موقع الصراط ... الموضوع : الاتجاهات المعاصرة في دراسة السيرة النبوية-1
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاتجاهات المعاصرة في دراسة السيرة النبوية-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 14 / ذي الحجة / 1435 هـ
     
  بقلم: السيد محمد الحسيني
اعتنى المسلمون في وقت مبكر جداً بسيرة رسول الله (ص) وحفظها وتدوينها وتداولها، وقد كتبت منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري. وترك سهل بن أبي خيثمة الانصاري (60هـ) ابن عباس(78هـ) وسعيد بن سعد بن عبادة (القرن الأول) وسعيد بن المسيب(94هـ) وأبان بن عثمان بن عفان (105هـ) وعروة بن الزبير بن العوام (94هـ) وغيرهم صحفاً سجلت بعض الجوانب الهامة من حياة النبي محمد (ص)، ثم أخذت هذه الدائرة تتسع شيئاً فشيئاً لتتخذ السيرة النبوية لنفسها علماً خاصاً وحقلاً معرفياً متميزاً.
وما يقال عن تأخر التدوين حتى القرن الثاني الهجري أمر خاضع للنقاش ولا تؤيده المعطيات التاريخية، فقد كانت الصحف موجودة شائعة ومتداولة بين الصحابة وابنائهم، وشيوع المشافهة في حياة المسلمين الاوائل لا يعني ندرة الكتابة وعدم العناية بها، فقد نعى بعض الباحثين على زملائه عدم التفاتهم إلى طبيعة المنهج السائد يومذاك، القائم على ثلاث مراحل؛ احداها الكتابة، وهي المرحلة الوسيطة بين مرحلتين تقومان على المشافهة، حيث يقوم الاخباري بجمع معلوماته واستقائها من مصادرها الرئيسية مشافهة، ثم يقوم بتدوينها وحفظها من طريق الكتابة ثانيا، ثم يوصلها بطريق المشافهة ثالثاً.
وإنما عني المسلمون الأوائل بالمشافهة فذلك لغرض التوثيق ومنع الدس والتحريف الذي يمكن أن يطال هذه المعلومات ويعرضها للتزوير والتحريف.
وقد أخذت السيرة استقلالها مع احد اشهر تلاميذ الزهري محمد بن شهاب (124هـ)، وهو محمد بن اسحاق المدني المطلبي (152هـ) الذي أعطى للسيرة إطارها العام والسائد إلى اليوم، ليحذو حذوه كل من الواقدي محمد بن عمر (207هـ) وابن سعد (محمد بن سعد) البصري (230هـ).
ومنذ ذلك اليوم، وإلى الآن، لم تتوقف عناية المسلمين بسيرة نبيهم (ص)، تدويناً وشرحاً واختصاراً، وفي شتى الموضوعات العامة والخاصة، ونشأت أبواب لم تأخذ نصيبها مبكراً من قبيل دلائل النبوة وشمائل النبي(ص)، فضلاً عن نظم السيرة شعراً وشرح ذلك.
ومتابعة التطور التأريخي، نشوء حقل السيرة النبوية وملاحقة إنجازات هذا التطور واستقصائه خارج عن مهمات البحث، فما يهمنا فيه هو رصد إنجاز هذا العصر، وبالتحديد القرن العشرين الميلادي، والاتجاهات الرئيسية التي سادت فيه، ودراستها ونقدها.
ويمكن تصنيف هذه الاتجاهات على الإجمال في أربعة:
الأول: وهو ما يعرف بالاتجاه العلمي.
الثاني: وهو ما يمكن تسميته بالاتجاه الإسلامي الحركي.
الثالث: البحثي المعرفي.
الرابع: الماركسي.
1- الاتجاه العلمي: ربما يكون الدكتور محمد حسين هيكل احد ابرز وجوه هذا الاتجاه، ويلمع معه الكاتب المصري محمد فريد وجدي، والباحث والمؤرخ العراقي الدكتور جواد علي. وما يهمنا بالفعل هو دراسة منهج هذه النخبة من خلال نتاجهم الفكري، وبالتحديد((حياة محمد)) للدكتور هيكل، و((السيرة المحمدية)) لوجدي، و((تأريخ العرب في الإسلام الجزء الأول)) للدكتور جواد علي.

((حياة محمد)) لهيكل صدر ما بعد النصف الأول من القرن الميلادي الأخير فقد ذيلت مقدمة المؤلف بتاريخ 15/2/1935م، وقد جاء استجابة للتطورات التي حصلت في هذا القرن، ويعبر خير تعبير عن عصارة فكر نخبة تجاذبها غير تيار فكري، بين تيار الإسلام وبين تيار الغرب بكل ما يحمله من طيف فكري وتنوع ثقافي.
الدكتور هيكل هدفه من الكتاب والإشارة إلى ذلك الهدف أمر ضروري كما سيأتي بأنه استجابة لواقع ضاغط، وهو أي الواقع عزوف شباب المسلمين المتعلمين عن الدين وتأثرهم بالتيارات الغربية، وانبهارهم الشديد بما أنتجه العقل الأوروبي في الفكر والنظم السياسة ((ولا مفر لمن يريد أن يصهر هذه الطبقة من الاستعانة بأحدث صور التفكير في العالم ليستطيع من هذه السبيل أن يصل بين الحاضر الحي وثروة الماضي وتراثه العظيم)).
وعلاوة على ذلك فغايته من هذا البحث أن يعرف الإنسانية كلها ((كيف تسلك سبيلها إلى الكمال الذي دلّها محمد (ص) على طريقه. وإدراك هذه الغاية غير ميسور إذا لم يهتدِ الإنسان إلى هذه السبيل بمنطق عقله ونور قلبه، راضي النفس بهذا المنطق منشرح الصدر إلى هذا النور، لأن مصدرهما المعرفة الصحيحة والعلم الصحيح، فالتفكير الذي لا يعتمد على المعرفة الدقيقة ولا يتقيد مع ذلك بالطرائق العلمية كثيراً ما يعرض صاحبه لأن يخطئ ويكبو، وكثيراً ما ينأى لذلك به عن محجة الحق... ودراسة التاريخ يجب أن تكون غايتها نشدان الأمثال العليا من حقائق الحياة، ويجب لذلك أن يتجنب من يدرس التاريخ سلطان الهوى وحكم المزاج، ولا سبيل إلى تجنبها إلا أن يتقيد الإنسان بالطريقة العلمية أدق التقيد، وألا يجعل من العلم والبحوث العلمية في التأريخ أو غير التأريخ مطية لإثبات هوى من أهوائه أو نزوة من نزوات مزاجه)). والناس، على اختلاف مشاربهم الفكرية والعقيدية وتنوع أمزجتهم وأهوائهم لا يجمعهم من وجهة نظر هيكل سوى العلم والمنهج العلمي، فهو الوحيد الذي له على هؤلاء جميعاً سلطان وسطوة، بحيث لا يبقى لأي واحد منهم حجة أو ذريعة إن حكم في قضية ما.
هنا نكون وجهاً لوجه مع المنهج الذي يرتضيه هيكل لنفسه بغية تحقيق هدفه من البحث. إنه المنهج العلمي قال هيكل:
((ولذلك فكرت في هذا واطلت التفكير، وهداني تفكيري آخر الامر إلى دراسة حياة محمد (ص) صاحب الرسالة الإسلامية وهدف مطاعن المسيحية من ناحية، وجمود الجامدين من المسلمين من ناحية أخرى، على أن تكون دراسة علمية على الطريقة الغربية الحديثة)).
وهذه الطريقة من وجهة نظر هيكل هي وحدها ((الطريقة التي تجلو عظمة محمد (ص) على نحو يبهر العقل والقلب والعاطفة جميعا، ويغرس فيها من الاجلال للعظمة والايمان بقوتها ما لا يختلف فيه المسلم وغير المسلم)). بل اضطر الدكتور هيكل إلى أن يسوق الحجج التي ساقها المستشرقون دون تلك التي يسوقها التاريخ والفكر الإسلاميان، وهي كثيرة لتكون أكثر تأثيراً في نفوس شبابنا المولع بكل آثار الغرب دونما تدقيق وتمحيص.
وقد فرض عليه منهجه الذي أشار إليه غير مرة أن ينأى عن أكثر كتب السيرة مما يعدّ من أمهات المصادر في هذا الحقل المعرفي، معتذراً عن ذلك بكثرة الدخيل في هذه السير مما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة، والذي اعتمده المستشرقون للنيل من النبوة والنبي (ص).
وعلى الرغم من ذلك فقد أدان الدكتور هيكل ما يسمى بالفلسفة الواقعية (الوضعية)، وموقفها من المسائل الدينية، ورأى أنها لا تخضع للمنطق، ولا تدخل في حيز التفكير العلمي، وإن ما يتصل بها من صور التفكير التجريدي (الميتافيزيقي) ليس هو أيضاً من الطريقة العلمية في شيء، كما أدان الدكتور هيكل المحاولات التي استهدفت الحياة الروحية باسم العلم وإحلاله محل الايمان، وفي الوقت نفسه أكّد على قصور العلم وأنه لا يزال قاصراً عن تفسير كثير من الظاهرات الروحية والنفسية، وأنه لا يزال قاصراً عن تفسير الظاهرات الكونية، فكيف يمكنه تفسير الظاهرات الروحية، بل إن إنكار الظاهرات الروحية، وبخاصة ظاهرة الوحي مما يأباه العلم وتتنزه عنه قواعده.
وقد طبعت الكتاب عدة سمات يمكن تلخيصها بالتالي:
أولاً: تخرج أبحاث الكتاب عن الإطار التقليدي العام للسيرة، فقد ركّز هيكل في كتابه الحديث عن علاقة الإسلام بالمسيحية وموقف كل ديانة من الديانة الأخرى، ومبادئهما باعتبارهما رسالتين ترجعان إلى منبع الهي واحد، كما أشار إلى وجوه الخلاف بينهما، ولم ينسَ الحديث عن الإسلام باعتباره خاتمة الرسالات السماوية. وفضلاً عن ذلك يبرز بوضوح التأكيد على الروح المعنوية في إشارة إلى طغيان ما يسمى بالعلم والطريقة العلمية.
ثانياً: جاءت أبحاث الكتاب استجابة للتحديات المعاصرة، وبخاصة تلك التي برزت عقيب شيوع ما يعرف بالطريقة العلمية، والتي مثلها بقوة المستشرقون في أبحاثهم التي استهدفت الإسلام رسالةً وفكراً ونبياً..
والدكتور هيكل، وإن تأثر بمنهج الاستشراق فقد درس الاستشراق، بعمق وبنظرة نقدية لا تخفي امتعاضها منه، وقد أشار في عدد من المواطن إلى أخطاء المستشرقين وحذّر منها صريحاً، وإن عد بعضهم في المنصفين، وقد أرجع تلك الأخطاء إلى أهم سببين: أحدهما جهل المستشرقين بأسرار اللغة العربية، أو لما يشوب نفوس طائفة منهم من الحرص على هدم مقررات دين معين من الأديان، أو الأديان جميعها، وثانيهما الصراع القائم بين رجال الدين وهؤلاء العلماء يعني المستشرقين الذي يترك أثره في أبحاثهم وكتاباتهم.
وقد ناقش الدكتور هيكل عدداً من مقولات المستشرقين ودحضها، وقد علق على مقولات بعضهم: ((أرأيت الحضيض الذي هوت إليه هذه الطائفة من كتاب الغرب؟ أرأيت إصرارهم مع توالي القرون على الضلال وعلى إثارة العداوة والبغضاء بين أبناء الإنسانية؟! ومن هؤلاء من جاءوا في العصور التي يسمونها عصور العلم والبحث والتفكير الحر وتقرير الإخاء بين الإنسان والإنسان..)).
ثالثاً: يبدو أن المنهج العلمي الذي ارتضاه هيكل لنفسه فرض عليه التشدد في ما يعرف بمعجزات النبي محمد (ص)، وقد أصرّ الدكتور هيكل على أن القرآن الكريم هو معجزة الرسول (ص) الكبرى. قال: ((ولم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة، على اختلاف عصورهم برسالة محمد (ص) إلا القرآن الكريم، هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق محمداً من الرسل، كما أنه جرى بالكثير مما أفاء الله على محمد (ص) وما وجه إليه الخطاب فيه، وما ورد في الكتاب عن النبي لا يخالف سنة الكون في شيء)).
وكلامه ليس صريحاً في نفي المعجزة، إلا أنه نفى بالفعل عدداً مما عرف من معجزات النبي (ص)، وقد ردّ شيوع هذه المعجزات في كتب المسلمين إلى اعتقادهم بأنها أي الخوارق المادية لازم لكمال الرسالة، فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن الكريم.
كما أكّد على أن التاريخ لم يذكر أن المعجزات حملت أحداً منهم على أن يؤمن، بل كانت حجة الله البالغة هي الوحي، وحياة النبي في سموها، لذا نوّه في الحديث عن مصادر بحثه إلى أن القرآن الكريم هو المرجع الأصدق.
وعلى أساس هذا المنهج رفض معجزة الغار وحاول التشكيك بها، كما استهان بحادثة سراقة في مطاردته للنبي(ص) وردها إلى أسباب طبيعية.
وقد جاءت كلمات هيكل في تعليقه على حادثة الغسراء والمعراج مبهمة غامضة، وبخاصة عن وحدة الكون في روح محمد (ص)، إلى درجة علق معها عبدالله القصيمي في نقده لكتاب هيكل: ((والذي نخشاه ان يكون هذا القول قد تضمن نفي الاسراء والمعراج فإنه إذا كان للكون وحدة أو إذا كان الكون كله واحداً مجتمعاً في روح محمد (ص) وفي صدره كما يريد كاتبنا لم يكن هناك حاجة إلى أن يسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أو يعرج به من الأرض إلى السموات العلى، بل لم يكن ذلك مستطاعاً ولا معقولاً، لأن المسجد الحرام والمسجد الأقصى كلاهما في روح محمد وكلاهما شيء واحد، ولأن السماء والأرض شيء واحد وكلاهما في روح محمد، فهل يمكن أن يعرج به أو يسرى به إلى شيء هو في روحه ومعه؟!)).
ولكن تعسف الدكتور هيكل واضح في نفي المعجز بشكل عام، ولعل ذلك يرجع إلى ما أسماه بالطريقة العلمية الغربية، وإلا إذا كان الدكتور هيكل يعد القرآن المرجع الأصدق فلماذا يتعسف في نفي ما أشار إليه القرآن الكريم في قضية جيش أبرهة الحبشي ويلجأ إلى تفسيرها بالوباء، وباء الجدري الذي تفشى في الجيش على حد زعمه! هل من الطريقة العلمية أن يفسر القرآن خلاف الظاهر من دون قرينة صارفة عن الظاهر.
رابعاً: اشتمل الكتاب على دراسات نقدية ومعالجات جيدة لا تخلو من الدقة والروعة، ومن ذلك قضية صيانة القرآن من التحريف وكونه متواترا ومحفوظا من الزيادة والنقصان.
ما عالج عدداً من المسائل الفكرية المهمة مثل الرسالات السائدة يومذاك، وموقع المرأة ومركزها في الإسلام قبل عصر الإسلام. إضافة إلى ذلك اشتمل بحثه على عدة تساؤلات جديرة بالبحث، وبخاصة تلك التي أثارها في فصل الهجرة إلى الحبشة.
وناقش بتفصيل مقولات تاريخية اهتم بها المستشرقون لعل في مقدمتها أكذوبة الغرانيق وفرية الصرع.
خامساً: وإن اصطبغ بحث الدكتور هيكل بروح نقدية واضحة، إلا أنّه لم يشأ مفارقة المشهور في عدد من المقولات التاريخية، ولم تثر عنده التساؤلات والاحتمالات ومن ذلك تأخر جمع الحديث، وخصومة بني هاشم وبني أمية التأريخية وتأثيرها في ما بعد عهد الرسول (ص)، ورعي النبي (ص) الغنم، ودور ورقة بن نوفل في تعريف النبي (ص) بالوحي والنبوة، وكيفية نزول الوحي وتلك العملية النفسية التي هزت شخصية النبي (ص). بل يرد ورقة بن نوفل عند هيكل في وقت مبكر عندما يضل النبي (ص) وهو في الخامسة من عمره بأعلى مكة فيرده ورقة بن نوفل؟! كما ساير المشهور في إعراض حليمة السعدية عن قبول إرضاع النبي(ص) أول الأمر ثم اضطرارها لقبوله ثانياً.
وتمر عليه مقولات تاريخية لا يعلق عليها ويرسلها إرسال المسلمات، ومن ذلك ما ذكره على هامش حديثه عن نذر عبد المطلب، فينقل عن الطبري أن امرأة من المسلمين نذرت إن فعلت كذا لتنحرن ابنها، وفعلت ذلك الأمر ثم ذهبت إلى عبدالله بن عمر فلم يرَ في فتياها شيئاً، فذهبت إلى عبدالله بن العباس فأفتاها بأن تنحر مائة من الابل، كما كان الأمر في فداء عبدالله بن عبد المطلب، فلما عرف ذلك مروان والي المدينة أنكره، وقال: لا نذر في معصية.
هنا لم يشأ التعليق، وكيف يخفى الحكم على حبر الأمة عبدالله بن عباس أو عبدالله بن عمر (ابن الخليفة الثاني) وأجاب عنه مروان المفتي!! أما ما هو أكثر طرافة ما نقله عن أم المؤمنين عائشة، يقول هيكل: (ويروى أن عائشة كانت تزور حجر القبر يعني قبر رسول الله (ص) سافرة إلى أن دفن عمر بها إذ لم يكن بها يومئذٍ غير أبيها وزوجها فلما دفن عمر كانت لا تدخل إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها).
سادساً: انتماء هيكل المذهبي فرض عليه التعامل بحذر مع النصوص التاريخية وبانتقائية، فهو في الوقت الذي لم يشر فيه اطلاقا إلى حديث الغدير، فإنه أشار إلى حديث الدار بتصرف، فنقل قول علي(ع) لرسول الله(ص) بعد قوله (ص): فأيكم يؤازرني على هذا الأمر: ((أنا يا رسول الله عونك. أنا حرب على من حاربت)) ولم يشأ إكماله. نعم كان هيكل ذكره في الطبعة الأولى عن الطبري في تاريخه ثم حذفه من الطبعة الثانية.
بل اتهم علياً (ع) في أمر عائشة في ما عرف بحديث الإفك قال:
((وكانت الاشاعات تجد من حسان بن ثابت عوناً ومن علي بن أبي طالب سميعاً)). يلاحظ أن هيكل نفسه ذكر مقالة عائشة لرسول الله، وهو يحمل ابنه ابراهيم من مارية من أنها لا ترى بينهما شبهاً. كأنه يشير بذلك إلى نزول آيات الإفك في مارية لا عائشة كما هو في عدد من الروايات.
ولكن الأخطر في هذا الصدد هو اتهامه لأهل بيت رسول الله (ص) بوضع الأحاديث والزيادة فيها واذاعتها بكل الوسائل. وهو اتهام يشاركه فيه أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام.
وما ذكر من أحداث تاريخية وحديثه هو أخطر منه ما ذكره من اتصال النبي(ص) بالنصران إلى رهبانها وأحبارها وجداله معهم، وبخاصة مع الراهب النسطوري، وهي مقالة نقلها الدكتور هيكل عن ((درمنغم)) في كتابه((حياة محمد)).
سابعاً: وقد يبدو التناقض واضحاً على عدد غير قليل من المقولات الفكرية والتاريخية في بحث الدكتور هيكل، فهو في الوقت الذي يمنح فيه دوراً هاماً لخديجة (رض) في تطمين النبي(ص) إبان نزول الوحي لا يتحرج من نقل ما روي إنها قالت له: ما أرى ربك إلا قد قلاك، بعد تأخر الوحي وإبطائه عنه.
ومن ذلك انسياقه مع المقولة التاريخية الشهيرة في اعراض المراضع ومنهن حليمة عن قبول النبي (ص) ليتمه لأن الرجاء في الأيامى قليل، وهو في الوقت نفسه وبعد عدة صفحات يشيد بأيادي عبد المطلب على أهل مكة وكرمه، فكيف غاب عن هؤلاء المراضع أن محمداً هذا الطفل ليس كأي يتيم، بل هو حفيد هذا الزعيم المكي الذي يجود على الناس في ساعات العسرة وأيامها!
وقد يكون من أكثر مظاهر التناقض عنده، وهو يقرر أن التاريخ لم يذكر أن المعجزات حملت أحداً على الإيمان ففي الوقت نفسه، يوكد أن طائفة من الذين آمنوا بمحمد (ص) ارتدت بعد حادثة الإسراء. فلماذا ارتدت هذه الطائفة وهي لم تؤمن للمعجز، فكما أنها لم تومن لأمر حسي أو أمر خارق للعادة فهي بكل تأكيد لا يثنيها عن إيمانها ذلك الأمر، إن لم يزدها إيماناً.
قد تكون جولتنا مع هيكل طويلة وكان بالإمكان أن تكون أطول على حساب النموذجين الآخرين: ((السيرة المحمدية)) لفريد وجدي، و((تاريخ العرب في الإسلام)) للدكتور جواد علي، ولكن في هذه الاطلالة ما يسوغها فالكتاب والكاتب من الشهرة بمكان، وهو يعد خير أنموذج لهذا الاتجاه وهو الأكثر تعبيراً عنه، هذا فضلاً عن أنها تغنينا عن الإسهاب في النموذجين الآخرين لأنهما في الغالب على منواله.
السيرة المحمدية لوجدي محمد فريد وجدي هو الوجه الآخر البارز في هذا التيار، ولكن ليس بالضرورة أن يكون إنجازه مشابهاً لإنجاز الدكتور هيكل فللأول همومه واهدافه، وذلك ما يبدو من خلال قراءة افكاره التي سجلها تباعا عبر نشرها في مجلة الأزهر منذ العام 1353هـ/1934م تقريباً ثم جمعت في كتاب بالعنوان نفسه:
((السيرة المحمدية)).
أولاً: الهدف من البحث عند محمد فريد وجدي هو الهدف نفسه الذي يرمي إليه هيكل، فهو يرى أن الأساليب الخطابية والأفانين البيانية التي سادت كتب السيرة قديماً والتي حوت من الأقاصيص والروايات الموضوعة والأشعار المصنوعة، لا تفي بمتطلبات العصر ولا تجيب عن تحدياته، إذ ((أصبح القول الفصل اليوم للعلم، العلم الذي اتفق قادة الفكر الإنساني على تسميته بهذا الاسم، وهو جملة المقررات اليقينية على الوجود وكائناته مما سريت عليه أصول الدستور العلمي، فكل قول لا يحصل على تأييد هذا العلم أو على القليل لا يماشى أسلوبه ويترسم حدوده، لا ينال من العقلية العصرية المكانة التي يراد ان تكون له. وقد رفض هذا العلم كل ما عرض عليه من اساطير الاولين حتى العقائد التي بادت في سبيل الدفاع عنها امم برمتها. وهذا العلم اليوم واقف لنا بالمرصاد ليفعل بعقائدنا مثل ما فعل بعقائد الذين سبقونا اليه، والأمم الإسلامية اليوم محفوزة إليه بحكم التربية العصرية، فوجب على القادرين منا على حمايته من الخطر العلمي أن يعملوا على شاكلتهم في هذه السبيل)) ولذلك يدعو فريد وجدي في الدفاع عن النبوة وظاهرة الوحي إلى اللجوء للاستدلال العلمي الحديث، ولا يكفي الاستدلال المنطقي على كثرة الادلة المنطقية.
هذا الهدف لا يحدد منهج البحث وحسب، بل يحدد أيضاً الإطار ومادة البحث عند فريد وجدي كما سيأتي.
فمنهج البحث عنده علمي يعتمد المعطيات العلمية التي تقوم على المشاهدة والتجربة، لكن ينبه (وجدي) قراءه إلى أنه لا يريد أن يثبت إمكان الوحي بالاستناد إلى اكتشافات العلماء وإنما يستأنس بها في بحثه، إدلالاً منه على أن الإنسانية قد اجتازت دور الافتتان بالماديات، وبدأت تدخل إلى عهد من الحياة تتفق فيها فتوحات الروح من طريق النبوة، وفتوحات العقل من طريق العلم، ولذلك يهاجم فريد وجدي الكتاب الماديين الذين ادّعوا منافاة فكرة النبوة للعقل بحجة منافاتها للعلم من جهة وعدم حاجة الاجتماع اليها من جهة اخرى، ويوكد على ادلة العلم على إثبات النبوة بما لا يقبل النقض.
ثانياً: مدخل البحث يرسم وجهته عند فريد وجدي، فهو ليس في صدد البحث التاريخي وفي حقل السيرة النبوية تحديداً، إنه بكلمة أدق بصدد إثبات ما وراء الحدث التاريخي، انه يعالج فكرة النبوة وظاهرة الوحي علميا. ومن أجل ذلك فهو يحشد كل المعطيات العلمية التي أنتجتها المختبرات العلمية وأثبتها المخترعون والمكتشفون بما يدلل على عدم استبعاد ظاهرة الوحي وعدم منافاتها للعلم. بل العكس تماماً.
وهنا يخرج فريد وجدي عن الاطار التقليدي العام للسيرة، ولكن لا على النحو الذي اختطه لنفسه محمد حسين هيكل وان كان يتفق معه احيانا في بعض المواقع. فعلى هامش الفكرة الاساسية التي عالجها في مدخل البحث وهي ظاهرة الوحي والنبوة، تحدث عن تاريخ النبوة ونصيب العالم من رسالة خاتم المرسلين، والعلاقة بين الرسالات السماوية. كما ركز على الحالات النفسية للنبي، ومهمة خاتم المرسلين، والصفة العمومية للرسالة الإسلامية خاصة وتفردها بها، فضلا عن دراسته للواقع العربي ما قبل بزوغ فجر الرسالة.
والفكرة الأساسية كما حددت منهج البحث وإطاره العام، كذلك ألقت بظلالها على المادة التاريخية للبحث عند فريد وجدي، لذلك قلت المادة التاريخية عنده، وغابت التفصيلات وكثرت المرويات. انه فقط يستعين بالمادة التاريخية بما يخدم الهدف من بحثه، دون ان يعنى بالتاريخ أو يستغرق فيه بعيدا عن هاجسه وهمه الرئيسي. وهذا ما دعاه إلى مناقشة المستشرقين ودحض مقولاتهم بقوة وشراسة.
ثالثاً: منهجه العلمي الذي اختاره لبحثه قاده إلى التعاطي مع المقولات التاريخية بطريقة مختلفة عن المألوف والتقليدي، وبخاصة في ما يتعلق بالإعجاز والمعجزات التي ذكرتها أمهات مصادر السيرة النبوية. قال في هذا الصدد: ((ربما يخيل لمن يطلع على شرطنا إيراد السيرة النبوية على أصول الدستور العلمي أن جانب الاعجاز فيها سيكابد نقصاً عظيماً، إن لم يغفل إغفالاً تاماً، وإغفال هذا الجانب منها يجعلها أمراً طبيعياً، فتفقد النبوة صفتها المميزة، وتصبح سيرة النبي كسيرة أحد عظماء الرجال، وليكن من الممكن إثبات أنه أعظمهم فتكون النتيجة سلبية من الناحية الدينية. نقول: لا، فإننا إن سرنا على شرط العلم في إثبات الحوادث وعزوها إلى عللها القريبة، فإنه سيتألف من جملتها أمر جلل يقف العلم نفسه أمامه حائراً لا يستطيع تعليل صدوره عن فرد واحد، وسيكون مضطراً بأن يعترف بأن محمداً (ص) كان عبقرياً من طراز خاص فاق به جميع العباقرة، وهذا كسب عظيم للقائلين بنبوته، لأن العبقرية في العلم لا تعني ما تعنيه في عرف العامة، هي في العلم ما يلقى في روع العبقري من علم أو عمل بدون جهد منه، فيجيء فذاً لا سابقة له، يتخذ مثالاً لغيره ولا يمكن تقليده، فالعبقرية بهذا المعنى العلمي تقرب معنى النبوة إلى العقل، وتسوغها في العلم)). في هذا الصدد يلجأ فريد وجدي إلى التعويض، فها هو يضطر إلى التقليل من شأن المعجزات التكوينية تلك التي تعد خروجاً على المألوف والطبيعة، كل ذلك على خلفية ما يسمى بالطريقة العلمية الحديثة التي لا تقيم لهذه الظواهر وزناً، فلذا استعاض عنها بما يمكن تسميته بالمعجزات الاجتماعية، فعلى هامش الحديث عن معركة (بدر) يقول وجدي: ((تمتاز العصور النبوية بالخوارق للنواميس الطبيعية، فأساطير الأديان ملأى بذكر حوادث من هذا القبيل، كان لها أقوى تأثير في حمل الشعوب التي شهدتها على الإذعان للمرسلين الذين حدثت على أيديهم. وقد حدثت أمور من هذا القبيل في العصر المحمدي، صاحبت الدعوى في جميع أدوارها، وكانت أعظم شأناً وأجل أثراً، من كل ما سبق من نوعها.
ولست اقصد بها ما تناقله الناس من شق الصدر، وتضليل الغمامة، وانشقاق القمر، وما إليها مما لا يمكن إثباته بدليل محسوس، أو مما يتأتى توجيهه إلى غير ما فهم منه، ولكني أقصد تلك الانقلابات الأدبية والاجتماعية التي تمت على يد محمد (ص) في أقل من ربع قرن، وقد اعوز أمثالها في القرون العديدة، والآماد الطويلة. وقد لاحظ قراؤنا اننا نحرص فيما نكتبه في هذه السيرة، على أن لا نسرف في صرف كل حادثة إلى ناحية الإعجاز، ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العادية، حتى ولو بشي ء من التكلف، مسايرة لمذهب المبالغين في التثبت، والمحافظين على إقامة الدستور العلمي..)).
فمعجزات النبي محمد (ص) عند فريد وجدي هي: قيام محمد (ص) وحده بدعوة امة برمتها إلى ترك دين توارثته عن اسلافها اجيالا كثيرة والاخذ بدين مناقض له في جملته وتفصيله، ونجاحه في ما تصدى له نجاحا محيرا للعقل لم يسبق له شبيه في تاريخ النفسية الإنسانية.
والاكثر إعجازاً هو نجاحه الكبير في التغيير الجذري والانقلاب التام لهذه الأمة، في وقت سلكت فيه العبقريات التي تم لها توحيد الأمم طريق السنة التدريجية للانتقالات الاجتماعية، أما الرسالة الإسلامية فلم تسلك طريق تلك السنة الطبيعية، ولم تستخدم أنقاض الحالات السابقة لبناء الحالات التي أوجدتها، بل جاءت بالمثل العليا التي ليس وراءها مذهب.
ويرى فريد وجدي أن من الظواهر الغريبة التي لا يمكن تعليلها إلا بالإعجاز ظاهرة سرعة انتشار الإسلام في العرب وغير العرب. بل الأشد إعجازا هاهنا هو إقبال العرب على الإسلام بكل قناعة بعد طول ممانعة إلى درجة أصبح معها هذا الإقبال ينقلب إلى حالة من الاستهانة بالحياة في سبيل هذه العقيدة الجديدة، في وقت لم يعرف عن العرب ولم يحفظ لهم تاريخهم كبير عناية بالدين أو التضحية في سبيله.
والشواهد كثيرة في هذا المجال يحاول وجدي تحشيدها بغية الاستعاضة عما يسمى بالمعجز التكويني. لا إنكاراً منه للمعجز التكويني كما يبدو من ظاهر كلماته، وإنما تكريساً لما أسماه بالمنهج العلمي والطريقة العلمية.
رابعاً: وإن فرض المنهج على فريد وجدي أن ينأى عن التفصيلات التاريخية أو يتابع ويلاحق المقولات التاريخية على اختلافها وتضاربها، لتبدو مادته التاريخية قليلة تبعاً لذلك، فإن بحثه لم يخلُ من دراسة نقدية جادة لعدد من المسائل والقضايا التاريخية.
ومن اهم ما عالجه في مطاوي كتابه حالة العرب قبل الاسلام ورفض المقولة السائدة والذائعة الصيت التي فسرت نجاح الدعوة الإسلامية بالإرهاصات العربية والتحولات التي سبقت بزوغ فجر، ونفى نفياً قاطعاً أن تكون ثمة محاولات عربية للإصلاح، وقد ردَّ هذه المقالة إلى خصوم الإسلام والتي تلاقفها بعض القشريين العرب على حد تعبيره وأكد أن هذه المقالة لا تجد لها اساساً صالحاً في التأريخ لترتكز عليه، وليس ثمة أي شاهد على الإطلاق يدعمها. وأكد أنَّ ((الحق الذي لا مرية فيه أن بلاد العرب لم تقم فيها دعوة ترمي إلى توحيد قبائلها وإصلاح نفسيتها وتقويم ديانتها، ولو كانت لترامت إلينا أخبارها مكبرة مضخمة، لأن هذه الحركة الاصلاحية لا يمكن ان تكون خفية، فهي شعور تولده في الجماعات الحاجة، وتهيئه العوامل، وتضطرب له أعصابها، وتنفعل به أعضاؤها، وتنشأ تحت تأثيره اخلاق جديدة ومرام بعيدة، تدرك تطوراتها الشعوب البعيدة عنها فما ظنك بالقريبة منها)).
وهذه الإشكالية التي يجيب عنها فريد وجدي من الأهمية بمكان تأريخياً وعقائدياً، وقد راجت مع بزوغ المدرسة الماركسية في محاولاتها لتفسير ظاهرة النبوة كإفراز طبيعي بيئي.
وفي الإطار نفسه أكد فريد وجدي على فرادة ظاهرة لجوء النبي محمد (ص) إلى غار حراء للعبادة والانقطاع إلى الله وإن هذه الظاهرة لم تكن معروفة في الوسط العربي في شبه الجزيرة العربية، تلك المنطقة التي لا تحفل بالمسائل الروحية بقدر ما تحفل بالكهانة ودعوى الاتصال بالجان. هنا أيضاً يفتح فريد وجدي ثغرة في ما وصلنا من تراث الإخباريين الذين تحدثوا عن عادة التحنث، وهي مرويات ينبغي التعامل معها بحذر شديد ودقة كبيرة.
وقد تبرز الروح النقدية بشكل صارخ في مناقشاته الجادة لروايات السيرة النبوية وتعليلاتها في خصوص إيمان الأوس والخزرج وقبولهم بدعوة النبي (ص)، وقد تناولها فريد وجدي بتفصيل ومناقشة جادة ورائعة في آن واحد.
خامساً: ومع ذلك فقد أذعن، في حالات كثيرة، للمشهور ومسلماته ومصادراته من دون ان يسجل ملاحظاته أو يتحفظ على بعض فصولها، وقد يكون من ذلك ممارسة النبي(ص) لمهنة الرعي، وكيفية نزول الوحي عليه (ص)، وهجرة أبي بكر الخليفة الأول إلى الحبشة أو عزمه بالأحرى على الهجرة إليها.
ويقتضي الإنصاف القول: إنه لم يبالغ في اقتفاء أثر المشهور ولم ينسج على منواله، فقد يكون جريئاً جداً في مسائل هامة وبالغة الخطورة، ففي الوقت الذي تؤكد النظرة التاريخية السائدة على أساس انتمائها لمدرسة الخلفاء على دور الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في الإسلام وجرأته في الدفاع عنه إلى درجة تتغير معها موازين القوى في مكة بعد إسلامه لا يتريث فريد وجدي في وصف الخليفة عمر بالخائف، وهو يرسم قسماته وحالته وهو يدخل الإسلام خائفاً من قومه. إذ نقل عن البخاري عن ابن عمر قال: بينا عمر في الدار خائفاً إذ جاء العاص بن وائل السهمي أبو عمرو بن العاص وعليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأنني أسلمت، قال: لا سبيل إليك. فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: ابن الخطاب الذي قد صبا. قال: لا سبيل إليه، فكر الناس وانصرفوا.
سادساً: قد تكون هذه الروح النقدية هي التي أسهمت في تخفيف البعد الطائفي في بحث فريد وجدي، فلم يكترث بعدد من المقولات التاريخية المذهبية من قبيل العناية الكبيرة بإسلام أبي بكر ليضطر إلى المماحكة كما هو المعروف للجمع بين إسلام (علي أمير المؤمنين) المبكر وما روي في مدرسة الخلفاء عن إسلام أبي بكر ليصنفوا علياً في الغلمان وأبا بكر في الرجال. كما أنه لم يعنَ في ما تتحدث عنه مدرسة الخلفاء عن كفر أبي طالب.
ولكنه تأثر بلا أدنى اشكال بانتمائه المذهبي فلم يأتِ على ذكر حديث الدار أو حديث الوزارة، تلك الحادثة المبكرة وذات المغزى الكبير، كما لم يأتِ على ذكر حادثة الغدير، ولا أعرف السبب الذي أحجم لأجله فريد وجدي عن التفصيل والتحليل والمناقشة في مستقبل الدعوة والدولة، غير السبب المذهبي.
وفي الوقت الذي لم يتجاهل فيه فريد وجدي دور علي أمير المؤمنين في الدعوة الإسلامية فإنه تجاهل دوره في واقعة تاريخية معروفة تلك قدومه بالفواطم من مكة إلى المدينة، فذكر أن رسول الله (ص) أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتيا بمن تخلف من أهله.
تاريخ العرب قبل الاسلام الوجه الثالث لما يسمى بالاتجاه العلمي هو الباحث والمؤرخ العراقي الدكتور جواد علي، في كتابه: (تاريخ العرب قبل الاسلام)، والذي صدر منه الجزء الأول، وقد اقتصر فيه جواد علي على بحث السنين الثلاث ودراستها، أو الأربع من النبوة، سني التحفظ والاستخفاء.
وقد تميز بحث الدكتور جواد علي من قرينيه بما نوهنا به من الدقة العلمية والمنهجية، نظر الانصراف جواد علي إلى البحث التاريخي، بما أضفى على بحثه شيئاً من الاتزان شكلاً ومضموناً.
وعالج جواد علي في مطلع بحثه قضية التدوين وكتابة التاريخ وشروط المؤرخ، كما عالج مسألة موارد التاريخ الإسلامي ومشكلات التعاطي معها، ومدى توثيقها واستنباط حقائق التاريخ منها. وقد جاءت هذه المقدمة في عدد غير قليل من الصفحات، قد تكون فريدة على اختصارها.
ويمكن تحديد اهم سمات بحثه في النقاط التالية:
أولاً: لم يشأ جواد علي ان يكون داعية أو مبشراً بدين على حد تعبيره فلا حاجة للدين لرأيه أو مساعدته، فالأديان كلها من منبع واحد، وبعضها يتمم بعضها الآخر، ومن وجهة نظره لا يضير الإسلام ولا يثيره قول من يقول إنه مأخوذ عن يهودية أو عن نصرانية.. وما دامت هذه الأديان من الله رب العالمين، ومن منبع واحد، فلا بد من أن يكون فيها ما تقتضيه طبيعة الوحي والإلهام من ذلك المصدر الذي الهما.
هذه الملاحظة مركزية عند جواد علي ومهمة للغاية وهي كذلك إلى حد ما ولذلك يفتش جواد علي عن موارده في كل ما يمكن ان يفيد تكوين الصورة للماضي موضوع البحث وهنا السيرة تحديداً وكلما توسع المؤرخ وتبسط في مراجعة مظان موضوع بحثه وموارده، كانت إحاطته بأحواله أشمل وأعم.
وفي السيرة، تحديدا، المصادر عند جواد علي هي: القرآن وكتب التفاسير وأسباب النزول، والحديث حديث رسول الله(ص)، وكتب السير والمغازي والتواريخ العامة والخاصة، وكتب الأدب والأمثال العربية والقصص الجاهلي والاسلامي، بل ما كتبه غير العرب مما يمكن أن يفيد، إذا كان ينتمي إلى تلك الحقبة أو أقرب ما يكون إليها زمنياً..
ولكن سند جواد علي وملاذه بالدرجة الاساس في معرفة تاريخ الإسلام وأحوال العرب في ذلك العهد هو القرآن، أما المصادر والموارد الأخرى فهي ثانوية بالنسبة اليه.
ويعتقد جواد علي أن المؤرخ للسيرة النبوية، لو سار بموجب وحي آيات القرآن لجنب نفسه الوقوع في المزالق والم آخذ، وجعل السيرة النبوية سيرة حية، بعيداً عن القصص الاسرائيلي الذي أدخل على السيرة وعلى الإسلام، وبخاصة عند أصحاب السير المتأخرين، تلك القصص التي أثارت التشكيك بصاحب الرسالة والمرسلين.
ثانياً: يوكد إذن جواد علي ((على ضرورة مناقشة الحوادث التاريخية وسيرة الرسول في ضوء القرآن)) وأن ((يفهم المؤرخ الحادث من منابعه ومجاريه، وأن يتقصاه ويفهم روحه من فهم الإسلام له)).
انطلاقاً من هذه الروية يتحدد موقفه مما يعرف بالمعجز، فهو يرى أنه قصص مخالف لما جاء في القرآن الكريم عن الرسول ولحديث الرسول ولروح الإسلام.
هذا هو الموقف بشكل عام، أما تفصيلياً فلم يتسنَّ للدكتور جواد علي التعليق لأن بحثه لا يغطي سوى جزء يسير من حياة النبي(ص). ولكن ثمة موقف تفصيلي تبدو هذه الروية فيه بشكل واضح وسافر، انه الموقف تجاه ما يعرف بأصحاب الفيل واندحارهم وهزيمتهم، فقد ردَّ ذلك إلى انتشار وباء خبيث بين الجيش فتك فيهم وأهلك أكثرهم واضطرَّ الناجون منه المتغلبون عليه إلى الفرار.
وفي مجال التعليق على هذا الموقف نتساءل: لماذا يعدل الدكتور جواد علي عن ظاهر القرآن الذي هو سنده الأول في فهم تاريخ الاسلام واحوال العرب قبل الاسلام؟! فهل تحدث القرآن عن وباء خبيث. وهل ثمة معطيات تاريخية عثر عليها الدكتور جواد علي عدلت به عن الاخذ بهذا الظاهر؟
ثالثاً: من الأهمية بمكان الاشارة إلى ان من اهم ما يلاحظه الناقد في بحث جواد علي هو عنايته الشديدة ومتابعته الجادة لمقولات المستشرقين في حقل السيرة النبوية، وقد بذل جهدا مشكورا في الحديث عن تاريخ الاستشراق ودوافعه والاخطاء المنهجية التي ارتكبها المستشرقون، كما ناقش بشكل تفصيلي مقولات عدد منهم من امثال ((شبرنكر وكيتاني))وغيرهما، وكانت مناقشاته غاية في الدقة، ترتكز إلى محاكمات علمية وموضوعية، وتكشف عن احاطة تامة بواقع المستشرقين من جهة، وحقائق التاريخ من جهة أخرى.
رابعاً: إن خبرته في التاريخ وتضلعه فيه جعلاه متفرداً في تحقيق عدد من المسائل المهمة شديدة الصلة بتاريخ النبي(ص) وسيرته، وبخاصة تلك التي تنتمي إلى عصر ما قبل الإسلام. فقد تحدث بإسهاب غير مخل عن مكة وأحوالها الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، كما تحدث عن رجالها ممن اسهموا في تدعيم موقعها أيضاً.
وفي هذه المسالة بالذات كان جواد علي منهجياً للغاية، في تمايز واضح عن كتاب السيرة المتأخرين في ذلك. فقد اماط اللثام عن مصادره وموارده التاريخية بشكل تفصيلي، لتكون صوره التاريخية التي ينحتها مرهونة بصحة هذه الموارد والمصادر، وبعضها كما نعرف وهوما اشار إليه جواد علي من مرويات الاخباريين، وهي مرويات لا يمكن الاطمئنان إليها بنسبة يعتد بها منهجياً.
وهذا ما يظهر في حديثه عن قصي وهاشم وعبد المطلب، وفي حديثه عن بعض المظاهر الدينية من قبيل التحنث، بل إن ذلك مما ينطبق على أخبار أبي طالب، الشخصية القريبة إلى عهد الإسلام.
فما كانت تفسيراته لعدد من المقولات التاريخية معقولة وبعيدة عن المغالاة، ويظهر ذلك في تفسير حلف الفضول والدوافع التي افرزته، وفي تفسيره لما تناقله أهل الأخبار في ظاهرة الأحناف، وقد اكد على انها قناعات شخصية لم تتجاوز حدود الذات.
وعلى هامش تحقيقاته التاريخية المعمقة اشتمل بحثه على استطرادات لا تقل عن تحقيقاته روعة ودقة، ومن ذلك اشارته إلى القصص الاسرائيلي الذي أسهم مسلمة الكتاب في إدخاله إلى التراث، وتعمدهم الكذب على التوراة والانجيل على سبيل التودد إلى المسلمين والتقرب اليهم. كما أشار إلى ظاهرة ربط اكثر القصص الاسرائيلي بابن عباس، وهي ظاهرة جديرة بالبحث والدراسة.
ما اشار إلى شخصية ورقة بن نوفل وقيمة الروايات التي نقلها اهل الاخبار في شانه كما أشار إلى دور عداس النينوي الذي يرد ذكره في السيرة في هجرة النبي (ص) إلى الطائف وحادثة نزول الوحي حيث اعطت له بعض المرويات في هذا الصدد دور ورقة بن نوفل. وعدد آخر غير قليل من هذه الاستطرادات التي لا يسعنا الإشارة اليها.
ومع ذلك فقد يكبو الجواد، فقد تناقض باحثنا في كتابه ((تاريخ العرب قبل الاسلام))، غير مرة.
نشير إلى موقفه من ابي طالب فقد ذكر أن جوابه للرسول حين دعاه إلى الايمان به وهجر الأوثان وترك عبادة الأصنام كان: ((أما دين آبائي فان نفسي غير مشايعة على تركه وما كنت لأترك ما كان عليه عبد المطلب..)). وكان قد ذكر في مورد آخر أن عبد المطلب كان أول من تحنث بحراء، مما يوكد على انه لم يكن يدين بعبادة الاصنام كما هو المشهور عند الاخباريين.
واذا اختلف رموز هذا الاتجاه في رواهم الفكرية وهمومهم الثقافية، فلا شك انهم يجتمعون في اختيار ما يسمى بالمنهج العلمي، ان استجابة لصرعة العصر أو اقتناعا منهم بمقولاته، وإنهم يجمعون على التصدي لمحاولات المستشرقين خاصة تلك المحاولات السافرة والدنيئة، إنه التصدي المنطلق من القناعة بالإسلام فكراً وحضارة وإن نأى بعضهم عنه التزاماً.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com