موقع الصراط ... الموضوع : الأبعاد الرسالية في حج بيت الله الحرام
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأبعاد الرسالية في حج بيت الله الحرام  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 7 / ذي الحجة / 1435 هـ
     
  بقلم: الشيخ جميل مال الله الربيعي
((ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً))
الحج وفادة إلى الله تعالى من خلال قصد زيارة بيته والطواف به في مدة زمنية محددة في شهر ذي الحجة ضمن شروط حدّدها الشرع المقدس, وسنَّ لها أحكاماً في كل خطوة يخطوها المتعبد لله تعالى, وفيها يُخرِجُ الإنسان نفسه مما ألفه واعتاده في حياته اليومية, ويبذل في ذلك جهوداً نفسية شاقّة من خلال السفر, وفراق الأهل, والأوطان، وترك الملذّات التي اعتادها كلبس غير المخيط, واجتناب الكثير من الأمور التي كان يمارسها كالاقتراب من النساء والنظر في المرآة والتمشيط، وترك الجدال، والتزام الصدق، وحلق الرأس..الخ وغيرها مما لم يعتده من قبل، إضافة إلى الجهود المضنية في السفر والزحام البشري في الطواف، ورمي الجمرات، والسعي.
وخلاصة الكلام: الحج إذا صحَّ التعبير دورة تربوية تعبوية يختارها الإنسان لنفسه استجابة لأمر الله تعالى في زيارة بيته, وتعظيم شعائره, وتطبيق أوامره كلها طلباً لرضاه تعالى ، وهذه الدورة التي تتضمن برموزها المسنونة - والتي يطبقها العبد امتثالاً لأمر لله تعالى بدون تساؤل أو اعتراض - إعداد: تربوي, وأخلاقي, واجتماعي, وسياسي، كل ذلك بإطار روحي تعبدي بعيد عن المطالب الذاتية والعناوين الشخصية بروح مجردة عن الرياء والسمعة والشهرة خاضعاً خاشعاً متوسلاً إلى الله تعالى أن يَقْبَله في رحابه , ويعفو عن ذنوبه, ويقربه إليه، وبالتالي هي رحلة إلى رب البيت بزيارة البيت والطواف فيه مع ما يبذله من أموال كثيرة في سبيل ذلك، يقول الإمام الرضا (ع): (إنما أمروا بالحج لعلة الوفادة إلى الله عز وجل , وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف العبد تائبا مما مضى، مستأنفا لما يستقبل مع ما فيه من إخراج الأموال, وتعب الأبدان، والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر النفس عن اللذات شاخصا في الحر والبرد، ثابتا على ذلك دائما، مع الخضوع والاستكانة والتذلل، مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الأرض وغربها , ومن في البر والبحر ممن يحج, وممن لم يحج، من بين تاجر, وجالب, وبائع, ومشترى , وكاسب , ومسكين ومكار, وفقير، وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه مع ما فيه من التفقه, ونقل أخبار الأئمة عليهم السلام إلى كل صقع وناحية، كما قال الله عز وجل: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " وليشهدوا منافع لهم)(1).
ونحن من خلال هذا الحديث نستطيع أن نكتشف الأبعاد الأساسية لفريضة الحج وتتضح من خلال النقاط الآتية:
1- الحج هجرة إلى الله بكل ما للهجرة من معنى، هجرة نفسية وبدنية متجرداً فيها العبد لله تعالى ممتثلاً لأوامره، طالباً لرضاه تاركاً كل ما سواه وراء ظهره من مال وولد وملبس ومسكن وموطن وغيرها تقرباً لله تعالى، فما من حركة يتحركها الحاج؛ لأداء مناسكه إلا وفيها إلزام للنفس بالطاعة, والتزام بالامتناع عن المعصية، مثلاً عندما ينوي السفر إلى الحج يصمم على الفرار إلى الله تعالى إيماناً به, والتزاماً بأحكامه, وامتثالاً لأوامره.
وعندما يغتسل قبل الإحرام ينوي التطهّر من كلّ الخطايا والآثام والذنوب، وعندما يخلع ثيابه المخيطة ليلبس ثوب الإحرام، يقصد خلع ثياب المعاصي, ولبس ثياب الطاعات، ويتجرد عن الرياء والنفاق، وعندما يلبس ثوب الإحرام يُحرم على نفسه كل محرم حرمه الله تعالى، ويتحلل عن كل عقدة لغير الله، ويتقرب إلى الله بخير الأعمال، وحين يدخل الحرم المطهر، ويمتزج بالأمواج البشرية الحاجة المتحركة حول البيت كالبدن الواحد يحرم على نفسه غيبة كل مسلم يشاركه في الحركة والاتجاه والأهداف ويشعر بطوافه أنه يسبح في بحر الحياة الذي أبحرت فيه من قبل قوافل الأنبياء وأرتال الصالحين ولا سيما حينما يقف عند مقام إبراهيم (ع)، فيقصد أنه سيسير بسيرته, ويلتزم بالحنيفية السهلة السمحاء، وهكذا بقية المناسك وهذا يمثل البعد الروحي العبودي لله تعالى.
2- إن الحج كما هو وفادة إلى الله فهو عودة إليه تعالى طلباً للتوبة, ونزوعاً عما اقترف من معاصٍ، وندماً على ما ارتكب من المخالفات الشرعية، وتصميماً على التوبة النصوح بأداء حق الله، وتنجيز حقوق العباد، واستئنافاً للعمل في سبيل الله في مستقبل الأيام، وهذا هو الذي يمثل البعد التربوي.
3- ثم إن الحج تمرد على رغبات النفس, وعدم الخضوع لنزواتها وشهواتها ببذل المال وتحمل المشاقّ, وفطمها عن اللذات التي اعتادت عليها مع تحمل مصاعب السفر في الحر والبرد، وهذا أيضاً يمثل البعد الجهادي الأكبر في تهذيب النفس.
4- وللحج آثار اقتصادية ومنافع مادية تمتد إلى الكثير من طبقات المجتمع من خلال التحرك في موكب الحجاج, وتهيئة أسباب السفر من مختلف بقاع الأرض شرقاً وغرباً في البر والبحر والجو، أفراداً, وشركات, وحكومات؛ وهنا تمتد حركة المنافع المادية إلى التاجر والكاسب والبائع والمشتري، والغني والفقير، يقول تعالى: ((ليشهدوا منافع لهم وليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام))، وهذا هو البعد الاقتصادي.
5- وفي الحج يتم تداول الآراء العلمية والنظريات الإسلامية بين العلماء, وطلاب المعرفة حيث تطرح أفكار ورؤى متنوعة بين مختلف الحجاج من جميع أنحاء المعمورة, وتدور النقاشات والبحوث العلمية من خلال التقاء أهل العلم والمعرفة من الفقهاء ذلك على شكل مؤتمرات تلقى فيها البحوث الفكرية والسياسية والأخلاقية, ويتداول شؤون المسلمين وتعالج مشاكلهم لجمع كلمتهم, وتوحيد صفوفهم, ويتعارفون فيما بينهم على مجمل المشاكل ويتبادلون الرؤى في حلها، وهذا ما أكّده أهل بيت العصمة والطهارة؛ لتوجيه حركة الحاج, وبيان تفعيل هذا المؤتمر العالمي، سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق (ع) قائلاً: ما العلة التي من أجلها كلف الله العباد الحج والطواف بالبيت؟ فقال (ع): إن الله خلق الخلق... وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب؛ ليتعارفوا: ولينزع كل قوم من التجارات من بلد إلى بلد: ولينتفع بذلك المكاري والجمال(2).
6- ومن الأمور المهمة جداً في حركة الحاج هي التعرف على آثار رسول الله (ص) ومن قبله من الأنبياء والمرسلين والتعرف على أخبارهم بشكل حسي ملموس سواء كان الوقوف على الأماكن التي حلوا فيها كبيت الرسول وغار ثور ومكان مولده (ص) وشعب أبي طالب، والأماكن التي وقف عليها، كل ذلك يشد الحاج إلى حركة الرسالة الأولى بشكل محسوس، إلا أنّه ومع الأسف الشديد أن الطواغيت خربوا كل هذه الآثار، ومنعوا الوصول إليها ضمن خطة شيطانية على قاعدة (حسبكم كتاب الله)... وإلى هذا أشار الإمام الصادق (ع) بقوله: ولتعرف آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وتعرف أخباره، ويذكر ولا ينسى(3).
خلاصة الكلام: إننا يمكن أن نستوحي من شعائر الحج ومناسكه ما يعمق فينا الإيمان بالله تعالى, ويجذره في نفوسنا، ويُحَكّمه في جوارحنا حتى يتحول الإيمان إلى غذاء للقلب، ونور للعقل, ومقوم للسلوك، نقول: إن هذا يتحقق من خلال رحلة الحاج وانتقاله من منسك إلى منسك وهو منشدٌ شعوراً وإحساساً وسلوكاً إلى الله تعالى من خلال استمرارية الذكر لفظياً وذهنياً بل وحتى سلوكياً.
وهذا الشعور المستمر والإحساس المتصاعد يجعل الحاج يشعر بكرامة الله تعالى له حيث أذن له ليكون في رحابه تعالى ضيفاً كريماً قد استجاب لدعوته الله تعالى؛ ولذا فالحاج ما دام مستمراً على أداء المناسك تنتابه أحاسيس عدة؛ فمرة يقترن إحساسه بالهيبة, والخشية, والخشوع والخضوع , والضراعة إلى الله تعالى بين يديه تعالى، ومرة يشعر أنه يضع أقدامه حيثما وضع أنبياء الله أقدامهم, ويشعر أنه يسير بمسارهم فيعيش مع إبراهيم, وإسماعيل, ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، فيشعر بالغبطة والسرور، وهكذا يصل إلى درجة يشعر بها أنه تحرّر من قيود الدنيا وتمرد على أغلالها, وخرج من أنانيته وانيته, وانصهر في الأسرة الإبراهيمية، وبذلك تسهل عليه التضحية في سبيل الله بالمال والأولاد والراحة والمميزات الدنيوية التي كان يعيشها قبل أن يلبس ثوب الإحرام.
وهكذا تسمو نفسه حين يحس بانفتاح قلبه على الله, وعلى أخوانه من عباد الله, ولا شك أن الانفتاح والإقبال على الله دليل على غفران الذنوب، وتصفية النفس من أدرانها, ومن مذام الأخلاق، والخروج من سيطرة العادات والأعراف والتقاليد المنافية للشارع المقدس.
وعندما يسير بتلك الأرتال العظيمة من حجاج بيت الله تعالى بمختلف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم يشعر بعظمة الإسلام وقوة هيمنته على النفوس واستيلائه على القلوب.
وعندما يعيش روح التلبية وجوهرها ينطلق من مختلف الحناجر (لبيك اللهم لبيك) يشعر بالأخوة الإيمانية فينصهر في بوتقة الإيمان, وحينئذ يحس بوجوده الجمعي لا وجوده الفردي الأناني... وبذلك تنفتح نفسه على أمة الإسلام , وتتجاوب روحه مع أرواح المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها, وبذلك ينطلق للتعرف على مشاكل المسلمين وآمالهم وآلامهم ويتعرف على مستواهم الفكري, والثقافي, والإيماني، فيتزود بمعرفة جديدة ويصبح متمتعاً بروح الأمة الواحدة حتى يُجَذّر هذا الشعور في نفسه روح الولاء الإيماني, ويتذوق حلاوة قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..)
وهكذا من خلال اللقاءات المتواصلة مع أفواج الحجاج يأخذ ويعطي، يسمع ويستمع ويخاطب، يلقي ما عنده من أفكار، ويتلقى من أخوانه ما يجهله، فتتلاقح الأفكار وتضيق فجوة الاختلاف من خلال التعرف على وجهه نظر الآخرين لا سيما العلماء والفقهاء والمفكرين من مختلف الاختصاصات العلمية والفقهية والسياسية والاجتماعية.
وبذلك يكون الحج رحلة روحية إلى الله تعالى، تهذب بها النفوس، وتطهر فيها القلوب، وتتقارب فيها وجهات النظر، وتأتلف القلوب، ولكن لا بد أن نشير إلى أن هذه المفاهيم لا تدركها إلا قلوب رقّت ونفوس زكت، وأما القلوب الملبدة بالأطماع, والجشع, والحقد, والحسد فلا تدرك من ذلك شيئاً.

الهوامش:
(1) وسائل الشيعة: 8/7-8 .
(2) المصدر نفسه: 8/ 9 .
(3) المصدر نفسه.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com