موقع الصراط ... الموضوع : مع خطبة زينب (ع) في الكوفة
 
السبت - 26 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مع خطبة زينب (ع) في الكوفة  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 21 / ذي الحجة / 1435 هـ
     
  بقلم: حسن جميل الربيعي
استشهد الحسين (ع) بعد أن قام ثائراً منتفضاً منتصراً للإسلام المحمدي الأصيل لإحقاق الحق ودحض الباطل، وكان هذا المعنى واضحاً في كلماته الخالدة في طريقه إلى كربلاء منذ لحظة خروجه، فكان (ع) واعظاً ناصحاً مذكّراً بالله، ومخوّفاً من استمرار أعمال السلطة القائمة المخالفة لشرع الله وسنة رسوله (ص).
وكان النظام الحاكم يظن أنه بقتل الحسين (ع) سيطيب له العيش، وتصفى له الأمة، ويستتب الأمر له، ولكن ما أن انقضى اليوم العاشر من محرم الحرام حتى بدأت أسباب زوال الدولة الأموية بالظهور؛ فهنا ثورة، وهناك أخرى، وهنا ولاية سقطت، وهناك خلافة قامت... كلّ هذه الأمور وغيرها نخرت في جسد الدولة الأموية حتى لم ينقضِ على مقتل الحسين (ع) عقود من الزمن حتى سقطت الدولة الأموية لتقوم على أنقاضها دولة بني العباس.
ونستطيع القول بضرس قاطع: إن أول عامل لسقوط الدولة الأموية بعد عامل قتل الحسين (ع) هو الإعلام العلوي المتمثل بالإمام زين العابدين وزينب الحوراء وبنات الرسالة الذين قاموا بهذا الإعلام منذ لحظة مقتل الحسين (ع)، فها هي زينب الحوراء (ع) تذهب إلى جسد أخيها وهو مضرّج بدمه الزكي، مقطوع الرأس، مرضوض الصدر بحوافر الخيول، مطروح بين أخوتها وبنيها وأصحابه المقتولين، وفي موقف تنهدّ له الجبال الراسيات لتضع يديها تحت جسده الطاهر وترفعه إلى السماء وتقول لربها: ((اللهمّ، تقبل منا هذا القربان))، وهي بنفسها تحاول لململة عيالها والحفاظ على الأطفال بعد أن شردوا في العراء إذ حرقت خيامهم، وهي نفسها التي لم تترك وردها حتى ليلة الحادي عشر.
إن زينب الكبرى (ع) بهذا أوصلت رسالتها الإعلامية الأولى أن قتل الحسين (ع) هو فداء للإسلام، وأن دمه الزكي هو قربان لله تعالى؛ فالإسلام عندها أغلى من كل شيء والحسين فداء له ودمه هو الزيت المحرك للثورة، وبهذا الموقف وبحفاظها والتزامها وتماسكها واتزانها في حالة أبكت السماء دماً أوصلت رسالة ثبات الإسلام واستقراره وعدم الانكسار والانهزام مع عظم الفجيعة وهولها؛ وقد قدَّمت هذا الموقف عملياً حين سألها اللعين ابن زياد: ((كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟)) فأجابت سلام الله عليها: ((ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم يا بن زياد، فتحاجون وتخاصمون، فانظر لمن الفلج يومئذ! ثكلتك أمك يا بن مرجانة))(1)، فحطّمت كبرياءه وزهوه وغروره، وتكلّمت بمنطق القوة والعزة العلوية لا بمنطق الانكسار والضعة كما كان يتصور ابن زياد ومن حوله.
وزينب (ع) بقيامها الليل وحفاظها على وردها أوصلت رسالة الاعتزاز بالإسلام وعباداته، واجباته ومستحباته، والتوحيد لله تعالى في أحلك الظروف وأصعبها، والشكر له مع كل ما يصيب الإنسان، وأنّها امتداد للخط الرسالي من جدّها رسول الله إلى أبيها أمير المؤمنين وأمها الزهراء، وأخوتها صلوات الله عليهم أجمعين، وهي عكست بهذا المفهوم الإيجابي للدين بتطبيق عملي، فبعملها هذا كانت داعية ناصحة مذكرة بالإسلام الذي أراد الطغاة تحريفه وعكسه عن المسار الصحيح له، يصف الشيخ محمد جواد مغنية حالها في تلك اللحظات فيقول: ((رجالها بلا رؤوس على وجه الأرض، تسفي عليهم الرياح، ومن حولها النساء والأطفال، في صياح وبكاء، ودهشة وذهول، وجيش العدو يحيط بها من كل جانب.. إن صلاتها في مثل هذه الساعة، تماماً كصلاة جدّها رسول الله (ص) في المسجد الحرام، والمشركون من حوله يرشقونه بالحجارة، ويطرحون عليه رحم شاة، وهو ساجد لله (عزّ وعلا)، وكصلاة أبيها أمير المؤمنين، في قلب المعركة بصفين، وصلاة أخيها سيد الشهداء يوم العاشر، والسهام تنهال عليه كالسيل.. ولا تأخذك الدهشة إذا قلتُ: إنّ صلاة السيدة زينب، ليلة الحادي عشر من المحرم، كانت شكراً لله على ما أنعم، وإنّها كانت تنظر إلى تلك الأحداث على أنّها نعمة خصّ الله بها أهل بيت النبوة، من دون الناس أجمعين، وأنّه لولاها لما كانت لهم هذه المنازل والمراتب عند الله والناس))(2).
فزينب (ع) في كل موقف من مواقفها تلك كانت ضاربة للكيان الأموي، مزلزلة أركانه، محطمة بنيانه، بكلماتها وسكناتها، بعزتها وإبائها، بصبرها وتحديها، ولله درُّ الدكتورة بنت الشاطئ إذ تقول: ((لم تمضِ زينب إلا بعد أن أفسدت على ابن زياد ويزيد وبني أمية لذة النصر وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين! فكانت فرحة لم تطل.. وكان نصراً مؤقتاً لم يلبث أن أفضى إلى هزيمة قضت آخر الأمر على دولة بني أمية))(3).
ولعلَّ من أبرز جوانب الإعلام الزينبي هو البلاغة التي تميّزت بها زينب، وكانت تخرج منها بسلاسة وسهولة دون تكلّف ولا مبالغة؛ لأنها أصبحت ملكة راسخة عندها ورثتها من جدّها وأبيها وأمها وأخوتها، وحسبها بأبيها إذ كان (ع) (مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة وموردها، ومنه (ع) ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ)(4).
وقد وصف المبرد (285هـ) زينب (ع) حين دخلت على ابن زياد قائلاً: ((وكانت أسنَّ من حمل إليه منهنّ، وقد كلمته، فأفصحت وأبلغت، وأخذت من الحجة حاجتها))(5)، وحين رأى ابن زياد بلاغتها التي تكمّ الأفواه وتدهش العقول انبرى قائلاً: ((هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً))، فقالت له الحوراء: ((ما للمرأة والسجاعة؟! إن لي عن السجاعة لشغلاً، ولكن نفث صدري بما قلت))(6)، وهي بقولها هذا دلّت على الملكة الراسخة في بيانها البليغ.
ومن بلاغتها العالية خطبتها في الكوفة في مجلس ابن زياد التي أدهشت الأسماع، فسكت القوم وكأن على رؤوسهم الطير، وبهت الطغاة بما كان، ولم يكن من أمر إلا أن سليلة علي (ع) تخطب في الناس؛ فلنستمع للراوي كيف كانت الحوراء في ذلك الموقف الصعب، قال بشير بن حذيم الأسدي: ((نظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذٍ، ولم أرَ خفرة(7) قطّ أنطق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وتُفرغ عنه، أومأت إلى الناس أن اسكتوا! فارتدّت الأنفاس, وسكنت الأجراس، فقالت:
الحمدُ لله، والصلاة على أبي محمّد رسول الله، وعلى آله الطيبين الأخيار آل الله.
وبعد؛ يا أهل الكوفة، ويا أهل الختل، والخذل، والغدر! أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنما مثلكم كمثل التي ((نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ))(8)، وهل فيكم إلا الصلف، والطنف، والشنف، والنطف(9)، وملق الإماء, وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة(10)، أو كقصة على ملحودة(11)!
ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ أي والله, فابكوا كثيراً, واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها, ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً.
وأَنّى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء, وسيد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم, ومفزع نازلتكم, ومنار حجتكم، ومدرة(12) ألسنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً! فلقد خاب السعي, وتبّت الأيدي, وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذّلة والمسكنة.
ويلكم، يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول الله (ص) فريتم، وأيّ دم له سفكتم، وأيّ كريمة له أبرزتم, وأيّ حريم له أصبتم, وأيّ حرمة له انتهكتم؟ ((لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّا))(13)، إنَّ ما جئتم بها لصلعاء، عنقاء، سوداء، فقماء، خرقاء، شوهاء، كطلاع الأرض, وملاء السماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى, وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل فإنَّه عز وجل لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلا إنَّ ربكم لبالمرصاد، فترقبوا أوّل النحل(14) وآخر صاد(15))).
قال الراوي: ((فوالله، لقد رأيتُ الناس يومئذٍ حيارى، كأنَّهم كانوا سكارى، يبكون ويحزنون، ويتفجّعون ويتأسّفون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم)) (16).
إذا دققنا النظر في بنية هذه الخطبة العصماء خرجنا بعدة نقاط:
أولاً: القوة الخطابية لدى عقيلة بني هاشم (ع)، فهي قد بيَّنت قوّتها الخطابية عندما بدأت بخطبتها العصماء ارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس كما يصف الراوي، وأثناء الخطبة يرتفع البكاء والنحيب من الجمهور كما هو واضح من كلامها (ع)، وهذا يدلّ على مدى التأثير العالي الذي أحدثته الخطبة في نفوسهم، ويكمل الراوي الوصف بعد انتهاء الخطبة فوصف حالهم بالحيرة وكأنهم سكارى يبكون ويحزنون، ويفجعون ويتأسفون، فمن هول المصاب لا يدرون ما يفعلون، أما الحوراء وإن كان المصاب مصابها إلا أن قوتها الخطابية حازت على قوتهم النفسية.
ومما يؤكد هذه القوةَ الألفاظُ والصيغُ والتراكيبُ العالية في بنائها ومضمونها والتي لا يستطيع أي خطيب أن يأتي بها، هذا إذا نظرنا إلى حال زينب الحوراء (ع) وهي فاقدة لأخوتها وبنيها وأحبتها، وهي في حال السبي والأسر، والأغلال في يديها، وهي واقفة بين يديَّ العتاة المجرمين.
ثانياً: الأسلوب الخطابي المثالي؛ لقد جاءت الخطبة بأسلوبها المثالي المتبع عند العرب في الإسلام مبتدئة بحمد الله والصلاة على رسوله وآله، منتقلة في ما بعد إلى قولها (وبعد) وفي رواية (وأما بعد)، وهذه العبارة ترد في بدايات خطب العرب، فقد أثر عن سحبان - الذي يضرب به المثل في الخطابة - قوله: [من الطويل]
لقد علم الحي اليمانون أنني *** إذا قلت (أما بعد) أني خطيبها
فالواضح من القول أن هذه العبارة تفتتح بها الخطبة بعد الحمد والثناء؛ ومن ثم بدأت زينب الحوراء (ع) بنداء الحاضرين، وقد جددت النداء لاحقاً لكي تعيد إلى الأذهان الانتباه إلى الخطبة، هذا مع الانتقال بين الأساليب بين نداء واستفهام وخبر، إلى أن أنهت الخطبة، والمستقبل مستشعر بنهايتها غير محتاج إلى مزيد.
وقد كانت الخطبة معتدلة في طولها، فلم تكن قصيرة مخلة، ولا طويلة مملة.
ثالثاً: كان الاستشهاد بالقرآن الكريم حاضراً في جميع الخطبة من بدايتها إلى نهايتها، والألفاظ والأساليب القرآنية هي الحاكمة في النص، فقد اقتبست في كلامها مرتين بآيتين نصاً كما هو واضح في الخطبة، وخمس مرات أوردت الألفاظ القرآنية في أثناء الخطبة، وهي في قولها:
1- ((ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون)) وقد استوحته من قوله تعالى: ((لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ))(17).
2- ((ابكوا كثيراً, واضحكوا قليلاً)) وقد استوحته من قوله تعالى: ((فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً))(18).
3- ((وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذّلة والمسكنة)) وقد استوحته من قوله تعالى: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ))(19).
4- ((ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى, وأنتم لا تنصرون))، وقد استوحته من قوله تعالى: ((وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ))(20).
5- ((إنَّ ربكم لبالمرصاد)) وقد استوحته من قوله تعالى: ((إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرصَادِ))(21).
إضافة إلى الإشارة في آخر الخطبة إلى بداية سورة النحل وآخر سورة (ص).
ومن خلال هذا الاستشهاد القرآني نستنتج أن زينب الحوراء (ع) عاشت مع القرآن، فامتزج القرآن بروحها وقلبها وضميرها حتى أنه يجري على لسانها كشلال متدفق من أعالي الجبال بسلامة طبع، وبلاغة تعبير، وعمق معانٍ، وشمول جامع مانع لكل مقتضيات الحال، وهذا موافق إلى ما ذهب إليه النقدي ناقلاً عن كُتّاب السير (أنَّ العقيلة (ع) كان لها مجلس خاص لتفسير القرآن تحضره النساء)(22)، ولا عجب من هذا فقد نزل القرآن في البيت الذي ترَّبت فيه، فتشربت بالقرآن.
والاقتباس القرآني الذي استخدمته زينب الحوراء (ع) هو أحد فنون البلاغة العربية، وله (أهمية مشهودة في السمو بأساليب المقتبسين ورفعة فنون قولهم؛ لأن المقتبس من القرآن الكريم الذي هو أعلى رتبة من البلاغة يزيد قدر ثمار قريحته ويزينها بأجمل العبارات وأبلغ الصياغات)(23).
رابعاً: كانت زينب الحوراء (ع) مبيّنة لمنزلة أهل البيت (ع)، فقد ابتدأت كلامها بالصلاة على (أبيها) رسول الله، فبينت الانتماء النسبي إلى الرسول المصطفى، وثم صلّت على آله الطيبين الأخيار وهم آل الله، وهي بهذا بيّنت عظم الجريمة التي ارتكبها النظام القائم بقتلهم الطيّبين الأخيار آل الله من ذرية رسول الله (ص)، وقد بيَّنت منزلة الحسين الشهيد بالنسبة للأمة فهو إضافة إلى كونه ابن رسول الله الوحيد آنذاك فهو سيد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتهم, ومفزع نازلتهم, ومنار حجتهم، ومدرة ألسنتهم؛ وفي هذا تقريع وتأنيب لهم على ما اقترفوه من ذنب لا يغفر لهم، بكت عليه السماء والأرض دماً، (وإن السماء اسودَّت اسوداداً عظيماً حتى رؤيت النجوم نهاراً، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط)(24).
خامساً: تعدد الألفاظ والصياغات والتراكيب وتنوعها مما يدل على المنزلة العلمية والأدبية لها (ع)، فهذا الكمُّ من المفردات المتنوعة والصياغات المختلفة والاستشهاد بالقرآن لا يستطيع أيّ خطيب أن يلمّ به إلا إذا كان موسوعياً جامعاً للمعارف والعلوم، وهذا يذكرنا بقول الإمام زين العابدين (ع) لعمته: ((أنتِ بحمد الله عالمة غير مُعَلَّمَةٌ، فَهِمَة غير مُفَهَّمَة))(25). سادساً: الفنون البلاغية العالية والمتنوعة في أرجاء الخطبة مما لا يأتي به إلا النادر من كبار أدباء زمانها؛ فهي (ع) على نهج أبيها في خطبتها تفيض بلاغة وأدباً جماً؛ فقد تنوعت الأغراض البلاغية على لسانها بكل يسر، فمن الاقتباس القرآني كما تقدم، إلى أسلوب الاستفهام الاستنكاري في قولها: (أتبكون)، و(أتبكون وتنتحبون)، و(أنّى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء)، إلى أسلوب الحصر والقصر (وهل فيكم إلا الصلف، والنطف...)، إلى أسلوب المقابلة (ابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً)، كما تضمن القول الأخير أسلوب الأمر، إلى السجع الخالي من التكلف والتصنع، المتنوع كيلا تملّ الأسماع من التكرار، إلى التشبيه في عدة مواضع من الخطبة كقولها (كمثل التي نقضت غزلها...) إضافة إلى كونه تشبيهاً قرآنياً مما يزيده جمالاً على جمال، وتشبيهها (كمرعى على دمنة) و(كقصة على ملحودة)، إضافة إلى غيره من الأساليب والأنواع مما يحتاج إلى بحوث كاملة لبيانها وبيان بلاغتها.
سابعاً: الاستخدام الدقيق للمفردات والصيغ؛ فهي (ع) عندما قالت: (فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة) جاءت بالدمعة والرنة التي هي الصيحة الحزينة عند البكاء مفردتين، وكان باستطاعتها أن تقول (فلا رقأت الدموع ولا هدأت الرنات)، ولكنها بقولها هذا زادت التقريع والتأنيب عليهم، ودعت عليهم أن لا تجف دمعة واحدة منهم ولا تهدأ لهم صيحة واحدة بل تزداد وتستمر، ولو قالتها جمعاً لم يكن لها الوقع الذي هي عليه بهذه الصورة، وحينما قالت (تبت الأيدي) فهي أشارت إلى اجتماع القوم على خذلان الحسين (ع)، وهذا ما نستفيده من قولها (فريتم، أبرزتم، سفكتم، انتهكتم...) فهي تتكلم بالصيغة الجمعية؛ لتبين أن المتخاذلين عن القتال مع الحسين هم مشتركون مع ابن زياد والشمر وابن سعد في الجريمة.
هذا غيض من فيض بحر بلاغة زينب بنت علي (ع) جاد به القلم، لعلَّ الله يسهل لهذا الخزين الهائل من يستخرج لؤلؤه ومرجانه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الهوامش:
(1) الفتوح لابن أعثم: 5/122 .
(2) الحسين وبطلة كربلاء: 190-191 .
(3) السيدة زينب عقيلة بني هاشم: 158 .
(4) من كلام الشريف الرضي في مقدمة نهج البلاغة.
(5) الكامل للمبرد: 1185-1186 .
(6) كشف الغمة للأربلي: 2/276 .
(7) الخفرة: شديدة الحياء.
(8) النحل: 92 .
(9) الأول: الوقاحة، والثاني: فساد الأخلاق، والثالث: الكراهية، والرابع: النجاسة .
(10) مرعى على دمنة، أي مكان اجتمع فيه دمن الحيوانات وفيه خضار قليل ظهر لونه، فهو لا يصلح للرعي بل هو وبيء المرعى منتن الأصل.
(11) القصة: وهي الجص، فما فائدة الجص على القبر؟ وفي رواية (فضة على ملحودة)، وهاتان الصورتان جميلتان إذ أن ما فائدة الجص أو الفضة على ملحودة بعد أن يموت الإنسان ويبقى جثة هامدة تأكلها الديدان.
(12) مدرة: كنبر المقدم في اللسان .
(13) مريم: 89-90 .
(14) أي: ((أَتَى أَمْرُ اللهِ)).
(15) أي: ((وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)).
(16) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/45-47.
(17) المائدة: 80 .
(18) التوبة: 82 .
(19) البقرة: 61 .
(20) فصلت: 16 .
(21) الفجر: 14 .
(22) النقدي، زينب الكبرى: 59 .
(23) البلاغة والتطبيق: 443 .
(24) ابن حجر العسقلاني، الصواعق المحرقة: 192 ، والدم العبيط: الطري غير النضيج.
(25) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج: 2/348، وبحار الأنوار: 45/164 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com