موقع الصراط ... الموضوع : مراتب التشيع-1
 
الأربعاء - 11 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مراتب التشيع-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 0 / محرم / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
بعد أن تقدم تعريف الشيعة لغة واصطلاحاً في البحث السابق نتساءل من هم شيعة علي وآله؟ هل هم كل من انتسب إليهم، وادعى الولاء لهم، وتسمى باسم الشيعة؟ أم أن لشيعة أهل البيت (ع) مميزات تميزهم عن غيرهم، وخصال يتصفون بها؟ وقد حدد أهل البيت (ع) ذلك.
والحقيقة أننا إذا تتبعنا، واستقرأنا التعليمات التي أصدروها من الأوامر والنواهي لشيعتهم، والمعالم التي حددوها، والسمات التي وضعوها في أحاديثهم نجد أنهم فَرَّقُوا بين (المحب) و(الموالي) و(المتشيع). ويمكن القول أنهم جعلوا للتشيع ثلاث مراتب متدرجة من الأدنى إلى الأعلى. ولنتحدث عن كل واحدة من هذه المراتب وهي:

1- الحب :
وهو أول مراتب التشيع، فمن تشيع لرجل لابد وأن يحبه، وما لم يترسَّخ حبه في قلبه لا يمكن أن يكون له شيعة؛ ولهذا تجد التأكيد المتواصل على لزوم الحب لعلي (ع) وأهل بيته على لسان الرسول الأعظم (ص) وقد كان (ص) يعمق حب علي ويجذّره في القلوب حتى جعل حبه مقياس الإيمان، وبغضه علامة النفاق فقد روى ابن عباس قال: نظر الرسول (ص) إلى علي (ع) فقال: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق))(1).
وعن ابن عباس أيضاً قال: ((قلت للنبي (ص): يا رسول الله، للنار جواز؟ قال: نعم. قلت: وما هن؟ قال: حب علي بن أبي طالب))(2).
وعنه أيضاً قال: ((قال رسول الله (ص): حب علي بن أبي طالب (ع) يأكل السيئات كما تأكل النار الحطب))(3).
بل إن الله تعالى أخذ على المؤمنين ميثاقاً على حب علي بن أبي طالب (ع) فعن أبي ذر، قال: ((سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي (ع): إن الله أخذ ميثاق المؤمنين على حبك، وأخذ ميثاق المنافقين على بغضك، فلو ضربتَ خيشوم المؤمن ما أبغضك، ولو نثرت الدنانير على المنافق ما أحبك))(4).
وهكذا أصبح حب علي عند المسلمين الأوائل ميزاناً يوزن به إيمان الشخص، ومقياساً يميز به المؤمن من المنافق، وقد كثرت الأحاديث والروايات في ذلك في صحاح السنة فضلاً عما ورد في كتب الشيعة، فعن عبادة بن الصامت، قال: ((كنا نُنَوِّرُ أولادنا بحب علي بن أبي طالب، فإذا رأينا أحداً لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منّا، وأنه لغير رشده))(5).
وعن محبوب بن أبي الزناد قال: ((قالت الأنصار: إن كنا لنعرف الرجل إلى غير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب))(6).
وقال رسول الله (ص): ((لو اجتمع الناس على حب علي لما خلق الله عز وجل النار))(7).
وقال رسول الله (ص): ((عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب))(8).
وقال (ص): ((ما ثبت الله حب علي في قلب مؤمن فزلت به قدم إلا ثبت الله قدماً يوم القيامة على الصراط))(9) رواه الخطيب في المتفق والمفترق، عن محمد بن علي معضلا.(10)
وهذه الأحاديث التي روتها صحاح أهل السنة إن دلت على شيء فإنما تدل على الجهد الذي بذله رسول الله (ص) في تعميق وتجذِير، وتأصيل حب علي في قلوب المؤمنين حتى صار ميزاناً يميز به المؤمن من المنافق، وبهذا أصبح قسيم الجنة والنار يقول: ((خذي ذا وذري ذا))(11).
وفي حديث آخر قال رسول الله (ص): ((ادعوا لي سيد العرب - يعني علي بن أبي طالب (ع) - فقالت عائشة: ألستَ سيد العرب؟ فقال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب. فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه، فقال لهم: يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا علي فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، فإن جبريل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل))(12).
وكان (ص) يردع كل من حاول أن يذكر علياً بسوء أشد الردع فعن أبي رافع قال: ((بعث رسول الله (ص) علياً أميراً على اليمن وخرج معه رجل من أسلم، يقال له عمرو بن شاس فرجع وهو يذم علياً، ويشكوه فبعث إليه رسول الله (ص) فقال: اخسأ يا عمرو، هل رأيت من علي جوراً في حكمه، أو أثرة في قسمه قال: اللّهم لا. قال: فعلام تقول الذي بلغني؟ قال: بغضه لا أملك، قال: فغضب رسول الله (ص) حتى عرف ذلك في وجهه، ثم قال: من أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن أحبه فقد أحبني، ومن احبني فقد أحب الله تعالى))(13).
والسر الكامن وراء هذا التأكيد أن علياً (ع) هادياً مهدياً، يقود الأمة إلى ساحل النجاة، ويهدي الأنام إلى الله تعالى، ويضعهم على جادة الصواب. وهذا ما كان رسول الله (ص) يؤكده لأصحابه دائماً فقد روى حذيفة بن اليمان أنه قال: ((قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف علياً؟ قال: إن تولوا علياً تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم))(14).
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله (ص): ((إن تستخلفوا علياً - وما أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهدياًَ يحملكم على المحجة البيضاء))(15).
والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب حيث قال: ((إن الأجلح(16) إن وَلِيَها ليحملنكم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم، وكان رسول الله (ص) من قبل قال: وإن تولوها عليَّاً تجدوه هادياً مهدياً))(17).
وكما جاء التأكيد على حب علي متواصلاً، كذلك أكد على حب بقية أهل البيت (ع) حتى أصبح الإيمان مشروطاً بحبهم حيث قال (ص): ((لا يؤمن أحد حتى يحبكم بحبي))(18).
وفي حديث آخر عن العباس أنه جلس إلى قوم فقطعوا حديثهم فذكر ذلك لرسول الله (ص) فقال: ((ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم؟ والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله، ولقرابتهم مني))(19).
وفي حديث آخر قال (ص): ((والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي))(20) وفي لفظ ولقرابتكم، بل جعل (ص) حبه وحب أهل بيته أساس الإسلام، وفي ذلك دلالة على أن أي عمل بدون حبهم لا قيمة، ولا اعتبار له، يقول (ص) لعلي (ع): ((يا علي، إن الإسلام عريان لباسه التقوى، ورياشه الهدى، وزينته الحياء، وعماده الورع، وملاكه العمل الصالح، وأساس الإسلام حبي وحب أهل بيتي))(21).
وعن الحسن بن علي (ع) إن رسول الله (ص) قال: ((ألزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقى الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلا بمعرفة حقنا))(22).
ومن خلال هذه الأحاديث وغيرها نفهم أنه (ص) إنما يؤكد على حب علي وأهل بيته؛ ليشد الأمة إليهم، ويضعها على خطهم المستقيم؛ ليقتدوا بهم، وينتهجوا نهجهم، ولكن ينبغي أن نشير إلى أن الحب الذي يريده (ص) ليس هو الحب العاطفي الساذج، وإنما هو الحب المبدأي النابع عن إيمان عميق، ومعرفة سليمة، ومقرون بالاتباع والعمل، ولذا شَرَطَ أن يكون حبهم لله تعالى ... وهذا الحب هو الذي يشد المؤمن إلى الإسلام، ويدفعه للتضحية من أجله وعلى هذا كانوا (ع) يؤكدون لشيعتهم، يقول الإمام الحسين (ع): ((من أحبنا كان منا أهل البيت. فقلت: منكم أهل البيت؟‍ فقال: منا أهل البيت حتى قالها ثلاثاً))؛ ثم قال (ع): ((أما سمعت قول العبد الصالح: ((فمن تبعني فإنه مني)) ))(23).
وعن بشر بن غالب الأسدي قال: ((حدثني الحسين بن علي (ع) قال لي: يا بشر بن غالب من أحبنا لا يحبنا إلا لله، جئنا نحن وهو كهاتين - وقدر بين سبّابتيه - ومن أحبنا لا يحبنا إلا للدنيا فإنه إذا قام قائم العدل وسع عدله البر والفاجر))(24).
إذن الحب الذي دعا إليه أهل البيت (ع) وأرادوه هو الحب الواعي المبني على حب الله تعالى، والذي يستتبع العمل، والإتباع، وإلا فلا قيمة لحب بدون إتباع وعمل، يقول تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) (آل عمران: 31).
((فالمراد - والله أعلم - إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالبناء على الحب حقيقة فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب الذي ممثله الإخلاص والإسلام، وهو صراط الله المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى، فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشأن أحبكم الله وهو أعظم البشارة للمحب، وعند ذلك تجدون ما تريدون، وهذا هو الذي يبتغيه محب بحبه))(25).
وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين علي (ع) بقوله: ((من أحبنا فليعمل بعملنا))(26) وأدق عبارة في حقيقة الحب المراد ما جاء عن الإمام السجاد على بن الحسين (ع)حيث قال: ((أحبونا بحب الإسلام، فإن رسول الله (ص) قال: لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى اتخذني عبداً، قبل أن يتخذني رسولاً))(27).
طبقات المحبين :
الحب مراتب متفاوتة بتفاوت المعرفة فكلما ارتفعت معرفة الإنسان بالله تعالى ازداد حبه، وأعلى تلك المراتب هي الحب لله وفي الله، وحب أهل البيت هو من الحب في الله، وهو أوثق عرى الإيمان، وهو الذي يملك جوارح الإنسان وجوانحه، وعلامته أن ينصر الحق وأهله بقلبه ولسانه ويده، والدرجة الثانية أن ينصره بقلبه، ولسانه، والدرجة الثالثة تتوقف عند حدود القلب، ولا تتعداه.
فعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (ع) قال: قال رسول الله (ص): ((في الجنة ثلاث درجات، وفي النار ثلاث دركات: فأعلى درجات الجنة لمن أحبنا بقلبه ونصرنا بلسانه ويده، وفي الدرجة الثانية من أحبنا بقلبه ونصرنا بلسانه، وفي الدرجة الثالثة من أحبنا بقلبه... ))(28).
وقال أمير المؤمنين علي (ع): ((من أحبّنا بقلبه، وأعاننا بلسانه وقاتل معنا أعداءنا بيده، فهم معنا في درجتنا، ومن أحبّنا بقلبه وأعاننا بلسانه، ولم يقاتل معنا أعداءنا فهو أسفل من ذلك بدرجة، ومن أحبّنا بقلبه، ولم يعنّا بلسانه، ولا بيده، فهو في الجنة...الخ))(29).
إذن فللحب درجات ثلاث: العليا منها أن يذيب المحبُ وجوده كاملاً في حب الله ورسوله وأهل بيته، ولا يعود يرى مؤثراً في الوجود غير الله؛ ولذلك يبذل وجوده كله، ويفنيه في الحب لله تعالى، وتلك مِنَةٌ من الله تعالى يمنها على من أخلص لله بقلبه ولسانه، ويده وهي مشروطة بالمعرفة الصحيحة.
يقول رسول الله (ص): ((من مَنَّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي، وولايتهم فقد جمع الله له الخير كله))(30).
وتلك هي السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، ودون تلك الدرجة درجتان إحداهما دون الأخرى، ولكل منها منفعة بقدرها وفي تقسيم آخر أوضح الإمام الصادق (ع) درجات وطبقات المحبين بعنوان السر، والعلانية درجتان والدرجة العليا هي الجمع بين السر والعلن فقد دخل على الصادق (ع) رجل، فقال له: ((ممن الرجل؟ فقال: من محبيكم ومواليكم، فقال له (الإمام) جعفر (ع): لا يحب الله عبداً حتى يتولاه، ولا يتولاه حتى يوجب له الجنة، ثم قال له: من أيِّ محبينا أنت؟ فسكت الرجل، فقال له سدير: وكم محبوكم يا ابن رسول الله؟ فقال: على ثلاث طبقات: طبقة أحبونا في العلانية، ولم يحبونا في السر، وطبقة يحبونا في السر، ولم يحبونا في العلانية، وطبقة يحبونا في السر والعلانية، هم النمط الأعلى، وشربوا من العذب الفرات، وعلموا بأوائل الكتاب، وفصل الخطاب، وسبب الأسباب، فهم النمط الأعلى، الفقر، والفاقة، وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، وفتنوا، فمن بين مجروح ومذبوح متفرقين في كل بلاد قاصية، بهم يشفي الله السقيم، ويغني العديم، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، وهم الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً، والطبقة الثانية: النمط الأسفل أحبونا في العلانية، وساروا بسيرة الملوك، فألسنتهم معنا، وسيوفهم علينا، والطبقة الثالثة: النمط الأوسط أحبونا في السر، ولم يحبونا في العلانية، ولعمري لأن كانوا أحبونا في السر دون العلانية، فهم الصوامون بالنهار، القوامون بالليل، ترى أثر الرهبانية في وجوههم أهل سلم وانقياد. قال الرجل: فأنا من محبيكم في السر والعلانية، قال جعفر (ع): إن لمحبينا في السر والعلانية علامات يعرفون بها، قال الرجل: وما تلك العلامات؟ قال (ع) تلك خلال أولها: أنهم عرفوا التوحيد حق معرفته، وأحكموا علم توحيده، والإيمان بعد ذلك بما هو؟ وما صفته؟ ثم علموا حدود الإيمان، وحقائقه وشروطه وتأويله))(31).
وهذا هو عين التقسيم الأول، فالسر هو الحب في القلب، والعلن هو الحب في اللسان، والسر والعلن الذي عبر عنه الإمام (ع) بالنمط الأعلى هو الحب الذي يشغل القلب، واللسان، واليد متحركة كلها في اتجاه تحقيق رضى الله تعالى، فهو يستقطب كيان الإنسان كله فلا يعود يفكر بشيء سواه، وبهذا يتضح إن الحب في الإسلام يبتني على المعرفة الواعية، والحركة الجادة في خط التوحيد لا مجرد عواطف تلتهب ثم تخبو، وتنتهي إلى الأبد، ولهذا رفض أهل البيت (ع) الحب المتزلزل، يقول الإمام الصادق (ع):
((الشيعة ثلاث :محب وادُّ، فهو منا، ومتزين بنا، ونحن زين لمن تزين بنا، ومستأكل بنا الناس، ومن استأكل بنا افتقر))(32). والحب يقترن بالطاعة فلا حب بدونها، بل هو حب كاذب لا قيمة له ولا اعتبار. كما ورد في حديث جابر الجعفي عن الإمام الباقر (ع) تحديد دقيق لحقيقة المحب، يقول (ع): ((يا جابر يكتفي من [ينتحل] اتخذ التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون [يا جابر] إلا بالتواضع، والتخشع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.
قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف أحداً بهذه الصفة، فقال لي: يا جابر لا تذهبنَّ بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول أحب علياً صلوات الله عليه وأتولاه [ثم لا يكون مع ذلك فعالاً؟] فلو قال: إني أحب رسول الله (ص) ورسول الله خير من علي ثم لا يتَّبع سيرته، ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله، وأعملوا لما عند الله ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له، وأعملهم بطاعته. يا جابر ما يتقرب العبد إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد [من] منكم حجة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، ولا تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع))(33).
ونحن إذا تأملنا هذه الرواية ودققنا النظر فيها نجد:
1- إن الإمام (ع) يريد أن يعالج بعض الظواهر السلبية التي تفشت في وسط المنتمين لأهل البيت (ع) وهي: ظاهرة التبرير وإن الحب يكفي الإنسان حتى لو تجرد من المعرفة، والطاعة، والامتثال، يقول الشيخ الشهيد حسين معن (رحمه الله): ((وقد واجه الأئمة (ع) هذا التيار الذي يحاول تحريف التشيع، وتحويله من نقائه وصفائه، وأصالته الإسلامية، والتزاماته الحدية، إلى فكر يقدم التنازلات تلو التنازلات لواقع الانحراف وسلوك التحلل والتميع))(34).
2- حدد الإمام (ع) الصفات التي يجب أن يتحلى بها المحب لأهل البيت (ع) وهي: التواضع، والتخشع، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة ... الخ. وذلك يعني أن المحب إذا لم يتوفر على تلك الصفات والأعمال فحبه لا قيمة له ولا اعتبار؛ ولهذا أكد للذين يدَّعون حب الإمام علي (ع) ويتذرعون بحبه، ولا يتبعون سيرته ويخالفون أوامره، فإن حبهم هذا هواء في شبك؛ لأن الإنسان حتى لو أحب رسول الله الذي هو أفضل من علي (ع) فلن ينفعه حبه شيئاً ما لم يقترن بالتقوى، والورع، والعمل بإخلاص؛ لأن ولي أهل البيت (ع) هو المطيع لله فقط وفقط، وإن عدوهم من عصى الله تعالى.
يقول الإمام الباقر (ع): ((لا تذهب بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلا من أطاع الله عز وجل))(35).
ويقول (ع): ((والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجة، ولا نتقرَّب إلى الله إلا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصياً لله لن تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا، ويحكم لا تغتروا))(36).

المتسترون بحب أهل البيت (ع) :
إن من أشد ما كان يؤذي أئمة الهدى، ويجرح قلوبهم أن يدَّعي أحد الانتساب إليهم، والتشيع لهم، وهو يخالف أوامر الله تعالى ونواهيه، ويسلك سلوكاً يشين سمعة الشريعة المقدسة ويعطي مردوداً عكسياً لدين الله تعالى.
فعن الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت الرضا (ع) يقول: ((إن ممن يتخذ مودتنا أهل البيت لمن هو أشد لعنة على شيعتنا من الدجال، فقلت له: يا بن رسول الله بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا، ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل، واشتبه الأمر فلم يعرف مؤمن من منافق))(37).
ولذلك كانوا (ع) يظهرون امتعاضهم من الغلاة، ويكفرونهم ويبرأون منهم، أولئك الذين ينتحلون مودتهم كذباً وزوراً، ويُحَذرون منهم، ويصفونهم بأقذع الأوصاف. فعن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله (ع) قال: ((إن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شرٌّ من اليهود، والنصارى ، والمجوس، والذين أشركوا))(38).
وكان الصادق (ع) يصف هؤلاء بالسفلة، وهي كلمة توحي بانحطاط هؤلاء، وسقوطهم إلى الحضيض، يقول (ع) كما روى يونس بن عبد الرحمن، عن العلاء بن زرين، عن المفضل بن عمر قال: ((سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إياك والسفلة، إنما شيعة جعفر من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه))(39).
وفي حديث آخر يقول (ع) للمفضل بن عمر: ((اتق السفلة وأحذر السفلة، فإني نهيت أبا الخطاب فلم يقبل مني))(40).
وكان (ع) ينهى عن معاشرتهم، ومسايرتهم ومساعدتهم فيقول: ((لا تقاعدوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصافحوهم، ولا تؤاثروهم))(41).
بل كان (ع) يعلن البراءة من هؤلاء المحبين الغلاة، ويشدد على التبري منهم، فيقول لسدير: ((يا سدير، سمعي، وبصري وشعري، وبشري، ولحمي، ودمي من هؤلاء براء بَرَءَ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني، ودين آبائي، والله لا يجمعني وإياهم يوم القيامة إلا وهو عليهم ساخط))(42).
وهذا هو غاية ما يمكن الإعلان عنه بقطع العصمة عنهم لكفر هؤلاء، ومروقهم من الدين ... بالغلو بالأئمة الطاهرين وإخراجهم من البشرية إلى الألوهية، ولهذا وسموهم بالنفاق بانتحالهم التشيع كذباً وزوراً.
وكان أبرز هؤلاء ((المغيرة بن سعيد، وبيان، وصائد النهدي، والحارث الشامي، وعبد الله بن الحارث، وحمزة بن عمارة البربري، وأبو الخطاب))(43) ونحن نستوحي من مجموع الأحاديث مدى ما أُوذي الإمام (ع) من هؤلاء فنجده يقول: ((لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا، ومعادنا، وبيده نواصينا))(44). وسيأتي الحديث مفصلاً عن الغلو والغلاة إن شاء الله تعالى.

الهوامش:
(1) ابن حجر الهيثمي، مجمع الزوائد: 9: 133.
(2) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق: 17/361.
(3) المصدر نفسه: 361.
(4) المصدر نفسه: 368.
(5) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق 17: 371.
(6) المصدر نفسه.
(7) القندوزي، ينابيع المودة لذوي القربى 1: 272.
(8) جلال الدين السيوطي، الجامع الصغير: 2: 182، حديث رقم: 5633.
(9) المتقي الهندي، كنـز العمال 11: 621، حديث رقم: 33022.
(10) هكذا وردت في المصدر.
(11) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق 17: 374.
(12) الأصفهاني، حلية الأولياء 1: 63.
(13) ابن حجر الهيثمي، مجمع الزوائد 9: 129.
(14) الأصفهاني، حلية الأولياء 1: 64.
(15) المصدر نفسه.
(16) الأجلح: من الجلح، وهو ذهاب الشعر من مقدم الرأس، وكان علي (ع) كذلك.
(17) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة 11: 10-11.
(18) ابن حجر الهيثمي، مجمع الزوائد 9: 170.
(19) المتقي الهندي، كنـز العمال 13: 642، حديث رقم: 37624.
(20) المصدر نفسه حديث رقم: 37623.
(21) المصدر نفسه 13: 645، حديث رقم: 37631.
(22) ابن حجر الهيثمي، جمع الزوائد 9: 172.
(23) الحلواني، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 40، وموسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): 582-583.
(24) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): 582-583.
(25) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 3: 159.
(26) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 71: 174.
(27) ابن حجر الهيثمي، مجمع الزوائد 9: 21.
(28) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 27: 93.
(29) المصدر نفسه 27: 89 .
(30) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 27: 88 .
(31) ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 241-242.
(32) الشيخ الصدوق، الخصال: 103.
(33) الشيخ الصدوق، صفات الشيعة: 11-13، والأصول من الكافي 2: 74-75.
(34) الشهيد الشيخ حسين معن، نظرات في الإعداد الروحي: 223، الطبعة الخامسة.
(35) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي 2: 73 باب الطاعة.
(36) المصدر نفسه 2: 75-76.
(37) الشيخ الصدوق، صفات الشيعة: 8 .
(38) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 166.
(39) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 594.
(40) المصدر نفسه: 583.
(41) المصدر نفسه: 586.
(42) المصدر نفسه: 594.
(43) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 577.
(44) المصدر نفسه: 590-591.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com