موقع الصراط ... الموضوع : التشخيص في التعبير القرآني
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التشخيص في التعبير القرآني  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 2 / ذي الحجة / 1435 هـ
     
  بقلم الدكتور عقيل الخاقاني
المقدمة:
ربّما لا يختلف اثنان، ممّن أوتوا نصيبا من العربية الصحيحة ومعرفة أساليبها وطرائق تعبيرها، في أنَّ التعبير القرآني تعبير فنيٌّ مقصود، أريد به التأثير في متلقيه، ذلك بأنَّ العرب قومٌ عرفوا بالفصاحة والبيان، حتى أنَّ النبي (ص) نفسه قال: ((إنَّ من البيان لسحرا))(1). لذا جاء القرآن الكريم معجزة ً بيانية ً خالدة، متحديا أرباب الفصاحة والبيان في أن يأتوا بسورة من مثله: ﴿ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(2).
وهذا ممّا تميّز به القرآن الكريم من بقية الكتب السماوية في أنَّه المعجزة في ذاته، لذا تكفل الله عزَّ وجل بحفظه من الضياع والتحريف والزيادة والنقصان:﴿إنّا نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(3)، لأنَّ المعجزات التي يؤيد الله تعالى بها أنبياءه ورسله، كي يُصدَّقهم الناس ويؤمنوا بما جاءوا به، لا بدَّ لها من أن تحفظ وتـُصان، وأن ترافق هؤلاء الأنبياء والرسل طوال مدّة رسالتهم.
من هنا عُدَّ الإعجاز البياني الوجه الأول من وجوه الإعجاز القرآني وأهمَّها قاطبة. ولكي يحقق الكتاب العزيز الوصول إلى هذا الغرض فقد سلك عدَّة طرق تعبيرية، واتبع أساليب مختلفة، لعلَّ أسلوب: (التشخيص) من أبرزها، بعد أن عرض أغلب صوره البيانية حيّة، متحركة، ناطقة، تتدفق حياة وتجددا وانبعاثا، ولاسيَّما ما يتصل منها بتصوير عناصر الطبيعة وظواهرها المختلفة. ويسعى هذا البحث إلى الكشف عن هذه الصور التشخيصية في التعبير القرآني، والوقوف عندها، ومن ثمَّ استنطاقها وبيان عناصر الجمال فيها، والأغراض التي سيقت لها.
التشخيص لغةً واصطلاحاً: تدلَّ مادة (شخص) ـ وما اشتق منها ـ على الارتفاع والظهور، فالشخص كلُّ جسم له ارتفاع وظهور، وهو: سواد الإنسان وغيرهِ تراه من بعيد، والشخيص: العظيم الشخص، وشَخَص (بالفتح) شخوصا: ارتفع، والشخوص ضد الهبوط، وشَخَص السهم: علا الهدف، والشخوص: خروج المسافر من بيته والسير من بلد إلى بلد، وشَخَص بصر فلان فهو شاخص: فتح عينيه وجعل لا يطرق، وشخوص البصر: ارتفاع الأجفان، وشخصت الكلمة في الفم تشخص إذا لم يقدر على خفض صوته بها(4).
أما في الاصطلاح، فالتشخيص: هو إسناد صفة ما يعقل، أي الإنسان، إلى ما لا يعقل من المحسوسات والمعنويات، بحيث تبدو وكأنَّ لها حواس الإنسان ومشاعره، أي أن تخاطب ما لا يعقل بخطاب من يعقل(5). وعدَّ بعض النقاد العرب (التشخيص) مقابلاً للمصطلح الأجنبي (Personification)، ومن ثمَّ عرَّفه بأنَّه: إضفاء أو خلع الصفات الإنسانية على أشياء وكائنات غير إنسانية، سواء أكانت حيَّة أم جامدة، معنوية أو غير معنوية(6).
وكان الفرّاء (207هـ) قد أشار إلى هذا النوع من التصوير في أثناء تعليقه على قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾(7)، قائلا: فعبّر عن الأسماء بلفظ العقلاء، إذ استعمل الضمير (هم)(8).
أما أبو عبيدة (210هـ) فقد سمّاه: ((مجاز ما جاء من لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس))(9).
وعدَّ الشيخ الطوسي (460هـ) هذه الظاهرة الفنية أسلوبا من أساليب التجوّز بالكلام، وأشار إلى شيوعها في العربية عامّة والشعر العربي خاصّة، ومنه قول جرير: (الكامل):
لما أتى خبر الزبير تواضعت *** سورُ المدينة والجبال الخشّعُ
فشخّص السور والجبال، إذ نسب إليها (التواضع) الذي هو صفة من الصفات الإنسانية العقلية، ومن ثمَّ وصف (الجبال) بأنَّها (خشّعُ)، والخشوع من الصفات الإنسانية النفسية، والسور والجبال من الكائنات الجامدة(10).
وقرن الزوزني (486هـ) بين هذا النوع من التصوير الفني وبعض الأغراض الشعرية التي تتناسب معه، ومنها: النسيب والرثاء وكلُّ ما يوجب حزنا ووجدا، وذلك في أثناء تعليقه على بيت امرئ القيس: (الطويل)
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
إذ قال: ((لما ضجر بتطاول ليله خاطبه وسأله الانكشاف. وخطابه ما لا يعقل يدلُّ على فرط الوله وشدّة التحير. وإنما يستحسن هذا الضرب في النسيب والمراثي، وما يوجب حزنا وكآبة، ووجدا وصبابة))(11).
ولعلَّ الطائيين (أبا تمّام والبحتري) من أكثر شعراء العربية ولعا بالصور التشخيصية والتجسيمية، ولاسيَّما الصور التي وصفا بها عناصر الطبيعة ومظاهرها، ومنها قول البحتري: (الطويل):
أتاك الربيع الطلق يختالُ *** من الحسن حتى كادَ أن يتكلما(12)

التشخيص في التعبير القرآني:
1ـ تشخيص عناصر الطبيعة وظواهرها:
للتشخيص أمثلة كثيرة وردت في الكتاب العزيز، لعلَّ أبرزها ما يتصل بتشخيص عناصر الطبيعة وظواهرها، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ *مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾(13).
في هاتين الآيتين الكريمتين صورتان بيانيتان: الأولى استعارية تقوم على استعارة (العقم) للريح، والثانية تشبيهية تقوم على تشبيه كلِّ ما أتت عليه هذه الريح بـ(الرميم). ولهذه الصورة التشبيهية، الحسيّة، المفردة(14) دلالاتها الفنية والنفسية الموحية المؤثرة، إذ تتحول كلُّ موجودات الأرض إلى ما يُشبه النبات أو العظم البالي، إذا ما يبس وديس وتفتّت...، بيد أنَّ هذه الدلالات النفسية ستكون أبلغ تأثيرا وأشدَّ وقعا في النفوس إذا ما وصفت هذه الريح بـ(العقيم)، أي أنَّ تشخيص الريح، باستعارة العقم لها، قد زاد من قتامة هذه الصورة وهولها، لأنَّ العرب تُحبُّ المرأة الولود وتتشاءم بالمرأة العقيم، لذا قالت العرب: شوهاءُ ولودٌ خيرٌ من حسناء عقيم، إذ تعبِّر الولادة عن استمرار الحياة بكلِّ جوانبها. ووصفت الريح بالعقم لأنَّها لم تأتِ بمطر يُنتفع به ويبقى له أثر من نباتٍ وغيره، مثلما أنَّ العقيم من النساء لا تأتي بولدٍ يُرجى. وفضل الاستعارة على الحقيقة يتمثل في أنَّ حال العقيم ـ في هذا ـ أظهرُ قبحا من حال الريح التي تأتي بمطر، لأنَّ العادة في أكثر الرياح ألا تأتي بمطر وليس العادة في النساء أن تكون أكثرهن عقيماً(15). لذا إنَّ صورة (الريح العقيم) التي أتت على قوم عاد فأهلكت الحرث والنسل، حين جعلت كلَّ شيء كالرميم، من شأنها أن تبثَّ الرعب في نفوس الكفار وتجعلهم يلوذون بحالة من الخوف والهلع، يمكن أن تحملهم على الرجوع عن كفرهم وانحرافهم. ثمَّ تجيءُ الفاصلةُ بين (عقيم و رميم) لتزيدَ من وقع الصورة ودرجة فاعليتها. وبهذا تكون حيوية التشبيه قد ازدادت بفعل تشخيص الريح، باستعارة العقم لها، وللعلاقة بين الدلالات النفسية والاجتماعية والاقتصادية لكلمتي (العقيم والرميم)، فضلا عن التناسب الإيقاعي بينهما.
وإذا كان القرآن الكريم قد شخَّص الريح، إذ نسب (العقم) إليها، فإنَّه قد شخَّص (الرياح) ـ في موضع آخرـ، إذ نسب إليها (التبشير) الذي هو صفة من الصفات الإنسانية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾(16)، فبدت (الرياح) كأنَّها إنسان يُحسُّ ويعقل ويسمع ويرى ويتكلم، ومن ثمَّ يحمل البشرى إلى الناس. وهذا التضاد بين (الريح) و(الرياح)، من حيث الوصف، إذ وصفت (الريح) بالعقم و (الرياح) بالتبشير، يتناسب مع طبيعة التعبير القرآني في التفريق بين (الريح) و(الرياح)، كالتفريق بين (المطر) و(الغيث)، إذ استعمل المطر في مواضع الانتقام، واستعمل الغيث في مواطن الخير والرحمة، كذلك الحال مع (الريح) و(الرياح)، فالكتاب العزيز لم يستعمل الريح إلا في الشرِّ والعقوبات، واستعمل (الرياح) ـ حيث وردت ـ في الخير والرحمة، ومنه قوله تعالى الذي نحن بشأن الحديث عنه. وبهذا يكون إسناد التبشير إلى الرياح ضربا من التشخيص، حين جعلها تبشِّر الناس بقدوم الغيث أو تلقيح الشجر. وهذا فعلٌ من أفعال العقلاء، فالبشارة لغة: إخبارٌ بما يسر، وهو مأخوذ من انبساط بشرة الوجه عند سماع الخبر السار، لذا يقال: أبشرت الرجل وبشّرته إذا أخبرته بما يسر فينبسط له وجهه(17).
ومن تشخيص عناصر الطبيعة وظواهرها ـ أيضا ـ تشخيص (الصبح)، في قوله تعالى:﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾(18)، فاستعير التنفس لظهور ضوء الصبح وانتشاره، ((لأنَّ للّيل كربا وللصبح تفرُّجا))(19).
إنَّ تشخيص الصبح، باستعارة التنفس له، يُعدُّ ثروة تعبيرية وشعورية لا يمكن أن يؤديها أيُّ تعبير حقيقي. وفي هذا يقول سيّد قطب: ((وأكادُ أجزم أنَّ اللغة العربية بكلِّ مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح. ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنَّه بالفعل يتنفس))(20)، أي أنَّ ثمة تناغما بين عمليتي التنفس وظهور الصبح، من حيث حدوثهما وما ينتج عنهما، لأنَّ كلا منهما يتدرَّج وينساب ببطء وهدوء ليبعث الحياة من جديد.
ومنه ـ أيضاً ـ تشخيص الليل، في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾(21)، فالسرى: سيرُ الليل عامَّته، وقيل: السُّرى سيرُ الليل كلّه، وسريتُ وأسريتُ ـ بالألف ـ ، وهي لغة أهل الحجاز، بمعنى إذا سرتُ ليلا، وفي التنزيل العزيز: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، أي أنَّه جاء باللغتين(22).
والأصل في العربية أنَّ الليل يُسرى فيه، لذا إنَّ إسناد (السُرى) إلى الليل يُعدُّ تشخيصا له، على سبيل الاستعارة المكنية، وفيه إلباس للحدث بزمانه، فالليل نفسه يسري كما يسري فيه كلُّ سار ٍ بليل. وبهذا تُحسُّ سريان الليل في هذا الكون العريض، وكأنَّه كائنٌ بشري يمشي مع الناس ويشاركهم عواطفهم ومشاعرهم الإنسانية، ويأخذ منهم ويُعطى، فتأنس به وتطمئن إليه(23).
ومن تشخيص (الليل) ـ أيضاً ـ قوله تعالى:﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾(24)، فشخَّص الليل، إذ جعله يُسرعُ في طلب النهار فلا يستطيع له دركاً(25).
وثمةَ صورةٌ تشخيصيةٌ أخرى، يصوّر لنا فيها الكتاب العزيز الشمس والقمر والليل والنهار في سباق دائم، وذلك في قوله تعالى:﴿ لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾(26)، أي لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر في سرعة سيره، لأنَّ الشمسَ أبطأ سيرا من القمر إذ تقطع منازلها في سنة، ويقطعها القمر في شهر، لذا عبَّر القرآن الكريم عن الشمس بأنَّها غيرُ مدركةٍ للقمر، وعن الليل بأنَّه غيرُ سابقٍ للنهار، أي لم يقل ـ مثلا ـ : ولا الليلُ يدرك النهار، ذلك بأنَّ المراد بإدراك الشيء: بلوغ أقصاه، وأدرك الصبي: بلغ غاية الصبا، وذلك حين البلوغ(27). فالشمس ـ إذن ـ أجدر بأن توصف بالإدراك لتباطؤ سيرها عن سير القمر الذي وصف بالسبق لسرعة سيره(28)، أي أنَّ الشمس لا تُذهب نور القمر، ولا القمر يَطمس نور الشمس، وكلٌ منهما يسير بانتظام واتزان، في مدار لا يتعداه. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ العلم الحديث قد أثبت أنَّ الشمس تدور في مدار مواز للقمر، ومن المستحيل أن يتقابلا، ولا يمكن لليل أن يسبق النهار، لأنَّ ذلك يتطلب دوران الأرض خلاف قانونها الطبيعي الذي هو من الغرب إلى الشرق(29).
وبهذا يكون الكتاب العزيز قد شخّص كلا من الشمس والقمر والليل والنهار، إذ قال تعالى: ((لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ)) ، ومن ثمَّ ختم الآية بصيغة جمع العقلاء ((وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) ، فلم يقل: تسبح، وكأنَّه لا يخاطب جمادات وإنَّما يخاطب كائنات تُحسُّ وتعقل، فتجري وتسير بحكمة واتزان(30).
وممّا جاء في الكتاب العزيز، في تشخيص عناصر الطبيعة وظواهرها، قوله تعالى ـ في رؤيا يوسف (ع) :﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾(31)، فشخَّص الكواكب والشمس والقمر، إذ قال (رأيتهم) و(ساجدين)، ولم يقل: رأيتها ولا ساجدة، أي أنَّه خاطبها بخطاب من يعقل، فبدت كأنَّها كائناتٌ تُحسُّ وتعقل، ليحقق هذا الخطاب القرآني غرضيه: الديني والفني في أوانٍ واحد، من خلال عقد الصلة الروحية بين الإنسان والموجودات الطبيعية التي تُعدُّ من عجائب الله عزَّ وجل، سواء أكانت في الأرض أم في السماء، فضلا عن أنَّ مثل هذه الصور التشخيصية من شأنها أن تعمِّق وعي الإنسان بهذا الكون، وتقودَه إلى تدبُّره والتأمِّلِ في موجوداته، بما يحمله على الإقرار بأنَّ الله تعالى خالقُ كلِّ شيء، على هذا النحو المعجز، ومن ثمَّ ليس لأحدٍ أن يُنكر عليه عظمته ووحدانيته.
ومنه أيضا قوله تعالى ـ في آل فرعون ـ :﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾(32)، فشخَّص السماء والأرض باستعارة البكاء لهما، ذلك بأنَّ العرب إذا أرادت أن تعظِّم موتَ رجل خطير تقول: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح ، وجزع عليه الشجر، وأظلَّم لفقده الشمس والقمر. ويُروى عن الرسول الكريم (ص) أنَّه قال: ما من مؤمنٍ مات في غربةٍ غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض (33).
ومنه قول جريرـ في رثاء عمر بن عبد العزيز ـ : (البسيط).
الشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ *** تبكي عليك نجوم الليل والقمرا (34)
وقول ليلى بنت طريف ـ في رثاء أخيها الوليد ـ: (الطويل)
فيا شجر الخابور ما لك مورقاً *** كأنك لم تجزع على ابن طريف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى فإن مات لا يرضى الندى بحليف (35)
لذا إنَّ الكتاب العزيز ـ حين عبّر عن آل فرعون بقوله تعالى:﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ ـ أراد أن يصف هؤلاء الطغاة المتجبرين بالهوان وقلة القدر وصغر المنزلة، وبأنَّ العذاب حين عمَّهم لم يكن لهم ناصر ولا معين يدرؤه عنهم، إذ لم يعبأ بهم أحدٌ في السماء أو في الأرض، بل إنَّهم لم يُنظروا إلى وقت آخر ولم يُمهلوا إلى الآخرة، وإنَّما عُجِّلَ لهم العذاب في الدنيا، بدليل قوله تعالى:﴿ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾(36).
ولعلَّ أبلغ الصور التشخيصية قد وردت ـ في قصة نوح (ع) ـ في قوله تعالى:﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ ﴾(37).
فذهب أغلب المفسرين إلى أنَّ في هذه الآية من الإبداع البياني ما لا يوجد في أيِّ كلامٍ آخر، بل قال بعضهم فيها: ((لو فـُتشُ كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثلُ هذه الآية على حُسن نظمها، وبلاغة رصفها، واشتمال المعاني فيها))(38).
ويتمثل التشخيص في هذه الآية في نداء (الأرض والسماء) بما يُنادى به الإنسان أو الحيوان المميِّز، إذ قيل لهما (يا أرض) و(يا سماء)، ثم أمرهما الله تعالى بما يؤمر به أهل التمييز والعقل، في قوله تعالى:﴿ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ و﴿ أَقْلِعِي ﴾. والبلع: إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف، من دون مضغ. والإقلاع: إذهاب الشيء من أصله حتى لا يُرى له أثر، يُقال: أقلع عن الأمر إذا تركه وكفَّ عنه. وأقلعت السماء إذا ذهب مطرها حتى لا يبقى منه شيء، لذا قال تعالى:﴿ ابْلَعِي﴾ ولم يقل (يا أرض اشربي ماءك)، أو (يا أرض اذهبي بمائك)، لأنَّ في (ابلعي) إخبارا عن ذهاب الماء عن وجه الأرض بأوجز مدّة. وكذلك قال عزَّ وجل (أقلعي) ولم يقل (أمسكي)، لأنَّ في (أقلعي) إخبارا عن انقطاع المطر في أسرع زمان. وفي هذا دليلٌ على الاقتدار العظيم للخالق، وأنَّ جميع ما في السماوات والأرض منقادٌ له، غيرُ ممتنع عليه، وكأنَّ هذه الكائنات والأجرام العظام بشرٌ يعقلون خطابه ويدركون عظمته وقدرته وثوابه وعقابه، ومن ثمَّ يمتثلون لأوامره ويمتنعون عن نواهيه. وبهذا يكون هذا التعبير قد جرى مجرى أن قيل للأرض (ابلعي ماءك) فبلعته، وقيل للسماء (أقلعي) فأقلعت، (وغيض الماء)، أي: ذهِبَ به عن وجه الأرض فنشفت الأرض، (وقضي الأمر) بنجاة نوح (ع) ومَن معه وهلاك قومه، وكأنَّ هذه الآية قد جاءت لتجسِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(39).
وكان أبو حيّان الأندلسي (754هـ) قد أحصى أكثرَ من عشرين وجهاً بيانياً وبديعياً في هذه الآية، لعلَّ أبرزها: المجاز في نداء (الأرض والسماء) بما ينادى به أهل العقل والتمييز. والاستعارة في (ابلعي) و(أقلعي)، والمجاز ـ أيضا ـ في قوله تعالى:﴿ يَا سماءُ﴾، لأنَّ المراد مطر السماء، وهو ما يسمِّيه البلاغيون بالتجوّز بتسمية الشيء باسم ما يجاوره لملابسةٍ بينهما، كقوله تعالى: ﴿يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾(40)، أي يرسل المطر، فالمراد بالسماء المطر الذي عبّر عنه بالسماء مجازا بسبب المجاورة، لأنه ينزلُ منها ويأتي من جهتها. وفي قوله تعالى:﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ كناية عن ذهاب الماء في أغوار الأرض، لأنَّ الماء لا يغيض حتى يُقلع مطرُ السماء، ثمَّ أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ تمثيلا عبَّر به الكتاب العزيز عن إهلاك الكفار ونجاة نوح (ع) ومَن معه. أما الوجوه البديعية فتظهر فيما بين (ابلعي) و(أقلعي) من جناس غير تام، وفيما بين (الأرض) و(السماء) من طباق. وبهذا تكون هذه الآية الكريمة قد جمعت من الإبداع البياني والبديعي ما لا يوجد في أيِّ كلام آخر(41).
ومن تشخيص (الأرض) في الكتاب العزيز ـ أيضا ـ قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾(42)، فتبدو لنا الأرض جامدة، هامدة، لا حركة فيها، كأنَّها إنسان نائم، ثمَّ تستيقظ من سباتها بلمسة واحدة، مثلما يستيقظ الإنسان من نومه، فتدبُّ الحياةُ فيها بنزول المطر عليها، إذ تهتزُّ، أي تتحرك بالنبات الذي يزداد ويكبر، بما يبعث البهجة في النفوس، بحسن صورته وتعدُّد أنواعه وألوانه(43).

2ـ التشخيص النفسي:
وثمّة نوع آخر من التشخيص يسمّى بـ(التشخيص النفسي) الذي يُراد به خلعُ بعض الصفات النفسية على ما لا يعقل من الأشياء، كقوله تعالى:﴿ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾(44)، فالعبوس: قطوب الوجه من ضيق الصدر، وعبَّس: قطـَّب ما بين عينه، والعابس: الكريه الملقى الجهم المحيا، والتعبّس: التجهّم. أما القمطرير فهو الشديد(45).
إنَّ هذه الصورة الاستعارية التشخيصية تتحدث عن (اليوم الآخر)، فتخلع عليه سمة (العبوس)، وهي سمة ٌ بشرية، ومن ثمَّ تصف هذا اليوم بأنَّه (قمطرير)، أي شديد وعصيب، يطول بلاؤه، وذلك لتذكير الناس بما يجري فيه.
من هنا يمكن أن نستنطق مثل هذه الاستعارة لنستخلص دلالاتها الفنية والنفسية الموحية والمؤثرة، على أنَّ الوجه البشري هو الجزء الأكثر تعبيرا عمّا يختلج في أعماق النفس الإنسانية، لذا استعيرت إحدى صفاته، وهي (العبوس) لليوم الذي يُحشر فيه الناس للحساب.
ومن التشخيص النفسي ـ أيضا ـ استعارة (الخشوع) للجبل في قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(46).
جاء في (اللسان) أنَّ الخشوع قريبٌ من الخضوع، إلا أنَّ الخضوع في البدن والخشوع في البدن والصوت والبصر(47). وبهذا يكون الكتاب العزيز قد أسند صفة ما يعقل ـ وهو الإنسان ـ إلى ما لا يعقل ـ وهو الجبل ـ، أي أنَّه شخّص الجبل إذ صيَّره يُحسُّ فيخشع لما يُنزَّل عليه من آي الذكر الحكيم.
وكان الزمخشري (538هـ) قد عدَّ هذا التعبير من (التمثيل والتخييل)، بدلالة قوله تعالى ـ الذي ختمت به هذه الآية الكريمة ـ:((وتلك الأمثال نضربها للناس لعلّهم يتفكرون))، فضلا عن أنَّ الجبل ليس ممّا يُنزّل عليه القرآن فيتدبّر معانيه، ومن ثمَّ يخشع لها، وإنَّما لنا أن نتخيّل ذلك، لأنَّ الغرض ـ والله أعلم ـ هو توبيخُ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشّعه عند تلاوة القرآن أو الاستماع إليه وتدبر قوارعه وزواجره(48)، لذا صُدِّر النصُّ بالأداة (لو) التي تتضمن معنى الشرط، وتدلُّ على امتناع الجواب لامتناع الشرط، أو أنَّها تدلُّ على ما كان سيقع في الماضي لوقوع غيره في الماضي أيضا(49)، أي:((لو كان الجبل ممّا يُنزَّل عليه القرآن ويشعر به مع غِلظهِ وجفاء طبعه وكبر جسمه لخشع لمنزله وتصدّع ـ أي انشقَّ ـ من خشية الله تعظيما لشأنه، فالإنسان أحقُّ بهذا لو عقل الأحكام التي فيه))(50).
إنَّ خلع بعض الصفات النفسية ـ كالخشوع مثلا ـ على الجبل، بحيث يبدو لنا الجبلُ إنسانا يسمع أو يقرأ ويتأمل في آي القرآن الكريم، فيخشع قلبه إيمانا بالله ـ عزَّ وجل ـ وتعظيما له...، من شأنه أن يحثَّ الناس على تدبُّر معاني القرآن والاعتبار بها والعمل بما جاء فيها.
ومنه أيضا تشخيص (الحجارة) في قوله تعالى: ((وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ))(51)، فالمراد بـ(الخَشية): الخوف الذي يشوبه التعظيم(52). وإسناد الخشية إلى الحجارة يُعدُّ تشخيصا لها، لأنَّ الخشية سمة ٌ من السمات النفسية الإنسانية.
وكان الشيخ الطوسي (460هـ) قد قرن بين هذا النوع من التشخيص وما يحدث من ظواهر طبيعية هائلة كالزلازل وغيرها(53).
وثمّة نوع آخر من التشخيص النفسي يتمثل في تشخيص بعض الانفعالات النفسية، كتشخيص (الغضب) في قوله تعالى: ((وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ))(54)، فالسكوت: الإمساك عن الكلام، والكلام سمةٌ من سمات البشر، يشترك في صناعته كلٌّ من العقل والحسِّ والجسم. فنحن حين نسمع أو نرى ما يسرُّنا أو يؤلمنا فإنَّنا ندرك بعقولنا ما سمعنا أو رأينا، ثمَّ نتأثر أو ننفعل، فنفرح أو نتألم، في ضوء إدراكنا العقلي، وبحسب طبيعة الموقف الذي نسمع به أو نشاهده، ومن ثمَّ تترجم هذه الاستجابة النفسية إلى حركة جسمية تتمثل في الكلام أو السكوت. وهذا يعني أنَّ الجهاز العقلي لا يعمل بمعزلٍ عن الجهاز النفسي، وخلاف ذلك صحيح.
من هنا نستطيع أن نتبيّن جمال هذه الاستعارة التشخيصية التي جعلت من (الغضب) ـ وهو حالة نفسية ـ إنساناً يفكر وينفعل ويتكلم ومن ثمَّ يسكت، وكان من الممكن أن ينسب الكتاب العزيز (السكوت) إلى موسى، فيكون التعبير حقيقيا، أو أن يستعمل الفعل (سكن) بدلا من (سكتَ)، فيقول ـ مثلا ـ : فلمّا سكن عن موسى الغضب، بيدَ أنَّه سلك طريق المجاز للوصول إلى الأغراض الفنية والدينية التي يسعى إلى تحقيقها، وتناسبا مع طبيعة الموقف الذي واجهه موسى (ع)، إذ فترَ عنه الغضب وخبت جمرته، بعد اعتذار أخيه هارون وتوبة قومه، ذلك بأنَّ السكون يقابل الحركة، وإذا ما استعمل مع (الغضب) ـ الذي هو حالة نفسية ـ ، فإنَّه يخلع عليه صفةً مادية، والنصُّ يعتزم تقديم أدقِّ الحالات الانفعالية التي واجهها موسى (ع)، لذا آثر القرآن الكريم تشخيص (الغضب)، بإسناد السكوت إليه، ليبيّن لنا نوع الغضب الذي عند موسى (ع) وقدره، فضلاً عن أنَّ مثل هذا (الغضب) يكتسب أهمية خاصة، إذ يكون لله عزَّ وجل ويحقق أغراضه الدينية، فيأخذ موسى (ع) الألواح ليحمل مبادئ السماء إلى الناس ويواصل رسالته من جديد(55).
ومنه ـ أيضا ـ قوله تعالى: ((فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى))(56)، أي فلمّا ذهب عن إبراهيم الخوف والفزع الذي دخله من الرسل الذين بعثهم الله عزَّ وجل إليه، وجاءته البشرى بالولد. وبهذا يكون (الروع) قد شُخّص إذ صُيّر كائنا حيا يهيج ويسكن ويذهب...، وكذلك (البشرى)، فهي توحي وتسكت وتجيء وتذهب(57).
ومن التشخيص النفسي في التعبير القرآني ـ أيضا ـ تشخيص (جهنم)، بإسناد بعض الصفات النفسية إليها قال تعالى:﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾(58).
في هذه الآية الكريمة استعارتان تشخيصيتان: الأولى تتمثل في إسناد الرؤية إلى جهنم، إذ قال تعالى:﴿ إِذَا رَأَتْهُم﴾، وكأنَّ جهنم ترى الكفار رؤية الغضبان الحنق الذي اشتدَّ غضبه وغيظه على عدوِّه، وهم يسمعون زفيرها، أي: صوت لهيبها وغليانها، بعد أن خلع الكتاب العزيز صفة (التغيّظ والزفير) على هذه النار، وهذه هي الاستعارة التشخيصية الثانية(59).
ومن اللافت للنظر أنَّ القرآن الكريم لم يُسند الرؤية إلى الكافرين، أي أنَّه لم يقل: إنَّ الكافرين إذا رأوا جهنم سمعوا لها تغيظا وزفيرا، أو سمعوا تغيظها وزفيرها، وإنَّما قال: ((إذا رأتهم)، أي أنَّه نسب الرؤية إلى جهنم، لأنَّ الكافر يكون منغمسا بشهواته في الحياة الدنيا، ولا يفكر بما يترتب على معصيته من نتائج، وهو ما أكده الكتاب العزيز في قوله تعالى:﴿ إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً﴾(60).
فالكافر ـ إذن ـ لا يفكر، ومن ثمَّ فهو لا ينتظر عقابه في اليوم الآخر، أو لنقل: إنَّه لا ينتظر جهنم، وإنَّما جهنم هي التي تنتظره. من هنا نجد الكتاب العزيز يقيد هذه الرؤية بأنَّها ((من مكان بعيد))، لأنَّ من ينتظر مجيء أحدٍ يبقى يتطلع إليه من مكان بعيد، حتى يرى مطلعه عن بعد(61).
من هنا نستطيع أن نتبيّن جمال هذه الاستعارة التشخيصية ودقتها في التعبير عن الغرض الذي سعت إلى تحقيقه، في رسم بعض مشاهد الهول التي يراها الكافرون في ذلك اليوم الذي تذهل فيه:﴿ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾(62).
ومثل هذا المشهد نجده في صورة تشخيصية أخرى، رسمها لنا قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾(63).
قال الرماني (386هـ): ((شهيقا حقيقته: صوتا فظيعا كشهيق الباكي، والاستعارة أبلغ منه وأوجز، والمعنى الجامع بينهما: قبح الصوت))(64).
وقال الراغب الأصبهاني (502هـ): ((الشهيق ردُّ النفس والزفير مدّه... وأصله من جبل شاهق، أي متناهي الطول))(65).
وذهب الطَبرْسي (548هـ) إلى أنَّ الشهيق هو الصوت الفظيع الذي يشبه صوت القدر عند فورانها وغليانها، فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من هوله(66).
وجاء في (اللسان) أنَّ ((الشهيق: أقبح الأصوات... وشهق: ردد البكاء في صدره...، وشهيق الحمار: آخر صوته، وزفيره أوله، وقيل: شهيق الحمار نهيقه. ويقال: الشهيق ردُّ النفس والزفير إخراجه))(67).
وبهذا يكون القاسم المشترك بين هذه المعاني هو: الفظاعة والقبح، وقد استعير لفظ (الشهيق) ليؤدي هذا المعنى في هذه الاستعارة التصريحية التشخيصية التي تقوم على استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسِّي، لذا سمّى بعض العلماء هذا النوع من الاستعارة بـ(الاستعارة الكثيفة)(68).
وثمّة استعارة أخرى ـ في هذه الآيات الثلاث ـ تتمثل في لفظ (الغيظ)، على أنَّ الغيظ هو: أشدُّ الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه، لذا دعا الله الناس إلى إمساك النفْس عند اعتراء الغيظ، فقال تعالى:﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، وإذا ما وصف الله به فإنَّه يُراد به الانتقام(69)، لذا عُبّر به ـ على سبيل الاستعارة التصريحية التشخيصية ـ عن شدّة غليان نار جهنم، وقد ((ذكر الغيظ لأنَّ مقدار شدَّته على النفس مدركٌ محسوس، ولأنَّ الانتقام منا يقع على قدره، ففيه بيانٌ عجيب وزجرٌ شديد لا يقوم مقامه الحقيقة البتة))(70).
إنَّ هذه الصورة تتحدث عن جهنم، إذ يُلقى فيها الكافرون، فيسمعون لها شهيقا وهي تفور. وتشخيص جهنم، باستعارة الشهيق لها، له دلالاته الفنية الموحية والمؤثرة، ذلك بأنَّ الشهيق هو إرسال الهواء إلى الداخل مقرونا بالصوت. وحين ننقل هذه الظاهرة من سياقها البشري إلى جهنم نكون إزاء استعارة تتمثل في إدخال الكافرين إلى قرار جهنم، أي أنَّ النصَّ قد انتخب الشهيق وليس الزفير، لأنَّ جهنم تستقبل الكافر وتدخله إلى جوفها ولا تزفره إلى الخارج. أما الفوران فيرمز إلى شدة الحرارة التي تقترن بالصوت، وذلك للدلالة على غضب جهنم على هؤلاء الكفار الذين سيلقون فيها، فضلا عن أنَّ تشخيص جهنم باستعارة (الغيظ) لها قد جاء ليؤكد ـ أيضا ـ شدَّة غليانها، إذ خلع النصُّ عليها أشدَّ الحالات الانفعالية عند الإنسان، وهي (تميُّزه)، أي تقطّعه من الغضب. ومن اللافت للنظر أنَّ النصَّ قد استعمل الفعل (تكاد) مع (التميِّز من الغيظ) ولم يستعمله مع (الشهيق)، أي لم يقل ـ مثلا ـ: (تكاد تسمع لها شهيقا)، لأنَّ الشهيق عملية مادية تتواءم مع جهنم وما يحدث فيها، أمّا (التميّز من الغيظ) أو التقطع من الغضب فهو سمةٌ نفسية، أي أنَّ الكائنات يمكن أن تنفعل ـ بشكل أو بآخر ـ كالبشر، بيد أنَّ الفارق بينها وبين الإنسان يبقى قائما، لذا قال تعالى ـ في سورة مريم ـ :﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾، ولم يقل (السماوات يتفطرن)، من دون تكاد، ليدلَّ على أنَّ مثل هذه الاستعارات تقريبية وليست محضة(71).

3ـ التشخيص العقلي:
ويراد به خلع بعض الصفات العقلية على ما لا يعقل من الأشياء. وهو أقلُّ أنواع التشخيص ورودا في الكتاب العزيز، ومنه قوله تعالى:﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾(72)، فالطغيان لغة: مجاوزة الحدِّ في الكفر والعصيان، ويسمّى الإنسان طاغيا إذا استعلى وتكبّر(73)، لذا استعير لعلوِّ الماء وارتفاعه. وبهذا يكون الكتاب العزيز قد شخّص (الماء)، إذ أسند إليه صفة (الطغيان) التي تـُعدُّ واحدة من الصفات العقلية التي يتميز بها الإنسان من سائر المخلوقات.
وذهب أغلب العلماء إلى أنَّ الاستعارة في (طغى الماء) أبلغ، لأنَّ (طغى): علا قاهرا، ويراد به المبالغة في عظم الحال(74).
وعلّق العلوي (749هـ) على هذه الاستعارة التشخيصية قائلا: ((فالطغيان: هو التكبر والاستعلاء بغير الحق، وهما أمران معقولان، ثمَّ استعير الطغيان للماء، وهو محسوس والجامع بينهما هو الخروج عن الحدِّ في الاستعلاء على جهة الإضرار))(75)، وذلك لوضوح هذا الأمر العقلي، بحيث صار أصلا يُقاس عليه في تصوير فوران الماء وقوة اضطرابه.
وعلى هذا يحمل قوله تعالى:﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾(76)، فشخّص (الريح)، إذ نسب إليها (العتو) الذي يعني التكبّر، فهو ـ إذن ـ من الأمور المعقولة، وقد استعير ـ هنا ـ للريح، والجامع بينهما هو الإضرار الخارج عن حدِّ العادة أيضا(77)، بحيث تبدو الريح كأنَّها إنسان يُحسُّ ويعقل ويتكبّر، ومن ثمَّ يتجاوز الحدَّ في التكبّر، وأنَّ هذه الريح كانت (صرصرا)، أي باردة، وذلك لبيان مقدار غضب الله عزَّ وجل على قوم عاد، إذ أهلكهم بها...

هذه هي أهم الصور التشخيصية التي وردت في التعبير القرآني، والأغراض التي سعت إلى تحقيقها، على لسان أحسن الخالقين والمبدعين والمصورين عزَّوجل.
الخاتمة:
وإذا كان لابدّ لكلِّ بحث من أن يختم بسرد نتائجه فان أبرز النتائج التي خلص إليها هذا البحث، هي:
- إنَّ ثمة فرقاً بين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي للتشخيص، تشهد بذلك معاجم اللغة التي استقصت مادة (شخص) وما اشتق منها، وإنَّ التشخيص، بمعناه الفني، لم يكن غائباً عن أذهان علماء العربية ومفسّري الكتاب العزيز، كالفرّاء، وأبي عبيدة، والشيخ الطوسي، والزمخشري، وغيرهم ممّن ذكروا التشخيص ومثلوا له، وإن لم يسمّوه، فضلاً عن أن كثيراً من شعراء العربية، ولاسيَّما الطائيين (أبي تمام والبحتري) قد استندوا إلى هذا الفن البياني في صياغة كثير من صورهم الشعرية.
- إنَّ من النقاد والبلاغيين العرب من قرن بين هذا النوع من التصوير الفني وبعض الأغراض الشعرية، كالنسيب والرثاء، ومنهم: الزوزني الذي ذهب إلى أنَّ هذا الأسلوب البياني يتناسب مع ((كل ما يُوجب حزناً ووجداً)).
- إنَّ كثيراً من الصور الفنية القرآنية قد قامت على (التشخيص)، أسلوباً من أساليب الإعجاز البياني، بعد أن عرض الكتاب العزيز هذه الصور البيانية حيّةً، متحركة، ناطقة، تتدفق حياةً وتجدداً وانبعاثاً...، ولاسيّما ما يتصل منها بتشخيص عناصر الطبيعة وظواهرها، وإنَّ أغلب هذه الصور كانت صوراً حسية بصرية، بما يتناسب مع طبيعة البيئة العربية والمتلقي العربي وقت المبعث. وهذا ما يفسِّر لنا قلة الصور التشخيصية العقلية في التعبير القرآني، ثمَّ تأتي الصور التشخيصية النفسية في المقام الثاني، أي أنَّها تتوسط بين الصور الحسّية من جهة والصور العقلية من جهة أخرى، لتحقق جميع هذه الصور أغراضها الفنية والنفسية والاجتماعية في أوانٍ واحد، بما يحمل الناس على الإيمان بالله عزَّ وجل.

هوامش البحث:
(1) الموطأ، للإمام مالك بن أنس: 618، وانظر: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقّا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي:1/271،270، والصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، لأحمد بن فارس، تحقيق: مصطفى الشويمي: 274، والإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ): 34.
(2) البقرة: 23، ويونس: 38، والإسراء: 88.
(3) الحجر:9
(4) أنظر: لسان العرب، والقاموس المحيط، مادة (شخص).
(5) أنظر: المعجم الأدبي، جبّور عبد النور: 67، والتصوير الفني في القرآن، سيد قطب: 63، 64، والطبيعة في القرآن الكريم، د. كاصد الزيدي: 460.
(6) أنظر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، د. جابر عصفور: 238، 239.
(7) البقرة: 31.
(8) أنظر: معاني القرآن، الفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجار: 1/32.
(9) مجاز القرآن، أبو عبيدة (مَعْمرَ بن المثنى)، تحقيق: محمد فؤاد سزكين: 1/10.
(10) أنظر: التبيان في تفسير القرآن، تأليف: شيخ الطائفة، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (460هـ)، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير: 1/312،204، و ديوان جرير:2/913
(11) أنظر: شرح المعلقات السبع، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني، ضبطه: محمد علي حمد الله: 108ـ109، و ديوان امرئ القيس، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم:18
(12) أنظر: ديوان البحتري، شرح وتحقيق: حسن كامل الصيرفي:4/2090
(13) الذاريات: 41، 42.
(14) المراد بـ(المفردة) ـ هنا ـ الصورة البسيطة التي تتكون من أمرٍ واحد، أي المفردة بمعناها البياني وليس اللغوي أو النحوي، إذ يدلُّ المفرد على واحد والمثنى على اثنين والجمع على ما زاد عن اثنين.
(15) أنظر: كتاب الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق: علي محمد البجاوي: 272، 273.
(16) العنكبوت: 45.
(17) أنظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصبهاني، ولسان العرب، مادة (بشر).
(18) التكوير: 18.
(19) كتاب الصناعتين: 274.
(20) في ظلال القرآن، سيد قطب: 6/3842
(21) الفجر: 4.
(22) أنظر: لسان العرب، مادة (سرى).
(23) أنظر: التفسير البياني للقرآن الكريم، د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ): 2/132، والتصوير الفني في القرآن: 64.
(24) الأعراف: 54.
(25) أنظر: التصوير الفني في القرآن: 64
(26) يس: 40.
(27) أنظر: المفردات، مادة (درك).
(28) أنظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لجار الله محمود بن عمر الزمخشري:4/18، ومجمع البيان في تفسير القرآن، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي: 8/424، 425
(29) أنظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل إبراهيم: 78.
(30) أنظر: الإبداع البياني في القرآن العظيم، محمد علي الصابوني:271.
(31) يوسف: 4.
(32) الدخان: 29.
(33) أنظر: الكشّاف:4/276، ومجمع البيان:64
(34) أنظر: ديوان جرير، بشرح: محمد بن حبيب، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه: 2/736
(35) وقيل اسمها: الفارعة أو فاطمة بنت طريف الشاري، أخت الوليد بن طريف الذي كان رأسا من رؤوس الخوارج وأحد شجعانهم، خرج في خلافة هارون الرشيد، فأرسل له جيشا كثيفا بقيادة يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، فقتل في رمضان (179هـ). أنظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: د: إحسان عباس: 6/32،31.
(36) أنظر: مجمع البيان: 64، والكشاف: 4/276، وفي ظلال القرآن: 5/3214، والطبيعة في القرآن الكريم: 462.
(37) هود: 44.
(38) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: 9/40.
(39) يس: 82، وانظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن، الشريف الرضي، تحقيق: مكي السيد جاسم: 89،88 والكشاف: 2/397، ومجمع البيان: 5/164، 165، والجامع لأحكام القرآن: 9/40، ولسان العرب، مادتي (بلع) و(قلع).
(40) نوح: 10.
(41) أنظر: البحر المحيط، لأبي حيّان الأندلسي: 5/228.
(42) الحج: 5.
(43) أنظر: التصوير الفني في القرآن:64، والإبداع البياني في القرآن العظيم: 208
(44) الإنسان: 10.
(45) أنظر: المفردات في غريب القرآن، ولسان العرب، مادة (عبس) و (قمطر).
(46) الحشر: 21.
(47) أنظر: لسان العرب، مادة (خشع).
(48) أنظر: الكشاف: 4/509.
(49) أنظر: كتاب سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون: 4/224.
(50) مجمع البيان: 9/266.
(51) البقرة:74
(52) أنظر: المفردات، مادة (خشي).
(53) أنظر: التبيان في تفسير القرآن: 1/37.
(54) الأعراف: 154.
(55) أنظر: مجمع البيان:4/483، ودراسات فنية في صور القرآن، د. محمود البستاني: 192ـ194.
(56) هود: 74.
(57) أنظر: التصوير الفني في القرآن:65
(58) الفرقان: 12.
(59) أنظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن: 184، ومجمع البيان: 7/163.
(60) الإنسان:27.
(61) أنظر: دراسات فنية في صور القرآن: 479، 480.
(62) الحج: 2.
(63) الملك: 6ـ 8.
(64) النكت في إعجاز القرآن، لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، تحقيق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام: 80.
(65) المفردات، مادة (شهق).
(66) أنظر: مجمع البيان: 10/324.
(67) لسان العرب، مادة (شهق).
(68) أنظر: بديع القرآن، زكي الدين المصري، تحقيق: حنفي محمد شرف: 21.
(69) أنظر: المفردات، مادة (غيظ).
(70) كتاب الصناعتين: 272.
(71) أنظر: دراسات فنية في صور القرآن: 657، 658.
(72) الحاقة: 11.
(73) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (طغى).
(74) أنظر: النكت في إعجاز القرآن: 80، والصناعتين: 271، والعمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد: 1/75، ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز، فخر الدين الرازي، تحقيق: د. إبراهيم السامرائي ود. محمد بركات حمدي أبو علي: 133، ومفتاح العلوم، لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي، تصحيح: أحمد أسعد علي: 184.
(75) الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، يحيى بن حمزة العلوي: 3/339.
(76) الحاقة: 6.
(77) أنظر: الطراز:3/337.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com