موقع الصراط ... الموضوع : الأهواء والميول النفسية في القرآن-3
 
الخميس - 5 / ربيع الأول / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأهواء والميول النفسية في القرآن-3  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 12 / ذي الحجة / 1435 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
مفاسد إتباع الهوى :
لا نبالغ إذا قلنا أن كل ما حدث من مظالم وجرائم، وما مرت على البشرية من ويلات ودمار كانت من جراء إتباع الأهواء. فما قتل ابن آدم أخاه إلا لهوى في نفسه. وما حورب الأنبياء من طغاة عصورهم إلا استجابة للأهواء المسيطرة عليهم. وما أوذي رسول الله (ص) إلا لأهواء الجاهلية. وما نُوزع أمير المؤمنين علي (ع) على منصب الإمامة إلا لأهواء القوم كما وصف (ع) ذلك بقوله: (فإنها [الخلافة] كانت إثره شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحَكَم الله)(1), وما قُطِعَ رأس الحسين (ع) وسبيت عياله إلا لأهواء ونزوات بني أمية. وما سجن موسى بن جعفر (ع) وقتل في السجن إلا لأهواء هارون العباسي الذي أفصح لولده المأمون عن تلك الحقيقة فقال: (ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك العقيم)(2) .
والكلمة الجامعة لذلك قول أمير المؤمنين (ع): (إنما بدأ وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع)(3)
ومن خلال تتبع الآيات الكريمة واستقراء معانيها نستطيع أن نحدد مفاسد إتباع الهوى بالنقاط التالية :
أولاً: إتباع الهوى يؤدي إلى الاستكبار، يقول تعالى: ((أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)) (البقرة:87) فهنا ظاهر أن سبب استكبار بني إسرائيل على رسل الله تعالى هو هوى النفس لأن الرسل جاءوهم بالحق، وأنفسهم تهوى الباطل، وفي قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ  وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) (لقمان:6-7) بيان دقيق لهذه الحقيقة، حيث أن سبب فرارهم عن الحق، وعدم سماعهم له هو إتباع الهوى بالانشغال في لهو الحديث وهكذا يؤدي إتباع الهوى إلى الاستكبار على الحق وعدم قبوله، وهذا ما أوضحته سورة نوح بقوله تعالى عن لسان نوح: ((وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً)) (نوح:5-7) وواضح أن سبب استكبارهم هو إتباع الهوى.
ثانياً: تكذيب أهل الحق: وهم الأنبياء والمرسلون والأوصياء والصالحون يقول تعالى: ((كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ)) (المائدة:70) وذلك لأنهم يريدون أن يطوِّعوا الدعاة إلى الله وفق أهواءهم ومشتهياتهم (ومحاولة إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ، والنزوة المنقلبة ظاهرة تبدوا كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة المنطق الإنساني ذاته المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت - غير المصدر الإنساني المتقلب - مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضا والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى)(4)
ثالثاً: يمنع الإنسان عن السمو والارتفاع عن حضيض التراب إلى نور السماء يقول تعالى في وصف من اتبع هواه ((وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ)) (الأعراف:176) فالذي منع هذا الرجل الذي آتاه الله آياته عن الارتفاع والسمو هو اتباع الهوى إذن إتباع الهوى يمنع الإنسان عن السمو الروحي، والفكري، والنفسي فالإنسان لا يمكن أن تسمو روحه ، وتتوسع آفاقه الفكرية والنفسية ما لم يتحرر من قيود الهوى ، وثقل المادة ، وأو ضار الطين، فالدنيا وسيلة لا غاية، فإذا تحولت إلى غاية عنده فلا يستطيع أن يبصر ما وراءها؛ ولذا عبر أمير المؤمنين (ع) عن المُخِلد إليها بالأعمى حيث يقول (ع): (وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما وراءها شيئاً)(5) ويقول (ع): (من بصر بها بصرته ، ومن أبصر إليها أعمته)(6)
رابعاً: يؤدي إلى الغفلة، والإعراض عن الحق، وتجاوز الحدود الشرعية: يقول تعالى: ((وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)) (الكهف:28)
خامساً: يؤدي إلى البعد عن الله، والتعرض لنقمته: قوله تعالى: ((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ)) (الرعد:37) ويقول تعالى: ((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) (البقرة:120)
سادساً: الضلال عن سبيل الله: قوله تعالى: ((فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) (ص:26) وقوله تعالى: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ)) (القصص:50)
سابعاً: وأخيراً لا آخراً إن إتباع الهوى يؤدي إلى فساد كوني شامل قوله تعالى: ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) (المؤمنون:71)
فلو اتبع الحق أهواء الناس المختلفة والمتباينة والمتضاربة لأدى ذلك إلى فساد كوني شامل يخرب الأرض والسماء، يقول العلامة الطباطبائي: (فلو اتبع الحق أهواءهم فاقتضى لهم من الشرع ما تجازف به أهواءهم لم يكن ذلك إلا بتغيير أجزاء الكون عما هي عليه , وتبدل العلل والأسباب غيرها , وتغيير الروابط المنتظمة إلى روابط جزافية مختلة متدافعة توافق مقتضياتها مجازفات أهواءهم وفي ذلك فساد الأرض ومن فيهن في أنفسها والتدبير الجاري فيها؛ لأن كينونتها وتدبيرها مختلطان غير متمايزين، والخلق والأمر متصلان غير منفصلين.
وهذا هو الذي يشير إليه قوله: ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِن)) (المؤمنون: 71))(7) فأي إفساد بعد هذا ؟

مثال علماء السوء:
((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اْلأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ)) (الأعراف:175-177)
هذه الآية الكريمة تشير إلى أحد علماء بني إسرائيل ، وكان هذا الرجل(8) من كبارهم ، وكان معتمداً عند موسى (ع) ومحترماً عند الناس، لعلمه ووجاهته إلا أنه اتبع هواه فأسقطه في الحضيض، وسقوطه كان في طريقة استخدام علمه فبعد أن فهم آيات الله، وتحمل مسؤولياتها أراد أن يستعملها كآلة لخدمة مصالحه الدنيوية ، وتحقيق شهواته ونزواته الحيوانية في الوقت الذي أراد الله تعالى منه أن يتحرر بالمعرفة والعلم من قيود الأهواء المادية والمعنوية، ويرتفع بها على شهواته الحيوانية فخالف إرادة الله تعالى فخرج عن آيات ربه؛ ولذا تصف الآية الكريمة عملية خروجه (بالانسلاخ) وهي كلمة توحي بأنه كان متلبساً بها، وهي ساترة له وحافظة له من كيد الشيطان، كما تصور الآية لنا حالة الجهد والمشقة التي عاناها حين خرج عن آيات ربه بإتباع هواه فأصبح عارياً لا يحصنه من الشيطان شيء، وهنا لابد أن نلتفت أن عملية الخروج هذه لا تعني أنه نسي ما تعلمه إلا أنها تفيد أنه خرج عن كل ما يفرضه العلم عليه، فعلمه شيء وعمله شيء آخر، فِكره يناقض سلوكه فهو لم يطبق ما أراد الله منه في هذا العلم فهو عالم، ولكنه ضال غاوي مضل؛ ولذا أصبح علمه هذا مبعداً له عن الله تعالى وصار مصداقاً للحديث الشريف (من ازداد علماً ، ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلا بعداً)(9) وسبب بعده من الله أنه أراد باسم العلم وشرفه أن ينال الدنيا ويصعد على رقاب الناس به فهو لم يرد بعلمه وجه ربه، ولكنه أراد الرفعة والسمعة والشهرة، وهذا هو مرض طلاب العلم، يقول الإمام الخميني رضوان الله عليه: (وكذلك رأينا في طلاب العلوم النقلية الشرعية أفراداً أثر فيهم العلم الأثر السيء، وزاد في المفاسد الأخلاقية لهم، والعلم الذي لابد أن يكون موجباً للفلاح والنجاة لهم صار سبباً لهلاكهم ، ودعاهم إلى الجهل والمماراة والاستطالة)(10)
إن علماء السوء يسقطون في مستنقع الهوى بأحد طريقين: إما لمحاولة البروز وكسب السمعة، والشهرة، والجاه، والاستحواذ على أموال الناس وأكلها بالباطل، وإما أنهم يسقطون في تسخير علومهم لخدمة الطواغيت والجبابرة والسقوط في شباكهم، وهؤلاء طائفة واسعة من علماء البلاط، ومهمتهم تبرير إجرام حكام الجور، وإعطاء صورة موجهة لأعمالهم، فالعلم من حيث هو تراكم معلومات لا قيمة له، وإنما قيمة العلم بأحد أمرين: حامل العلم، ومصرف العلم واستعماله .فالذي يحمل العلم ينبغي أن يتخلق بأخلاق الأنبياء، ويسلك سلوكهم ويهتدي بهداهم، ويصرف العلم في توجيه الناس وهدايتهم وارشادهم، لإنقاذهم من الجهل والتيه، وقصة بلعم بن باعوراء وإن كانت الآية قد نزلت فيه بالذات ولكنها تشمل كل من اتخذ من العلم وسيلة للدنيا، يقول الإمام الباقر (ع): (في الأصل بلعم ، ثم ضرب مثلاً لكل مؤْثر هواه على هدى الله تعالى من أهل القبلة)(11)
والآية الكريمة تعبر عن إتباع الهوى بهذه الصورة الموحية فالرجل هبط من علوٍ، ثم التصق بتراب الأرض، وغاص إلى أذنيه بأوحال الدنيا فالإخلاد إلى الأرض سقوط والالتصاق بها وهو تعبير عن مدى استغراقه في حب الدنيا فهوى إلى القاع، ولو شاء الله لرفعه من هذه الهاوية لكنه أخلد إلى الأرض.

نتائج إتباع الهوى:
من خلال التأمل في قصة بلعم بن باعوراء نستطيع أن نستخلص النتائج التالية لإتباع الهوى:
الأولى: السقوط بقوة إلى الأرض والركون إلى الدنيا ولهوها، والرضا بها عن عبادة الله بدلاً .
الثانية: الانسلاخ عن آيات الله تعالى عقيدة وشريعة فهو قد انسلخ منها كانسلاخ الحية من جلدها فحالته هي البينونة الكاملة عن آيات الله تعالى مرة واحدة والانقطاع عنها انقطاعا كاملاً فالمتبعين أهوائهم يرفضون الحكمة والوعي والبصيرة رفضاً كاملاً , ويصبحون كالمعدة المريضة التي ترفض الطعام الذي يشتهيه الأصحاء؛ لأن الحكمة والبصيرة تحتاج إلى ظرف طاهر، وهؤلاء قلوبهم قد تلوثت ومرضت فلم تعد تتقبل النور، يقول رسول الله (ص): (حرام على كل قلب متولِّه بالشهوات أن يسكنه الورع)(12)
وعنه (ص) أنه قال: (حرام على كل قلب أغري بالشهوات أن يجول في ملكوت السماوات)(13)
وعن أمير المؤمنين (ع): (حرام على كل قلب مغلول بالشهوة أن ينتفع بالحكمة)(14) وإنما حُرّمَت الحكمة والعلم والبصيرة على القلب المتوله بالشهوات والهوى؛ لأن القلب إناء وظرف لا يتسع لأكثر من حب واحد. فلا يمكن أن تجتمع آيات الله وحبه والهوى في ظرف واحد؛ لأن دخول أحدهما طرد للآخر ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)) (الأحزاب:4)
وهكذا إذا دخل الهدى في القلب طرد الهوى وبالعكس، يقول تعالى: ((وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)) (الكهف: 28)
الثالثة: إن بلعم بن باعوراء عندما كان على هدى الله تعالى لم يستطع الشيطان أن يتبعه فضلاً عن أن يضله فلما اتبع هواه وقع في شباكه واستحوذ عليه إذن لا سلطان للشيطان على الإنسان إلا إذا اتبع الإنسان هواه .
الرابعة: إنه أصبح من الغاوين ضالاً مضلاً بعد إن كان مهتدياً هادياً .
الخامسة: مَثَّلَه الله تعالى بالكلب؛ ولذلك التمثيل دلالة دقيقة تصور حالة الإنسان المغمور في الهوى، فهو كالكلب في لهاثه المستمر الذي لا يتوقف في كل أحواله كذلك أصحاب الأهواء لا يشبعون من الدنيا فلو رُزقوا كل شيء من أموال، وبنين، وجاه، وسلطان رغم ذلك كله فإن عطشهم للدنيا لا يتوقف عند حد، بل يبقى يطلب المزيد كجهنم كلما ألقي فيها قالت هل من مزيد؟

مخاطر الهوى:
أولاً: حالة الطلب المطلق الذي لا يتوقف عند حد، بل يتجاوز كل الحدود لأن طبيعة الهوى التجاوز والطغيان، والساقط في مستنقعه دائماً في حالة تجاوز وإفراط، يقول تعالى: ((إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)) (العلق:6-7) ومن هنا نستطيع أن نخرج بقاعدة ثابتة وهي: إن الإنسان كلما استجاب لهواه ازداد طلباً وإلحاحاً وعطشاً وضراوة في الطلب، وبالعكس كلما صدَّ هواه وتحكَّم في ميوله خفَّت وتلطفت.
ثانياً: إن طلب الأهواء النفسية طلب قوي فلو تأملنا في تاريخ الحضارات الجاهلية القديمة والحديثة نرى أن العامل الوحيد الذي رسم مسارها هو الهوى عن زيد بن صوحان أنه سأل أمير المؤمنين (ع): (أي سلطان أغلب وأقوى ؟ قال: الهوى)(15) ويقول (ع): (رد الشهوة أقضى لها، وقضاؤها أشد لها) أي أن الإنسان إذا تحكم في أهوائه وميوله وشهواته، ووجهها كما يريد العقل والشرع لا كما تريد ضعفت واستكانت وتلطفت، وإذا استجاب لطلبها اشتدت في الطلب.
ثالثاً: الهوى عامل تخريب وإفساد إذا انحرف عن مسار الحق والعدل يقول أمير المؤمنين (ع):
(إذا غلبت عليكم أهواءكم أوردتكم موارد الهلكة)
(في طاعة الهوى كل غواية)
(من وافق هواه خالف رشده)
(من غلب هواه على عقله ظهرت عليه الفضائح)
(لا تركنوا إلى جهالتكم، ولا تنقادوا لأهوائكم فان النازل بهذا المنـزل على شفا جرف هار)(16)
هذه هي أبعاد مخاطر إتباع الهوى. طلب مطلق، وقوة إفساد وتخريب، لا يتوقف عند حد .
وبعد ذلك سلطان الهوى كجبار عاتي له قوة عظيمة يريد أن يستولي على الناس، ويستعبدهم، ويمتص أموالهم ودمائهم؛ لذا قال رسول الله (ص): (إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل أما الهوى فإنّه يصدُّ عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة)(17)

ماذا يخرب الهوى من الإنسان ؟
خمسة أشياء أساسية في حياة الإنسان يفسدها الهوى وهي: الفطرة، والعقل والإرادة، والقلب، والضمير، وآخر قلعة تسقط من الإنسان هو الضمير، فإذا سقطت تغلبت القوة الحيوانية على الكرامة الإنسانية ، وصار الإنسان أضل من الأنعام من هنا نفهم هذا الاهتمام الكبير الذي نجده في الأحاديث الشريفة في التأكيد على مخاطر الهوى، ونحن نذكر عشرة عناوين :
1- الشهوة سم: يقول أمير المؤمنين علي (ع): (الشهوات سموم قاتلات)
2 - الشهوة آفة ومرض: عن أمير المؤمنين (ع) :
(الشهوات آفات قاتلات)
(من تسرع إلى الشهوات تسرعت إليه الآفات)
(رأس الآفات الوله باللذات)
(قرين الشهوة مريض النفس معلول العقل، والشهوات أغلال قاتلات)
(أول الشهوة طرب ، وآخره عطب)
(مدمن الشهوات صريع الآفات)
3- الهوى أساس محن الإنسان: عن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال:
(الهوى أساس محنة الإنسان)
(إياك وطاعة الهوى فإنه يقود إلى كل محنة)
(إياكم وتمكن الهوى منكم فإن أوله فتنة وآخره محنة)
4 - الهوى مركز الفتن: يقول أمير المؤمنين علي (ع):
(إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع...)
(الهوى مطية الفتن)
5 - الهوى سقوط وتردى في حياة الإنسان: قال أمير المؤمنين علي (ع):
(الهوى يُردي)
(طاعة الهوى تردي)
(من جرى مع الهوى عثر بالردى)
(من اتبع هواه أردى نفسه)
(الهوى هوي إلى أسفل السافلين)
وعن الإمام الصادق (ع): (لا تدع النفس وهواها فإن هواها في رداها وترك النفس وما تهوى آذاها، وكف النفس عما تهوى دواها)(18)
6 – الهوى هلاك: يقول الإمام علي (ع): (من أطاع هواه هلك)
(إذا غلبت عليكم أهواؤكم أوردتكم موارد الهلكة)
(الهوى قرين مهلك)
(هلك من أضله الهوى واستقاده الشيطان إلى سبيل العمى)
7 - الهوى يعطل العقل: (آفة العقل الهوى)
8 - الهوى يغلق أبواب القلب ومنافذه عن قبول النور الإلهي بصورة كاملة يقول تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) (الجاثية:23)
يقول أمير المؤمنين (ع): (الهوى شريك العمى)
(إنك إن أطعت هواك أصمك وأعماك، وأفسد منقلبك وأرداك)
(إنكم إن أمَّرْتُم عليكم الهوى أصمكم وأعماكم وأرداكم)
(أوصيكم بمجانبة الهوى فإن الهوى يدعوا إلى العمى وهو الضلال في الآخرة والأولى)(19)
9 - الهوى ضلال وتيه وضياع وصد عن سبيل الله في حياة الإنسان يقول تعالى: ((فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)) (مريم:59)
((وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)) (ص:26)
وقال أمير المؤمنين (ع): (قد ضل من انخدع لدواعي الهوى)
(في طاعة الهوى كل غواية)
10 - إتباع الهوى فساد الدين: قال أمير المؤمنين (ع): (سبب فساد الدين الهوى) و (لا دين مع هوى)

المراحل التخريبية للهوى :
هناك دور تخريبي للهوى فهذا العنصر الضروري للإنسان يتحول إلى عنصر مخرب ضار لوجوده إذا طغى، ومثله في ذلك مثل الماء فالماء عنصر ضروري أساسي في حياة الإنسان، ولكن هذا العنصر الضروري إذا طغى يتحول إلى قوة تخريب، وفساد، وهدم لكل ما يمر عليه؛ ولذلك نرى أن الإنسان من أجل أن يستفيد من الماء، ويتجنب أضرار طغيانه يقوم بتنظيم سير حركة الماء من خلال حفر القنوات والأنهار وتنظيم حركته بالنواظم والسدود؛ لتوزيعه توزيعاً نافعاً وصحيحاً فإذا انتظمت حركة سيره سوف يصل إلى أراضي قاحلة ويحولها إلى جنات خضراء. وهكذا القوة التي تنشأ من تدافع الماء تتحول إلى طاقات كهربائية ضخمة نافعة للإنسان... كذلك الهوى إن لم ينتظم ويجري بموجب ضوابط وحدود، وقوانين، يتحول إلى عنصر مفسد مهلك.
هذه هي المرحلة الأولى لفعل الهوى وهي مرحلة لها دور تخريبي لشخصية الإنسان .
أما المرحلة الثانية: مرحلة الاستيلاء والسيطرة على نفس الإنسان فعندما يسيطر الهوى على الإنسان يقوم بدور تخريبي خطير، ويهدم أهم الحصون في نفسه ((وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)) (الكهف:28)
فهنا المرحلة الأولى هي (الغفلة عن ذكر الله) والمرحلة الثانية (إتباع الهوى)
فالمرحلة الأولى: مرحلة تفريغية أي تفريغ الإنسان عن محتواه عقلاً وإرادةً وقلباً، وفطرةً ...
والمرحلة الثانية: الاستلاء والسيطرة
هاتان المرحلتان هما فعل الهوى... في المرحلة الثانية يدخل الإنسان الحر تحت أسر الهوى ، ويصبح أسيراً وعبدا له، ولو كان لدينا تعبيراً أدق من كلمة الأسر لاستعملناه ؛ لأن الأسير يخضع للمؤسر في الحركات الفيزيائية جميعاً فهو يمنعه من الهروب، والنوم، والحركة , والأكل. كل هذه الحركات يستطيع الطرف المنتصر أن يفعلها بالأسير، ولكن ليس له سلطان على عقله، وقلبه، وضميره، وسمعه، واحساساته النفسية مهما كان سلطانه.
وأما سلطان الهوى على الإنسان فإنه يستولي عليه استيلاءً كاملاً يفرض سلطانه على جميع حركات الإنسان، واحساساته، وإدراكاته جميعاً بدون استثناء حتى يعود يرى الجميل ما جَمَّلَهُ الهوى والقبيح ما قبحه، فيصبح يرى الجميل قبيحاً وبالعكس، وبذلك تصبح حكومة العقل تحت حكومة الهوى؛ لأنه يضع يده على قلبه، وأحاسيسه، وعقله، فالهوى يغير موازين الحب والبغض، فلا يحب إلا ما يريد الهوى، و لا يبغض إلا ما يبغض... ولذلك جاءت النصوص الإسلامية دقيقة جداً في التعبير عن الإنسان الذي وقع تحت سلطان الهوى، وفقد القدرة في السيطرة على إحساسه، وتفكيره، وعواطفه، وحبه، وبغضه؛ فعبرت الروايات عن أسير الهوى بالعبد وبالرق، فعن أمير المؤمنين (ع):
(عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره)
(قرين الشهوات أسير التبعات)
(عبد الشهوة أذل من عبد الرق)
(مغلوب الشهوة أذل من مملوك الرق)
وعبرت نصوص أخرى عنه بالذل، وعنه (ع) أيضاً:
(من مَلَكَ نفسه علا أمره) ، (من ملكته نفسه ذل قدره)(20)
(من غلب عقله هواه افلح، من غلب هواه عقله افتضح)(21)
(أزرى بنفسه من ملكته الشهوة واستعبدته المطامع)
(عبد الشهوة أسير تحت هوىً أمير) فالهوى هنا أمير...
(الشهوات تسترق الجهول)
وهناك طائفة أخرى تعبر عن الهوى ودوره في حياة الإنسان بالألوهية. فيتحول الإنسان من محور العبودية لله إلى محور العبودية للهوى، يقول تعالى :
((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)) (الفرقان:43)
((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) (الجاثية:23) كما ورد عن رسول الله (ص): (ما تحت ضل السماء من إله يُعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع)(22)
فهذا الإنسان ينتقل من عبودية الله إلى عبودية الهوى فيعاقبه الله بأن يكله إلى نفسه وينساه ((نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)) (التوبة:67)
من روائع الفكر الإسلامي العقوبات التي ينزلها الله بمن ينتقل من عبودية الله إلى عبودية الهوى في الدنيا والآخرة، ونحن نروي هذا الحديث القدسي لنرى حدود هذه العقوبات وخطرها في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة. عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: (قال رسول الله (ص): يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثِر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره، ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها ولم أؤته منها إلا ما قدَّرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي، وكفّلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة)(23)

الهوامش:
(1) نهج البلاغة خطبة: 162.
(2) المحدث المجلسي، بحار الانوار: 48/131.
(3) نهج البلاغة خطبة: 50.
(4) سيد قطب، في ضلال القرآن: 1/116.
(5) نهج البلاغة خطبة: 133.
(6) المصدر نفسه خطبة: 82 .
(7) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 15/47.
(8) اختلف المفسرون في اسم صاحب هذه القصة وهي قصة واقعية مرت في غابر الزمن، فقيل هو بلعم بن باعوراء في عصر موسى (ع) وقيل أمية بن أبي الصلت, وقيل هو عامر الراهب الذي لقبه رسول الله (ص) بالفاسق, وعلى كل حال فهو: (في الأصل بلعم ثم ضرب مثلاً لكل مؤثر هواه على هدى الله تعالى من أهل القبلة) كما قال الإمام الباقر (ع)، التبيان للشيخ الطوسي: 5/32.
(9) الإمام الفخر الرازي، التفسير الكبير: 8/56.
(10) الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة: 54 ترجمة السيد الفهري.
(11) الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن: 5/32 .
(12) الريشهري، ميزان الحكمة: 4/3482.
(13) المصدر نفسه.
(14) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم :65.
(15) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار:198.
(16) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 306-307 .
(17) المحدث المجلسي، بحار الانوار: 7/75.
(18) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/ 336 .
(19) الشيخ النوري، مستدرك الوسائل.
(20) الشيخ النوري، مستدرك الوسائل: 11/212.
(21) المصدر نفسه.
(22) الدر المنثور: 5/70, ومعجم الطبراني.
(23) المحدث المجلسي، بحار الانوار: 70/78-85 , وثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/335 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com