موقع الصراط ... الموضوع : الأهواء والميول النفسية في القرآن-2
 
الإثنين - 13 / ذي الحجة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأهواء والميول النفسية في القرآن-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 12 / شوال / 1435 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
دور الهوى في حياة الإنسان :
للإفساد في حياة الإنسان قطبان: أحدهما داخلي، والآخر خارجي، أما القطب الداخلي فهو الهوى، وأما القطب الخارجي فهو الطاغوت فمهمة الهوى إفساد ضمائر الناس ، وتلويث فطرتهم، وتعطيل عقولهم … ومهمة الطاغوت إفساد الوضع الاجتماعي للناس ؛ لكي يسيطر عليهم، ومن خلال هذين القطبين يحاول الشيطان أن ينفذ في جميع مجالات الحياة … فالهوى والطاغوت مدخلان مهمان للشيطان إلى النفس وإلى المجتمع.
وكما أن هناك قطبان للإفساد فهناك قطبان للإصلاح وهما: العقل والدين أحدهما يحصن الإنسان من الداخل، والآخر يحصن المجتمع فهما حصنان للفرد وللمجتمع، يقول أمير المؤمنين (ع): (العقل شرع من داخل والشرع عقل من خارج) ويقول (ع): (قاتل هواك بعقلك)

لماذا خلق الله الهوى عند الإنسان ؟
هناك تسائل وهو: لماذا ابتلى الله الإنسان بالهوى ؟ لماذا لم يجعله كالملائكة ؟ وإذا كان هو الذي جعل الهوى في داخل الإنسان غريزة ثابتة فلماذا نهى الإنسان عن اتباعه ؟
الجواب: للهوى في حياة الإنسان ثلاثة أدوار مهمة:
أولاً: إن الهوى من أقوى عناصر التحريك في نفس الإنسان، وقد ربط الله تعالى معظم القضايا الحيوية المهمة في حياة الإنسان بهذا العنصر الأساسي .
( فمن) تلك القضايا الحساسة والمهمة التي لها ارتباط قوي بالهوى التناسل فلولا غريزة الجنس، والرغبة الكامنة في الإنسان فيه لانقطع الجنس البشري.
(ومنها )إن نمو الإنسان المرتبطة بالأكل والشرب فلو لم يجد الإنسان لذة في الأكل والشرب لما نما، ولما استمر وجوده .
(ومنها) غريزة الاجتماع ، والتي تمثل ضرورة مهمة في الحياة فإن الله ربطها بالهوى، وبهذه الغريزة تحفظ الحياة الإجتماعية .
(ومنها) غريزة حب التملك المرتبطة بعجلة الاقتصاد، ولولاها لما سارت عجلة الاقتصاد، وكذلك الدفاع عن النفس ارتبط بغريزة الغضب، ولولاها لما دافع الإنسان عن نفسه .
ثانياً: إن الأهواء لها دور مهم في دفع الإنسان إلى صعود سلَّم الكمال والوصول إلى الله؛ وذلك أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات الأخرى إن تكامله يتم بصورة إرادية بينما الكائنات الأخرى تتكامل بصورة قهرية؛ ولهذا السبب جعل الله الإنسان خليفته في الأرض فالكائنات كلها من حيوان وجماد ونبات وملائكة مسخرة لإرادة الله وتسير وفق نظام معين لا تستطيع الخروج عنه، أما الإنسان فليس كذلك، وإنما هو خليفة ووكيل ينفذ أوامر الله باختياره .
وهناك فرق بين العمل الذي تؤديه الآلة المُسخَّرة ، وبين العمل الذي يؤديه الوكيل. فعمل الأول بدون إرادة ،وهذا معنى التسخير، والثاني يعمل بإرادة وحركة إرادية تتم من خلال الكدح، وبعبارة أخرى الفرق بينهما كالفرق بين من يهبط من الجبل بفعل الجاذبية، ويفقد إرادته وقوته، وبين من يصعد الجبل ويقاوم الجاذبية؛ ولذا عبر القرآن الكريم عن عملية تكامل الإنسان بالكدح يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)) (الانشقاق:6)
فتكامل الإنسان إذن يتم من خلال العبور على بحر طافح بالأهواء والشهوات، والميول الجاذبة، وهو بحركته إلى الله يقاوم تلك الميول بإرادته ، ولو سُلب الإنسان هذه الأهواء لسلبت منه الحركة، وعجز عن التكامل الروحي والنفسي، والعقلي .
ثالثاً: إن الله تعالى جعل في كل جانب من جوانب الكون الرحيب ذخائر يُتم حركة الكون واستمرارية بقائه من خلالها. فالبحار ذخائر للارواء، والهواء ذخائر للتنفس وغيره وفي الأرض ذخائر كامنة، وفي الشمس ذخائر من النور والحرارة، هذا من جانب، ومن جانب آخر جعل الله في نفوس أبناء آدم ذخائر فهذه الأهواء، والشهوات والميول من الذخائر التي أودعها الله في نفوسنا لتتحول بإرادتنا إلى عزم، وبصيرة، وحركة نتيجة تفاعلات داخل النفس. ونحن لا ندري كيف تتم هذه التفاعلات، ولكن نعلم أن مقاومة يوسف (ع) لرغبة الجنس تحولت إلى علم، وحكمة، وبصيرة …
إذن هناك ذخائر كامنة في نفس الإنسان تتحول بإرادته إلى قوة معنوية: علم، وبصيرة، وعزم، ونور في الحياة يمشي به بين الناس. ومن الحقائق النفسية المهمة أن كل رغبة وميل نفسي عندما يقاومه الإنسان يتحول إلى عكسه، يقول تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ)) (البقرة:282) أي كافحوا شهواتكم يعطيكم الله علماً وبصيرةً، وهذا باب واسع لم يلجه العلماء مع الأسف، وهو ينتظر من يدرسه.

لماذا نهى الإسلام عن اتباع الهوى ؟
إن الإسلام عندما نهى الإنسان عن إتباع الهوى، وجعل ردع النفس عن أهوائها في سبيل الله مقياساً لنجاح الإنسان في الحياة الدنيا ، وطريقاً لنجاته في الآخرة … لم يردعه كي يحرمه عن لذائذه النفسية، ولا لكي يكبته كما تكبته الرهبانية، وإنما الأساس في ذلك أن الإنسان ميّزه الله بالحرية والاختيار؛ ولهذا لابد وأن يمتلك إرادته ،ويوجه طاقاته في الطريق السليم، ولما كانت النفس متشعبة الأهواء فلا يمكن أن يطلق لها الزمام بدون حدود وقيود ؛ لأنه سيكون مَثَلُها مثال الماء المرسل بتيار جارف بلا سدود ونواظم، وبلا شك أنه سيخرب كل ما يمر عليه، وإذا نفع فمنفعة جزئية ضئيلة مؤقتة، وبعكسه ما لو بُنيَتْ له السدود والنواظم، وفتحت الروافد والجداول فإنه سيكون كله عطاءٌ وخيرٌ ونفعٌ للبشرية كذلك طاقات الإنسان المذخورة في أهوائه وميوله إذا لم توجه الوجهة الصحيحة فستحل الدمار والخراب في الكون ، ومن هنا جاء قوله تعالى: ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ)) (المؤمنون:71)
إذا اتضح ذلك فإنه سَيَحٍلُ التعارضَ بين وجود الميول والغرائز الفطرية في الإنسان وبين النهي عنها ، إن الإسلام لم يحرِّم على الإنسان التمتع بلذائذ الحياة وتصريف الطاقات ، وإنما وجهها وهذبها ، ووضع لها الحدود والنواظم؛ لتحفظ للإنسان توازنه؛ ولهذا فإن المؤمن لا يتبع أهوائه، بل يخضعها لإرادة الله تبارك وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه .
ولابد أن نعلم أن الإنسان إذا كان متبعاً لهواه، ومستجيبا لرغباته النفسية بلا حدود ولا قيود فلا فرق بينه وبين الحيوان؛ لأن ميزة الحيوان عن الإنسان أنه خاضع لشهواته، ولا يستطيع مخالفتها، والإنسان بعكسه يستطيع أن يفعل، أو لا يفعل بإرادته؛ ولهذا فإن الإنسان الحقيقي بكل ما للكلمة من معنى هو من حَكَّمَ عقله بشهواته، وإذا انعكست المسألة وحكَّم شهواته في عقله، فقد خرج من حدود الإنسانية، ودخل في عالم الحيوانية بل القرآن الكريم جعله أوطأ درجة من الحيوان؛ لأنه عطَّل أعظم المواهب الإلهية عنده، يقول تعالى: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَاْلأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَاْلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) (الأعراف:179) فهم أضل من البهائم (لكفرهم, وعتوهم لا يهتدون إلى شيء من الخيرات مع ما ركّب الله فيهم من العقول الدالة على الرشاد , الصارفة عن الفساد)( ) والسبب في هبوط الإنسان في هذه الحالة من مستوى البشرية إلى حضيض الحيوانية ؛ لأنه استغرق في أهوائه ونـزواته حتى أصبح لا يسمع، ولا يرى ولا يعقل إلا بما توحيه إليه نـزواته، يقول تعالى: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)) (الفرقان:43-44)
وهكذا نفهم السر في هبوط بعض الناس إلى مستوى أدنى من الحيوان؛ لأنه أطفأ نور عقله بطغيان شهواته يقول أمير المؤمنين (ع): (ذهاب العقل بين الهوى والشهوة) فالإتباع المنهي عنه هو أن يستغرق الإنسان في ملذاته إلى حد يبطل العقل، ويطفئ نوره، يقول الفيلسوف الإسلامي صدر المتألهين: (الهوى قفل العقل، وآفة العفاف، وقوت الشيطان) والإسلام يريد من الإنسان أن يكون منفتح العقل، منشرح الصدر قوي الإرادة ماضي العزم فإذن من خالف هواه، وتحكم فيه فقد ملك إرادته وتحققت إنسانيته ، وبالعكس من اتبع هواه ، واستغرق فيه فقدْ فقدَ إرادته، وهبط من قدس الإنسانية إلى حضيض الحيوانية … جاء في الحديث: (من ملك نفسه إذا رغب، وإذا رهب، وإذا اشتهى، وإذا غضب، وإذا رضي حرّم الله جسده على النّار)( )
فالإنسان مرة يملك ميوله وأهوائه، ويتحكم بها، ويوجهها حيثما يريد الله وهذا هو الإنسان الحقيقي، ومرة يفقد إرادته، ويصبح مملوكاً لهواه، لاهثاً خلف نـزواته، لا يرى، ولا يسمع، ولا يعقل غيرها، وهذا هو الذي اتبع هواه، وأصبح معبوداً له من دون الله ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)) (الفرقان:43)

الهوامش:
(1) الطبرسي، مجمع البيان: 4/772.
(2) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 11/123.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com