موقع الصراط ... الموضوع : أطياف الغدير والمنهج الرسالي
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أطياف الغدير والمنهج الرسالي  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 12 / ذي الحجة / 1435 هـ
     
  بقلم: الأستاذ مصطفى خميس
هناك.. خلف تلال مكة، وبين شعابها..
يرنو إلى البيت العتيق.. يركع خاشعاً.
ويجثو على ركبتيه جبل النور. ويحكي عظمة الرسالة.
ينبئ عن قصة الرحلة نحو النور الأزلي، رحلة رسول الانسانية، محمد بن عبدالله(ص).
وانت تقف امام جبل النور، تستشف عوالم الرحمة والطمأنينة، تقف متواضعا امام هذا الشيخ المبجل، وهو معتم بغار حراء، شامخا فوق الغيوم. متعاليا فوق الروابي والجبال، يعتز مفتخراً، ويتباهى على اقرانه بتلك العمامة المطهرة، التي حظيت بتعبد النبي المؤيد، ورسالة النور السماوي:
(اقرا باسم ربك الذي خلق) وصدرت اوامر السماء، إلى الحبيب محمد، بالدعوة إلى تبليغ دين الله، بدءا من اهل بيت الداعي وعشيرته: (وانذر عشيرتك الاقربين).
هناك كان اللقاء، بين سفح وقمة، ومناسك وفيوضات ربانية للرحلة النبوية المباركة، في سعي وطواف، ورمي واستغفار، ضيوف على الرحمن، اوابين وخطائين. صبيحة يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام، تملكنا شعور ببهجة ايام العيد، وانها لم تنته بعد وهي تلح علينا منذ الفجر الاغر، لتعود بنا الذكرى إلى العام العاشر من الهجرة، حيث وقف رسول الله(ص)، واستوقف، وخطب وبلغ، راسما خطوة الرسالة، مبينا الطريق الذي يجب على الأمة أن تسلكه، للنجاة من النار، والفوز بالرضوان. كان ذلك في موضع يسمى ((غدير خم)) بين مكة والمدينة، وهو آخر العهد ومفترق الطرق حيث يتفرق الحجيج إلى بلادهم.
في تلك البقعة التي تشرفت بموقف رسول الله(ص)، تتلمس في عبقها عظمة عيد الغدير، عيد البيعة واكمال الدين، تقرا التاريخ وانت تستعيد اطياف الغدير، وتتنسم عبير الرسالة، وهدي الإمامة، وروحانية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).
من هنا كان المنطلق.. وفي تلك الربوع انطلقت البداية.
تواتر نزول القرآن الكريم، واستمر هبوط الوحي، ومن البداية والمنطلق يأتي تمام كلمة الله ورسالته، وقد ارادها الله قرآناً عربياً (لعلكم تعقلون)، رسالة هادية إلى البشرية المعذبة التائهة في ظلام الجاهلية والعبودية لغير الله.
اختار عز وجل غدير خم بين مكة والمدينة مكانا لإعلان الحق، بإكمال الدين واتمام النعمة، وخلود الشريعة، ليدل على عظمة المرسل وسمو مكانة الرسول.
اختار يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ليكون موعداً للأمر الإلهي الموحى، وهو تنصيب علي بن ابي طالب(ع) علماً للناس، اماماً هادياً مهدياً.
اكتمل الدين بنزول الاحكام ومعرفة الفرائض والشعائر والعبادات ومسائل الحلال والحرام، وتمت النعمة بمعرفة سبيل الهداية، وبيان القيادة الروحية للرسالة الخالدة، حتى لا تضيع، وذلك بانتقال الرسالة من مرحلة القيام بالحامل الشخصي المتمثل برسول الله (ص) إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي، المتمثل بعلي(ع) وبالأئمة عليهم السلام من بعده، وانتقال الدين من مرحلة الحدوث والتكامل إلى مرحلة البقاء والاستمرار، اتماما لهذه النعمة العظيمة، لكي لا يكون للناس حجة على الله من بعد الرسل.
لهذا كله كان الغدير والولاية من اهم مقومات المنهج الرسالي للحفاظ على استمراريته، صونا للرسالة من التحريف، وحفظا للشريعة من التغيير والتبديل.
فما هو المنهج الرسالي الذي تم في الغدير وتكاملت اطرافه؟ وما قيمة اطياف الغدير ومنعكساتها؟ وما هو العهد الذي اكمل الله به الدين والنعمة؟ هذا ما سنحاول القاء الضوء عليه، وبالله المستعان.
المنهج الرسالي المنهج الرسالي هو الخطوط العامة التي رسمها لنا سبحانه وتعالى، من اجل ان نسير على هداها. ودعا اليها رسول الله(ص)، وبينها في مواقف عديدة، بوحي وامر من الله. قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين)«يوسف/108».
فأنزل الله قرآناً مجيداً، محكماً آياته، معجزا بذاته، وجعله سبيل هداية للناس ورحمة، ووصفه سبحانه وتعالى بأنه من حكمته وتدبيره، وعلمه ومعرفته، وهو الخبير بكل شيء. فقال:
(كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)«هود/2».
ليهدي به الناس بعد ضلالهم، وليكون حجة للمسلمين على اهل الكتاب والرسالات السماوية السابقة. وارسل سيدنا محمدا(ع) نبيا رسولا، وجعله خاتم النبيين، وأعطاه المكانة العظيمة، والرتبة العالية، وفضله على العالمين، ومنحه حقا قانونيا بان يكون الناطق باسمه عز وجل، والمفسر المبين لآيات كتابه العزيز، فعصمه بالوحي، وهداه لكي يحكم بما اراه الله.
القرآن الكريم كتاب الله الصامت، ورسول الله هو القرآن الناطق، المتحرك بين الناس، المبين لأحكام القرآن، والمحافظ عليه، والهادي إلى الله بإذنه إلى الصراط المستقيم.
لهذا كله فقد هيأ الله، سبحانه وتعالى، نبيه الأعظم ليكون سبيل هداية ملازماً للقرآن الكريم، من خلال اتحاد الفكر، ووحدة المنطلق، ومصدر الوحي والالهام، لذلك فقد وجبت عصمة الرسول كما وجبت عصمة الكتاب، لكي يكتمل منهج الدعوة ومقومات الرسالة. قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)«النجم/3 و4».
وقال أيضاً: (وإنك لعلى خلق عظيم)«القلم/4».
عصمه الله عن الخطأ والزلل، حتى يثق به الناس ويصدقوه.
فكان سبيلاً للنجاة والرشاد، بشيراً ونذيراً، ومصباحاً ينير دروب المتقين للوصول إلى رحمة الله، وإلى نوره وهدايته، لتلتقي عنده القلوب المؤمنة، الصافية من الأدران، وليشع منها النور الذي بدأها أول مرة ورعاها، منذ أن كانت في عالم الذر، وهذا كله بفضل الله وعنايته، ورغبة منه في هداية العباد ونجاتهم. قال تعالى: (يا أيها الرسول إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)«الاحزاب/45 و46».
أراد عز وجل أن يكون القرآن الكريم جامعاً لجميع الكتب السماوية والرسالات الإلهية، وخاتماً لها، وأراد أيضاً أن يكون الرسول (ص) جامعاً لكل فضائل الأنبياء والرسل من قبله وصفاتهم، وخاتماً لهم.
وأنزل تبارك وتعالى القرآن، فبين فيه كل شيء تحتاج إليه الأمة، لم يترك صغيرة ولا كبيرة، سواء منها ما يختص بالعقيدة، ام بمعاملات الناس اليومية، وطرق معايشهم وسلوكهم، من اجل بناء مجتمع العدالة والمساواة، راسما لهم معالم الطريق في كل ذلك، بآيات صريحة، حكيمة مبينة، مفصلة ومجملة، او بتلميحات هادفة وارشادات لطيفة، ترك بيانها وتأويلها لرسوله الأكرم محمد(ص)، ومن بعده للراسخين في العلم، الذين أورثهم الله الكتاب والقيادة.
قال تعالى موضحاً هذه الوراثة والقيادة والمرجع:
(والذي اوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير)«فاطر/31 و32».
فجاءت رسالة الله الينا شاملة كاملة، منهجاً محكماً، وديناً قويماً.
قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)«الانعام/38»، (وكل شيء احصيناه في امام مبين)«ياسين/ 12». واراد الله ان يتم نور الرسالة، وأن يتوجها بأمر عظيم، وطلب هام، جعل فيه نجاتهم وهدايتهم، بعد ان اكتملت الاحكام واقرت العبادات. وذلك بان بين القيادة بعد رسوله الاكرم(ص) لاستمرار المنهج الصحيح، وجعل ذلك من اسباب اتمام الرسالة والنعمة ودوامهما. فأمر عز وجل نبيه بان يبلغ هذا البيان وهو قافل من حجة الوداع، ليكون عاملا رئيسيا من عوامل استمرار الرسالة، وصونها عن التحريف والتزييف، وعصمتها من كل زيادة ونقصان. وليكون هذا الامر عصمة للامة من الضلال، وسبيلاً لمعرفة المنهج الصحيح، وطريق التقوى، حفظا من التيه والضلال، فكان موقفه(ص) في غدير خم بين مكة والمدينة قرب ((رابغ))، وهذا الموقع هو نقطة افتراق الطرق التي تقود قوافل الحجيج إلى مختلف انحاء الدولة الاسلامية وذهاب القبائل إلى بلدانها.
الغدير والرسالة لماذا الغدير؟ ولماذا الوقوف في هذا الموقع في الهجير، وبعد تعب المسير؟ لمعرفة الطريق الذي يسلكه العارفون، السائرون نحو منبع الهداية والنور الالهي، وبعيدا عن تيارات الفتن التي حكى عنها القرآن، وذكرتها السنة، كان الغدير، قال تعالى: (احسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)«العنكبوت/2 و3».
فالغدير جاء بيانا للناس، وسفينة للنجاة من بحور الفتن، وامواجها، تلك الفتن التي وصفها رسول الله(ص) بانها تموج كموج البحر، وحذر منها قائلا: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) ولهذا كله كان الغدير، وكان الوقوف للبلاغ في حر الظهيرة وعناء السفر، فجعله الله تعالى من اسباب تكامل الرسالة وعوامل صونها وديموميتها، وعصمة للمسلمين من الفتنة والضلال.((غدير خم)) اختص ببيان الولاية العامة والامامة الكبرى بعد رسول الله(ص)، ومعرفة الولاية، والمرجعية، رعاية لشوون الامة، وحفظها من التيه. وتحديد الذي يرث الكتاب ويقود السفينة إلى بر الامان، والنجاة من الغرق بعد تلاطم امواج بحور الفتن.
أهبط الله عز وجل جبرئيل(ع) ليأمر نبيه المكرم بإبلاغ هذا الامر مبينا اهميته، وان ابلاغه للناس يعادل ابلاغ الرسالة كلها، لأنه من الاهمية بمكان، وعدم ابلاغه يعني المعصية المعادلة للقعود عن تبليغ الرسالة كلها التي بلغت على مدى ثلاث وعشرين سنة، منذ فجر الرسالة. فاخبره جبرئيل عن الباري عز وجل ان يعلن للامة ان علي بن ابي طالب(ع) هو الامام من بعده، وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة، وان اهل بيته عصمة من الضلال وان ولايتهم هي ولاية الله ورسوله، وان يبلغ هذا الامر للناس في هذا الموقف بقوله تعالى: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)«المائدة/67».
ولأول وهلة، يظن المرء ان الآية تعني تبليغ الرسالة وهي القرآن الكريم، وهذا ما جنح إليه بعض المؤرخين للتعمية على الحقيقة من أسباب النزول.
أنزل الله عز وجل على نبيه القرآن منجماً (متفرقاً) على مدى ثلاث وعشرين سنة، وقد بلغ جميع ما نزل منه في حينه، أي أنه قد بلغ القرآن كله، وركز احكامه، وبين محكمه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه.
اما الطلب هنا فهو لأمر آخر، وهو وجوب تبليغ شيء مستجد هو غير الرسالة قطعاً، وهذا الامر هو من الاهمية بمكان، وهو يعادل تبليغ كل الرسالة من حيث الاهمية، وان الرسول اذا قصر في تبليغه فسوف يحاسبه الله، ويكون ذلك معصية منه ونقضاً لعصمته ونبوته، فقوله تعالى: (بلغ ما أنزل إليك من ربك) أمر بتبليغ ما لم يكن مبلغاً من قبل، لأن فعل الامر فيه، يدل على الوجوب في الحاضر، من أجل تنفيذ أمر الله، وإبلاغ ما لم يبلغ سابقاً.
وكذلك فالآية هي من سورة المائدة، وهي مدنية بإجماع المفسرين. ومن اواخر ما نزل من القرآن. اضافة إلى أن كثيراً من المفسرين ذكروا انها نزلت في حادثة الغدير بشان علي بن ابي طالب(ع). وروى كثير من الاخباريين ذلك في كتب فضائل امير المؤمنين(ع). ومن المفسرين نذكر الامام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، قال:
نزلت في فضل علي بن ابي طالب(ع)، ولما نزلت هذه الآية، اخذ بيده وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه))، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: ((هنيئا لك يا ابن ابي طالب اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة))، وهو قول ابن عباس، والبراءبن عازب، ومحمد بن علي وان قوله تعالى: (فما بلغت رسالته)يدل على ان الرسالة مبلغة قبل هذا النزول، لذلك جاء هنا بالفعل الماضي الذي يدل على ذلك (بلغت) ويدل كذلك على ان النبي(ص) قد بلغها في الماضي الذي استغرق مدة ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة الدعوة، ونزول القرآن.
وأما قوله تعالى: (إن لم تفعل)فيدل على وجوب تنفيذ امر مستجد حين النزول، جاء هذا الأمر بعد تبليغ الرسالة، وإلا فكيف يقول: (وان لم تفعل)وهو قد بلغ الرسالة؟ وهذه العبارة تتضمن تهديداً ووعيداً، إذا لم ينفذ ما أمر به.
واعلم أنه لا معنى لطلب تبليغ الرسالة بعد تبليغها فعلا في هذه السنين العديدة. فيقول: بلغ الرسالة التي بلغتها، وهذا بعيد جدا عن منطق الوحي، وعن بلاغة القرآن الكريم، واذا كانت الآية تعني تبليغ الرسالة كلها -كما زعم بعضهم- فكيف يؤولون قوله تعالى: (وان لم تفعل)وهو قد بلغ وفعل، وكيف يحاسب على عدم تبليغ الرسالة وهو الذي قد بلغها بكل ما جاء فيها وبينها للناس؟! لم يقصر رسول الله(ص) ولم يعص الله سبحانه وتعالى، فاعلن هذا الامر المستجد والهام للامة. وفي مجمع الصحابة الذين حضروا معه، وبين ما جاء به جبرئيل(ع)، وانه في علم اللهو تقديره أن رسوله الاكرم لن يعصيه ابدا، ولن يقصر في التبليغ. لكنه عز وجل بحكمته وعلمه قرن هذا الامر بالتهديد والوعيد، لكي يبين للناس عظمة القضية واهميتها، ولكي يسارع رسول الله(ص) إلى اعلانها، فيبلغ الامر السماوي الجديد الذي لا يحتمل التأخير او التقصير، وذلك رغم وجود المعارضة من حاسدين ومعاندين، ومنافقين، وهو يعلم ان فيهم من لا يقبل بهذا الأمر، وفيهم من سيحاربه بشتى الوسائل، حتى يمنع قيام الحامل النوعي من اداء مهمته، وقد وصف الله تعالى افراد هذه الفئة المعارضة بانهم الاعداء الحقيقيون: أعداء الولاية والرسالة، وفيهم اناس اصحاب كلمة مسموعة عند النبي لشدة مكرهم ودهائهم. قال تعالى في سورة المنافقين:
(وإذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله انى يؤفكون)«المنافقون/4».
بلغ رسول الله(ص) ما امره به ربه عز وجل من الوحي، ومن الطلب الالهي الجديد. ولم يعص الله طرفة عين، ولم يخش احدا من هؤلاء المعارضين، كيف هذا وقد وعده ربه بان يحميه ويعصمه من اذاهم، فامتثل بذلك النبي إلى أمر الله وبلغ ما اوحي اليه، غير خائف من المعارضة بعد نزول الوعد بالعصمة في قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) ولا شك أنه كان ينتظر العصمة من الله لوجود تلك المعارضة المشؤومة.
ونقل أرباب السير والمحدثون هذه الواقعة، وبينوا هذا الموقف بكل تفاصيله، حيث وقف النبي(ص) حتى رجع المتقدم من القوم، ولحق به المتأخر منهم، وبلغ الجمع ذروته، فقام في هذه الجموع خطيباً واعظاً، ليبلغ ما أنزل إليه من ربه، وذلك قبل تفرق هذا الموكب العظيم الذي تجمع في حجة الوداع.
صور هذا الموقف، ونقل خطبة النبي في هذا المشهد الكثيرون، من امثال الامام مسلم والحاكم واحمدبن حنبل وابن هشام وابن اسحق والشافعي برهان الدين وغيرهم.
نص البلاغ ونص الخطبة، كما أوردها برهان الدين الشافعي في سيرته هو:
ولما وصل(ص) إلى محل بين مكة والمدينة يقال له: غدير خم، بقرب رابغ، جمع الصحابة وخطبهم خطبة بين فيها فضل علي، كرم الله وجهه، فقال:
((أيها الناس، أنه قد نبأني اللطيف الخبير انه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله، واني لأظن أن يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيراً.
فقال (ص): أليس تشهدون أن لا اله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حق، وأن الموت حق، وأن البعث حقٌّ بعد الموت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللهم اشهده)). الحديث.
ثم حض على التمسك بكتاب الله، ووصى بأهل بيته، فقال:
((اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي اهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)).
وقال في حق علي كرم الله وجهه لما كرر عليهم: ((الست اولى بكم من انفسكم؟ ثلاثاً. وهم يجيبونه(ص) بالتصديق والاعتراف)). ورفع يد علي كرم الله وجهه، وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، واحب من احبه، وابغض من ابغضه، وانصر من نصره، واعن من اعانه، واخذل من خذله، وادر الحق معه حيث دار)).
قال الشافعي برهان الدين بعد ذلك:
وهذا حديث صحيح ورد باسانيد صحاح وحسان.
وقد جاء ان عليا، كرم الله وجهه، قام، في خطيبا فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:
((انشد الله من ينشد غدير خم الا قام، ولا يقوم رجل يقول:
انبئت، او بلغني، الا رجل سمعت اذناه ووعى قلبه، فقام سبعة عشر صحابيا، وفي رواية: ثلاثون صحابيا، وفي المعجم الكبير:
ستة عشر، وفي رواية: اثنا عشر، فقال: هاتوا ما سمعتم. فذكروا الحديث، ومن جملته: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)). وفي رواية: فهذا مولاه. وعن زيد بن ارقم رضي الله عنه: وكنت ممن كتم، فذهب الله ببصري. وكان علي كرم الله وجهه دعا على من كتم)) ولما كان الكلام يفهم من القرائن، ومن ربط المقدمات بالنتائج، فإننا نجد ان النبي(ص) قد قرن ولايته بولاية علي بن ابي طالب(ع)، فذكر الناس بولايته اولا وقوله تعالى: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم)«الاحزاب/6». وذلك حينما قال:
((الست اولى بكم من انفسكم))، وهم يجيبونه بالتصديق. فثنى بعدها بولاية امير المؤمنين علي(ع) وقرنها بنفسه، لربط الثانية بالأولى، وللتلازم في ما بينهما، وربطهما معا بولاية الله عز وجل، ليقطع كل تأويل أو شبهة في صرف المراد إلى معنى آخر للولاية، ليوكد انها الولاية العامة على المؤمنين، وحق التصرف بالنفس والمال والولد، وهي الامامة الكبرى وخلافته المعروفة بانها النيابة عن صاحب الشريعة.
أكد الرسول(ص) حق الولاية، ومعناها المطلوب، بقوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) في تلك البقعة التي شهدت يوم الميثاق المأخوذ والعهد المعهود، فكان عيدا في السماء وعهداً من الله إلى الناس.
من هنا ندرك أنه لا يمكن تأويل الولاية في هذا الموقف بغير معنى الامامة العامة وامرة المؤمنين وقيادتهم نيابة عن صاحب الشريعة، وحق التصرف حتى في النفس كما كان لرسول الله(ص)، اذ انه قد ذكر للولاية معان عديدة منها:
الناصر، والمولى، والعبد، والصاحب... ولا يصح منها شيء سوى ما ذكرناه لاقترانها بولاية النبي وولاية الله كما رأيت.
أهم مصادر الخطبة من اهم المصادر التاريخية والحديثية التي روت هذه الخطبة، وذكرت انها قيلت في غدير خم. وتضمنت ما ذكرناه او قريباً منه:
1- السيرة الحلبية لبرهان الدين الشافعي، في الجزء 3، صفحة 274.
2- صحيح مسلم النيسابوري القشيري، في الجزء 7، صفحة 122، من كتاب الفضائل.
3- سنن الترمذي (من الصحاح الستة)، في الجزء 5، صفحة 297.
4- سنن ابن ماجه (من الصحاح الستة)، في الجزء 1، صفحة 43.
5- مستدرك الحاكم على البخاري ومسلم والتلخيص للذهبي، في الجزء 3، صفحة 109.
6- مسند احمد بن حنبل، في الجزء 4، صفحة 281، وصفحة 368، بروايته عن البراء بن عازب.
وأتممت عليكم نعمتي بعد أن بين رسول الله (ص) الأمر الذي نزل من السماء، وبلغ الناس ولاية علي بن ابي طالب(ع)، واوجب طاعته ومودته وموالاته، وانها طاعة رسول الله (ص) ومودته وموالاته، اقر الجميع بانهم سمعوا واطاعوا، قاموا إلى تهنئة علي (ع) بولايته وامرته عليهم. احتفاء بهذا المنصب الالهي العظيم، مبتهجين فرحين باكتمال منهج الرسالة، ومعرفة سبيل الهداية، والصراط السوي بعد رسول الله(ص).
وكم كانت فرحة النبي عظيمة عندما تمكن من ابلاغ ما امره الله به من غير خوف ولا معارضة ظاهرة. ولا سيما وقد وعده ربه بان يعصمه من الناس.. ومن كيد الحاسدين. وهذا هو الأمر الذي كان ينتظره من ربه تبارك وتعالى، وهو السبب في تأخره عن التبليغ، او تفكيره في تأخيره حتى حصول العصمة من الناس من عند الله سبحانه وتعالى، وكانت فرحته(ص) اعظم حينما نزل عليه قوله تعالى من سورة المائدة:
(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون * اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)«المائدة/3».
وذلك بعد تبليغ الولاية، وتبيان سبيل الهداية، والعصمة من الضلال. فقال رسول الله(ص): ((الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن ابي طالب))فقال حسان بن ثابت: اتأذن لي يا رسول الله أن أقول أبياتاً؟ قال: قل.
فقال حسان بن ثابت:
يناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم، واسمع بالنبي مناديا
باني مولاكم نعم ووليكم *** فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاميا
الهك مولانا وانت ولينا *** ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا
فقال له: قم يا علي فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
لقد كمل الدين وتمت النعمة بتعيين القائم بالأمر بعد رسول الله(ص)، فتكون الرسالة بذلك قد انتقلت من مرحلة القيام بالحامل الشخصي إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي، واكتمل المنهج الرسالي.
تلك الولاية المعلن عنها، في ذلك الموقف المشهود، هي النعمة الكبرى التي زرعت الياس في نفوس المعارضة من يهود ومشركين ومنافقين وحاقدين.. وهم الذين سماهم الله ((الكافرون))لجحودهم حق الولاية، وتآمرهم على مصير الرسالة، وقد كانوا يظنون أن الرسالة ستموت بموت رسول الله(ص)، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون، والذي يؤيد قولنا هذا ويؤكده، هو جزء الآية (صدرها) الذي سبق قوله تعالى:
(اليوم أكملت لكم دينكم..) وهو قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون)فجاء بعدها مباشرة بقوله: (اليوم أكملت...) والجزءان من الآية الثالثة من سورة المائدة. فمن اي شيء يئس الذين كفروا؟ ولماذا في هذا اليوم بالتحديد؟ ان اتمام الرسالة، وقوة الاسلام ومنعته وعزته، وفتح مكة قبل ذلك اليوم بعام واحد، كل ذلك اعط ى للدولة الفتية القوة والهيبة، وللرسالة الاسلامية العزة والمنعة. لكن هؤلاء (الذين كفروا)لم ييأسوا من القضاء على الدعوة والرسول، ونهاية دولة اقضت مضاجعهم. فكانوا يرون ان موت الدعوة مرهون بموت الداعي وهو رسول الله(ص)، لأسباب عدة منها انه ليس له ولد يقوم مقامه، تلك امانيهم. اما الان فقد يئس هؤلاء من القضاء على الدعوة بعد ان بين النبي(ص) الامام من بعده، والقيادة الروحية والعقيدية، وهو كنفسه قوة، وهداية، وهم يعلمون قوة الامام، وقد برهن عليها في كثير من المواقف والساحات.
وأنه لمن البديهي أن اكمال الدين وقولبته، وتأطره ومعرفة تفرعاته، كل ذلك لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه، وإن أية سنة من السنن والأديان المتبعة لا تبقى على نضارتها وصفائها، سواء بنفسها او بانتشار صيتها، او بكثرة المتبعين لها، وهي ايضا لا تنمحي ولا تنطمس بقهر او تهديد او فتنة، الا بموت صاحبها وفناء حملتها المخلصين وذهاب حفظتها القائمين بتدبير أمورها.
من هنا ندرك أن تمام يأس الكافرين إنما يتحقق عند الاعتبار الصحيح، بان ينصب الله لهذا الدين قيما علما، يقوم مقام النبي بعد وفاته، فيكون بذلك يأس هؤلاء الأعداء بمعرفة الحامل النوعي للرسالة، وهو من رسول الله(ص): ((علي مني وانا من علي))، وقوله الذي سبق في خطبة الغدير: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقوله الذي سبق ايضا: ((اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي اهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض))، فانتقل بذلك الدين من مرحلة الحدوث والبناء إلى مرحلة الكمال والبقاء، اتماما لنعمة الله عز وجل وبعد ان اخبر رسوله(ص)بان خطة هؤلاء الكفار تتمثل بمحاولة إرجاع المؤمنين كفارا من بعده وكلما سنحت لهم الفرصة. وهذه الفرصة لن تأتي -بزعمهم- الا بموت رسول الله(ص)، قال تعالى:
(ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ان الله على كل شيء قدير) «البقرة/109».
فاشتمال الآية على قوله: (حتى يأتي الله بأمره) إشارة إلى هذا المعنى. والله العالم. ولابد هنا من الاشارة إلى انه ليس هناك تناقض بين ما روي ان آية (اليوم اكملت..)نزلت يوم عرفة -على بعض الروايات- وبين ما روي من نزولها في غدير خم، فلا يستبعد ان يكون الله قد امر نبيه ببيان ولاية علي بن ابي طالب يوم عرفة، واعلمه أن ذلك من إكمال الدين وإتمام النعمة بقوله تعالى: (اليوم اكملت...). وان النبي(ص) لم يبادر على الفور بتبليغها منتظراً عصمة الله له من ذوي النفوس المريضة، ومن المنافقين. فنزل عليه الوحي في غدير خم بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك)في علي(ع) قبل تفرق الناس إلى بلادهم، واعطاه وقتها العصمة والحماية، فصار الامر مرهونا بذلك، ويؤيده قوله تعالى: (ما انزل اليك من ربك)فيفيد بأن هذا الامر نزل قبل هذا الوقت، وهو جديد في الوصي والرسالة. مستقل عن تبليغ الرسالة (القرآن) كما بيناه.
ثم اتبعه تعالى بالتهديد والوعيد: (وان لم تفعل..)الآية. وهو تعالى يعلم عدم معصية الرسول. ولكن جاء بذلك تأكيداً لأهمية الامر، ولفت نظر الامة إلى ذلك.
وبعد أن عصمه الله بادر إلى اعلان الامر وقراءة الآية المباركة (اليوم اكملت لكم دينكم..)لتثبيت هذا المعنى بعد تبليغ الولاية وبيان القيادة.
وقد جاء تباطؤ النبي في اعلان الامر منتظرا آية العصمة لسببين:
الأول: الرواية التي تقول ان نزول القرآن تواتر على مدى ثلاث وعشرين سنة وأنه نزل على ثلاث مراحل:
أ- نزوله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا (جملة)
ب- نزوله على قلب الرسول(ص) دفعة واحدة، فوعاه قلبه وحواه صدره.
ج- نزوله منجما على مدى ثلاث وعشرين سنة.
الثاني: ليس التباطؤ لانتظار العصمة معصية، ومثله تباطؤه(ص) في إظهار زواجه من زينب بنت جحش، وقد امره الله تعالى بذلك عن طريق الوحي. وخشي النبي من ارجاف المغرضين، وتخرص الحاسدين، فكتم امر الزواج حتى بعد طلاقها. ونزل في ذلك قوله تعالى:
(وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق أن تخشاه) «الاحزاب/37».
والمرجح هو نزول الآية في غدير خم، ومن ثم نزل اكمال الدين واتمام النعمة بعدها لإجماع اهل البيت وعلمائهم على ذلك.
روايات الغدير اذا ما عدنا إلى روايات حديث الغدير، بمختلف اشكالها، لوجدناها تدل بوضوح على تكامل المنهج الرسالي بالولاية، وإلى بيان العصمة من الضلال، وذلك بالتمسك بالثقلين وولاية علي واهل البيت عليهم السلام.
ولابد من تسليط بعض الضوء على روايات حادثة الغدير، وسوف نجد ان بعض المصادر روت الحادثة بذكر حديث الثقلين مقترناً بولاية علي بن ابي طالب، وبعضها الاخر انفرد برواية حديث الثقلين. والآخر انفرد بذكر الولاية فقط.
(1) روى الخطبة متكاملة بذكر حديث الثقلين، وهما: الكتاب والعترة، اضافة إلى ولاية علي بن ابي طالب(ع) كل من:
أ- برهان الدين الشافعي في سيرته النبوية (السيرة الحلبية، ج 3، ص 274) وقد مر ذكرها.
ب- الحاكم في المستدرك على الصحيحين والذهبي في التلخيص (ج 3، ص 109) وجاء فيها: عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول الله(ص) من حجة الوداع، ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن. فقال: كأني دعيت فأجبت، اني تارك فيكم الثقلين، احدهما اكبر من الاخر: كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
ثم قال: إن الله مولاي، وانا مولى كل مؤمن. ثم اخذ بيد علي رضي الله عنه فقال:
من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وذكر الحديث بطوله.
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (البخاري ومسلم) ولم يخرجاه بطوله.
وذكره الذهبي في تلخيصه على المستدرك من دون ذكر قوله: ((اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه)).
(2) روى الخطبة بذكر حديث الثقلين من غير ذكر الولاية مع ذكر المناسبة والموقع كل من:
أ- الإمام مسلم القشيري النيسابوري في صحيحه، المسمى ((صحيح مسلم))، باب فضائل علي بن ابي طالب(ع) (ج 7، ص 122) وجاء فيه:
عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله(ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله، واثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال:
((أما بعد ايها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وانا تارك فيكم الثقلين، اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب اللهورغب فيه، ثم قال: واهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي)). فقال له حصين: ومن اهل بيته يا زيد، اليس نساوه من اهل بيته؟ قال:
نساؤه من اهل بيته، ولكن اهل بيته من حرم الصدقة بعده..
وفي رواية اخرى عن زيد، قال: لا، وايم الله. أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى ابيها وقومها، اهل بيته اصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
ب- الترمذي في سننه (ج 5، ص 328)، وجاء فيه:
عن جابر بن عبدالله قال: رأيت رسول الله(ص) في حجة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: ((يا ايها الناس، اني تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي اهل بيتي)).
ورواه كذلك عن زيد بن أرقم وابي ذر، وابي سعيد، وحذيفة بن اسيد، رضي الله عنهم.
ج- الحافظ ابو بكر بن ابي عاصم الشيباني (ت 287هـ) بسنده عن زيد بن ثابت وابي سعيد الخدري وابن عباس وعلي(ع)، في كتابه: (كتاب السنة، ص 337، الحديث رقم 754).
د- الحافظ عبدالله بن محمد بن أبي شيبة (ت 235هـ) بسنده عن زيدبن ارقم في كتابه: (المصنف، ج 7، ص 418، باب: ما اعطى الله تعالى محمداً(ص)).
(3) روى الخطبة بذكر حديث ولاية علي(ع) دون ذكر حديث الثقلين:
أ- الترمذي في سننه (ج 5، ص 297):
روى بسنده عن زيد بن أرقم عن النبي(ص) قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
ب- ابن ماجه في سننه (ج 1، ص 43):
روى بسنده عن البراء بن عازب قال: ((اقبلنا مع رسول الله(ص) في حجته التي حجها، فنزل في بعض الطريق، فامر الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: الست اولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا:
بلى. قال: فهذا ولي من انا مولاه. اللهم وال من والاه، اللهم عاد من عاداه)).
من هذه الروايات المتعددة والمصادر الهامة، نجد انها كلها متفقة على المكان، وانه غدير خم بين مكة والمدينة قرب رابغ.
ونجد أيضاً ان هذه الروايات كلها متفقة على الزمان، وهو مرجع رسول الله(ص) من حجة الوداع.
ونجد أيضاً ان هذه الروايات متفقة من حيث رواية الخطبة ونفسها والواقعة نفسها، على ان الله عز وجل امر نبيه (ص) بتبليغ الناس ما انزل اليه من الامر الهام، والذي يعادل التقصير فيه او عدم تبليغه، التقصير في كل الرسالة وعدم تبليغها. وكما سبق وعرفنا بان هذا الامر هو بيان سبيل الهداية من بعده، ومعرفة الامام صاحب الولاية على المسلمين كافة، ليدل دلالة واضحة على ان منهج الرسالة يتم ويستمر في اهل البيت، وعلي بن ابي طالب(ع) هو اولهم، وهذا هو الخط الذي اختاره الله لنا وهو سبيل الهداية.
كما أننا نجد، من خلال هذه الروايات أيضاً، أن النبي(ص) قد أكد المعنى الذي يريده من اللفظ لحصر المعنى في الامامة حينما كرر على المسلمين قوله:
((ألست أولى بالمؤمنين من انفسهم؟))، وهم يجيبونه بالتصديق، قائلين: بلى يا رسول الله. كررها ثلاثا، كما في السيرة الحلبية لبرهان الدين الشافعي.
وذكرها مرتين، كما في رواية البراء بن عازب التي اخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وجاء فيها: ((فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من انفسهم؟ قالوا: بلى.
قال: ألستم تعلمون اني اولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى.
قال: فاخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئا لك يا ابن ابي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة)) لقد أراد رسول الله(ص) ان يذكرهم -من خلال هذه التأكيدات- بقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم)«الاحزاب/6».
وحتى لا يبقى اي مجال للشك أو التأويل، ربط(ع) بين هذا التذكير، وذاك التأكيد.
واراد رسول الله(ص) ان يبين لهم من هو الامام من بعده، وان الولاية هي ولاية الله ورسوله، المتولدة من التصرف بالنفس، وهي الامامة الكبرى لكل المسلمين، وذلك حتى لا يظن الناس غير ذلك، فيسعى جاحد او معاند إلى صرف معنى الولاية وفق رغباته وأهوائه.
فجعل بذلك الولاية العامة للّه، ولرسوله، ولعلي. واخذ من المسلمين ميثاقهم، ولفت انظارهم على ان هذه الولاية من تلك التي وضعها الله عز وجل بقوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، فألزمهم بما أراد تلميحاً وتصريحاً وتأكيداً، قطعاً لكل اجتهاد أو تأويل مخالف، وتبياناً منه لسبيل الهداية واستمرارية المنهج.
ومن هنا ندرك أن منهج الرسالة يتجسد ويتبلور بشخص رسول الله (ص)، ويمتد من بعده بعلي بن ابي طالب(ع) وكرم الله وجهه الشريف، ومن بعده باهل بيته أئمة الهدى والنور، فهم كذلك أولياء لكل مؤمن ومؤمنة.
الرسالة إذن لا تموت بموت رسول الله (ص)، وانتقاله إلى الرفيق الاعلى تبارك وتعالى. والقرآن الكريم لا يصمت بسكوت رسول الله (ص)، بعد وفاته وانقضاء مدته واجله، ولكنهما -أي الرسالة والرسول- يمتدان ويدومان بوجود إمام مفترض الطاعة يكون ولي كل مؤمن ومؤمنة، وهذا يحقق استمرار القيادة النوعية للرسالة وللمنهج الرسالي العظيم وبقاء القرآن والسنة محفوظين وناطقين وهاديين إلى الصراط المستقيم، والنجاة يوم الحشر والفوز بالجنة والنعيم المقيم.
القيادة وميراث النبوة من المنهج القويم للرسالة الاسلامية العظيمة، وللقرآن الكريم، ان يكون لهما قيادة محفوظة من الخطأ بأمر الله عز وجل، ومعصومة من الزيغ والضلال، هذه القيادة جعلها الله تعالى وارثة للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولابد من وجود وارث للكتاب العزيز وللرسول الكريم حتى لا يموتان ويضيعان، وان وجود الوارث المعصوم هو عصمة للكتاب وللرسول كما ارادهما الله عز وجل، اي انه السبب الرئيسي لحفظ الكتاب وحفظ السنة النبوية المطهرة، واثر رسول الله(ص) بعد رحيله إلى الرفيق الاعلى، وقد أوضح الله عز وجل هذا الامر في كتابه العزيز في سورة فاطر:
قال تعالى: (والذي اوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه ان الله بعباده لخبير بصير)«فاطر/31».
فالكتاب هنا هو القرآن الكريم، لان المخاطب هو سيدنا محمد(ص)، وهذا الكتاب الحق، يحتاج إلى استمرارية التبليغ، وإلى وارث له يحمله ويبلغه بعد رسول الله(ص) ويجب ان يكون هذا الوارث على مستوى عال من الفهم والعلم والتقوى والتسديد والعصمة، لكي يستطيع ان يقوم بالدور الذي قام به رسول الله(ص) الذي يتطلبه تبليغ الكتاب وتبيينه. قال تعالى:
(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير)«فاطر/32».
فلابد من وجود وارث للكتاب العزيز (القرآن) وللنبوة المطهرة.
وهذا الوارث يجب ان يكون من الذين اصطفاهم الله عز وجل من عباده، من الفئة التي وصفها عز وجل بانهم سابقون بالخيرات بإذن الله، ومن يسبق إلى الخيرات بإذن الله وامره فهو مسدد ومعصوم وموجه من الله. وهو بذاته عصمة من الضلال، وبعيد عن الانحراف والزيغ والباطل، فيكون الوارث كمن ورث يحمل صفاته واخلاقه، ومزاياه القيادية وملكاته التي توهله لشرف حمل الكتاب، وتبليغه بعد رسول الله(ص)، فالناس بعده يحتاجون إلى معلمين يبينون لهم علوم القرآن وتفاسيره، وبيان محكمه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه، ولعل السبب في اختلاف التفاسير المتعددة اليوم والمتباينة في كثير من المعاني والامور الارشادية هو ترك الذين ورثوا الكتاب والاخذ عن غيرهم، وهذا يدل على ضرورة وجود المفسر الذي ينهل علومه من عين صافية، من الذين ورثوا الكتاب، الذين اصطفاهم الله، وليس من غيرهم.
فمنهج الرسالة، وبيان السبيل والدلالة، يقتضي وراثة الكتاب وعلم رسول الله(ص) وقد بين النبي هذه القيادة الوارثة له وللقرآن في واقعة الغدير في قوله(ص): ((اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا))، وفي قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) شخصية النبي(ص) القرآن الكريم، وكذلك النبي الاعظم محمد(ص)، وحيان من الله عز وجل. قال تعالى: (والنجم اذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)«النجم/1-4».
ولقد شاء الله تعالى أن يؤيد رسوله بالقرآن الكريم، ليشهد له بالعصمة، والنبوة وبالخلق الرفيع، العظيم كما وصفه الله تعالى بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)«القلم/4».
وأراد بذلك أن يبين مكانته وقيادته، وشخصيته العظيمة، وما عنده من الاستعداد التكويني والنفسي المقدس، من اجل استحقاقه حمل الرسالة، والقيام بأعبائها، والجهاد في سبيل نشر الدعوة، ودعوة الناس إلى اتباعه والاخذ عنه، والاقتداء به، وبسيرته واخلاقه. وجعل في كل ذلك نجاتهم، وفوزهم في الدنيا والاخرة. وهو رحمة للعالمين، وهادٍ إلى الله وداعٍ إلى عبادته، وطاعته وامتثال اوامره واجتناب نواهيه.
لقد وصف الله نبيه بأعظم الصفات، ومنحه من الفضائل والكرامات ما لم يصف به أحداً من خلقه، ولم يعط غيره من فضل لا في ارض ولا في سماء، كما أعطاه.
ولعل من اسباب هذا الاهتمام الرباني، والعناية الالهية، والمزايا والكرامات الباهرة، لسيدنا محمد(ص)، ان جعله الله رحمة للعالمين، وسبيلا لهدايتهم، خصه بختم النبوة والرسالة، وجمع فيه علوم الاولين والاخرين، وشرائعهم. قال تعالى:
((شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)«الشورى/13».
وكان رسول الله(ص) النور الذي يستأنس به منبع النور، قبل أن يخلق الله آدم بآلاف السنين، كما جاء في الاثر عن رسول الله (ص) وكما صرح بذلك الامام احمد ابن حنبل في فضائله وغيره هذه الشخصية العظيمة، وهذا النور المبارك، جعله الله تعالى نبيا ورسولا وحبيبا ومصطفى من بين جميع خلقه، وكونه من تراب من سنخ آدم (ع)، وفضله على جميع خلقه، أراده الله عز وجل واسطة بينه وبين الناس، ليبلغهم رسالات ربهم، يدعوهم إلى التوحيد وعبادة الله الذي لا شريك له ولا عديل، يشرح آيات الله ويبين ما تشابه منها، ويفسر احكامها، مبيناً حدود الله، حلاله وحرامه.
وقد عصمه الله بالوحي، وبالإلهام، وبالتكوين الفطري والاستعداد الروحي والنفسي، لضرورة التبليغ وصدق النقل عن الباري عز وجل، حتى يسمو فوق رغبات الادميين، ولتبقى روحه الطاهرة خالدة، نقية صافية، ترتبط بمنبع النور، ومصدر الإلهام، من دون شائبة او ذنب او شك او ما يبعده عن الله، وعن ملكوته الطاهر، الذي لا يناله الا المطهرون، فجعله حبيباً له، وأسكنه في صلب آدم ليكون عبدا صالحا من ذريته ومن نسله.
قال تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)«آل عمران/34».
وليهدي به الناس إلى طريق النور، وإلى الصراط المستقيم.
فوض الله نبيه بان يتكلم بلسانه، ويعمل بوحيه، فأعطاه بذلك الحق بلزوم طاعته وحق اتباعه ومودته، قال تعالى:
(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)«الحشر/7».
فكان النبي(ص) قرآن الله ووصيه الناطق المتحرك، وكان كتاب الله (القرآن) هو الوصي الصامت، الذي يحتاج إلى الرسول ليبين أحكامه ويفسر آياته، فيجعله متحركاً بين الناس يكلمهم ويخاطبهم، ويسمعهم صوت الحق، وكلام رب العالمين، من غير تحريف أو تزوير، فتعيه القلوب الواعية، وتعشقه النفوس الصافية. قال تعالى:
(وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم)«النحل/44».
والقرآن الكريم هو سفينة النجاة، وسبيل الهداية، والمنقذ من الضلال، لكن لابد لهذه السفينة من قائد عظيم، وربان حكيم، هو رسول الله(ص)، ولبقاء السفينة واستمرار نورها جعل من بعده علي بن أبي طالب (ع) ولي كل مؤمن ومؤمنة، وذلك في وصيته يوم غدير خم بالتمسك بالثقلين (الكتاب والعترة) وبإمامة أمير المؤمنين(ع) في قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
فالخالق قد هيا لقيادة القرآن الكريم شخصية عظيمة، معصومة، مسددة بأمر الله، لكي تكتمل عناصر الدعوة والتبليغ، لهداية العباد ورشادهم.
والقرآن الكريم إمام لأنه كلام الله ووحيه. وهذا الإمام يحتاج إلى إمام يحمله ويبلغه ويبين احكامه، ومن هنا فلا يمكن اعتبار القرآن اماما مطلقا وذلك لعدم كفايته للهداية، ولو كان اماما مكتفى به، لما احتاج الله إلى الرسول لإبلاغه وبيان ما فيه. قال تعالى: (يوم ندعو كل اناس بإمامهم)«الاسراء/71».
فن تعدد الاناس دل على تعدد الأئمة، وإلا لقال: يوم ندعو الناس بإمامهم. يضاف إلى ذلك ان القرآن ليس كتاب هداية بذاته اذا لم يكن معه رسول او امام معصوم لان فيه المجمل والمتشابه والمنسوخ، ولم يشتمل على تفصيل العبادات التي اكتفى بالإشارة إليها كالصلاة والزكاة والحج..
فعظمة القرآن الذي يحتاج إلى بيان، وعصمته، يحتاج إلى الرسول وهو المبين لأحكامه، وعصمته، ومن هنا جاء الجواب لمن يسال: هل عصمة المبين تقتضي عصمة المبين؟ قال تعالى:(حتى جاءهم الحق ورسول مبين)«الزخرف/29».
فالحق هو القرآن، والمبين هو رسول الله(ص).
والعصمة كما لا يخفى من ضرورات الرسالة والنبوة، فمن عرف عنه الكذب في امر صغير صح عنه الكذب في امر كبير، وسقطت مصداقيته بين الناس، سواء في ما يختص بأمر الدنيا أو في ما يتعلق بالوحي وشؤون الرسالة، فيجب ان يكون الرسول معصوما بكل شيء فلو لزم عصمته في ما يخص الوحي فقط، لصح اتهامه فيه، لاحتمال حصول الكذب في غيره. وحق للناس عدم تصديقه. لذلك كان رسول الله(ص) معصوما منذ ولادته سواء قبل البعثة او بعدها، في شؤون الدنيا والدين، ويكفي دلالة على ذلك ما اشتهر عنه من القول: ((محمد الأمين)) وذلك قبل البعثة، وكذلك اختياره حكماً في قصة الحجر الاسود.
وما نزل من آيات كريمة تدل بظاهرها على عتاب النبي(ص) فهي مؤولة بما يليق بمكانة النبي وخلقه الرفيع، الذي شهد له الله به. ولم يصح اي حديث يناقض عصمته، كرواية تعريته في الجاهلية، او اكل الميتة، او غير ذلك مما تقول به المرجفون وما اخترعه بنو امية الذين لعقوا صحونهم، لأن رسول الله (ص) طاهر مطهر، منذ أن خلقه الله وأسكنه صلب آدم وجعله من ذريته، متنقلاً في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة التي تعبد الله ولا تشرك به أحداً، قال تعالى: (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين)«الشعراء/219».
ومن هنا فانه يسقط عن الاعتبار كل قول يطعن في عصمة رسول الله(ص) سواء قبل البعثة او بعدها، لأنه يتناقض مع صريح القرآن الكريم، ولأنه يتناقض مع كرامة رسول الله وخلقه الذي شهد له الله به، ومن هنا أيضاً نقول بوجوب إيمان أب رسول الله (ص) وامه واجداده ونجاتهم، وجميعهم شملهم قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين)والساجد لا يطلق على من يعبد الاوثان او غيرها ولا يكون الا لله وحده.
النبي(ص) لا يتقول على الله ان من منهج الرسالة، وخطوطها العامة والرئيسية، امانة النقل عن الله عز وجل، واتحاد المصدر، اي مصدر التشريع من قرآن وسنة، ويخطئ من يقول او يعتقد أن النبي(ص) كان يجتهد في أمر من الامور، من عند نفسه، أو بوحي من رغبته، مجردا عن الوحي، او الالهام الالهي، والتسديد من الله تعالى، فإذا أقررنا بأن المشرع الحكيم لابد من ان يكون واحدا، لوحدانية الاله سبحانه وتعالى، كما لو تعدد لفسدت الشريعة، فيجب ان يكون كل ما يصدر عن الرسول(ص) هو وحي من الله عز وجل، وسنة النبي هي تشريع من الله على لسان نبيه الأكرم (ص)، وهي سنة الله، وامره امر الله وطاعته طاعته، لوحدانية المشرع. قال تعالى:
(لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا)«الانبياء/22».
لقد أعطى الله رسوله الكريم حقا ربانيا في التحدث عنه في ما يخدم الرسالة، ويبين احكامها، وما يتعلق بأمر التبليغ، وكل ما يحتاجه المسلمون من أمور الدين والدنيا.
ومن المنهج الحكيم ان رسول الله(ص) لا يتجاوز ما اراده الله، بأمر من الله تعالى وتسديده. كما أنه لا يقصر في شيء مما يخص الرسالة والدعوة، وبناء المجتمع الاسلامي بمختلف جوانبه، فهو مسدد من الله، معصوم بوحيه والهامه، ولا يتقول على الله بشيء خلافا لما يريده الله تعالى، وهذا يقطع القول بصحة اجتهاد اي شخص آخر من بعده، لأنه باطل، ومخالف لأمر الله، وان مصلحة الامة، والحسن والقبح، والافضل والمفضول، وغير ذلك، يعلمه المشرع الحكيم، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد.
فالرسول لا يقول ولا يفعل الا ما امره الله به وما اوحاه اليه. ولو قال على الله ما ليس لله به علم لحاسبه حسابا شديدا، ولبطش به بطشا عظيما، فخطيئة الكبير كبيرة وان صغرت، حاشا لرسول الله (ص) أن يخطئ بكبيرة او صغيرة، او يتقول على الله، وهذا احتمال غير قائم في جنبه صلوات الله عليه، لان الله عصمه بنفسه وبالوحي، وهذا الاحتمال غير القائم في جنب رسول الله(ص) هو تعليم لنا وتأديب، وتذكير مستمر وتخويف، ودرس للامة من بعده يعلمنا فيه ان النبي(ص) لا يحق له ان يتقول على الله من عند نفسه، فكيف بغيره؟ قال تعالى:
(ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين)«الحاقة/44-46».
ان كل ما يأتي به النبي هو من عند الله وبعلمه وبوحيه، ولو اخترع قولاً واحداً من عند نفسه لبطلت نبوته، ولعذبه الله عذاباً شديداً.
ولما لم يقع العذاب، ولم تبطل النبوة، لم يقع تأوله على الله كذلك.
إن الله عز وجل لا يريد لاحد ان ينازعه الملك، فيبدل احكامه، او يغير شريعته وفق رغباته وميوله.
ولقد بين عز وجل في موضع آخر ان رسول الله(ص) لا يأتي بآية من عند نفسه وان كل ما ياتي به هو من عند الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:
(وما كان لرسول أن يأتي بآية الا بإذن الله)«غافر/78».
ولما كان الرسول هو القائد والمبلغ والشارح للقرآن، المبين لأحكامه، فهو المكلف بفض كل خصومة تقع بين المسلمين، وبيان كل امر مستجد، وتحديد حكمه، ومعرفة الحلال من الحرام. وهو قائد الامة، في الدنيا والدين، ويركز بذلك بناء المجتمع الاسلامي، روحاً وعقيدةً، بناءً واقتصاداً وسلوكاً.
وإن كل ما يقوله النبي(ص)، أو يقرره، هو تسديد من الله، وبوحي منه.
فحكم رسول الله هو حكم الله، وقوله هو وحيه، وامره هو امره سبحانه وتعالى، قال تعالى:
(إنا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله)«النساء/104».
واعلم أن كل أمر مخالف لأمر الله وسنة نبيه فهو رد، وهو بدعة وضلالة، فلا يحلل ويحرم الا الله. ومن عرف عنه أنه كان يعمل بخلاف رسول الله فهو معاند للّه عز وجل.
منهج اهل البيت اختص الله تعالى نبيه محمداً (ص) بالنبوة والرسالة، وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل اهل بيته افضل اهل بيوت الانبياء، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فضلا منه عز وجل وتكريماً، واختارهم من بين جميع الخلق ليكونوا منارة للدين، وسبيلاً من بعده لهداية المؤمنين، وعدلاً لكتاب الله العزيز في حديث الثقلين الذي سبق ذكره، فالقرآن هو الثقل الاول وهم الثقل الثاني.
ولقد دل عليهم عز وجل في كتابه العزيز، فامر بمودتهم، واتباع سبيلهم. فكانوا في الامة سفن النجاة، ونورا يستقي من مشكاة رسول الله(ص)، ومصابيح تنير من اضاءاته، فهو اصل وهم له فروع، وهو الشجرة المباركة وهم لقاحها وثمرها.
فاذا ادركنا حقيقة الاصل، عرفنا حقيقة الفروع، وقد دلت عليه من بعده، اختزنت علمه وعملت بهديه وسبيله المستقيم، وهم منه بمنزلة الروح من الجسد. وقد قال(ص): ((علي مني وانا من علي)) وقال: ((حسين مني وانا من حسين)).
وفي رواية مسلم: ((فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها)).
فهذا الاندماج النفسي والروحي، وهذا الارتباط الكلي والعضوي، يدل دلالة واضحة على ان منهج اهل البيت هو منهج الرسالة وطريقتهم هي طريقة رسول الله(ص)، وهم السبيل الذي امرالله سبحانه وتعالى باتباعه، عصمة من الضلال، وحفظا من الانحراف، قال تعالى:
(قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين)«يوسف/108».
ولتأكيد هذه الرابطة، وهذا التلازم للمنهجين، وللسير على الصراط السوي، اوجب الله على الامة التمسك بحبله المتين، المتمثل بالكتاب والعترة، في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)«آل عمران/103».
وجاء في تفسيرها عند كبار المفسرين كالإمام فخر الدين الرازي والسيد العلامة محمد حسين الطباطبائي وغيرهما، ان حبل الله هو القرآن واهل البيت مجتمعين، قال الرازي:
قال ابن عباس: المراد بالحبل ههنا: العهد. وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي(ص) انه قال: ((اما انها ستكون فتنة)) قيل: فما المخرج منها؟ قال: ((كتاب الله فيه نبا من قبلكم وخبر من بعدكم. وحكم ما بينكم، وهو حبل الله المتين)).
وروي عن ابي سعيد الخدري عن النبي(ص): ((اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي اهل بيتي)).
فاذا عرفنا ماهية المنهج الذي اراده الله للرسالة المقدسة، فقد عرفنا من هو القريب منه المتمسك به، ومن هو البعيد عنه والذي لا ينتمي إليه غالباً.

خلاصة:
ونخلص إلى أن المنهج الرسالي يتمثل في اعمدة ثلاثة، محورها الوحي والعصمة والحكمة ومدارها القرآن والنبي والعترة، ومنطلقها الهداية وسبيل النجاة والرحمة. وان التعرف على هذا السبيل وهذا المنهج هو بداية البداية، والتمسك بهما هو اصل السفينة ووحدة الامة التي لا تجتمع على ضلال، كما اخبر الرسول الاكرم(ص)، وكل ذاك اكتمل وتأطر في غدير خم واطيافه الرسالية، ومن خلال وصية رسول الله(ص) الخالدة، في عهده إلى الامة بالإمامة، والثقلين.
ومن الممكن للامة ان تجتمع وتتوحد حول هذا النور الرسالي، وان تتمسك بالعهد المعهود في السماء قبل الارض، وتعتصم بحبل الله المتين والعروة الوثقى، التي وصفها عز وجل بانها لا انفصام لها.
وكل دعوة إلى تفريق القرآن عن اهل البيت هي ضرب لأساس القيادة والوحدة، وهي دعوة غبية مصيرها الضلال والسقوط في بحور الفتن.
وكم عانت هذه الامة من الويلات والحروب والنكبات بسبب ضياع هذه الوصية، وعدم التمسك بها، وبسبب هدم صرح الولاية التي جاءت إتماماً للنعمة واكمالاً للدين.
ولابد من ذلك اليوم الاغر، الذي سوف تعي فيه الامة ذاتها، فتصحو من سباتها الذي دام طويلا لتدرك ان قوتها في وحدتها، وان وحدتها في التفافها حول راية الهدى.
وحتى يأتي ذلك اليوم لابد من ترك كل فرقة وانقسام.
والانضواء تحت لواء الاسلام الواحد في أصوله وفروعه، فالدين عند الله الإسلام، وما تشعب عنه من مذاهب وفرق ما هي إلا محدثات أفرزتها قرون من الخلافات والتفرقة.
وعندما تواجه الامة عدوا مشتركا يحتل اراضيها ومقدساتها، يتوجب عليها في هذه الحال الجهاد والوقوف في خندق واحد، وتكون جبهة قوية، ومتانة هذه الجبهة تقتضي الوحدة، فالتوحد ومقاومة العداة الصهاينة الغاصبين هو واجب شرعي، أما البحث في شؤون الدين والعقيدة فهو من باب التوضيح، وابراز دور الاسلام وقادته، وتمتين روح الرابطة العقائدية الصحيحة لان كل بناء لا يقوم على اساس صحيح فان مآله إلى الانهيار والسقوط. قال تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون).

المصدر: مجلة المنهاج، العدد العاشر
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com