موقع الصراط ... الموضوع : الاستنهاض في الشعر الحسيني في القرن التاسع عشر
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستنهاض في الشعر الحسيني في القرن التاسع عشر  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 14 / محرم / 1436 هـ
     
  بقلم الدكتور حسن عبد عودة الخاقاني
المقدمة :
يعتمد هذا البحث إثارة قضية لم تستوف دراستها بما تستحق ، وهي قضية الاستنهاض في الشعر الحسيني في القرن التاسع عشر ، وقد يبدو في هذا العنوان من الجديد الذي به حاجة إلى التوضيح ، فالاستنهاض يعني طلب القيام أو النهوض من جماعة أو فرد لمواجهة الظلم الذي يسلطه الحكام على الأمة ، والمجال هو الشعر الحسيني ، وهو الشعر الذي اختص بالإمام الحسين رثاءا أو مديحا ، والزمان هو القرن التاسع عشر ، ولهذا القرن خصوصية بينها البحث أثناء الدراسة .
بدأ البحث ببيان المقصود بالشعر الحسيني لما قد يبدو عليه هذا المصطلح من جدة لم تطرق الأسماع من قبل ضمن مصطلحات الشعر العربي المعروفة كالأموي والعباسي وغيرها ، لكنه يستحق أن يكون له مكانه الخاص في تاريخ الشعر العربي برغم عدم اقتصاره على زمن معين فهو يمتد من مصرع الإمام الحسين إلى يوم الناس هذا ، ولا شك في انه سيظل إلى ما يشاء الله .
ثم بين البحث الأساليب التي استعملها الشعراء في الاستنهاض ، وهي أساليب لغوية معروفة عهد الشعراء استعمالها كأساليب: الأمر ، والاستفهام ، والنداء ، وهي تخرج إلى أغراض بلاغية ، فضلا عن دلالتها الأولى ، بحسب استعمال الشاعر وتوظيفه لها .
وقد كان للشعراء من استعمال الاستنهاض في الشعر أغراض محددة مثل : الحماسة ، والعتاب ، والشكوى ، فوقف البحث عندها مستعينا بالنصوص التي زخرت بها دواوين الشعراء ، ثم درست الآثار التي ترتبت على الاستنهاض سواء على الصعيد الاجتماعي أم على صعيد القصيدة ، وهذا هو الذي يهمنا أكثر من سواه .
لم يجد البحث أمامه ما يعينه في دراسة هذا الموضوع إذ نادرا ما تعرضت له الدراسات عدا ما صنعه الشاعر المرحوم إبراهيم الوائلي في كتابه : "الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر " إذ وقف عنده وقفة جيدة برغم ما شابها من عموم ، لذا كانت دواوين الشعراء المصدر الأهم ، ولما لم يكن بإمكان البحث أن يحيط إحاطة شاملة بكل شعراء القرن فقد ركز على أهمهم ولا سيما السيد حيدر الحلي ت 1304 هـ الذي كان يمتاز من سواه بأنه اتخذ هذا السبيل فأكثر فيه من القصائد الجياد وهو الذي كان ينظم في كل عام قصيدة أو أكثر في ذكرى عاشوراء ، ولا تكاد تخلو واحدة من هذه القصائد من ذكر للإمام المهدي فضلا عن بقية شعره ، ولذلك كثر في هذا البحث شعره فهو المعتمد الرئيس فيه .
لقد سعى هذا البحث جهده إلى استجلاء قضية الاستنهاض وتسليط الضوء عليها لتمهيد السبيل أمام الباحثين من الطلبة الدارسين خاصة وحثهم على استقصائه ، ويرجو أن يكون قد فعل .

في بيان المقصود بالشعر الحسيني :
يمكن أن نطلق مصطلح (الشعر الحسيني)على الشعر الذي كرس نفسه لقضية كبرى من قضايا المسلمين هي ثورة الإمام الحسين واستشهاده وآله وصحبه في كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 هـ على أيدي جيش الدولة الأموية وما نتج عن ذلك من آثار ما تزال قائمة .
وقد يجد هذا المصطلح مسوغا لنفسه حين نعرف أن للشعر الحسيني خصائص ميزته من سواه من شعر المديح والرثاء في تاريخ الشعر العربي ، فهو ذو تاريخ ممتد منذ الواقعة إلى يوم الناس هذا ، وستبقى إلى ما يشاء الله ، وهو يمتاز بصدق العاطفة ، وقوة العقيدة ، وعمق الحزن والأسى ، وهو – مع ذلك – لا ينسى سمات الإباء والثورة ورفض الذل التي يمثلها الإمام الحسين ، وهي وغيرها السمات التي ارتفعت به ليكون رمزا إنسانيا خالدا يستمد منه الثائرون ، ورافضوا الظلم في كل مكان مبادئ العزيمة والصبر والانتصار إذ (لم يكن مدح الحسين وقفا على الشعراء الشيعة ، بل شاركهم كثير من الشعراء فيه ، ولكن مدائح الشيعة كانت تفيض بالحزن العميق والتوجع الصادق ، وتمتاز بقوة العبارة وجمال السبك بالنسبة لشعراء أهل السنة الذين مدحوا الحسين أمثال عبد الباقي العمري الذي نظم الباقيات الصالحات ) وغيره من الشعراء .
ومن عوامل التميز الأخرى للشعر الحسيني ارتباطه بالعامل السياسي الذي لم ينقطع أثره على مدى التاريخ الإسلامي ، فقد (كان رثاء الحسين سياسيا بحتا يتوارثه الأبناء عن الآباء فسرى حب العلويين سريان الدم في الشرايين ، وبعد ذلك غدا حب الحسين روحانية سامية وتصوفا صادق العاطفة ، فانصرف الشعراء المداحون الذين يريدون الدنيا عن شعر الحسين*وبقي أولئك الشعراء الذين دفعتهم تيارات الحب الروحي والوفاء العميق على رثاء الحسين والعلويين ، فقد فقد العلويون كل جاه دنيوي ، وليس لهم من الحول ما يكافئون به هؤلاء الشعراء ، فكان ذلك سببا في ارتفاع شعر الحسين وازدياد قيمة المادحين الأوفياء الذين لم يكونوا يأملون الرفد ولم يطمعوا في النوال)، ومن الواضح ان لهؤلاء الشعراء امتدادا على طول تاريخ الأدب والسياسة ، اذ بقي الشيعة على مدى التاريخ معتقدين باغتصاب حق أئمتهم في الحكم ، وان الدولة القائمة في أي زمان من أزمنة الحكم الإسلامي تجانب الحق ، وقد قابلتهم الدول المختلفة بشعور العداء أيضا، فزادت في ذلك الشعور قوة وأمدته بعوامل تغذيه وتزيد في أواره بدلا من محاولة تخفيف حدته فساعد على بروز هذا النمط من الشعر (وإذا كان من عوامل انتشاره التأثر بمأساة الإمام الحسين فانه لا يعدم عاملا آخر هو انتشار القسوة والظلم والفرق البارز بين سلوك الحاكم وطبيعة المحكوم إلى جانب الأعمال التي يلاحظ منها مناوأة الشيعة ومضايقتهم في عيشهم وعقائدهم ).
ومن العوامل ، او السمات التي تعطي تسويغا لهذا المصطلح أيضا الكثرة ، فنظرا لطول المدة الزمنية التي تمثل عمر هذا الشعر ، وكثرة الشعراء واختلاف اتجاهاتهم الفكرية والعقائدية والقومية ، تكوّن لهذا الشعر كم كبير ضاقت به الموسوعات والمعجمات فضلاً عن دواوين الشعراء وكتب اللغة والأدب المختلفة (ولولا استشهاد الحسين لما وجدنا هذا الرثاء الكثير في الأدب العربي اليوم ) وقبل اليوم أيضا .
ومن كل هذا نستطيع الاطمئنان والوثوق باستعمال مصطلح ( الشعر الحسيني ) فان لم يكن لأغراض التثبيت والإضافة إلى باب المصطلحات ومفاهيمها فلأغراض هذه الدراسة في اقل تقدير ، وحسبنا هذا .

في بيان المقصود بالاستنهـاض :
نعني به توجيه دعوة مصحوبة بعاطفة قوية إلى شخص واحد أو مجموعة من اجل القيام – الذي يقابل القعود –لأخذ الحق المستلب من جماعة مقابلة يعتقد أنها على باطل ، واغلب ما كان المستنهض هو الإمام محمد بن الحسن العسكري المعروف بالمهدي المنتظر وهو الإمام الثاني عشر عند الشيعة الامامية ، الغائب الحي الذي سيخرج في اليوم الموعود ، ولا ترتبط أصول هذه الدعوة بالشعر الحسيني وحده ، ففي شعر السيد الحميري ت 173هـ نجد ذكر الإمام المهدي متمثلا بشخص محمد بن الإمام علي بن أبي طالب المعروف بمحمد بن الحنفية نسبة إلى قبيلة أمه ، بحسب العقيدة الكيسانية التي كان يؤمن بها السيد الحميري قبل تحوله عنها إلى التشيع الاثنا عشري ، ومن ذلك قوله:
سمي نبينا لم يبق منهم***سواه فعنده حصل الرجاء
تغيب غيبة من غير موت***ولا قتل وسار به القضاء
وبين الوحش يرعى في رياض*** من الآفاق مرتعها خلاء
فحل فما بها بشر سواه***بعقوته له عسل وماء
إلى وقت ومدة كل وقت***وإن طالت عليه له انقضاء
فقل للناصب الهادي ضلالاً***تقوم وليس عندهم غناء
فداء لابن خولة كل نذل***يطيف به وأنت له فداء
كأنا يا ابن خولة عن قريب*** ورب العرش يفعل ما يشاء
يهز دوين عين الشمس سيفاً***كلمع البرق أخلصه الجلاء
تشبّه وجهه قمراً منيراً***وهل بالشمس ضاحية خفاء
هنالك تعلم الأحزاب أنا***ليوث لا ينهنهها لقاء
فندرك بالذحول بني أمي***وفي ذاك الذحول لهم فناء
وفي أبيات أخرى ، وقد نسبت إلى كثير عزة ت 105 هـ ، يقول:
ألا إن الأئمة من قريش *** ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه *** هم أسباطه الأوصياء
فسبط سبط إيمان وحلم *** وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى *** يقود الخيل يقدمها اللواء
من البيت المحجب في سراة *** شراة لف بينهم الإخاء
عصائب ليس دون أغر أجلى *** بمكة قائم لهم انتهاء
ولا يعدم متتبع الشعر العربي كثيرا من أقوال الشعراء في الإمام المهدي باتجاهات مختلفة.

المستنهَض :
إن اغلب من يتجه الاستنهاض إليه هو الإمام المهدي قديما وحديثا ولكن لم يقتصر الشعراء عليه، إذ توجهوا باستنهاضهم إلى "قريش" أو ما يدل عليها مثل : آل فهر أو بني غالب أو آل مضر أو آل نزار أو آل هاشم وغيرها من التسميات بحسب دواعي النظم أو العموم والخصوص ، ومن ذلك قول السيد حيدر الحلي ت1304هـ:
فقل لنزار سومي الخيل إنها *** تحن إلى كر الطراد عرابها
لها إن وهبت الأرض يوما ارتكها *** قد انحط خلف الخافقين ترابها
حرام على عينيك مضمضة الكرى *** فإن ليالي الهم طال حسابها
ويقول في أخرى:
يا آل فهر أين ذاك الشبا *** ليست ظباك اليوم تلك الظبا
للضيم أصبحت وشالت ضحى *** نعامة العز بذاك الإبا
فلست بعد اليوم في حبوة *** مثلك بالأمس فحلى الخبا
ويقول في أخرى:
أهاشم لا يوم لك أبيض أو ترى *** جيادك تزجي عارض النقع أغبرا
طوالع في ليل القتام تخالها *** وقد سدت الأفق، السحاب المسخرا
بني الغالبين الألى لست عالماً *** أأسمع في طعن كفك أم قرى
إلى الآن لم تجمع بك الخيل وثبة *** كأنك ما تدرين بالطف ما جرى

العوامل الدافعة للاستنهاض :
اجتمعت جملة من العوامل التي دفعت الشعراء في القرن التاسع عشر للإكثار من الاستنهاض ليفترق هذا القرن عن سواه من القرون ، نذكر منها الآتي :
- العامل الديني : كان للدين الإسلامي اثر كبير في نفوس معتنقيه ربما اختلف بعض الاختلاف عن الأديان الأخرى من حيث الدرجة ، إذ لم يكن هذا الدين مقتصرا على كونه تعاليم ، او عبادات تؤدى ، بل كان عقيدة حياة وفكر وتراث لأبناء الأمة الإسلامية على اختلاف طوائفهم ، لذا ( كان للعامل الديني تأثير في نفوس بعض الشعراء الذين تشربت نفوسهم العاطفة الصادقة والأحاسيس المخلصة للحسين وآله رضوان الله عليهم ، والعقيدة الصادقة والشعور الفياض يبعثان الرغبة الجامحة للقول ، لذلك كان شعراء الشيعة أجود مقالا وأرصن عبارة وأقوى تركيبا في مراثيهم للحسين لأنهم قد تعهدوا هذه العواطف ، ونموا في نفوسهم اللغة العربية بالدراسة ) والممارسة حتى كانوا المحافظين على هذه اللغة والسباقين إلى نهضتها الحديثة .
إن المشكلة التي ظل الشيعة يعانون منها على مر العصور هي الانفصام مع الدولة أو نظام الحكم، وقد سار حكام الدولة العثمانية هذا المسار مع الشيعة أيضا (إذ شجعوا بعض رجال الدين للكتابة ضدهم، ولعل أبين صورة للظلم أنهم حالوا بينهم وبين دخول المجلس النيابي الأول الذي افتتح في 29 مايس سنة 1877م في الوقت الذي مثل اليهود فيه – وهم أقلية – نائب منهم ).
ولم يقتصر الأمر على هذا ، بل اعمل الترك فيهم المذابح المنكرة كما فعلوا عندما سلطوا نار مدافعهم على مدينة كربلاء ، ثم استباحوها وقتلوا من أهلها كثيراً.
ويتصل بالعامل الديني ظهور الحركة الوهابية في جزيرة العرب ومناوأتها العلنية للشيعة ، بل الغزو المتكرر لديارهم في ريف العراق وباديته ، ومراقدهم المقدسة في كربلاء سنة 1216هـ-1802م إذ استباحوا فيها المدينة ونهبوا أوقاف المراقد المقدسة وقتلوا كثيرا من الناس فيها حتى من استجار بمرقدي الحسين والعباس ( فنظر الشعراء إلى هذه الحادثة كأنها تجديد لمأساة الحسين يوم استشهد في كربلاء مع إخوته وأبنائه وأنصاره فبكوا وسخطوا واستنهضوا وثاروا ونقموا على الوهابيين اشد النقمة وهددوهم وناظروهم وجادلوهم ، وكان من ابرز الشعراء الذين استفزتهم هذه الحادثة الحاج هاشم الكعبي ت 1231 هـ – 1816-1817م).
وفضلا عن هذا كان الشيعة ضحية صراع سياسي / مذهبي طويل بين العثمانيين والفرس ، وهو صراع معقد ، كان الخلاف المذهبي – في اغلب الأحيان – حجته الظاهرة ، وبها ضرب الشيعة أقسى الضربات ، وكثيرا ما أنزلت بهم المذابح لأسباب أو غايات هم بعيدون عنها .
- العامل الفكري : لا يكاد يختلف الشيعة عن سواهم في الاعتقاد بفكرة المنقذ المخلص التي يقول عنها العالم النفساني الكبير كارل يونج – وتلميذ فرويد – إنها : (تلك الصورة التي تكمن في أعماق اللاشعور الإنساني منذ فجر الحضارة ، وتستيقظ كلما جار الزمان على الإنسان ، أو ارتكب خطيئة خطيرة ، وكلما ضل الناس السبيل شعروا بالحاجة إلى مرشد ، أو معلم ، أو حتى طبيب ، وصور هذا الشعور الأصيلة متعددة ولكنها لا تظهر في أحلام الأفراد او الأعمال الفنية دون أن تخرجها إلى حيز الوجود الرؤية الشمولية عند الفنان ) المبدع الذي يمثل الجماعة ويعبر عنها في عمله .
أما ما يتصل من ذلك بمظاهر العقيدة ومقوماتها فهي تختلف لدى الشيعة عن غيرهم ، ولا سيما الحكام الأتراك (فالشيعة لا يقرون بالإمامة الحاضرة لغير المهدي الذي ينتظرونه لينقذ الناس من هذه الحكومات المستبدة الظالمة ، فهو عندهم إمام العصر وولي الأمر وصاحب الزمان ، لذلك بقيت الدولة العثمانية نافرة من الشيعة وان كانوا معها في حروبها مع الدول الأجنبية أو فيما يتصل بخدمة الأمة الإسلامية ولكنها ميزتهم من غيرهم بكثير من المقاومة والمناوأة ، ودعت إلى وقف دعاوتهم ونفوذ علماء الدين منهم وتسرب عقائدهم في البوادي والأرياف وحث أنصارها رجال الدين ليكتبوا ويؤلفوا ضدهم ) فالمعروف ان (المذهب الشيعي ينكر خلافة الترك ، لان الخلافة يجب أن تكون في رأيه في بيت علي وآخر إمام من آل هذا البيت هو الإمام محمد بن العسكري وهو الخليفة المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جورا وظلما ومن هنا كان الشعر الشيعي هو الشعر الثائر أبدا).
وكان القرن التاسع عشر هو القرن الذي شهد تصاعد الجدل الفكري بين الشيعة وغيرهم ، وبين فرق من الشيعة أنفسهم في شان الإمام المهدي ، فقد كانت سنة 1260هـ الواقعة في هذا القرن تعني مرور ألف سنة على غيبة الإمام المهدي ، وقد أشاع بعض رجال الدين بين أتباعهم قرب ظهوره ووجوب ترقبه بالتأكيد الشديد على ذلك وأدى هذا الأمر إلى ظهور فرقة ذات حركة قوية هي " الشيخية " التي تعرف ب " الكشفية " أيضا ، ثم "البابية " نسبة إلى شخص من مدينة شيراز الإيرانية يدعى : علي بن محمد أطلق على نفسه لقب " الباب " الذي يؤدي إلى الإمام المهدي ، وقد أعدمه العثمانيون بفتوى شيعية سنية مشتركة ، وهي من النوادر التي يجتمع فيها الاثنان، فكان هذا من الأسباب التي زادت من حدة الجدل الفكري الدافع لبروز اسم الإمام المهدي في شعر القرن التاسع عشر.
وامتد نطاق الجدل ليأخذ اتجاها منطقيا اهتمت به المؤلفات – فضلا عن الشعر – حتى اتسع واشترك فيه كثيرون ، وقد امتدت إطرافه إلى مطلع القرن العشرين عندما وردت من بغداد إلى النجف قصيدة غفل من اسم ناظمها ، مطلعها :
أيا علماء العصر يا من عندهم خبر *** بكل دقيق حار في مثله الفكر
فكانت الردود عليها مجموعة كبيرة من المؤلفات الشعرية والنثرية أحصاها السيد محمد حسن الطالقاني في مقدمته لديوان السيد موسى الطالقاني :1230-1298هـ .
- العامل السياسي : تمتد جذور الجوانب السياسية من قضية الإمام المهدي بعيدا إلى عمق التاريخ الإسلامي ، إذ يعتقد الشيعة اعتقادا راسخا بأن بني أمية قد اغتصبوا الحق من أهله الشرعيين وهم آل بيت الرسول الكريم علي وبنيه من بعده ، وما كان مرور القرون من الزمان إلا استمرارا للشعور بهذا الحق المهتضم ، وصولا إلى زمن الدولة العثمانية التي لا يختلف حكامها عمن سبقهم من أمويين وعباسيين إذ كانوا يعززون هذا الشعور بتسليط مزيد من الظلم والإقصاء بحق الشيعة من دون أدنى تفكير بإنصافهم .
لقد اتصفت السياسة العثمانية تجاه العرب عامة ، وشيعة العراق خاصة ، بمظاهر القسوة الشديدة والعنف الذي لا يرحم ، وفي اغتصاب حقوق الناس والتسلط على أموالهم بالجباة الغلاظ والموظفين المرتشين الذين يتسابقون في ملء جيوبهم بغض النظر عن مصدر تلك الأموال أو شرعيتها .
وأضيف فوق هذا كله فرض " التجنيد الإجباري " على أبناء المدن والأرياف وهم الذين ليس بمقدورهم دفع البدل النقدي –وهو بمثابة رشوة رسمية – لينقذوا أرواحهم من موت مؤكد تقود إليه الخدمة الإجبارية في جبهات بعيدة عن بلدهم (فكان من أهم الأمور التي دار حولها الصراع بين الحكومة والشعب في القرن التاسع عشر هو نظام التجنيد الإجباري فقد حاول الوالي عمر باشا في سنة 1858م أن يفرض التجنيد على السكان فكان ذلك أمرا جديدا عليهم لا عهد لهم به من قبل ، فاعترضوا عليه ونقموا منه كثيرا ، وقام بعضهم بما يشبه الثورة عليه مما جعل الشاعر المعروف السيد حيدر الحلي ينظم قصيدة يستغيث فيها بالإمام الغائب ويتوسل إليه أن يظهر لينقذ الأمة من تلك النقمة ) ومطلع القصيدة قوله:
يا غمرة ما لنا بمعبرها *** موارد الموت دون مصدرها
(ولكنه لم يشر إلى تلك الحادثة وإنما تناول الصورة في مظهرها العام ورسمها لتنطبق على كل حادثة مماثلة لا يعرف تاريخها ولا مسببها ) وهذا مما يعطيها سمة الفن الرفيع غير المباشر، من جهة ، ويدل على مدى الخوف والحذر الذي يبديه الشعراء اتجاه السلطة الحاكمة من جهة أخرى .
أما سوء الإدارة ، وقسوة الموظفين الأتراك وتسلطهم ، واتصافهم بالأمية والفظاظة فهي من السمات والأمور العامة الشائعة للحكم التركي للبلاد العربية عامة .
- العامل الاجتماعي : كان لشطط السياسة وسوء الإدارة الأثر المباشر في الحياة الاجتماعية التي تردت إلى أسوأ أحوالها ، فقد كانت موارد البلاد شحيحة جدا لا تكاد تسد الرمق لإهمال مقومات العمل الزراعي والصناعي ، وكان التخلف سائدا في كل ميادين الحياة ، والأمراض تغزو المجتمع فتفتك بأبنائه بأقسى ما يمكن تخيله من فظاعة ، فالهيضة " الكوليرا " والطاعون يأتيان على هيأة وباء متناوب، فتزهق مئات الآلاف من الأرواح ، وتتساقط الجثث فتملا الشوارع والدروب ، وتخلو المحلات والبيوت من ساكنيها .
وكانت المجاعات العظمى تفتك بالناس وتلجؤهم إلى مطاردة الحيوانات السائبة كالقطط والكلاب ، بل اضطروا حتى إلى أكل الأطفال ، وليس لدى الحكومة ما تواجه به الحال إلا مزيدا من الظلم والقسوة وتحصيل الضرائب من دون أدنى شعور من ضمير ، فلم يكن للناس مع هذه الحال ، والشعور بالعجز التام سوى التوسل (لكون العصر عصر توسل وتضرع بالأولياء والصالحين ) إذ لا طاقة للمواجهة (فالتجأ المسلمون ، والشيعة خاصة ، إلى آل الحسين عندما كانوا يصابون بالأمراض ويتوسلون أن ينقذوهم من المصائب ) التي تفتك بهم من دون رحمة من احد ، ومن ذلك توسل السيد حيدر الحلي بالإمام المهدي المنتظر عندما حل الطاعون في العراق سنة 1298هـ بقوله :
يا ابن الإمام العسكري ومن *** رب السماء لدينه انتجبه
- العامل الفني : لم يكن بمقدور الشعراء – بل المجتمع عامة – الوقوف بوجه الحكام المستبدين مباشرة ، فوجدوا في قضية الإمام المهدي منفذا تعبيريا نافعا سلطوا عليه قرائحهم التي تستمد من عواطفهم الصادقة مع ما يثيرها من بؤس الحال مستنهضين لدفع هذا البؤس عنهم ، معلنين بذلك عجزهم المطلق عنه ، والثورة لم تكن في متناول الداعين إليها ، وما هي إلا حلم مستحيل التحقيق ، إذ الشعب منقسم ، متفرق الكلمة ، يعيش في اوطا أحوال الجهل والفقر ، لا حول له ولا قوة ، وهذا ما جعل الشاعر الناقم (يتجه إلى قوة الدين لا إلى قوة الشعب ما دام الشعب منقسما يعيش في همومه الخاصة ، واعني بقوة الدين التضرع والتوسل بالأولياء والصالحين للوقوف مع المسلمين العرب ضد الأتراك المستبدين) فشاعر القرن التاسع عشر ، الذي يستمد من ذاكرة تراثية مكتنزة ، وجد في الاستناد إلى التاريخ الممتلئ بالظلم تمثيلا واضحا للحاضر الذي يحيا فيه ، ووجد في قضية الظلم الذي حل بآل الرسول ( ص) ، وهم ارفع الناس مقاما ، عزاء وتسلية لما فيه مجتمعه من ظلم ، لذا أضحت قضية استنهاض الإمام المهدي كناية كبرى عن استنهاض الأمة بأكملها ، وأداة تعبيرية نافعة تجنبه ما تجره عليه المباشرة من نتائج وخيمة تهدده في حياته ووجوده .
إن الشعراء الذين انتهجوا نهج الاستنهاض – ولا سيما الشيعة منهم – هم على يقين من خيبة الثورات التي قامت على مدى التاريخ الإسلامي ، فخط الظلم ما زال متصلا من قرون طويلة ، وكان مصير الثائرين الموت على صعيد الواقع الفعلي ، ولم يحققوا سوى أذى لأتباعهم ، وذخيرة فكرية وروحية تدفع بمعتنقيها إلى الانزواء في اغلب الأحيان ، ولذلك كف هؤلاء عن سلوك السبيل المباشرة في الثورة واختاروا سبيل الكناية الكبرى عنها بالتوجه إلى إمام غائب أوكل أمر خروجه إلى الله عز وجل ليملأ الأرض قسطا وعدلا ، بعد أن ملأت ظلما وجورا ، في اليوم الموعود الذي لا يعلمه إلا الله وحده ، وهذا يعني أن من يخاطب شخصا غائبا قد لا يكون للحكام سبيل عليه ، وبذلك كان سلوك سبيل الاستنهاض وسيلة فنية مهمة أغنت الشاعر عن المواجهة المباشرة ، ثم ما لبثت أن غدت تقليدا أو شبه تقليد تواطأ عليه اللاحقون فأفادوا منه .
- العامل الشخصي : ويتصل هذا بحياة السيد حيدر الحلي خاصة ، فهو من أكثر الشعراء التزاما بقضية الاستنهاض ومخاطبة الإمام المهدي ، وربما نجد في سيرته ما يؤيد ذلك، فهو سليل الدوحة العلوية الزاكية ، ومن سراة قومه ، يشعر بالحيف والظلم في هذه الحياة التي يراها نهبا بأيدي الظالمين ، وهو وقومه عنها مبعدون ، إذ لا سلطة ولا سيادة ولا حفاظ على نفوسهم أو ما يملكون .
ومن جانب آخر كان للسيد حيدر الحلي اتصال وثيق بالسيد حسن الشيرازي رجل الدين الكبير الذي كان يسكن في مدينة سامراء – موضع ولادة الإمام المهدي ومكان غيبته – وكان السيد الشيرازي يستطيب شعر السيد الحلي ويدعوه للقدوم إليه ليسمع منه فيجله غاية الإجلال ويستقبله باحترام لا يصنعه مع غيره من الشعراء ، فكان هذا العامل مما ساعد على إشاعة هذه الكثرة الظاهرة من ذكر الإمام المهدي في شعر السيد حيدر الحلي خاصة ثم شعراء العصر عامة .
إن هذه العوامل مجتمعة تقدم تفسيرا لشيوع هذا النمط الشعري –الاستنهاض – فهو رد واضح على السلطة التركية ، ولا سيما ان الأمر لم يقتصر على هؤلاء الشعراء وهذا النمط الشعري حسب وإنما امتد ليكون تعبيرا عن نقمة عامة لدى العرب بوجه الأتراك ، فالقرن التاسع عشر يمثل بدء انطلاق حركة الوعي العربي الحديث ، ويظهر ذلك من أقوال شعراء كثر في هذا المجال نذكر منهم قول القاضي عبد الله جميل :
علام الإقامة في بلدة***نعد بها مثل حمر النعم
فهلا بارك الله في بلدة***تعد بها الأسود كالغنم
فهلا رحلنا إلى غيرها***لنحظى بعز وعيش أتم
وفي كل يوم ترينا الخطوا***ت وتسطو علينا بعلج أغم
ونجد شاعرا آخر ينطلق بلهجة أكثر عنفا برغم انه كان موظفا لدى الحكومة التركية هو " احمد الشاوي " الذي يقول :
ألا ليت شعري والأماني ضلة *** وعمر الفتى إن عاش ما عاش للهلك
أمخترمي ريب المنون ولم أكن *** لأدرك للإسلام ثأراً من الشرك
وأبرد من صهب العثانين غلتي *** وأشفي وأستشفي في سيفي من الترك
فالأمر إذن جاوز الشكوى والتذمر إلى التهديد بالثورة التي لا سبيل إليها ، وهذا مما يقع ضمن مقاومة الترك الذين ظلموا العرب والمسلمين عامة ، فإذا كان الشيعة مع هؤلاء في الظلم العام ومع ما لحقهم من ظلم خاص أنزلته بهم الدولة العلية فهم واقعون تحت ظلم مركب من الجهتين معا فاقوا به إخوانهم من رعايا الدولة الآخرين ، ولذلك نجد نغمة الشيعة أكثر علوا وأطول امتدادا في النقمة على هذه الدولة ولا سيما إنهم يستمدون من تاريخ طويل من الظلم والمواجهة .

أساليب الاستنهاض :
استعمل الشعراء في الاستنهاض أساليب لغوية مختلفة بحسب طبيعة الخطاب ومكوناته ، ولا تأتي هذه الأساليب صافية إذ يختلط بعضها ببعض في القصيدة الواحدة ، ومن ذلك نذكر :
- الأمر : استعمل الشعراء هذا الفعل في خطابهم الإمام المهدي ، أو غيره ، بدلالته الأولى ، أو ما يخرج إليه من معان بلاغية أخرى ، ومن ذلك قول السيد جعفر الحلي:
أدرك تراتك أيها الموتور *** فلكم بكل يد دم مهدور
عذبت دماؤكم لشارب علها *** وصفت فلا رنق ولا تكدير
ولسانها بك يا ابن أحمد هاتف *** أفهكذا تغضى وأنت غيور
ما صارم إلا وفي شفراته *** نحر لآل محمد منحور
ويستعمل الشاعر صالح الكواز أسلوب الأمر أيضا في مخاطبته الإمام المهدي قائلا :
فقم طالباً حق الخلافة معلماً *** فها هي في أيدي العدا تتلقف
أتصدر وراداً عن ركيها *** المنابر محلاة والقوم منها تنزف
وتوحش هاتيك المنابر منكم *** وتنزو عليهم القرود وتشرف
- أسلوب الاستفهام : ورد هذا الأسلوب كثيرا في الشعر الحسيني المستنهض لكثرة ما يشغل الذهن من تقلبات الزمان ومن ذلك قول السيد جعفر الحلي مكررا الأداة مع الفعل على مدى القصيدة:
أتغضى فداك الخلق من أعين عبرى *** تود بأن تحظى بطلعتك الغرا
أتغضى وأجفان الناصب قد غفت *** ولم يرقبوا منا وأجفاننا سهرا
ويستعمل السيد حيدر الحلي هذا الأسلوب ، مبتدئا بالنداء ، بقوله:
أقائم بيت الهدى الطاهر *** كم الصبر فت حشا الصابر
وكم يتظلم دين الإله *** إليك من النفر الجائر
نرى منك ناصره غائبا *** وشرك العدا حاضر الناصر
إلى مَ وحتى مَ تشكو العقام *** لسيفك أم الوغى العاقر
أما لقعودك من آخر *** أثرها فديتك من ثائر
وقدها تميت ضحى المشرقين *** بظلمة قسطلها المائر
- أسلوب النداء : وقد استعمله الشعراء بأدواته المختلفة كالياء والهمزة ، ومن ذلك قول السيد جعفر الحلي:
يا قمر التم إلى مَ السرار *** ذاب محبوك من الانتظار
لنا قلوب لك مشتاقة *** كالنبت إذ يشتاق صوب القطار
فيا قريباً شفنا هجره *** والهجر صعب من قريب المزار
دجا ظلام الغي فلتجله *** يا مرشد الناس بذات القفار
يستنظر الدين ولا ناصر *** وليس إلا بكم الانتصار
وفي قصيدة أخرى يوجه نداءه إلى قريش قائلاً:
يا آل فهر أباغفائكم *** قد ظفرت بالطف آل الخنا
واستعبدت أحراركم معشر *** ملكتموها قبل ذا أزمنا
ومنه قول السيد حيدر الحلي:
الله يا حامي الشريعة *** أتقر كذا وهي مروعه
مات التصبر بانتظا***رك أيها المحيي الشريعه
فما ابقى التحمل *** غير أحشاء جزوعه
قد مزقت ثوب الأسى *** وشكت لواصلها القطيعه
وقد يخرج النداء إلى الاستغاثة ، ومن ذلك قول السيد حيدر الحلي وهو يستغيث بالإمام حين حل الطاعون في العراق :
يا قائماً بالحق حل بنا *** ما لا يفرجه سوى لطفك
بك عنه لذنا حيث لا شرف *** عند الإله أجل من شرفك
ترضى تعود نفوسنا سلبا *** بيد الحمام ونحن في كنفك
ويروعنا ريب المنون وقد *** عذنا بجاه الغر من سلفك
- الالتفات : وقد استعمله السيد حيدر الحلي بالانتقال من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب ، كقوله:
كم توعد الخيل في الهيجا أن تلجا *** ما آن في جريها أن تلبس الرهجا
وكم تعلل بيض الهند مغمدة *** عن الضراب ولما تعترق ودجا
المورد الخيل شقراً ثم يصدرها *** دهما عليها أهاب النقع قد نسجا
والضارب الهام يوم الروع مجتهدا *** في الله ليس يرى في ضربها حرجا

أغراض الاستنهاض :
استعمل الشعراء الاستنهاض وسيلة لما له من قدرة على التعبير عن أغراض مختلفة ، نذكر منها الآتي :
الحماسة : وهي من أغراض الشعر القديمة التي لم تغب عن ذاكرة شاعر القرن التاسع عشر ، فلم تخل معظم دواوين هذا القرن من باب الحماسة سواء كان صادقا فيها الشاعر أم مقلدا ، ومن ذلك قول السيد جعفر الحلي:
في طلب العز يهون الفنا *** ولا يروم العز إلا أنا
لم يسترح في دهره كاسل*** وإنما الراحة بعد العنا
لا بد لي في العمر من وقفة *** بين الظبا البيض وسمر القنا
ستعرف الأعداء وجهي إذا *** نقع القطاميات قد ضمنا
لا عشت إن لم أستدر للوغى *** رحى سوى الهامات لن تطحنا
وانتضيها في وجوه العدا *** بارقة إما لهم أو لنا
الموت حتم في رقاب الورى *** يخترم المرء نأي أو دنا
والعار كل العار موت الفتى *** من غير أن يطعن أو يطعنا
من لي بأن يحمل عتبى إلى *** مرابع البطحا ووادي منى
للهاشميين الألى لم تزل *** إجابة الداعي لهم ديدنا
ويتجه السيد جعفر الحلي إلى الاستنهاض الجماعي حين يجعل الحماسة الفردية منطلقا له ، ولعل هذا مما ينسجم وطبع نفسه ، إذ كان معتزا بنسبه الهاشمي الرفيع ، وحق له ذلك ، كما في قوله:
ألا لا سقت كفى عطاش العواسل *** إذا أنا لم أنهض بثأر الأوائل
وإن أنا لم أوقد لظى الحرب بالظبا *** فلا رجّعت بأسمى حداة القوافل
تفرسن فيّ المرضعات مهابة *** فما حدثتهن الظنون بباطل
لمحن على وجهي حمالة ضيغم *** وجرأة مقدام وسطوة باسل
سأقتادها بالهاشميين ضمرا *** يجلن فيملأن الفلا بالصواهل
إذا صيح يا للثأر في صهواتها *** زففن إلى الهيجا زفيف الأجادل
تخال نعامى تحت أسد ضراغم *** وما هي إلا الخيل تحت البواسل
أأغضى وما غاب المثقف عن يدي *** وذو الفقرات البيض طوع أناملي
أيذهب ثأر الهاشميين في العدا *** ويصبح ذاك الحق أكلة باطل
كرام بأرض الغاضرية عرسوا *** فطابت بهم أرجاء تلك المنازل
ويدخل في الحماسة نمط ´” استثارة الحمية " إذ يعمد الشاعر فيه إلى إيقاف المستثار على عظم الخطب الذي حل به ، ويبرز له فعل عدوه به ، ولعل هذا من بعض عادات العرب في النهوض للثأر ، ومن ذلك قول السيد حيدر الحلي موجها خطابه إلى بني هاشم مستنهضاً إياهم:
سائل بهاشم كيف سالمت العدا *** وعلى الأذى قرت وليس قرار
هدأت على حسك الهوان ونومها *** قدما على لين المهاد غرار
ولا طالب وتر يجرد سيفه *** منهم ولا فيهم يقال عثار
ما هاشم إن كنت تسأل هاشم *** بعد الحسين ولا نزار نزار
ألقت أكفهم الصفاح وإنما *** بشبا الصوارم تدرك الأوتار
أبني لؤي والشماتة أن يرى *** دمكم لدى الطلقاء وهو جبار
لا عذر أو تأتي رعال خيولكم *** عنها تضيق فدافد وقفار
مستنهضين إلى الوغى أبناءها *** عجلاً مخافة أن يفوت الثار
ويسلك السيد حيدر الحلي السبيل نفسه في قصيدة أخرى يخاطب بها قريشا بعد مقتل الإمام الحسين ، منها قوله:
لتلوي لؤي الجيد ناكسة الطرف *** فهاشمها بالطف مهشومة الأنف
وفي الأرض فلتنتثل كنانة نبلها *** فلم يبقَ سهم في وفاضهم يشفي
ويا مضر الحمراء لا تنشري اللوا *** فإن لواك اليوم أجدر باللف
ويا غالباً ردي الجفون على القذا *** لمن أنت بعد اليوم ممدودة الطرف
لتنض نزال الشوس نثرة زغفها *** فبعد أبيّ الضيم ما هي للزغف
بني البيض أحساباً كراماً وأوجها *** وساماً وأسيافاً هي البرق في الخطف
ألستم إذا عن ساقها الحرب شمرت *** وعن نابها قد قلصت شفة الحتف
سحبتم إليها ذيل كل مفاضة *** ترد الظبا بالثلم والسمر بالقصف
فكيف رضيتم من حرارة وترها *** بماء الطلا منكم ظبا القوم تشتفي
ألم يأتكم أن الحسين تنازعت *** حشاه القنا حتى ثوى بثرى الطف
وقد يوغل السيد حيدر الحلي في استثارة الحمية حين يذكر قريشا بثأر الطف وما أوقعته بهم آل أمية كما في قوله من فريدته:
طحنت أبناء حرب هامكم***برحى حرب لها كانوا الثفالا
وطأوا آنافكم في كربلا*** وطأة دكت على السهل الجبالا
قوموها أسلا خطية*** كقدود الغيد لينا واعتدالا
واخطبوا طعنا بها عن ألسن*** طالما أنشأت الموت ارتجالا
ويستعمل السيد حيدر الحلي أسلوبا آخر في إثارة الحمية هو تذكير بني هاشم بسبي نسائهم والسير بها إلى بلاد الشام من كربلاء بعد مقتل الإمام الحسين ، كما في قوله:
أين الشهامة أم أين الحفاظ أما *** يأبى لها شرف الأحساب والكرم
تسبى حرائرها بالطف حاسرة***ولم تكن بغُبار الموت تلتثمُ
لمن أُعدّت عتاقُ الخيل إن قعدت***عن موقف هتكت نها به الحرم
فما اعتذارك يا فهر ولم تثبي***بالبيض تُثلم أو بالسمر تنحطم
أجل نساؤكِ قد هزَّتكِ عاتِبةً***وأنت من رقدة تحت الثرى رمم
فلتُلفت الجيدَ عَنك اليوم خائبةً***فما غناؤكِ حالت دونكِ الرجم
العتاب : وهو من الأغراض المعروفة في الشعر العربي القديم ، ويميل فيه الإيقاع إلى الانبساط وامتداد النغمة ، إذ الغاية منه التلطف إلى المعاتب ، ونيل البغية برضا منه ، ونجد في الاستنهاض من الشعراء من يتجه بعتابه إلى الإمام المهدي لما يرى من سوء الزمان وأهله ، ولا مصلح غير الإمام الذي يستحثه الشاعر للتعجيل بالأمر كقول السيد حيدر الحلي:
إمام الهدى سمعاً وأنت بمسمع***عتابَ مثير لا عتاب مُفندِ
فداؤك نفسي ليس للصبر موضعٌ***فتُغضي ولامن مسكةٍ للتجلّدِ
أتنسى وهل ينسى فعال أميّةٍ***أخو ناظر من فعلها جدّ أرمدِ
وتقعد عن حرب وأيّ حشاً لكم***عليهم بنار الغيظ لم تتوقدِ
فقم وعليهم جرّد السيف وانتصف***لنفسك بالعضب الجراز المجرّد
وقد يرق العتاب حتى يقترن بالاعتذار عن المعاتب نفسه بإبداء تفهم منطقي واضح لأمر الإمام المهدي فهو بيد الإله وليس بيده ، فيعاتب الإمام ويستنهض ولكن الشاعر يتخذ سبيلا موضوعيا يقنع به نفسه والآخرين ، كقول السيد حيدر الحلي:
ولو كنـت تملـك أمـر النهوض***أخـذت لـه أهبـة الثائـر
وإنّا وإن ضرستنا الخطوب *** لنعطيك جهد رضى العاذر
ولكن نرى ليس عند الإله *** أكبر من جاهك الوافر
فلو تسأل الله تعجيله *** ظهورك في الزمن الحاضر
لوافتك دعوته بالنهوض *** بأسرع من لمحة الناظر
وربما كان لارتباط الشعر بالمراحل الزمنية التي يمر بها الشاعر اثر في التنوع من الحماسة الشديدة إلى الرقة والاعتذار ، فلا شك في أن لفورة الشباب أسلوبها في التعبير الذي يختلف في مراحل النضج والتعقل فيميل نحو الرزانة والهدوء والحكمة .

الشكوى : يستعمل هذا الغرض للتعبير عن العجز في مواجهة المشكلات التي تعرض للإنسان في حياته ، وقد عرفت شكوى الزمان في الأدب العربي ، اذ لا يستطيع الشاعر أن يصرح بحقيقة المشتكى منه فيعوض عنه بالزمان وكأنه هو الفاعل الحقيقي وليس أناسه ، ويظهر هذا الأسلوب في شعر القرن التاسع عشر كثيرا ، ومنه شعر الاستنهاض (فقد التجأ المسلمون ، والشيعة خاصة إلى آل الحسين عندما كانوا يصابون بالأمراض ويتوسلون أن ينقذوهم من المصائب ، فقال السيد حيدر الحلي متوسلا بالإمام المهدي عندما جاء الطاعون الى العراق ) في سنة 1298هـ :
يا ابن الإمام العسكري ومن *** رب السما لدينه انتجبه
أفهكذا تغضى وأنت ترى *** نار الوباء تشب ملتهبه
لا تنطفي إلا بغادية *** من لطفكم، تنهل منسكبه
أيضيق عنها جاهك؟ ولقد *** وسع الوجود، وكنتم سببه
الغوث! أدركنا فلا أحد *** أبداً سواك يغيث من ندبه
غضب الإله، وأنت رحمته *** يا رحمة الله اسبقي غضبه
ومن أبرز المواقف التي تظهر الشكوى من الزمن الحاضر الذي تسلط فيه العثمانيون في القرن التاسع عشر قول السيد حيدر الحلي موجهاً خطابه الى الإمام المهدي ورابطاً ماضي الظلم بحاضره :
وطول انتظارك فت القلوب *** وأغضى الجفون على عائر
فكم ينحت الهم أحشاءنا *** وكم تستطيل يد الجائر
وكم نصب عينك يا ابن النبي *** نساط بقدر البلا الفاتر
وكم نحن في كهوات الخطوب *** نناديك من فمها الفاغر
ولم تك منا عيون الرجا *** ء بغيرك معقودة الناظر
أصبرا على مثل حز المدى *** ونفحة جمر الغضا الساغر
أصبرا وهذي تيوس الضلال *** قد أمنت شفرة الجازر
أصبرا وسرب العدى واقع *** يروح ويغدو بلا ذاعر
نرى سيف أولهم منتضى *** على هامنا بيد الآخر
به تعرق اللحم منا وفيه *** تشظى العظام يد الكاسر
وفيه يسوموننا خطة *** بها ليس يرضى سوى الكافر
فنشكو إليهم ولا يعطفون *** كشكوى العقيرة للعاقر
وحين البطان التقت حلقتاه *** ولم نر للبغي من زاجر
عججنا إليك من الظالمين *** عجيج الجمال من الناحر
وبتنا نود الردى كلنا *** لننقل عنهم إلى قابر
أجل يومنا ليس بالأجنبي *** من يوم والدك الطاهر
فباطن ذاك الضلال القديم *** مضمره عين ذا الطاهر
إلى الآن تعمق تلك الجراح *** وأوجع منها نوى السابر
فعنك انطوى أي تلك الخطو***ب فتحتاج فيه إلى الناشر
من هذا نرى أن الاستنهاض لم يقتصر على مشكلات تاريخية انقضى زمنها ، فهو متصل بالحاضر ومشكلاته أيضا ، بل استعمل الماضي ليكون تعبيرا عن الحاضر الذي لا يستطيع الشاعر أن يعبر عنه الشاعر صراحة فاتخذ من استنهاض الإمام المهدي قناعاً يختفي خلفه بحسب ما أتاحته له إمكاناته الفنية المتيسرة .

آثار الاستنهاض :
لقد بدا واضحاً ان الاستنهاض ترك آثاراً مهمة على صعيدي الواقع الذي يحيا فيه الشاعر ومجتمعه من جهة ، وعلى الصعيد الفني الذي تحيا فيه القصيدة ، وفيما يتعلق بالجانب الأول فقد كان الاستنهاض استجابة نفسية – اجتماعية لحاجة إثبات الذات وإقناعها بقيمة وجودها بوجه مضطهدها ، فإذا كان الحاكم التركي ، ومن قبله الحكام السابقون ، قد سعوا بكل جهدهم إلى المصادرة على حق الحياة والوجود لفئة اجتماعية دينية كبيرة هي الشيعة ، فان هؤلاء لم يلقوا إلى خصمهم قيادهم صاغرين ، وإنما سلكوا سبيل الرفض والمقاومة ، وجاءت فكرة الإمام الغائب لتعزز هذا الشعور وتمده بالطاقة الأزلية المتجددة لأنها علقت أمرها بأمر إمام حي يرزق يشهد ما يجري على أتباعه ، ويعينهم على الصبر في تحمله ، وهؤلاء إنما هم منتظرون لخروجه ليزيل عنهم ما هم فيه من ظلم وجور ، ذلك بان فكرة الانتظار ليست فكرة سلبية ساكنة، بل هي فكرة ديناميكية متحركة لان الانتظار يعني الإعداد والاستعداد لنصرة الإمام في اليوم الموعود.
فالاستنهاض بهذا المفهوم شحذ للعزيمة في مواجهة الغاصب وعدم الاستسلام له ، والعمل بجد ونشاط من اجل إعداد النفس إعدادا يؤهلها للحاق بركب أنصار المهدي المنتظر ، وهذا ما أعطى الشيعة سمة فريدة من بين فرق إسلامية كثيرة وهي فكرة الاكتفاء الذاتي في العمل والمثابرة في اكتساب المهارة النفسية والعلمية العميقة والاستغناء عن كل عون خارجي ، فقطعوا الأمل من الحكومات الدنيوية القائمة والتفتوا إلى الاعتماد الكلي على النفس والتسديد الإلهي المرتقب ، وهذا ما جعل الشيعة في صدارة الفرق الإسلامية من حيث حجم الثروة الفكرية والعلمية والثقافية عامة – ومنها الأدب خاصة - برغم ضآلة الإمكانات المادية أو انعدامها أحيانا .
أما على الصعيد الفني فقد أمد الاستنهاض القصيدة العربية بموضوع جديد من موضوعات الشعر جلب معه عدته اللغوية والفكرية والفنية التي ارتقت بالقيمة الفنية للنص الشعري ورفعته إلى سدة الصدارة في مقام الشعر العربي في القرن التاسع عشر ، فإذا كان هذا القرن ينسب عادة إلى الحقبة المظلمة من حيث التصنيف الزمني فان الشعر الذي اتخذ الاستنهاض سبيلا له يفترق تماما عن هذه الصفة ، ومن يعاين قصيدته بأبسط القياسات النقدية يجد أنها ذات لغة عالية ، وبناء فني متماسك ، وذات طاقة وحيوية تستميل المتلقي وتهيمن على مشاعره بغض النظر عن مدى إيمانه بموضوعها ، ولنا في شعر السيد حيدر الحلي المثل الواضح على ما نقول ، فمن يقلب صفحات ديوانه يلمس هذه الحقيقة التي لا سبيل إلى نكرانها وهي نصاعة القصيدة وخلوها من البهرجة الزائفة ، واكتمال فكرتها ووحدتها الموضوعية ، وهذه سمات ترتقي بالفن ، وترد ردا عمليا بليغا مفحما على جميع النقاد والدارسين الذين اغفلوا عامدين أو جاهلين هذا النتاج الفني الرصين بدواع غير نزيهة أحيانا ، بل غالباً.
لذا نستطيع أن نخلص مطمئنين إلى أن الشعر الحسيني على مختلف عصوره شعر يستحق المكانة الرفيعة في تاريخ الشعر العربي لا لحرارة الموضوع حسب ، وإنما من حيث الصياغة الفنية أيضا ، وهذا ما يدعو إلى دراسته والتمعن فيه .

الخاتمة :
لقد كان للاستنهاض في الشعر الحسيني اثر مهم في قصيدة القرن التاسع عشر إذ أمدها بقوة التعبير ورصانة اللغة فضلا عن قوة الموضوع نفسه ، وإذا كان الاستنهاض ليس جديدا في نفسه ، ولا من منتجات هذا القرن فانه قد ظهر ظهورا واضحا لأسباب سياسية واجتماعية وفنية دعت إليه وآزرته حتى بلغ هذا المبلغ من الوضوح والأهمية .
استعمل الشعراء في الاستنهاض أساليب لغوية مختلفة منها الأمر والاستفهام والنداء ، وهي أساليب خرجت إلى أغراض بلاغية بحسب طبيعة التوظيف الذي أراده الشاعر ، وقد وظف الاستنهاض أيضا من اجل بلوغ أغراض بلاغية منها الحماسة والعتاب والشكوى ، وهي أغراض كانت تلح على شاعر القرن التاسع عشر وتدعوه إلى التعبير عنها .
إن الاستنهاض يظهر أن الشاعر العربي لم يكن مستسلما لواقعه ، ولم يكن مهتما بالزخرفة اللفظية او سفاسف المعاني كما صورته بعض الدراسات النقدية ، وإنما كان مهتما بما يلاقيه ومجتمعه وأمته من ظلم وتسلط صبته السلطة الاستبدادية العثمانية ، فهو شاعر مقاوم ، رافض غير مستسلم بحسب إمكاناته المتاحة، وهذا ما يدعو الدارسين إلى إعادة النظر بالأحكام التي جرت كالمسلمات في كثير من الدراسات التي تناولت ما سمي بشعر الحقبة المظلمة وتصويب تلك الأحكام التي انطلقت من دوافع ايدولوجية مسبقة .
ربما لم يستطع هذا البحث أن يستوفي جوانب الموضوع كلها لسعته وكثرة إمكان القول فيه ، لذا يرى أن غايته تمهيد السبيل ، ولفت الأنظار إلى دراسة هذه القضية دراسة شاملة لمن يجد في نفسه الرغبة والكفاءة والموضوعية النزيهة لان الموضوع يتعلق بقضية حية على مدى الدهور هي قضية الإمام المهدي على وجه التحديد ، والشعر الذي يدور حولها لم ينقطع النظم فيه ، وهذا ما يمكن من مد زمن الدراسة ، او توسيع مجالها إلى آفاق اسمي ، أدعو الله أن يوفق من يتصدى لها .

ملاحظة: تم حذف هوامش البحوث ومصادرها حفظا لمبدأ الملكية الفكرية.

المصدر: موقع الدكتور حسن الخاقاني
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com