعن رسول الله (ص): (من المداومة على الخير كراهية الشر)(12)
فالإنسان عندما يداوم على خصلة من خصال الخير فإن معاكساتها تضعف في نفسه فإذا داوم على العفة كره الفجور، وإذا داوم على الكرم كره البخل وهلم جرا …

يتبع....
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com