موقع الصراط ... الموضوع : الشعائر الحسينية مدارس تغيير وإصلاح وبناء
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الشعائر الحسينية مدارس تغيير وإصلاح وبناء  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 1 / محرم / 1436 هـ
     
  بقلم: الشيخ جميل مال الله الربيعي
((ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب))(1)
الشعائر: جمع شعيرة، وهي العلامة الدالة على كل مَعْلم من معالم الدين له حرمة وقدسية من خلال ما نَدَبَ إليه الشرعُ المقدسُ، وأَمَرَ المسلمين بالقيام بها، وفي مجمع البيان: ((قيل: شعائر الله: دين الله كله، وتعظيمها: التزامها))(2)
وهذا المعنى مقارب جداً لما نص عليه اللغويون في معاجمهم .
ففي القاموس المحيط: ((شعائره : معالمه التي ندب الله إليها ، وأمر بالقيام بها))(3)
وقال الزبيدي: ((شِعار الحج ، بالكسر: مناسكه وعلاماته وآثاره وأعماله، وكل ما جعل علماً لطاعة الله عز وجل، كالوقوف والطواف والسعي والرمي والذبح ، وغير ذلك))(4)
وقال الزجاج - في شعائر الله - : ((يعني بها جميع متعبداته التي أشعرها الله ، أي جعلها أعلاماً لنا ، وهي كل ما كان من موقف أو مسعى أو ذبح ، وإنما قيل : شعائر لكل علم مما تعبد به ؛ لأنَّ قولهم : شعرت به : علمته ، فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات الله تعالى شعائر))(5)
وفي الصحاح: ((والشعائر : أعمال الحج . وكل ما جعل علماً لطاعة الله تعالى))(6)
وقال الشيخ الطوسي في التبيان: ((والشعائر : المعالم للأعمال ، فشعائر الله : معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة ، وهي أعلام متعبداته من موقف ، أو مسعى ، أو منحر ، وهو مأخوذ من شعرت به : أي علمت ، وكل معلم لعبادة من دعاء ، أو صلاة ، أو أداء فريضة ، فهو مشعر لتلك العبادة))(7)
إذن الشعائر التي حث القرآن على تعظيمها بالإيمان بها، والالتزام بأحكامها، والتأدب بآدابها طاعةٌ, وامتثال لأوامر الله، وبذلك تكون وسيلة؛ لترسيخ التقوى في القلوب، فالغاية إذن من هذا التعظيم بناء الشخصية المتقية؛ لأنَّ التقوى هي الغاية الأساسية من الالتزام بالفرائض، والأحكام الشرعية، وفائدتها تعود للإنسان ذاته؛ لأنَّ الله لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه .
وخلاصة الكلام: شعائر الله هي (التي تمثل العلامات البارزة في الخط الطويل الذي رسمه الله للإنسان في مسيرته إليه، وحدد له فيه مفردات العبادة، والمعاملة، والعلاقة، والانتماء، فقد جعل الله في كل موقع من مواقع الحياة علامة على أوامره ونواهيه، في ما يصلح أمر الإنسان أو يبعده عن الفساد؛ ليكون التزامه بتلك الأوامر والنواهي دليلاً على طاعة الله، حيث يلتقي الإنسان به عند كل حكم من أحكامه، في مظهر حي من مظاهر الطاعة التي تتجسد في تعظيم الشعائر الدينية، تعظيماً لله)(8)
وعلى هذا المعنى أكد علماء التفسير، يقول السيد السبزواري : ((الشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة تطلق: تارة: على معالم الحج ومشاعره، وهي أعلامه الظاهرة المعدة للنسك والعبادة، ومشاعر الله: كل ما يتعبد فيه لله عز وجل، وأخرى: على العبادة والنسك من صلاة، وصوم، ودعاء، وقراءة القرآن، وغير ذلك مما يصح أن تكون عبادة))(9) ويقول الرازي: ((وأما ((شعائر الله)) فهي أعلام طاعته ، وكل شيء جعل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله))(10)
إذن يمكن القول: إنَّ كل ما يدفع الإنسان إلى الالتزام بشرعة الله، والعمل على تطبيقها تعبداً لله، وامتثالاً لأمره ضمن النهج الشرعي الذي نص عليه الكتاب والسنة والعقل الإسلامي السليم مما يقرب الإنسان إلى الله، ويحببه إليه، ويخضعه لأوامره، فهو من شعائر الله، يقول صاحب تفسير الأمثل: ((إن شعائر الله تشمل جميع الأعمال الدينية التي تذكر الإنسان بالله سبحانه وتعالى وعظمته ، وإن إقامة هذه الأعمال دليل على تقوى القلوب))(11)

أهمية الشعائر الحسينية:
بناء على ما تقدم من بيان لمعنى (شعائر الله) فإنَّ الشعائر الحسينية تكون أحد مصاديق شعائر الله التي يجب أن يعظمها المسلمون؛ وذلك لأنَّها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بروح الإسلام، وجوهره, ومنه تستمد معينها، وعلى أساسه يقوم بناءها، ولعلَّ هذا هو سر التأكيد المتواصل من قبل أهل البيت العصمة والطهارة (ع) في إحياء ذكرى أحداث الطف؛ فإنَّها مجالس ذكر لله تعالى، يقول الإمام الصادق (ع) لداود بن سرحان: ((يا داود ، أبلغ موالي عني السلام ، وأني أقول : رحم الله عبداً اجتمع مع أخر فتذاكرا أمرنا، فإنَّ ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله (تعالى) بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنَّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا ، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا, ودعا إلى ذكرنا))(12)
وقال الإمام الصادق (ع) للفضيل بن يسار : ((أتجلسون وتتحدثون ؟ قال : نعم . فقال (ع): أما أني أحب تلك المجالس, فأحيوا أمرنا, فإن من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب))(13).
وفي رواية أخرى : ((إنَّ تلك المجالس أُحبها, فأحيوا أمرنا يا فضيل, فرحم الله من أحيا أمرنا, يا فضيل من ذكرنا, أو ذُكِرْنا عنده, فخرج من عينه مثل جناح الذباب, غفر الله له ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر))(14)
وفي خبر بشير بن حذلم حين قال له الإمام زين العابدين (ع) : ((يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه، فقال: بلى يا ابن رسول الله، إني شاعر، فقال : أدخل المدينة وانعَ أبا عبد الله (ع) ، قال بشير: فركبت فرسي, وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها *** قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرج *** والرأس منع على القناة يدار
قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم , ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ، قال : فما بقيت في المدينة مخدرة, ولا محجبة إلا برزن من خدورهن.... يدعون بالويل والثبور فلم أرَ باكياً أكثر من ذلك اليوم))(15)
(وكان الإمام الباقر (ع) يحض المؤمنين على إقامة مجالس عزاء الحسين في (منى) أيام التشريق، حيث يجتمع المسلمون من أقطار الأرض؛ ليسمعهم مصيبة الحسين (ع) وفاجعة عاشوراء)(16)
أقول لماذا هذا التأكيد من قبل أهل البيت (ع) على إقامة مجالس عاشوراء حتى رسخ في ضمير الأمة، ووجدانها، وتحول إلى شعار خالد من شعائرها التي لا تنفك عنه طيلة أيام السنة، وعلى مختلف المستويات الاجتماعية والعلمية، وتحملوا من أجل إقامته شتى صنوف الاضطهاد والمطاردة , والقتل، وسلب الحقوق، وقطع الأيدي بل الرؤوس، وبذل الأموال الطائلةـ هل لمجرد التحسيس بفظاعة المأساة، وإثارة العواطف، وإسالة الدموع، أم لأجل الحصول على الثواب، أم لأجل التوعية الجماهيرية، أم لأجل بقاء حرارة الثورة مستعرة في نفوس المؤمنين، والواقع أن كل هذه الوجوه لها وجه من الصحة، ولكنَّ الأصل فيها تركيز روح الولاء لله، ولرسوله، ولأهل البيت في نفوس المسلمين، والمؤمنين.
بعد هذا يمكن أن نستخلص السر على هذا التأكيد ببيان فلسفة تلك الشعائر الإلهية، نختصرها بنقاط كما ذكرناها في كتابنا (الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب)(17):
1- إن إقامة الشعائر الحسينية تكشف لنا عن أهمية الإسلام, وقيمته في حياة البشرية, وانه فوق كل الاعتبارات المادية والمعنوية, وان كل شيء من مال وبنين بل كل ما في الدنيا يجب أن يبذل من أجله حتى لو كان التضحية بالنفس, وقد بذل الحسين (ع) دمه لأجله وهو دم رسول الله (ص) وليس فوق ذلك من قيمة ...
2 - إن إحياء هذه الذكرى تكشف باستمرار عن المنهج الذي انتهجه أئمة أهل البيت في حماية الإسلام, ونشر مبادئه, وتحقيق أهدافه, وهو منهج يتسم بالتخطيط الواعي الهادف كما يتسم بالتضحية والفداء .
3 - من خلال إظهار تضحياتهم الكبرى في سبيل الحق والعدل يوجه المجتمع روحياً, وفكرياً, ووجدانيا, وأخلاقياً, وبذلك تضع هذه المجالس الإنسان على جادة الصواب, وتعمل على تغير الواقع الفاسد إلى واقع سليم .
وبعبارة أخرى إن ذكر مواقفهم وكلماتهم تعمق روح الولاء في نفوس شيعتهم وتدفعها إلى الثورة والرفض لكل ما يخالف شريعة الله,كما أنها لها دور فعال في تنقية النفوس من الأدران ومذام الأخلاق؛ وذلك لأن ذكر الأولياء ودراسة سيرتهم يوجب المحبة, والمحبة توجب التجاذب, والتجاذب يوجب التواصل معهم في مسيرتهم, يقول الإمام الخميني (قده): (ونرى ذكر الأولياء ومقاماتهم دخيلاً في تصفية القلوب, وتخليصها وتعميرها, لان ذكر الخير بالنسبة إلى أصحاب الولاية والمعرفة يوجب المحبة , والتواصل , والثبات, وهذا التناسب يوجب التجاذب, وهذا التجاذب سبب التشافع الذي ظاهره الإخراج من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية, والعلم, وباطنه الظهور بالشفاعة في العالم الآخر, لأن شفاعة الشافعين لا تكون من دون تناسب وتجاذب باطني, ولا تكون جزافاً ولا باطلاً )(18).
طبعاً هذا يتحقق إذا كانت المجالس مجالساً واعية هادفة يتبنى إقامتها أناس عارفون لأهداف ثورة الحسين (ع) وأبعادها وإلا فلا .
4 - كما إن تلك المجالس توضح أن الصراع الذي دار بين أئمة الهدى, وبين خصومهم ليس صراعاً شخصياً ذاتياً - كما يحاول بعض الكتّاب أن يصوره - وإنما هو صراع بين اتجاهين مبدئيين عقائديين, وبعبارة أدق إنه صراع بين الإيمان الواضح الصريح وبين الشرك المبطن بالإيمان.
5 - إن استعراض إحداث الطف, وترديد شعاراتها, وبيان سلوك قادتها في مختلف حالاتهم يتضمن أدانه صريحة لكل نظام مخالف لشرعة الله تعالى .
وأحسن من قال : (كل طعنة سيف في عاشوراء هي طعنة لمفاسد الحكم في أي وقت, وكل نقطة دم أُريقت فداء للحق استمرت تعلن فداءها في رغبة الإنسان العامرة في الاستشهاد في سبيل مبادئه)(19).
وبهذا أصبحت مجالس العزاء الحسيني الواعية مدارس تبعث حس البطولة والشجاعة, وتذكي روح الحماس في النفوس, وتصعد فيها روح التطلع للشهادة , وحب الموت في سبيل الله تعالى, وبهذا تبعث الشعور بالمسؤولية إزاء كل الأوضاع المنافية لأحكام الله تعالى .
وبذلك يتضح لنا معنى قول الصادق (ع) (احيوا أمرنا)، وعن أبي الصلت الهروي قال: (سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا, فقلت: وكيف يحيي أمركم؟ قال : يتعلم علومنا، ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا)(20).
وأما أهداف هذه المجالس فنختصرها بما ذكرناه في الكتاب المذكور(21):
1 - إرجاع الناس إلى الله تعالى ؛ وذلك لأن الحسين (ع) ما ثار وتَحَمَّل ما تَحَمَّل من التضحية والفداء ؛ إلا لأجل تعبيد الناس لله تعالى ؛ ولهذا يروي لنا الإمام الصادق (ع) عن جده الحسين (ع) أنه قال : (أيها الناس إن الله ما خلق الخلق ؛ إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه, فإذا عبدوه استغنوا عن عبادة ما سواه)(22).
ومن خلال التأمل في كلماته ومواقفه وإقدامه على الشهادة يتبين أنه (ع) أراد من كل خطوة خطاها, ومن كل كلمة نطق بها أن يُعَبِّد الناس لله تعالى, ويقربهم إليه بتحكيم شرائعه .
ومن هنا يجيب أن تكون مجالس عزاء الحسين (ع) مدارس إلهية تُرجع الناس إلى الله تعالى, وإذا لم تكن كذلك فلا حاجة للحسين (ع) وأولاده, وإخوانه وأصحابه بها ؛ لأن مجالسه يجب أن تصور حياته, وأخلاقه, وأهدافه, ووسائله . فهي مجالس ذكر وعبادة يتقرب العبد بها إلى الله من خلال ما يطرح فيها من معارف إلهية , مفاهيم إسلامية, وما تبعثه في النفوس من حرارة رسالية, وشوق إلى الله تعالى .
وخلاصة القول إن مجالس العزاء الحسيني محاريب ذكر تُُرَكّز العقيدة الإسلامية في النفوس, وتعمق حب الله ورسله في القلوب, وتدل الإنسان على الهدى, وتحميه من السقوط في الردى .
2 - إن المجالس الحسينية تبين لنا أهمية الإسلام, وإنه فوق كل الاعتبارات والقيم, وقيمته لا تحد بحدود فهي أثمن من الأرواح, والأموال, والأولاد, وكل شئ, ولهذا بذل (ع) ماله ودمه وأولاده ورضي أن تسبى بناته ونسائه فداء للإسلام .
ثم إن مجالس الحسين (ع) تعطي المفهوم الصحيح للدين,وتعيده للحياة ؛ ليحكمها ويقودها, وحقاً ما قاله الإمام الخميني (قده) : (ولولا نهضة الحسين (ع) تلك لتمكن يزيد وأتباعه من عرض الإسلام مقلوباًً للناس, فهم لم يكونوا يؤمنون بالإسلام منذ البداية , وكانوا يُكنُون الحسد والحقد لأولياء الإسلام)(23).
وبهذه المجالس يتضح أن الدين ليس مجرد عبادات شكلية, وإنما هو نظام ومنهج حياة . وهذه من أعظم الخدمات التي تقدمها هذه المجالس وهكذا (أثمرت شهادة سيد المظلومين (ع) وأتباع القرآن في عاشوراء خلود الإسلام, وكتبت الحياة الأبدية للقرآن الكريم)(24).
3 - إن المجالس الحسينية الواعية تبعث روح التغير وروح الإصلاح في نفوس مستمعيه, وهو ما أشار إليه الحسين (ع) بقوله : ( إني لم أخرج أشراً ولا بطراً , ولا مفسداً, ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(ص) )(25).
وكما خرج الحسين (ع) لأجل الإصلاح لابد, وأن تكون المجالس المعقودة باسمه مجالس إصلاح؛ لتغيير الواقع الفاسد إلى واقع سليم . وهذا الهدف هدف أساسي ومركزي يقول الإمام الخميني (قده): ( ليعلم شعبنا قيمة, وأهمية هذه المجالس التي أبقت الشعوب حية في أيام عاشوراء بنسبة أكبر, وفي سائر الأيام بدرجة أقل, وبهذا الشكل الذي نراه, ولو كان المبهورون بالغرب يعرفون البعد السياسي لها, ولو كانوا يدعون - حقاً - السعي لتحقيق مصالح الشعب والبلد لرغبوا هم فيها أيضاً, ولبادروا إلى إقامتها )(26).
4 - لقد كان الحسين (ع) يحاول أن يشحذ في النفوس روح الرفض والثورة على الباطل والظلم بكل أشكاله ؛ ولهذا يجب أن تبعث مجالس الحسين (ع) روح الرفض في نفوس حضّارها, يقول الإمام الحسين (ع): (ألا ترون إلى الحق لا يعمل به, وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه).
وعلى طول الطريق كان (ع) يبعث روح الثورة والرفض في نفس كل من يلتقيَه ولهذا يجب أن تبعث هذه المجالس روح الحماس الحسيني في نفوس حظّارها, ولذا فإن المجالس التي لا تبعث في نفوس مستمعيها الحماس الثوري, والرفض الرسالي لكل ما يخالف شريعة الله لا يمكن إن نسميها مجالس حسينية .
5 - ثم إن مجالس الحسين لا بد أن تعمق روح الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى في نفوس الحاضرين, ولقد كان الحسين (ع) يهدف إلى تحقيق ذلك منذ الساعات الأولى في انطلاقه وقبل وصوله كربلاء فعندما خطب في جيش الحر , قال بعد الحمد لله , والثناء عليه: ((أيها الناس إن رسول الله (ص) قال: من رأي سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله, يعمل في عباد الله بالإثم, والعدوان فلم يغير عليه بفعل, ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ... ))(27)
بهذه الكلمات الملتهبة استطاع الحسين (ع) أن يلهب المشاعر, ويصعد الحماس الثوري في نفوس أصحابه, ويعمق في نفوسهم الشعور بالمسؤولية, وما لم تكن مجالسه كذلك فليس لها بالحسين (ع) أي مساس .
ولهذه المجالس عمق في تاريخ البشرية فما ذُكِرَ الحسين (ع) في محفل نبي, ولا ولي, ولا وصى, ولا عبد صالح, ولا إنسان ذو فطرة سليمة إلا وأبكاه وآثار أشجانه كما ثارت أشجان جده وأبيه وأمه وأخيه, وهو بعد حيا بينهم ، ولا غرابة في ذلك فهو (ع) عِبْرَة وعَبرة لكل مؤمن, بل لكل إنسان.

الوسائل الشرعية لإقامة المجالس الحسينية:
إن إقامة الشعائر الحسينية هي تعبير عن الولاء العميق لله ولرسوله وأهل بيته، ونقصد بالولاء : الانتماء الفكري، والسياسي، والأخلاقي لهم، فليس الولاء في الإسلام مجرد رفع شعار دون أن يستبطن الشعار تحمل مسؤولية ما يدعو إليه .
ويمكن أن نؤكد أنَّ التعبير عن هذا الولاء يتناسب تناسباً طردياً مع مستوى الوعي الذي يحمله الموالي؛ ولذا كل شخص يعبر عن ولائه بمستوى وعيه، فمنهم من يعبر تعبيراً فكرياً، وعقائدياً ببيان مبادئ , وعقائد، وأفكار أهل البيت (ع) بكتابة البحوث، والدراسات الفكرية التي توضح جميع أبعاد رسالة أهل البيت (ع) على مختلف الصعد، وتنشر أحاديثهم، وتعاليمهم , وتوضح سيرتهم، ومسيرتهم، وتحاول أن تجسدها واقعاً ملموساً في الحياة الإنسانية، ولعلَّ هذا هو مدلول قولهم (ع): ((كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم)) أو قولهم: ((كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شينا)) أو حثهم على حفظ أحاديثهم وكلماتهم، ووصفها بالنور، فقد قال أبو عبد الله (ع): ((إن على كلِّ حقٍّ حقيقةً، وعلى كلِّ صوابٍ نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه))(28) أو قولهم (ع): ((من حفظ من أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً يوم القيامة))(29)
وقال (ص): من حفظ عنى من أمتي أربعين حديثا في أمر دينه يريد به وجه الله , والدار الآخرة ، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً .
قال الصادق (ع): (من حفظ عنا أربعين حديثا من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما ولم يعذبه)(30)
ومن الموالين من يعبر عن ولائه ببذل المال، والإنفاق في خدمة هذه المجالس، ومنهم من يعبر بالحزن والبكاء , بل والجزع الشديد، وهكذا تتعدد أساليب التعبير.
ولا مانع من تنوع الأساليب إلا أنَّه يجب أن تنسجم هذه الأساليب مع الشرع المقدس، والعقل، والذوق السليم، ولا تخرج عن ذلك قيد أنملة.
إذن التعبير عن الولاء بإقامة هذه الشعائر ونوعية أساليب الإقامة خاضع لمستوى وعي الموالي للإسلام، وفهمه لأهل البيت (ع).
ولا بد أن نعلم أنَّه لا يمكن لأحد أن يفهم حقيقة ثورة الحسين ما لم يعِ الإسلام وعياً سليماً في بعديه العقائدي والنظامي؛ ولذلك كلما ارتفع وعي الجمهور الحسيني فإنَّه يعبر تعبيراً ينسجم مع الإسلام قلباً وقالباً، والعكس صحيح، ولذلك من أهم واجبات العلماء والمبلغين، والكتاب الرساليين التأكيد على رفع مستوى الوعي الإسلامي للجماهير؛ لتكون إقامة الشعائر تعبيراً عن روح الإسلام، وجوهره، ومقوماً لسلوك الفرد، وبانياً لكيان الجماعة، يقول آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي: ((لا بد أن يقوم العلماء دائماً بدور الإرشاد والتوجيه , لتهذيب الشعائر والمجالس الحسينية، وتوجيهها، وتصفية هذه الشعائر مما لحقها من الطقوس والأعمال التي لا يستسيغها الذوق السليم، ولا روح الإسلام، ومنهجه في العزاء، ولا تعاليم أهل البيت (ع) في إقامة عزاء الحسين (ع) وإقامة الشعائر، وهذا واجب العلماء والخطباء، الذين أوكل الإسلام إليهم مهمة توجيه الجمهور وتوعيته))(31)

الشروط اللازمة لإقامة الشعائر الحسينية:
لا يمكن أن نطلق العنان لكل أحد في إقامة هذه الشعائر، وإنما يجب أن تخضع للشروط الشرعية شكلاً ومضموناً، قلباً وقالباً؛ لتعطي صورة حية جذابة للسامع , أو المشاهد، وتثير عواطفه، وتغير فكره، وتقوم سلوكه، ومن هذه الشروط :
1-أن تكون مصداقاً معبراً عن المبادئ التي ضحى من أجلها الحسين (ع) ، وممثلة لتعاليمه، ومجسدة لأخلاقه، ومروجة لأحكامه.
2-أن تكون في كل ممارساتها موافقة ومنسجمة , بل خاضعة لأحكام الشرع الشريف، وبتعبير السيد الشهيد محمد باقر الحكيم قدس سره: ((أن لا تكون الممارسة مما نهى عنها الشارع المقدس بعنوانها الخاص لانطباق عنوان محرم عليها كالضرر أو الهتك أو الاختلاط المباح بين الرجال والنساء))(32)
3-أن يكون القصد منها تعظيم شعائر الله بصدق، وإخلاص، وورع، تقرباً إلى الله، وتجنب الرياء، والسمعة، والشهرة قدر المستطاع في التحكم بأهواء النفس .
4-التثبت والتدقيق في نقل الأحاديث والأخبار والتأكد من صحتها سنداً ومتناً فمما لا شك فيه أنَّه قد تسربت إلى كثير من كتب المقاتل روايات وقصص مشكوكة تخالف سيرة أهل البيت (ع) فقد أكد المرجع الديني السيد السيستاني ذلك بقوله: ((لا بد من عدم ذكر ما لا سند له من القصص والحكايات حتى لو كانت مذكورة في بعض الكتب المشهورة وخصوصاً في المجالس التي يحضر فيها شرائح من المثقفين والعلماء وأن يبتعدوا عن فكرة أنَّ الناس تقبل كل شيء))(33)
5-يجب تجنب المبالغات في الأدبيات الحسينية سواء كانت قصائد قريض أو شعراً شعبياً، والتأكد من مطابقتها لأحكام الشرع ؛ لئلا يكون لها آثار سلبية على الإسلام.
6-(يجب أن لا تتضمن الممارسة آثاراً سلبية مثل هتك حرمة أهل البيت (ع) أو إعطاء صورة مشوهة أو انطباع عام غير صحيح، أو تكون منفرة ومقززة كما هو الحال في بعض الممارسات التي توحي بمثل ذلك في جميع الأوساط الاجتماعية أو في بعضها على الأقل، حيث لا يعرف لها مثيلاً في لون من ألوان العبادة أو السلوك الاجتماعي العام الذي أقره الشارع المقدس أو ندب إليه)(34)


الهوامش:
(1) سورة الحج: 32 .
(2) الشيخ الطبرسي، مجمع البيان: 7/150 .
(3) الفيروز آبادي، القاموس المحيط : 2/60 .
(4) الزبيدي، تاج العروس: 7/33 .
(5) المصدر نفسه: 34 .
(6) الجوهري، الصحاح: 2/698 .
(7) الشيخ الطوسي، التبيان: 2/42 .
(8) السيد محمد حسين فضل الله، من وحي القرآن: 16/65 .
(9) السيد السبزواري، مواهب الرحمن: 2/214-215 .
(10) الرازي، التفسير الكبير: 4/177 .
(11) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/344 .
(12) الشيخ الطوسي، الأمالي: 224 .
(13) المقرم، مقتل الحسين (ع): 96.
(14) المحدث عباس القمي، نفس المهموم: 42.
(15) ابن طاووس، اللهوف: 115 .
(16) الآصفي، الشعائر والشعارات الحسينية: 50 .
(17) الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب: 371-373 .
(18) الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة: 273.
(19) انطوان بارا, الحسين في الفكر المسيحي: 70.
(20) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 2/3.
(21) الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب: 357-360 .
(22) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 5/312.
(23) الإمام الخميني، نهضة عاشوراء: 22.
(24) المصدر نفسه: 56.
(25) بحار الأنوار: 44/330 .
(26) الإمام الخميني، نهضة عاشوراء: 20.
(27) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 5/403، ونفس المهموم: 189.
(28) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 27/119
(29) الشيخ الصدوق، الخصال: 542 .
(30) الفتال النيسابوري / روضة الواعظين:80
(31) الشعائر والشعارات الحسينية: 58 .
(32) مجلة التوحيد: العدد 94، محرم الحرام 1419 هـ الصادرة في طهران.
(33) تقويم الشعائر الحسينية، من وحي الثورة وفتاوى الإمام السيستاني، الناشر: شعبة النشر في قسم الإعلام في العتبة الحسينية المقدسة: ص 18 .
(34) مجلة التوحيد، مصدر سابق .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com