موقع الصراط ... الموضوع : حول وظيفة المبلّغ بصفته داعياً من دعاة الرسالة الإسلاميّة
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حول وظيفة المبلّغ بصفته داعياً من دعاة الرسالة الإسلاميّة  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 17 / رمضان / 1435 هـ
     
  محاضرة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ألقاها في سنة 1385هـ
السيد الصدر حول الأعباء الرساليّة التي لنا شرف التحدّث بها ، والسير في خطّها ، والالتفات إلى أهدافها ومتطلّباتها ، إنّ هذا السير وهذا الانفتاح ، لكي يكون سيراً واعياً وانفتاحاً محدّداً بصيراً ذكيّاً ، يجب أن نطرح بين أيدينا على بساط البحث كلّ المفاهيم التي ترتبط بموقفنا ممّا حولنا وبموقفنا من عملنا وموقفنا من غيرنا ، لكي نحدّد خطوط العمل وننقل المفاهيم التي تلتئم مع طبيعة تلك الأعباء الرساليّة وتتّفق مع الوجود وتبعات المبلّغين السائرين بموكب الأنبياء والأوصياء .
وعلى هذا الأساس طرحنا في حديثنا السابق مشكلة الدنيا وموقف الداعية من الدنيا . وذكرنا بإزاء هذه المشكلة اتّجاهات متعارضة ، بعضها سلبي وبعضها إيجابي منحرف ، وحاولنا أن نرسم الموقف الصحيح الذي يتلاءم مع طبيعة الرسالة ، وهو الموقف الإيجابي من الدنيا والمستعلي عليها في وقت واحد . ومواصلةً للخطّ يجب أن نطرح الآن نقطتين مهمّتين اُخريين :
إحداهما حول العلم ومدى ضرورة البحث العلمي للداعية الذي ينهض بأعباء الرسالة .
والنقطة الثانية حول النظام والتنظيم .

[ ضرورة البحث العلمي للداعية : ]
أمّا بالنسبة إلى النقطة الاُولى :
كثيراً ما يسمع السامعون في النقطة الاُولى الحديث عن البحث العلمي وضرورته أو تفاهته ، وكثيراً ما يسمع السامعون بالنسبة إلى النقطة الثانية حديثاً عن تنظيم الدراسة للحوزة وأهمّيّته أو عدم جوازه . فلا بدّ لنا أن نتّخذ موقفاً محدّداً واعياً في هاتين النقطتين .

[ اتّجاهان متناقضان : ]
أمّا بالنسبة إلى النقطة الاُولى : فنحن نجد في هذه النقطة كما وجدنا في مسألة الدنيا والتقيّد بمقابلها ، نجد هنا كما وجدنا هناك ، اتّجاهين متناقضين كلّ التناقض : يقبل أحدهما على العلم والتعمّق العلمي بوصفه غاية نهائيّة ، ولا يعني الباحث سواها . ويعرض الاتّجاه الآخر إعراضاً كاملاً عن التوغّل في هذا الطريق ويعتبره تساهلاً غير مشروع ؛ لأنّه يصرف الإنسان عن مجالات العمل الحقيقي للإسلام .
[ الاتّجاه الأوّل : ]
يقول أصحاب الاتّجاه الأوّل : إنّ الفقيه عالم بطبيعته ، وهو مسؤول بصورة رئيسيّة عن القيام بأعباء العمل الإسلامي ومواصلة الخطّ الفكري الذي سار عليه العلم ، لكي تحتفظ الشريعة بشكلها في كلّ زمان ، هذا الفكر الذي يكفل الوصول إلى أحكامها وتعلّم حلالها وحرامها . فطبيعة الفكر العلمي هي أن ينمو ويتدقّق ويتقنّن ويتعمّق كلّما واصل العلماء البحث وقطعوا شوطاً بعد شوط . وما دام الفقيه يواكب عمله العلمي بكلّ متطلّباته ، فليس عليه بعد ذلك أن ينظر إلى خارج ميدانه .
وأذكر أنّ هذه القصّة كانت تدور على أمثلة عديدة كمثل رفيع للشخصيّة الفقهيّة المتمسّكة بعملها الأصيل . القصّة هي : أنّ شخصاً كان يدرّس القوانين في بلد من بلاد إيران : في يوم من الأيّام جاء تلامذته في الوقت المقرّر فحدّثوه عن أسباب المأساة القاتلة التي تساقط فيها مئات من المؤمنين في مفارز البلد الطيّب خراسان صرعى بأيدي الطغاة في قضيّة خراسان المعروفة . كان الاُستاذ يستمع إلى الحديث استماعاً سلبيّاً هادئاً ، حتّى إذا انتهى التلامذة من حديثهم حول المأساة بادرهم قائلاً : أين انتهينا في البحث عن الحقيقة الشرعيّة ؟ دون أن يعلّق أو دون أن يواكب هؤلاء التلامذة في انفعالاتهم إلّا قراءة بحث الحقيقة الشرعيّة في كتاب ( القوانين ) . إنّ الاتّجاه الذي يمثّله هذا الاُستاذ في القوانين هو الاتّجاه الأوّل الذي يحاول أن يخصّص الفقيه للعلم ويجرّده للبحث النظري ، ويقطع صلته بواقع الحياة الخارجيّة ؛ لأنّها خارج نطاق عمله .
[ الاتّجاه الثاني : ]
وأمّا أصحاب الاتّجاه الثاني فيقولون : إنّ العلم والتوغّل في طريقه السائد والتعمّق في أساليبه ليس إلّالوناً من ألوان الترف الفكري والتسلية العقليّة ، في وقت نحن نعيش فيه محنة الوجود الإسلامي الذي تعصف به تيّارات الحضارات الكافرة من كلّ صوب وحدب . إنّ الاُمّة مريضة وهي بحاجة إلى إسعاف لا إلى تفلسف ، وأيّ إنسان عاقل إذا أحسّ بخطورة في مرض الشخص الذي ينتمي إليه ويتفاعل معه فإنّه سوف يبادر إلى أساليب الإسعاف العمليّة فوراً ، ولا يتشاغل بدلاً عن ذلك في حلّ ألغاز كتاب الشفاء أو القانون للشيخ الرئيس أبو علي سينا في الفلسفة أو الطبّ .

[ انحراف كلا الاتّجاهين : ]
هذان الاتّجاهان كلاهما منحرف ، وكلاهما خطأ ؛ لأنّ أحدهما يركّز على النظريّة ويهمل التطبيق رأساً ، والآخر يحاول ممارسة التطبيق بدون مشعل ، بدون النظريّة التي تنير الطريق . إنّ النظريّة بدون تطبيق هي العلم بلا عمل ، الذي يشبّه في الروايات بالشجر بلا ثمر . والتطبيق الأعمى بدون نظريّةٍ محدودةٍ واضحةٍ مدروسةٍ في أبعادها الفكريّة وفي أعماقها هو الذي يمارسه عادةً الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كلّ ناعق . إنّنا بحاجة إلى التوغّل في البحث العلمي ، ولكن لا على حساب الواقع وبالابتعاد عن مشاكل الإسلام وآلام الاُمّة وآمالها ؛ لأنّنا دعاة قبل أن نكون علماء ، ونحن علماء في صفّ الدعوة كما كان الأنبياء والأوصياء ، ونحن بحاجة إلى النظر إلى الواقع وحماية الإسلام في خضمّ هذا المعترك الذي تعيشه الاُمّة ، ولكن لا على حساب العلم وبإلغاء التوسّع في البحث ، والتعمّق في العمل الشخصي . إنّنا أصحاب نظريّة ولسنا أشخاصاً عمياويّين نريد أن نمارس عملاً غير قائم على أساس من رصيد . نحن لا نمارس أ يّها الإخوة قوانين روائيّة مجمّدة ، بل نمارس نظريّة للحياة ، فيجب أن نكون على صلة وثيقة بالحياة ، وأن لا ننشئ لأنفسنا عزلة عن العالم الذي نعيشه لكي ينير لنا الجوّ الخالص الفكري ، ونحن على صعيد الحياة لا نمارس عملاً غوغائيّاً ، بل نحاول تغيير أوضاع الاُمّة وإنارة العالم بنور الإسلام ، وهذا ما يجعلنا أحوج ما نكون إلى تفتّح جدّي واستيعاب علمي عميق .
إنّنا لا نقرّ اُستاذ القوانين المتقدّم الذكر على تلك الانفصاليّة عن مشاكل الاُمّة وأوضاع الإسلام ؛ لأنّ هذه الانفصاليّة تجرّد العمل الفكري من إطاره الإسلامي وصلته بالحياة ، وتجعله مجرّد نظريّات محنّطة وهواية فكريّة . إنّ هذه الانفصاليّة تجعلنا نسير في خطّ المختلسين للعلم ، لا في موقف الأنبياء والأوصياء ؛ فإنّ الأنبياء والأوصياء الذين كانوا في موكب السماء على وجه الأرض على مرّ الزمن لم يكونوا مختلسين للعلم ، ولم يجيئوا ويبعثوا مدلّسين في جوامع فكريّة منقطعة ، وإنّما جاؤوا هداة موجّهين للحياة الإنسانيّة ، وناشرين للنور والهدى والفكر الحيّ في أرجاء العالم . فلكي نسير في هذا الموكب ونكسب شرف الانتماء إليه يجب أن نكتسب منهم نفس النظرة إلى العالم ، ونخترع أهدافاً كبيرة ، وأن نحسّ في أعماقنا أنّنا دعاة قبل كلّ شي‏ء ، وأنّنا علماء ؛ لأنّ الدعوة تتطلّب منّا أن نكون علماء .

[ كيف نتوغّل في البحث العلمي ؟ ]
أمّا كيف تتطلّب منّا الدعوة أن نكون علماء ؟ وكيف تفرض علينا التوغّل في البحث العلمي ؟ فهذا ما نختلف فيه عن أصحاب الاتّجاه الثاني ، فإنّنا نرى أنّ العلم والتوغّل فيه إلى أبعد مدى ضرورة من ضروراتنا في طريق أهدافنا الكبرى . ولنأخذ المثال نفسه ، ذاك المثال الذي يوجّهه أصحاب الاتّجاه الثاني ويقولون : إذا فرضنا شخصاً مُني بمريض ، فهل يحاول أن يسعفه فوراً ، أم يحاول أن يتشاغل عن إسعافه في التفلسف في كتاب القانون .. نقول في هذا المثال ذاته : ماذا يصنع هذا الشخص الذي مني بمريض لو لم يكن يملك النظريّة الواضحة المحدّدة لشفاء مرض المريض ؟ أليس الإسعاف يقوم على أساس نظريّة علميّة في الطبّ ، أم هو عمل عمياوي يمارسه الإنسان بدون هدى أو بصيرة ؟ أليس من المنطقي والمعقول أن يبدأ هذا الشخص بتحويل نظريّة يقوم على أساسها الإسعاف ؟ وليس معنى هذا أن يقعد هذا المريض حتّى ينتهي بحثه العلمي بالنظريّة ، بل أن يتخطّى المراحل العلميّة النظريّة ، وإلى جانب ذلك يستخدم كلّ جزء وصل إليه من تلك النظريّة في مجال الإسعاف وإنقاذ المريض . فخطّ الإسعاف هنا يكون مواكباً لخطّ البحث عن النظريّة واقتناصها ، فهو في وقت واحد يمارس العمل النظري العلمي ، وينزل بمكاسب هذا العمل العلمي النظري إلى مستوى التطبيق ، إلى مستوى ـ التجربة ، إلى مستوى الحياة ، فيحاول أن يستفيد ممّا كسبه نظريّاً في تمريض وتطبيب هذا الإنسان الذي بين يديه .
ومن ناحية اُخرى : ماذا يصنع هذا الإنسان لو كان لا يمكن أن يمتلك الصفة الشرعيّة التي تخوّله أن يسعف هذا المريض بدون أن يمرّ في خطّ البحث النظري ، ويستوعب في هذا الخطّ المضمون العلمي للنظريّة ؟ أليس من اللازم والحالة هذه أن يكتسب المعلومات التي تؤهّله لأن يقوم بالإسعاف والتمريض . وهذه النقطة تبرز البحث النظري ، تبرز الأهمّيّة في البحث النظري كأداة وكوسيلة لاكتساب الصفة الشرعيّة في مجال الإسعاف ، بينما النقطة الاُولى تبرز أهمّيّة البحث النظري بالذات بوصفه القاعدة الفكريّة الحقيقيّة التي يقوم على أساسها الإسعاف ، كلّ هذا يمكننا أن ننقله من هذا المجال الضيّق إلى المثال الضخم ، إلى الاُمّة بالذات .

[ المسؤوليّة تجاه الاُمّة تتطلّب الدخول في البحث العلمي : ]
إنّ الاُمّة مريضة ، وهذا ما لا شكّ فيه ، فإنّ اليوم قد نفذ سمّ الحضارات الكافرة إلى كلّ أجوائها الفكريّة والروحيّة والاجتماعيّة والسياسيّة ، إلى كلّ كيانها أفراداً وجماعات . والمسؤوليّة الكبرى التي تقع على عاتقنا هي أن نواكب عمل الأنبياء والأوصياء في انتشال هذه الاُمّة من جاهليّات الإنسان الغربي ، إنسان هذا العالم الحديث المنحرف عن اللََّه وإرجاعها إلى خطّ الإسلام ، إرجاعها بأبصارها وبأرواحها ، بأفرادها وبجماعاتها ، بل بكلّ مناحي وجودها وشعب حياتها ، هذه هي الاُمنية الكبرى تجاه هذا المريض العزيز الذي نحاول إسعافه . وهذه المسؤوليّة الكبرى تتطلّب منّا أن ندخل في نفس الوقت في البحث النظري ، وذلك لأمرين :
الأوّل : هو أنّنا لا نشكّ في أنّ الشريعة الإسلاميّة هي أعظم رسالات السماء وأقواها وأوسعها ، وهي وحدها دون غيرها من الرسالات السماويّة أو الأرضيّة قادرة الآن - وسوف تبقى قادرة - على حلّ جميع مشاكل الإنسان على وجه الأرض ، ومل‏ء كلّ الفراغات في حياته بأفضل ما يمكن أن تملأ به ، وتوفير الحدّ الأعلى من السعادة له في حياته الخاصّة والعامّة ، في دنياه واُخراه ، هذا ممّا لا شكّ فيه .
كما أ نّنا لا نشكّ في أنّ الحاجة البشريّة إلى الإسلام ، إلى هذه الرسالة المنقذة ، تشتدّ يوماً بعد يوم ؛ لأنّ العالم سائر في طريق الهاوية وفقاً لخطّ الانحراف الذي رسم له من قبل صانعي هذه الحضارات البشريّة المزيّفة . وهو كلّ ما اقترب من الهاوية أحسّ بالحاجة إلى المنقذ ، أحسّ بضرورة الحصول على رسالة ترفعه إلى أعلى ، بدلاً عن هذه الرسالات التي تنزل به إلى أسفل وتأخذ به إلى الحضيض .

[ الفقه هو همزة الوصل بين الإسلام والعالم : ]
إذاً فالإسلام كشريعة وكرسالة هو شي‏ء مخطّط محدّد قادر على مل‏ء كلّ الفراغات ، والعالم ممتحنٌ بحضارات مزيّفة ، يلتفت يمنة ويسرة ليحصل على هذا المنقذ ، ولكنّ همزة الوصل التي يجب أن تتوفّر بين الإسلام والعالم لكي تكسب النظر العالمي وتكسب نظر الاُمّة الإسلاميّة بالذات إلى رسالتها الكبرى ، وهذه الهمزة غير متوفّرة حتّى الآن توفّراً كاملاً ، وعدم توفّرها يعنى أنّ الإسلام كشريعة سوف يبقى على الرفّ بكلّ اختباراته وطاقاته وإمكاناته الهائلة ، وأنّ العالم مريض منحدر إلى الهاوية ، وسوف يبقى ينحدر وهو يلتفت ولا يجد من ينقذه ، وأنّ الاُمّة الإسلاميّة جزء من هذا العالم المنحدر ، وستظلّ تواكب هذا الانحدار دون أن تجد من الإسلام الخيط الذي يمكنها أن تتمسّك به لتنتهي إليه ، إنّ هذا الخيط ، إنّ همزة الوصل بين الإسلام والعالم ، أو بين الإسلام والاُمّة هو الواجهة العلميّة للإسلام ، هو المرآة التي تعكس الإسلام للاُمّة . ما هي هذه المرآة التي تعكس الإسلام ؟ هي الفقه .
في الفقه تقرّر أحكام الإسلام ، في الفقه تحدّد مفاهيم الإسلام ، في الفقه تستنبط ، في استيعابه وشموله ومواقفه تجاه مختلف المشاكل والقضايا التي تمتدّ إليها حياة الإنسان . فالفقه بوصفه عملاً علميّاً هو المرآة ، هو الواجهة ، هو المعرّف ، هو المظهر الخارجي الحسّي الذي يعيش حتّى اليوم ، والذي تنعكس فيه الشريعة بأحكامها ومفاهيمها وقوانينها . فالفقه إذن هو همزة الوصل ، وعلى دقّة التعريف وشموله في هذا المعرّف وعلى صفاء المرآة يتوفّر مدى انعكاس الإسلام ، وبالتالي مدى وضوحه كرسالة منقذة قادرة على استيعاب كلّ مناحي حياة الإنسان ، وتقديم الحلول لهذه المشاكل التي تضجّ بها الاُمّة خاصّة والبشريّة عامّة .
والفقه هنا كما تعلمون تطوّر من حيث الكيف ولم يتطوّر من حيث الكمّ : تطوّر من حيث الكيف ؛ لأنّ أساليبه في الاستنباط تعمّقت وطرائقه في التفكير دقّت ، وأصبح العمق العلمي به اُبّهة كبيرة ، إلّا أنّه لم يتطوّر كمّيّاً ؛ لأنّ الفقه لا يزال يبحث ويتناول نفس المنطقة المحدّدة التي تناولها الفقه منذ ألف سنة أو منذ مئات السنين ، لا يزال الفقه يعالج تلك الحدود المغلقة لمشاكل الإنسان ، لا يزال الفقه ينظر إلى العالم بمرآة ما قبل مئات السنين ثمّ يعالج هذا العالم .
نستطيع أن نقول : إنّ التطوّر في الفقه عمودي ، وليس اُفقيّاً ، كيفيٌّ وليس كمّيّاً ، أي أ نّه تعمّق عموديّاً ولم يتوسّع اُفقيّاً . وما لم يتوسّع كمّيّاً ولم ينبثق اُفقيّاً لا يستطيع أن يبرز الرسالة الإسلاميّة بكلّ شمولها وخصائصها وغناها وقدرتها وإمكاناتها على حلّ مشاكل اليوم ، لا يستطيع أن يبرز الإسلام في الصورة التي تجلب انتباه الاُمّة ، هذه الاُمّة السكرانة بحضارات الكفّار المستعمرين ، هذه الاُمّة التي اُغريت بالأفكار الجاهليّة التي غزتها من كلّ صوب وحدب . إنّ هذه الاُمّة السكرى النشوى بهذه الأفكار الجاهليّة تحتاج إلى قوّة الجذب ، وقوّة الجذب تتوقّف على أن نعطي الرسالة في الفقه الإسلامي ، بصورتها المستوعبة الشاملة القادرة المحيطة . إذن فمن ضرورات موقفنا الإسلامي ، ومن ضرورات أهدافنا الكبرى تحويل التطوّر الكيفي إلى تطوّر كمّي . ولا أقصد من التحويل أن نستغني عن تلك التطوّرات الكيفيّة ، بل أن نأخذ تلك التطوّرات الكيفيّة ونستعين بها في سبيل تحديد كمّي وتوسيع عرضي اُفقي ، لكي تجي‏ء الصورة في الفقه مطابقة للرسالة . وهذه العمليّة ليست بالعمليّة الهيّنة . قد يتصوّر بعض الناس أنّ هذه العمليّة لا تحتاج إلّا إلى شخص يستطيع أن يستوعب ما قاله الفقهاء بكتبهم الصفراء المطبوعة بالطبعة الحجريّة ثمّ ينقل أقوالهم إلى لغة حديثة يطبعها على ورق أبيض في المطابع الحديثة .
إنّ القصّة ليست بهذه البساطة والسذاجة أ يّها الإخوان ، وإن تصوّرها كذلك كثير من البسطاء والساذجين . إنّ ما نشعر بالحاجة إليه وبضرورته في الفقه الإسلامي ليس هو فقط أن نغيّر من لغة التعبير ، أو أن نغيّر من الورق الذي نطبعه عليه أو أن نستبدل المطابع الحجريّة بمطابع الحروف ، بل لا بدّ من إحداث تطوير في البناء الفقهي نفسه ، لا بدّ من اتّخاذ عمليّة تطوير في البناء الفقهي نفسه ، لا بدّ من توسيع فقهي في هذا البناء . هذا الانكماش في الأبعاد الفقهيّة لا بدّ من القضاء عليه ، لا بدّ وأن نعطي الإسلام في الفقه صورة ، هذه الصورة تكون على مستوى العالم الحديث . ولا أقصد أ نّها على مستوى العالم الحديث أي أ نّها على مستوى اللغة والتعبير ، أو في الطبع على الورق الأبيض أو بمطابع الحروف ، بل أقصد بذلك أ نّها على مستوى حاجات هذا العالم ، على مستوى ما يتطلّبه حلّ مشاكل هذا العالم ، على مستوى القضايا الكثيرة المطروحة أمام الإنسانيّة اليوم ، والتي عالجتها المذاهب البشريّة الفاسدة بعلاجات مختلفة متناقضة .
أتعلمون كم كان صعباً وكم أحسست بالصعوبة حينما حاولت أن أستخلص النظام الاقتصادي للإسلام من الفقه الإسلامي ؟ حينما بدأت هذه المحاولة رأيت أنّ الفقه الإسلامي بحاجة إلى عمليّة توسيع اُفقي ، وأمّا الفراغات الكثيرة الكثيرة التي تركها الفقهاء بسبب اتّباعهم النهج المحدّد الموروث الذي لا يزيد ولا ينقص ، تلك الفراغات التي تركوها بسبب اتّباعهم منهجاً تقليديّاً محدّداً ، هذه الفراغات لا بدّ أن تملأ فقهيّاً ، وملؤها فقهيّاً عمل صعب عسير جدّاً ؛ لأنّها مناطق جديدة يجب أن تغذّى بالفكر الفقهي ؛ لأنّها أراضٍ بكر يدخلها الباحث الفقهي ويكتشفها لأوّل مرّة ، وهذا يزيد من الصعوبة والخطورة ، [ ويحتّم لممارسة ] هذا العمل وجود ذهنيّة فقهيّة في درجة عالية من الدقّة ، وأنّ الشخص أو الأشخاص الذين يستطيعون أن يقوموا بالتوسيع الاُفقي للعمل الفقهي هم اُولئك الذين بلغوا الذروة في التطوّر الفكري ، بلغوا الذروة في الامتداد العمودي . هؤلاء الذين بلغوا الذروة في التطوّر الفكري ، في الامتداد العمودي الفكري ، هؤلاء هم الذين يمكنهم على مرّ الزمن أن يطوّروا ، أن يوسّعوا اُفقيّاً ، وتكون التوسعة اُفقيّاً بنفس الدرجة من العمق والدقّة ، تتمتّع بنفس الضمانات التي تمتّع بها الفقه في حدوده التقليديّة .
لو كنتم أيّها الإخوة تقرأون ما يكتبه الكتّاب المصريّون الذين يحاولون أن يدخلوا في معركة حماية الإسلام والدفاع عنه ، أو تعريفه للعالم دون أن يتوغّلوا في النظريّة ، لو كنتم تقرأون نماذج ممّا يكتبون عن محاولاتهم في التوسيع الاُفقي للفقه ، التوسيع الكمّي للفقه لشعرتم بالهزالة ، لشعرتم أنّ هذا مردّه إلى أ نّه لم يتهيّأ لهم من الامتداد العمودي في العمليّة الفقهيّة ما يجعلهم قادرين على التوسيع الاُفقي في هذه العمليّة .
والأمر الثاني [ الواجب ] علينا في موقفنا الإسلامي هو أن نتمسّك بمبدأ ضرورة البحث والتوغّل على الصعيد الفقهي إلى أبعد مدىً ممكن . هذا الأمر الثاني هو أن نكتسب عن طريق هذا التوغّل والتعمّق في البحث الفقهي ، الطرق الشرعيّة لتمثيل الرسالة التي ندعو إليها ونريد أن نمارس توعية كاملة على أساسها ، وهنا ننظر إلى البحث الفقهي بوصفه أداة لاكتساب قوّة اجتماعيّة قادرة على أن تنزل إلى معترك التوعية وتشارك في تحقيق الأهداف الكبرى . فالاُمّة لا تزال تدين في بنائها الديني والروحي بالتبعيّة للحوزة التي تعتبر هي الوريث الشرعي لهذا الفقه الذي نحن بصدده .
فالحوزة هي واجهة الإسلام في نظر الاُمّة ، وهي المعبّر الشرعي عن هذا الإسلام وأحكامه ومفاهيمه وحلوله لمشاكل الحياة . وهذه النظرة من الاُمّة إلى الحوزة ليست أمراً تلقائيّاً أو مدسوساً أو مصطنعاً ، وإنّما هي جزء من التخطيط الواعي الذي وضعه سيّدنا صاحب العصر عليه السلام حينما أنهى عهد النيابة الخاصّة واستبدل ذلك بالنيابة العامّة . وكان معنى الاستبدال بالنيابة العامّة جعل الطليعة الواعية المتفاعلة مع الإسلام فكريّاً وروحيّاً وعاطفيّاً ، جعل هذه الطليعة الواعية العاملة العادلة هي المسؤولة عن حماية الرسالة ، وهي المؤتمنة على هذه الأمانة الغالية التي اضطرّ سيّدنا القائم عليه السلام أن يغادرها إلى غيبة قد تطول .
وهذا أمر طبيعي؛ فإنّ كلّ رسالة عقائديّة إذا خلا ميدانها من قادتها ومؤسّسيها أصبحت بذمّة الواعين من أبنائها ، والواعون في عرف هذا التخطيط هم اُولئك الفاهمون بأحوال الإسلام ، المستوعبون لمصادره ، القادرون على الرجوع إليها لتأصيل الاُصول وتفريع الفروع مع إخلاص شديد وورع وتقوى . هذه الطليعة اتّخذت مركز المسؤوليّة ومستوى القيادة ، وأصبحت هي الأمينة على هذا الصراط الغالي منذ انتهى عهد النيابة الخاصّة وخلا الميدان من القائد المباشر . وهذا التخطيط الذي طبّق منذ انتهت السفارة الخاصّة هو الذي أنشأ هذه الذهنيّة وهذا الارتكاز الذي تعيشه الاُمّة خلال هذه القرون .
إنّ الحوزة باعتبارها هي الطليعة التي تضطلع بمسؤوليّات الأمانة والرسالة هي الواجهة ، وهي المعبّرة ، وهي التي تملك قيادة هذه الاُمّة والتصرّف وفقاً لمتطلّبات الرسالة وحاجات الدعوة الدينيّة .
إذاً وجود هذا الارتكاز خير وناتج عن تخطيط خيّر أصيل من قبل القائد عليه السلام . هذا الارتكاز يجعلنا نواجه أمراً مرحليّاً ، وهو أنّ للحوزة تأثيراً كبيراً في مجال التوعية . إنّ هذا التأثير الصارم الناتج عن التخطيط الصالح يعطي للحوزة أهميّة كبرى في توجيه الاُمّة على الصعيد الإسلامي ، ويعطيها الصفة الشرعيّة الوحيدة . وهذا الواقع يجعل الإنسان غير قادرٍ على أن يعرّف الإسلام تعريفاً رساليّاً كاملاً ما لم يكتسب أداة الحوزة . وما لم يدخل هذا التعريف الرسالي الكامل في إطار الحوزة فلن تتمتّع بذلك المنصب القيادي من الناحية الدينيّة والإسلاميّة .
وإنّي قد استحضرت الآن هذه القصّة في أيّام معركة التأميم في إيران ، حينما كان هناك صراع بين الحكومة الإيرانيّة وأنصارها في الداخل من ناحية ، وبين شركة النفط الإنكليزيّة التي كانت تملك حقّ الاستثمار ، سمعت أ نّه في ذلك الوقت استفتي أحد المراجع الكبار في هذه القصّة حول وجهة نظره في قضيّة هذا النفط العسيرة وموقف الإسلام منها ، فكتب في الجواب : إنّي لا أعرف شيئاً عن مثل هذا ـ الموضوع ، إلّا أنّ المعدن عليه الخمس والنفط معدن .
انظروا إلى هذا الموقف ! وهذا الموقف المتهرّب حينما يصدر من الجهة التي تضطلع بمسؤوليّة القيادة والتعبير عن الإسلام ماذا ترون ؟ وماذا تعطي من مفهوم عن هذه الرسالة ، وعن أبعادها ، وعن امتدادها ، وعن صمودها .
من هنا نعرف أنّ المفهوم المعطى من الحوزة عن الإسلام هو القوّة التي تتغلغل في الاُمّة ، وهو الخطط الشرعيّة للإسلام في نظر الاُمّة ، فلكي يعطى المفهوم الرسالي الشامل الصحيح عن الإسلام ، يجب التوصّل عن طريق الحوزة لإعطاء هذا المفهوم وتعميمه ومدّه بالصفة الشرعيّة المعقولة .
ولكي تكون الحوزة على مستوى عطاء هذا المفهوم ، وعلى مستوى الدعاية له وتنبيه العمل في سبيله بشكل واع ، لا بدّ من توعية هذه الحوزة والعمل في سبيل إنشائها إنشاءً واعياً شاعراً بالأهداف والمسؤوليّة والملابسات والظروف ، وهذا كلّه ما لا يتأتّى بالطليعة الصالحة في الحوزة ما لم تدخل إلى العمل من أبوابه الطبيعيّة ، ما لم تدخل إلى العمل من هذه الأبواب ، وتكسب القدرة من داخل الحوزة على إنشاء الحوزة إنشاءً يتطلّبه هذا الواقع ، وتتطلّبه حاجة الرسالة إلى حوزة واعية تعطي مفهوم الرساليّة للإسلام مرّةً اُخرى .
اُريد أن أقول : سمعت أنّ شخصاً من كبار المساهمين في معركة التأميم في إيران عندما صمّم أن يدخل هذه المعركة ، بنى على أن يستشير الإسلام في ذلك ؛ لأنّه على قدر كبير من التقوى والورع . أمّا كيف يستشير الإسلام ؟ هل يستشير الإسلام بالرجوع إلى مصادره الأساسيّة ؟ بالرجوع إلى الكتاب والسنّة ، أو بالرجوع إلى الحوزة المعبّرة عن الكتاب والسنّة ؟ لا ؛ فإنّ الحوزة التي كانت تعطي المفهوم المنطلق عن الإسلام لم تكن تعطي في ذهن هذا الرجل ذلك المفهوم الرسالي عن الإسلام ، لكي يرجع إلى الإسلام بوصفه رسالة شاملة كاملة ، ويفكّر في هذه الرسالة لتحلّ له هذه المشكلة التي يحاول أن يتبنّاها . وإنّما الطريقة التي استوحاها من عقليّته الدينيّة ومن دعاماته العاطفيّة الناتجة من عدم صلته بالحوزة ، الطريقة التي استوحاها هي أن يستخير ، فاستخار اللََّه بالسبحة وقال : إذا طلعت بالفرد فعمله صحيح وإلّا فهو غير صحيح .
إذاً فلا بدّ لنا أيّها الإخوة ، لا بدّ للطليعة الصالحة الواعية الشاعرة بالموقف وملابساته أن ندخل العمل من أبوابه ، وأن نحاول عن هذا الطريق توعية الحوزة ، والارتفاع بها إلى مستوى المسؤوليّة ومستوى العمل بإعطاء المفهوم الرسالي الكامل عن الإسلام . وحينئذٍ تصبح هذه الواجهة الكبيرة الضخمة واجهة حقيقيّة للإسلام ، واجهة للإسلام بمعناه المنطبق ، بمعناه الحيّ القادر على بناء هذا العالم ، تخرج هذه الواجهة عن كونها واجهة مبنائيّة للإسلام إلى كونها واجهة للإسلام ككلّ ، للإسلام الذي يملأ حياة المجتمع وحياة الجماعة بالخير والسعادة . وهكذا ننتهي إلى أنّ هناك صلة وثيقة بين التوغّل في البحث الفقهي بوصفه مقصداً وأداة لقوّة اجتماعيّة كبيرة وبين عمليّة التوعية في داخل الحوزة .
أنتم أ يّها الإخوة لا تستطيعون أن توعّوا وأن توضّحوا وأن تهيمنوا روحيّاً على هذا الطالب ، وتنقلوه من مستوى مفهومه إلى مستوى المفهوم الأوسع عن الإسلام ما لم تنفذوا إلى عقله ، إلى أعماق فكره ، إلى روحه ، عن طريق القيم القائمة في هذه الحوزة . والقيم القائمة هي التوغّل في البحث الفقهي بمواكبة الخطّ العمودي في الفقه . وهكذا تبرز على هذا الضوء أنّ المسألة الفقهيّة ، مسألة البحث الفقهي مرتبطة بالأهداف ، مرتبطة بمصير المعركة في سبيل إعطاء المفهوم الصحيح عن الإسلام ، والتماس الأداة الصالحة للتعبير عن هذا الإسلام .

[ تنظيم الحوزة ضرورة لا بدّ منها : ]
وهذه النتيجة تنقلنا إلى الحديث عن النظام ، والتي أشرنا إليها في أوّل الكلام بوصفه الوسيلة المهمّة لتوعية هذه الحوزة . إنّ الحديث عن النظام والتنظيم في الحوزة كثير ؛ فهناك من يرى أنّ التنظيم في أساليب الحوزة ، في دراساتها ، هذا التنظيم الحدّي خروجٌ على العرف المشروع الذي كانت تعيشه الحوزة منذ مئات السنين ، وهو لون من ألوان التقليد للآخرين . وعلى هذا الأساس لا يكون له اُسس فقهيّة مقبولة .
وهناك من يؤمن بأنّ التنظيم شي‏ء ضروري للحوزة من الوجهة التدريسيّة وأساليبها وطرائق حياتها وألوان ممارستها لأعمالها العلميّة والتقليديّة . وبالرغم من أنّ الدعوة إلى التنظيم في الحوزة لا تمتدّ إلى أمد بعيد ، بالرغم من ذلك ، فقد أحرزت تقدّماً كبيراً خلال السنوات القليلة الأخيرة ؛ فبينما استطاع أعداء التنظيم قبل سنين عديدة أن يخوضوا معركة ضارية ضدّ التنظيم ، [ فإنّنا ] لا نجد لهم موقفاً إيجابيّاً شديداً اليوم تجاه الذبذبات التنظيميّة التي تجري هنا وهناك في الحوزات العلميّة في النجف الأشرف وقم .

[ تنظيم الحوزة أداة لا غاية : ]
وأنا أرى من فضول القول أن أتحدّث عن صحّة التنظيم وضرورته بالنسبة إلى الحوزة ، لعلاقته بمستقبلها ، فإنّ هذا أعتبره أمراً ضروريّاً لا ينبغي تركه ، كما أنّي أعتبر أنّ المستوى الفكري الذي أعيشه معكم قد تعدّى مرحلة النزاع حول صحّة ذلك ، وإنّما أتيت بموضوع النظام لكي اُنبّه على نقطة مهمّة ، وهذه النقطة هي أنّ دعاة التنظيم في الحوزة وأنصار هذه الفكرة لا ينبغي لهم الغلوّ في التحمّس لهذه الفكرة حتّى تصبح هذه الفكرة عندهم غاية ووسيلة تخرج الفكرة التنظيميّة عن حدودها الصالحة ، وتعتبرها الحدّ النهائي ، وهذا هو موضع الخطر .
إنّ تنظيم روابط الحوزة ينبغي أن يكون بالشكل الذي يمكّنها من استيعاب معلومات أكثر في وقت أقصر ، لكي تحصّل ألواناً من المعرفة الداخليّة في رسالتها التبليغيّة . إنّ هذا التنظيم هو في الواقع أداة من الأدوات التي تمكّن الحوزة من الوصول إلى أهدافها [ بشكل ] أحسن ، وتجعلها في درجة أحسن [ بالنسبة إلى تحقيق ] أهدافها ، ولكنّ هذا التنظيم ليس هو الهدف فقط ، ليس هو كلّ شي‏ء ، فالحوزة بمجرّد أن تنتظم لا يعتبر كلّ شي‏ء ؛ لأنّنا بحاجة إلى أن نحصل بجانب التنظيم على درجة من التضحية الدينيّة والتحفّظ على المكاسب الموجودة وعلى الغاية . ما فائدة جماعة تنتظم داخليّاً في وسائل معيشتها وطرائق جهادها إلى مجال دعوتها ثمّ لا يحقّقون الأهداف التي يعملون من أجلها ولا يكون لهم ارتباط بأهداف الرسالة كما يجب ، ولا يكون لديهم إحساس بالرسالة كما يجب ، ولا يكون لديهم شعور بأنّهم يمارسون عملاً في موكب الأنبياء والأوصياء ؟ ما فائدة تنظيم إذا كان المنظّمون يعيشون مصالحهم الفكريّة ، يعيشون مصالحهم الخاصّة ؟ إنّ التنظيم أداة من أدوات عملنا لا غاية . الغاية : توعيّة هذه الدعوة الفكريّة والروحيّة ، بحيث تعي أهدافها ورسالتها ودورها في الحياة ، التنظيم يساعد على أداء دورها في الحياة ، لا أ نّه هو الذي يضمن ممارستها بهذا الدور في الحياة . إذاً فنحن يجب أن لا نخلط بين أمرين ، بين الأداة والغاية ، بين التنظيم والتوعية ، التوعية هي قرين التنظيم . أمّا التنظيم الذي ينفصل عن التوعية فهو أمرٌ لا يحقّق لنا هدفاً ولا يخدم لنا رسالة . وأنا أقصد من هذا الحديث أن تكون المفاهيم من الناحية النظريّة واضحة لدينا ، ويجب أن نحرص منذ الآن على أن يكون التنظيم في إطار التوعية .
نسأل اللََّه أن يأخذ بيدنا جميعاً لهذه الآمال ، ويعطينا القدرة على تحقيق هذه الأعمال الصالحة ، مع القدرة على الإحاطة بخطورة الموقف ، ونسأله ونبتهل إليه أن يجعل الحقّ أمامنا واضحاً لا لبس فيه ولا إبهام ، ويجعلنا في خطّ الأنبياء والأوصياء ، ويجعلنا من خيرة العاملين .

المصدر: كتاب ومضات
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com