موقع الصراط ... الموضوع : الاتجاهات المعاصرة في دراسة السيرة النبوية-2
 
الإثنين - 5 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاتجاهات المعاصرة في دراسة السيرة النبوية-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 14 / محرم / 1436 هـ
     
  الكاتب: السيد محمد الحسيني
2- الاتجاه الإسلامي الحركي مع تعرض المسلمين للغزو العسكري والثقافي الاستعماري أوائل القرن العشرين، أخذت تتعالى بعض الأصوات في العالم الإسلامي داعية إلى النهوض، وهو نهوض يقوم أساساً على تفجير طاقات المسلمين وإثارة عواطفهم ووعيهم بذاتهم.
هذا الوعي الذي يتوقف على إعادة النظر في المرتكزات الفكرية والعقيدية وتأصيلها، كما يتوقف على دراسة الرصيد التاريخي الضخم للمسلمين، حيث تمثل السيرة النبوية إحدى أهم لبناته. وعندئذٍ بدأ المعنيون في حركة الإحياء الإسلامي التركيز على سيرة النبي محمد (ص) وتذكير المسلمين بأروع فصولها، في محاولة لاستنهاض الهمم والعزائم.
وقد أنجزت، في هذا السياق عدة دراسات لتحقيق هذه الغاية، قد يكون أشهرها ما كتبه الدكتور مصطفى السباعي في ((السيرة النبوية دروس وعبر)) وما كتبه الشيخ محمد الغزالي في ((فقه السيرة)) والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في ((فقه السيرة النبوية))، ودراسة هذه النماذج ربما تغني عن الاستغراق في غيرها من الدراسات المماثلة.
السيرة النبوية: دروس وعبر حدد السباعي هدفه من بحثه هذا في التركيز على مظاهر الاسوة في سيرة الرسول الكريم(ص) مما ينبغي على كل مسلم وداعية إلى الله عز وجل، وعالم بالشريعة، وحامل لفقهها، أن يتدبره ويجعله نصب عينيه ليكون له شرف الاقتداء برسوله (ص).
أولاً: قسم كل فصل من فصول كتابه إلى قسمين، أولهما تاريخي، وثانيهما تحليلي يعنى بالتركيز على الدروس والعظات، وقد جاء هذا القسم الثاني بعنوان الدروس والعظات.
ولأجل ذلك جاء كتابه مشحوناً بالعظات ومحاولة الإفادة منها بأعلى قدر ممكن، فعلى هامش البحث عن أسلوب الدعوة في حياة النبي (ص) وسيرته تحدث عن العلاقات الاجتماعية ومدى أهميتها في العمل الإسلامي، ودعا العاملين الإسلاميين للانخراط في المجتمع بمختلف طبقاته بما في ذلك الطبقة السياسية أسوة برسول الله (ص).
وفي حديثه عن حروب النبي (ص) تحدث عن التحديات التي تواجه العاملين في مقارنة بين هذه التحديات قديمها وحديثها، كما أكد على طبيعة المواجهة بين الدعاة إلى الله وخصومهم وحتمية انتصار أولئك الدعاة.
ما أكد على هامش البحث التاريخي على عدد من المقولات الفكرية من قبيل أسلمة الدولة، والمبادئ الإسلامية، وبخاصة العدالة الاجتماعية، ودور المرأة المسلمة في المجتمع الإسلامي، والعمل التنظيمي بكل اشكاله خاصة الطابع السري. كما لم ينسَ القضايا الحيوية القائمة، وبخاصة قضية فلسطين وموقعها من قضايا المسلمين.
ثانياً: وعلى خلفية الاهتمام المتزايد بالهم العام ومحاولة ربط المسلمين بسيرة رسول الله(ص) جاءت المادة التاريخية عند السباعي قليلة وفي أحيان كثيرة عامة وشائعة، بل وحتى حاضرة في الوجدان الشعبي.
ولذلك جاءت (سيرته) مختصرة لم تعنَ بالتفصيلات، وقد تكون متعمدة لتجاوز بعض مقولات التاريخ، وغابت كما هو المألوف مفاصل حيوية من سيرة النبي (ص) من قبيل حديث الدار أو الوزارة ذلك الموقف المبكر لعلي(ع) يوم انذر رسول الله(ص) عشيرته ولم يكن ليوازره غير علي (ع) ومن ورائه أبو طالب. وتجاوز واقعة غدير خم من دون أن يكون لها عنده أي مغزى عقيدي أو سياسي. كما غاب حديث الثقلين بل غابت ايضا حادثة طلب النبي(ص) الدواة والكتف ودلالات ذلك.
وفي الوقت الذي تغيب فيه دلالات واقعة الغدير وحديث الدار وحديث الثقلين عند السباعي، يتعمق في اكتشاف دلالات موقف أبي بكر الخليفة الأول حين وفاة رسول الله (ص) ورباطة جأشه وثباته وعدم تأثره للحدث في وقت يهتز فيه عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، ويعد ذلك أكبر شاهد على قدرات أبي بكر القيادية والسياسية التي أهّلته لتولي زمام الأمور بعد رسول الله (ص).
ثالثاً: وربما ألقى هذا المنهج بظلاله على مادة البحث التاريخية من حيث التوثيق والدراسة والتدقيق، فقد جاء بحث الدكتور السباعي خلوا من ذلك، فاقتفى اثر غيره في مادته التاريخية، وبخاصة في الجانب الذاتي - إن صح التعبير - من حياة النبي(ص) كعمله في الرعي مثلاً، أو ظاهرة الوحي وكيفية حصول ذلك للنبي(ص) خاصة تلك المرويات التي تناقلها المؤرخون عن أم المؤمنين عائشة. ودور ورقة بن نوفل في طمأنة النبي (ص)والتوثق من النبوة.
فقه السيرة ((فقه السيرة)) للشيخ محمد الغزالي، الداعية الإسلامي الغيور، وهو أحد أبرز المفكرين الإسلاميين، ترك بصماته بشكل واضح في غير ميدان من ميادين المعرفة الإسلامية، وينحو في معظم كتاباته وابحاثه إلى تثقيف المسلمين، وتفعيل الإسلام في حياتهم.
أولاً: ومن هذه الزاوية يدخل الشيخ الغزالي إلى حقل السيرة، فحياة محمد ليست بالنسبة للمسلم مسالة شخص فارغ أو دراسة ناقد محايد، كلا.. انها مصدر الاسوة الحسنة التي يقتضيها، ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها.
وأراد أن تكون السيرة شيئاً ينمي الإيمان ويزكي الخلق ويلهب الجهاد ويغري باعتناق الحق والوفاء له.. ولأجل ذلك يدين الشيخ الغزالي كل ألوان التعاطي الشكلي مع السيرة وغير السيرة، لتكون السيرة مجرد اقاصيص أو قصائد أو تواشيح، إنها عنده برنامج عمل انساني وإسلامي في آن معاً.
ولذلك كان عنوان كتابه ((فقه السيرة)) صادقا اتم الصدق مع غايته وهدفه، فهو ليس كتاباً في السيرة يعنى بتحقيق أحداثها وإن اشتمل عليها، إنما هو يهتم أساساً وبالدرجة الأولى بالملامح العامة التي يمكن ان تكرس في حياة المسلمين، وبتلك المعاني السامية التي فجرها رسول الله(ص) في حياة المسلمين الاوائل وقادتهم إلى العلياء، ويهتم بكل ما يمكن أن يفعل حياة المسلمين، لتكون سيرة رسول الله (ص) مناراً للجميع وهدى لهم.
هذا المنهج ترك أثره في مادته التاريخية المنتقاة، وكذلك في مصادره التي اقتصر على عدد منها، بعضها لم يشر إليه في مطاوي البحث.
ثانياً: وبوحي من المنهج المشار إليه تصدى الشيخ الغزالي إلى معالجة أفكار حيوية وإشكاليات قائمة، من قبيل مركز المرأة في الإسلام ودورها الفاعل في حياة الرسول (ص)، ومسألة تعدد الأزواج، بل أشار إلى واقع المسلمين السياسي وما آلت إليه الامور بعد رسول الله (ص) إلى درجة يتسلم معها مقاليد حكم المسلمين حفنة من الطلقاء.
وقد عالج قضية الخوارق والكرامات وقد وصفها باللوثة، ودعا إلى تنظيف كتب التراث من الروايات والأخبار التي تشبه إلى حد كبير الهذيان على حد تعبيره. وعلى هامش حديثه عن المعجز اكد على ان القرآن هو المعجزة الوحيدة والفريدة لرسول الله (ص).
ثالثاً: وإن كان الشيخ الغزالي قد أسهم في نقد عدد من المقولات التاريخية الزائفة، وبخاصة تلك التي صاغها بعض أبطال المستسلمين من اليهود، مثل قصة الغرانيق وزواج رسول الله (ص) من زينب بنت جحش، فقد لوحظ عليه غياب النقد التاريخي في بحثه، فاسترسل يردد مقولات تحتاج إلى مزيد نظر وتحقيق وتفتقر إلى أناة وروية في البحث، ومن ذلك موقفه من قضية أبي طالب وإسلامه أو كفره، فمال إلى القول بكفره من دون ان يبذل الجهد والوسع في التعرف على الحقيقة وهو أكثر الناس ممن عرف بالموضوعية والنزاهة إلى حد كبير. ومثل ذلك موقفه من روايات نزول الوحي ودور ورقة بن نوفل، والتسليم هنا والاسترسال خطير جداً، لأنه لا يقتصر على التاريخ بل يتعدى إلى العقيدة وينال منها. ومن ذلك موقفه من حادثة شق الصدر ومحاولة تفسيرها بتكلف، وهو تفسير تأثر به باحثون آخرون اقتبسوه من الشيخ الغزالي، في مقدمتهم الدكتور البوطي والدكتور مهران.
قد تكون صحة الإخبار هذه هي التي دعته للتسليم بها، فهي روايات نقلها البخاري وصحيح مسلم، ولكننا نعرف أن منهج الشيخ الغزالي لا يأبه بالخبر وإن صح سنده ما دام متنه عليلاً أو لا ينسجم مع روح الدين أو العقل.
رابعاً: ويمكن أن نأخذ على شيخنا الغزالي إغفاله لحوادث مهمة في تاريخ النبي (ص) والدعوة الإسلامية اعتبرت مفاصل حيوية وانعطافات خطيرة، لا زالت تأثيراتها واضحة إلى اليوم، ومن ذلك إغفاله لواقعة غدير خم، أو عدم اكتراثه بحوادث ومواقف ذات مغزى كبير لم تستأثر اهتمامه من قبيل أمر النبي (ص) بالدوات والكتف.
فقه السيرة النبوية أما كتاب ((فقه السيرة النبوية)) للدكتور البوطي، فهو وإن كان مقرراً كمادة دراسية في كلية الشريعة بجامعة دمشق يمكن أن يصنف في الاتجاه الذي أطلقنا عليه الاتجاه الإسلامي الحركي، وذلك بناء على دراسة مادته التاريخية والثقافية، وفوق ذلك فإن البوطي نفسه أراد تقديم السيرة على نحو يعرف منها فقهها ودروسها وعظاتها. ولم يخفِ الدكتور البوطي امتعاضه من المدرسة التي أسميت بـ((الإصلاح الديني)) وبالتحديد محمد حسين هيكل في كتابه ((حياة محمد)) ومحمد فريد وجدي في مقالاته عن السيرة ((السيرة المحمدية))، وأراد أن يكون أهم عمله في كتابه ((فقه السيرة)) هو الإقدام على إزالة بقية الأطلال القائمة لتلك المدرسة. وفي ضوء ذلك حدد منهجه ابتداء، في ضرورة دراسة حياة النبي محمد (ص) كنبي مرسل من قبل الله لا كعبقري عظيم أو قائد خطير أو داهية محنك، لأن مثل هذه المحاولة من وجهة نظر البوطي ليست إلا معاندة أو معابثة للحقائق الكبرى التي تزخر بها حياة محمد (ص)، ولذا أنكر الاستسلام لمن يدعي بان المعجزة الوحيدة في حياة النبي (ص) هي القرآن وحسب من دون غيرها من المعجزات.
والحق مع البوطي في ضرورة دراسة سيرة النبي (ص) كنبي مرسل لأن من أهم الشروط التي يمكن أن يتوفر عليها الباحث في حقل السيرة هو الاعتقاد بالنبوة أو على الأقل احترام البعد الغيبي في هذا المقطع الزمني، وإلا فقد تكون النتائج مقلوبة وذات وجهة أخرى غير الوجهة التي تراد. ولكننا مع تحفظنا على بعض مقولات هيكل ووجدي.. لا نجد ما يوحي بإنكارهم البعد الغيبي في حياة النبي محمد (ص)، بل إن أهم ما انعقد له البحث عندهم وخاصة فريد وجدي هو الدفاع عن نبوة محمد (ص) أمام شبهات المستشرقين وتحديات العلم الحديث وطغيانه. ويمكن أن نقول إن البوطي نأى بكتابه عن نمط الدراسات التاريخية التي تهتم بالوقائع التأريخية المجردة والسرد القصصي، لأن الغرض من دراسته هو أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته (ص) بعد أن فهمها مبادئ وقواعد وأحكاماً مجردة في الذهن، أي أن دراسة السيرة النبوية من وجهة نظر البوطي ليست سوى عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كاملة في مثلها الأعلى محمد (ص).
ومن حيث الإطار العام للسيرة لا يختلف البوطي عن غيره من الباحثين السابقين والمعاصرين، إذ لم يشذ عن المنهج الزمني المتبع والشائع في دراسة السيرة النبوية، ابتداء بالموضوعات التمهيدية للسيرة ومنها الوضع الاجتماعي والاقتصادي والديني.. للجزيرة العربية قبل فجر النبوة مروراً بولادة النبي وحالاته الأخرى، وحياته الجهادية ودعوته، وانتهاء بوفاته (ص).
وقد أضاف البوطي فصلاً في الطبعات الأخيرة لكتابه تناول فيه حياة الخلفاء الراشدين.
هنا تبدو مصادر البوطي متنوعة إلى حد ما، ولكنها ليست بالكثيرة، فقد اعتمد على عدد محدود من السير، من قبيل سيرة ابن هشام وابن سعد وسيرة ابن سيد الناس، كما اعتمد على المجاميع الحديثية كصحيح البخاري ومسلم ومسند احمد. واقتصاره على هذا العدد المحدود لا يخلو من دلالة.
ومن حيث الصور المنهجية للبحث، فقد يبتعد عن منهج الشيخ الغزالي في ((فقه السيرة)) ذلك المنهج الذي يسترسل فيه الغزالي مازجاً بين الواقعة التاريخية وعبرها وفقهها، ولكنه يقترب وقد يكون مقلداً من الدكتور السباعي الذي أشرنا إلى منهجه، وهو يقسم بحثه إلى قسمين أولهما للبحث التاريخي، وثانيهما للعبر والدروس والعظات.
وكما لاحظنا على الدكتور السباعي قلة مادته التاريخية فالملاحظة نفسها ترد على الدكتور البوطي، فالأخير لا يهمه كثيراً التتبع التاريخي، وإنما هو انتقائي في مجال التاريخ يعمد إلى نص ويغفل النصوص الأخرى، وبخاصة تلك المتعارضة أو محل نزاع، بل لا تعثر على حوادث مهمة ذات مغزى أو دلالات كبيرة، من قبيل حديث الدار أو الوزارة، ذلك الحدث المبكر الذي سجله لنا التاريخ وخاصة الطبري عندما دعا رسول الله (ص) بأمر الله تعالى عشيرته للإيمان والمؤازرة فلم يعلن عن مؤازرته سوى علي وبدعم من أبي طالب. وفضلاً عن ذلك فقد أهمل الإشارة إلى حديث الغدير أيضاً.
وفي الوقت الذي يغفل تماماً حادثة غدير خم تاريخاً وعبرةً ودرساً، يؤكد وبشكل كامل وبالغ الأهمية على الأولوية التي أولاها رسول الله (ص) لأبي بكر ويحاول أن يجد في النصوص ما يؤكد ذلك أو يعينه عليه ليعثر على ما نقل عن رسول الله(ص): ((إن آمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر)).
بل يعده وغيره بمثابة النص على استخلاف رسول الله (ص) لأبي بكر. ولم يلتفت البوطي إلى ما نقله عن ابن اسحاق وأحمد بن حنبل عن مقدار مال أبي بكر وهو يخرج مهاجراً إلى المدينة حيث بلغ كله خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم. وهو مقدار لم يبلغ ما قدمته خديجة لرسول الله (ص).
ومن الطريف أن البوطي وهو ينعى على خصومه لجوؤهم إلى الحديث عن أولوية علي بن أبي طالب (ع) في الخلافة، لا يجد غضاضة في اقتناص الدروس والعبر من حديث هنا وحديث هناك عن أولوية أبي بكر في خلافة رسول الله (ص).
وقد تميز بحث الدكتور البوطي بنزعة فكرية وفقهية، فقد عالج عدداً غير قليل من قضايا الفقه والفكر وبعضها كان جاداً وساخناً، وقد برزت شخصيته كباحث ناقداً ومدققاً، ولكنه على مستوى البحث التاريخي، وفي إطار السيرة تحديداً استسلم لعدد غير قليل من المقولات الشائعة، ومن ذلك موقفه من حديث شق الصدر، وحديث عائشة عن نزول الوحي على النبي (ص) وكيفيته، ودور ورقة بن نوفل في ذلك، وحديث سحر النبي أيضاً. بل إن خبر سحره (ص) عند البوطي يدخل في جملة الخوارق التي أكرم الله بها رسوله (ص)، فهو ليس مثار نقيصة له، وإنما هو دليل جديد من أدلة إكرام الله له وحفظه إيّاه.

الاتجاه الثالث لا يختلف اثنان في أن السيرة النبوية تشكل إحدى أهم الركائز الإسلامية بعد كتاب الله، وهي بهذا المركز لا بد من أن تكون موضع عناية واهتمام شديدين، وأن لا تكون موضع عبث العابثين أو المتطفلين، وبخاصة هؤلاء الذين لا يحسنون التعاطي معها فيسيئون إليها من حيث لا يشعرون.
وانطلاقاً من هذه الحقيقية اهتمَّ عدد كبير من العلماء والباحثين قديماً وحديثاً بالسيرة تدقيقاً وتحقيقاً بغية الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الاطمئنان إلى حقائق التاريخ النبوي، بعيداً عن الاضافات والاختلاقات. ولم يدخر القدماء والمحدثون من المحققين جهداً لتحقيق هذا الغرض الكبير. وثمة عدد كبير من المحققين في القرن الميلادي الأخير مما هو يرتبط بموضوعنا من أمثال السيد هاشم معروف الحسني في ((سيرة المصطفى نظرة جديدة))، والسيد جعفر مرتضى العاملي في ((الصحيح من سيرة النبي الأعظم))، والشيخ جعفر سبحاني في ((سيرة سيد المرسلين))، والدكتور محمد بيومي مهران في ((السيرة النبوية الشريفة))، والدكتور أكرم العمري في ((السيرة النبوية الصحيحة))، والدكتور محمد أبو شهبة في ((السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة))، والدكتور عماد الدين خليل في ((دراسة في السيرة)) والدكتور حسين مونس في ((دراسات في السيرة)) وغير هؤلاء كثر، لا يسعنا ملاحقة نتاجاتهم الفكرية ودراساتهم التاريخية، وإنما نكتفي برصد بعض هذه الدراسات ومحاولة اكتشاف المعالم العامة لها وقيمتها المعرفية والعلمية.
سيرة المصطفى السيد هاشم معروف الحسني كان همه كشف ما الحق بالسيرة النبوية من زيف وتشويش على يد المحبين والاعداء والحاكمين، ويبدو أنّه تعامل مع مصادر السيرة بحذر منهجي على خلفية دوافع اربابها وانتماءاتهم السياسية والمذهبية، وسجل تحفظه على تضخم ملف الخوارق في السيرة النبوية وترهله، من دون أن يبالغ في نفي المعجزات والخوارق، ففي الوقت الذي نفى فيه عددا من المعجزات والكرامات التي سطرتها بعض مصادر السيرة، وكمثال على ذلك، تحفظه على كرامات النبي (ص) في سفره إلى الشام في تجارة خديجة أو مع عمه ابي طالب، فانه تعاط ى على حذر مع حادثة شق الصدر فقد ردّها إثباتاً أي على مستوى الأدلة دون أن ينفها ثبوتاً على مستوى الإمكان ومثل ذلك حديث بحيرا الراهب فإنه لم يستبعد أصل القصة ولكنه نبه على طبيعة الاختلاق والوضع في التفصيلات.
ولكنه في السياق نفسه ذكر حادثة سجود الشجر للنبي(ص) دونما تحفظ، وقد ردَّ على الشيخ محمد عبده تأويله لحادثة طير الابابيل وتدميرها جيش ابرهة الحبشي، لأنه عدول عن ظاهر القرآن بغير شاهد ودونما مبرر علمي.
من جهة أخرى لم يخرج السيد الحسني في سيرته عن الإطار التقليدي السائد، فقد جاء بحثه حولياً، وقد مهّد لبحثه بمقدمة عن حياة العرب وأحوالهم، ونفى أن تكون حياتهم كما صوّرها بعض الباحثين خالية من الإبداع والحضارة والقيم، ولكنه بالغ في ما وصفه بالتحرك العربي للإصلاح.
والحقيقة أنه بنى ذلك على معطيات لا تفي بالغرض، وهي بالأصل مرويات أهل الأخبار، وهي ليست ذات قيمة كبيرة تاريخياً كما هو المعروف، ولعل موقفه من قصة نذر عبد المطلب ربما يوحي بالحذر، وقد يكون ناشئاً من طبيعة المصدر التاريخي الذي يعود إلى أهل الأخبار.
وعلى الرغم من الحس النقدي الذي تميز به السيد الحسني فانه لم يتردد في تسجيل بعض المقولات التاريخية السائدة دونما تحفظ، مثل العداء التاريخي بين الهاشميين والأمويين والأصل التكويني لذلك، وحليمة السعدية وابائها النبي (ص) أول الأمر ليتمه ثم قبوله إذعاناً للأمر الواقع.
ولكنه سجل ملاحظات قيمة على عدد من المقولات التاريخية الذائعة الصيت، ومن ذلك عمل النبي بالرعي ولم يستبعد أن يكون الأصل في ذلك روايات ابي هريرة ولا يخفى على أحد عمله بالرعي وما يعنيه ذلك بالنسبة له أمام تعيير بعضهم له، هذا فضلا عن طبيعة الاشياء التي تستبعد انشغال النبي(ص) بعمل من هذا النوع وهو حفيد عبد المطلب وابن اخي ابي طالب، مع اهتمامهما به وخوفهما عليه. كما عالج قضية غاية في الاهمية وهي سن أمير المؤمنين (ع) حين إسلامه، وقد رجح أن يكون عمره يومذاك أربعة عشر عاما بناء على المعطيات التاريخية التي توكد أنّه انضم إلى النبي (ص) وهو ابن ثماني سنين وعاش معه سبع سنين إلى أن أتى جبرئيل النبي (ص) بالوحي. وبهذه الحقيقة ينظر إلى التمحلات التي اخترعها بعض الكتاب بريبة، تلك التي حاولت الجمع بين إسلام علي (ع) المبكر وإسلام ابي بكر المبكر أيضاً وفاقاً لبعض الروايات فصنفوا علياً أول المسلمين في الصبيان وأبا بكر أول المسلمين في الرجال، وردّاً على تخرصات بعض الحاقدين في التقليل من شان إسلام علي(ع) وهو صبي ابن سبع سنين كما يدعون.
وقد ناقش في روايات الأذان والإقامة ودور عمر بن الخطاب في ذلك، ورجح أن تكون من موضوعات الامويين والمنافقين للإيحاء للمسلمين بأن التشريعات التي أتى بها رسول الله (ص) كانت من وحي المنامات، وكان يشترك معه عمر بن الخطاب في تشريعها، ولكن نفيه لم يكن بدافع طائفي مذهبي، فقد رد في مجال آخر الروايات التي تناقلتها بعض المصادر وادعت أنّ الصحابة ومنهم عمر وابا بكر شربوا الخمر بعد تحريمها، وذكر أن تحريم الخمر كان في عهد مبكر وقبل هجرة النبي(ص) إلى المدينة كما اشار إلى روايات شرب حمزة عم النبي الخمر وكشف انها من صنع الزهري وقد وضعها للأمويين.
وقد عالج الحسني في كتابه (سيرة المصطفى) حديث الافك معالجة غاية في الدقة، تنبئ عن حسّ نقدي عالٍ، وعلى هامش حديث الافك أشار إلى ضعف أسانيد الروايات التي نصت على أن النبي (ص) لم يكن ليغزو الا ومعه الواحدة أو الاثنتين من نسائه.
بحثان مهمان يبقى أن نشير إلى بحثين مهمين أحدهما للدكتور أكرم العمري في ((السيرة النبوية الصحيحة)) وثانيهما للدكتور محمد ابو شهبة في ((السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة)).
عى الاول لدراسة السيرة ومقولاتها التاريخية وفقاً لمقاييس الصحة السائدة بين أهل الحديث، ويبدو أن بحثه الأهم من نوعه والأكثر حظاً من غيره في النجاح، ولكنه لم يشأ الخروج على ما هو سائد وشائع عند المحدثين. أما الثاني فهو أقل ابتكاراً ونجاحاً من سابقه ولكنه الأكثر سعة وإحاطة بيد أنّه وإن حافظ على متابعة المحدثين لم يأتِ على الأسانيد أو إحاطة القارئ علماً بقيمتها العلمية عندهم. وسلك كل من العمري وأبي شهبة الإطار التقليدي للسيرة شكلاً والسائد التاريخي مضموناً.
البحث الأكثر جرأة وتحرراً وقد كان الدكتور محمد بيومي مهران الأكثر جرأة وتحرراً في مدرسة أهل السنة، فقد جاء بحثه: ((السيرة النبوية الشريفة)) محافظاً من جهة، وبخاصة من حيث الشكل، وسالكاً، من جهة أخرى سبيل الحقيقة والواقع.
وربما يكون من المناسب دراسة بحثه الذي يستغرق ثلاثة مجلدات، فقد قدم الدكتور مهران لبحثه بدراسة وافية تبين موضوعه ومدى حيويته وحضوره في حياة المسلمين، كما حدّد مصادره التي أرجعها إلى القرآن الكريم والحديث وكتب الدلائل دلائل النبوة وكتب الشمائل، وكتب السير والمغازي. وفي القسم الخامس أشار إلى تطور كتابة السيرة ومراحلها تأريخياً. وعلى العموم كانت مقدمته تلك مفيدة وهامة، وإن كان يمكن تسجيل عدة ملاحظات عليها قد يكون اهمها اصل التقسيم الوارد في مصادر السيرة وحصرها في خمسة، فانه قد يقال برجوع هذه الاقسام إلى ثلاثة: القرآن والحديث والسير والمغازي، أما كتب الدلائل والشمائل فهي بالمحصلة اما من الحديث أو السير.
ما أشرنا إليه لا يقلل من أهمية البحث فقد كانت مصادر الدكتور بيومي متنوعة للغاية، ما أضفى على بحثه قدراً كبيراً من الدقة والوثاقة والنزاهة.
تميز بحث الدكتور بيومي بنزعة نقدية واضحة، خاصة في تلك المسائل التي كانت ولا تزال مثار البحث والجدل، وقد تكون في مقدمتها المسائل التي ترتبط بالنزاع المذهبي.
وكنموذج نشير إلى موقفه من مسألة إيمان أبي طالب، فإنّه يعقب على رأي أبي زهرة وهو يرى إيمان أبي طالب قائلاً: ((وأما آخر الحديث عن أبي طالب فيكفي فيه القول أنّه كان يحب رسول الله (ص) حباً جماً، وكان رسول الله(ص) يبادله هذا الحب ويعامله كما يعامل ابن أباً، كما كان أبو طالب يعامل النبي (ص) كما يعامل أب ابناً، وليس أدلّ على قولنا هذا من قول المصطفى (ص) لعقيل ابن ابي طالب: ((أحبك حبين، حباً لقرابتك، وحباً لما كنت أعلم حب عمي إياك)) وهذا يدلّ بوضوح على أنّ النبي (ص) لم يكن يحب عمه فحسب، بل كان يحب كذلك من يحبه أبو طالب، فهل كان النبي(ص) يحب كافرا هذا الحب كله، لست أدري ما رأي المنادين بكفر أبي طالب في هذا كله)).
إنما الأهم الذي يشير إليه الدكتور بيومي هو الخلفية الحقيقية لأحاديث كفر أبي طالب، وتلك إشارة منهجية مهمة، يقول: ((أرجو ألا يغيب عن المحدثين بكفر أبي طالب أن سيرته قد سجلت على أيام الأمويين والعباسيين وهم أعدى أعداء أبي طالب وذريته)).
نشير إلى مفارقة منهجية ارتكبها الدكتور محمد أبو شهبة في قضية أبي طالب فقد قال: ((فالصحيح الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان وغيرهما، وأما ما روي من أنّه أسلم فهي روايات ضعيفة موضوعة)).
لعل أبو شهبة لا يدرك مبرر الوضع إلا بطريقة معكوسة! وثمة حادثة ذات صلة بالموضوع، وهي لجوء الهاشميين بزعامة أبي طالب إلى الشعب، هذه الحادثة كانت مثار مناقشة من الدكتور البوطي، إذ تساءل عن فائدة اعتصام الهاشميين وما حققوه من اعتصامهم للنبي (ص) محاولاً تكييف موقفهم بأنّه محاولة لحماية شخص النبي (ص) لا الرسالة.
علق الدكتور بيومي على ذلك فقال: ((ولست أدري ماذا كان يريد الشيخ البوطي من بني هاشم أن يفعلوا؟ هل كان يريد لهم أن يتخلوا عن رسول الله(ص) ويسلموه لكفار قريش ليقتلوه، وهل كان في إمكانهم أن يفعلوا أكثر مما فعلوا، إنّهم حموا رسول الله (ص) من كل غادر لئيم أو فاجر زنيم وأتاحوا له (ص) الفرصة لينشر دعوته، بل إن البوطي نفسه يقول بعد ذلك في: (فقه السيرة) إن حزن الرسول (ص) على عمه وتسمية عام موته بعام الحزن لا لفقد قريب استوحش فقده، ولكن بسبب أن ما أعقب موته من انغلاق معظم مجالات الدعوة في وجهه، فقد كانت حماية عمه تترك له مجالات كثيرة للدعوة..)).
وإذا كان المنهج النقدي غائباً عند الدكتور بيومي، فأوضح من ذلك تحلله من طغيان القيد الطائفي والأسر المذهبي، فقد عالج مسائل حادة ذأت شأن مذهبي قلما يجتازها الباحث بنجاح، تجاوزها الدكتور بيومي برباطة جأش وشجاعة فائقة، فلم يعمد إلى المنهج الانتقائي في تسجيل الأحداث وتحديدها وتشخيص حقيقتها وطبيعتها، وإن كانت لا تنسجم ربما مع مذهبه، كان ذلك واضحاً في مسائل شديدة الحساسية، من قبيل ((من كان أول الناس إسلاماً)) فقد أشار إلى إسلام علي (ع) المبكر وأسبقيته، ولم يلجأ إلى تلك المحاولات المهترئة التي تحاول الجمع بين الأخبار التي ظهرت لأسباب مذهبية ((340))، بل لا يجد غضاضة في القول أنّ رسول الله (ص) مات في حجر علي (ع)، دون أن يلتفت إلى روايات انتشرت وذاعت في مدرسة أهل السنة صرفت ذلك إلى حجر عائشة.
وفي السياق نفسه لم يشأ لنفسه أن يغفل أحداثاً هامة اغفلها آخرون تأثراً بانتمائهم المذهبي، فقد سجل حديث الدار والوصية والنداء المبكر الذي صاحب أمر الرسول بإنذار الأقربين ومثله حديث الغدير فقد أتى عليه وافياً بحقّه من دون أن يحاول صرفه إلى حادثة اليمن كما فعل آخرون.
ومع نزعته النقدية الواضحة فقد غاب حسه النقدي عن التعليق على عدد من المقولات التاريخية، وجاء بحثه خلواً منها من قبيل دور ورقة بن نوفل في نزول الوحي على النبي (ص) وحادثة شق الصدر التي حاول تسويقها كثيراً وتلمس الأسباب والدوافع لها، كما جاء موقفه من سحر النبي (ص) غامضاً اكتفى معه بنقل الأقوال وملاحقة آراء العلماء.
بحثان متميزان في خاتمة الحديث عن الاتجاه الثالث ننوه إلى بحثين متميزين إلى حد ما، وبخاصة من حيث الإطار الذي سارت عليه الأحداث، ويقف في المقدمة كتاب ((دراسة في السيرة)) للدكتور عماد الدين خليل، ويأتي بالدرجة الثانية كتاب ((دراسات في السيرة)) للدكتور حسين مونس، فقد حاول الأول إدخال تغيير منهجي كبير، فقد أفلت من الخط الزمني لأحداث السيرة، ذلك الخط الذي وقع في أسره معظم الباحثين من وجهة نظر عماد الدين خليل فضاعت في مجراه حقائق، وطمست دلالات وقيم، ما كان لها أن تضيع أو تنطمس لو قسمت وقائع السيرة إلى وحدات متجانسة خصصت لكل وحدة منها مساحة مناسبة في البحث، استقصيت فيها سائر جوانبها ونسقت جل وقائعها، وحللت معظم دلالاتها وقيمها.
أما المجرى الزمني فانه ومن وجهة نظر عماد الدين خليل يدفع الباحث إلى أن يحشر في النقطة الواحدة أو المقطع الواحد مجموعة احداث ووقائع متنافرة غير متجانسة ويلجئه أحياناً اخرى إلى تقطيع الواقعة الواحدة إلى اجزاء متناثرة لا يضمها إطار واحد ولا يوحدها تجانس نوعي.
هذا المنهج أكسب بحث الدكتور خليل فرادة خاصة، وبسببه استطاع أن يقدم صوراً متكاملة لأكثر من حدث وأكثر من علاقة في وقت تعرض هذه الأحداث والوقائع والعلاقات كأشلاء متناثرة يصعب على القارئ بل الباحث أحياناً جمعها وربطها بشكل موضوعي. ولعل أهم أبحاث كتابه فصل ((الصراع مع الوثنية)) وفصل ((العلاقات بين الإسلام والجبهة البيزنطية النصرانية)) وفصل ((الصراع مع اليهود)).
أما بحث الدكتور مونس فربما يقترب من بحث الدكتور خليل، ولكن لا يرقى إليه من حيث التجانس والترابط الموضوعي، إلا أنّه من جهة اخرى توفر على دراسة عدد من المسائل بالطريقة نفسها، وخاصة معارك الرسول(ص) ودعا إلى دراستها كتلة واحدة بعيداً عن التعليلات التي تقدمها السير والمغازي.
ما انصرف إلى دراسة التاريخ الحضاري في عهد النبي (ص) والتأكيد على كشفه. ومع ذلك فقد اشتمل بحثه على استطرادات هامة وتحقيقات قيمة، وبعضها لا يخلو من غرابة، إلا أن أخطرها وهو يتحدث عن الشخصيات التي أسهمت في تكوين شخصية النبي (ص) من أجداده ما نسبه إلى عبد المطلب، فوصفه برجل الدين والعقيدة، وإنه كان أقرب إلى الكهان في خلقه وطريقته في تصريف الأمور، وانه هو الذي جعل الكعبة مركزا للوثنية العربية وجعل القبائل تضع نماذج من تماثيل معبوداتها حول الكعبة!!

4- الاتجاه الماركسي تناولت عدة اقلام ماركسية السيرة النبوية بالبحث والدراسة، بعضها كان على هامش دراسة قضايا ذات صلة بالسيرة النبوية، وبعضها الاخر تناولها على نحو مستقل. وليس ثمة ما يوحي بالغرابة فللماركسيين نظرتهم الخاصة ورويتهم الفكرية المميزة، فلا عجب ان يسجلوا موقفهم من ظاهرة النبوات بشكل عام، ونبوة محمد (ص) ورسالته، تلك التي لا زالت حاضرة بقوة في العالم الإسلامي المترامي الاطراف.
وكما كتب المستشرقون على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والإقليمية والدينية في حقل السيرة، فقد كتب مستشرقو الماركسية في هذا الحقل الهام أيضاً، ومثلما كان معجبون ومقلدون للمستشرقين الغربيين، فقد كان للمستشرقين الماركسيين معجبون ومقلدون أيضاً، وهؤلاء المعجبون متحمسون جداً لا للاستشراق الماركسي وحسب، بل وللاستشراق بكل انوعه، وتنوعاته، ما دام يحقق هدفا نبيلا من وجهة نظرهم، وهو رد الإسلام ونبوة محمد (ص) إلى معطيات دينية سابقة: النصرانية واليهودية بل المانوية.. أو معطيات بيئية.
وكان من الطبيعي أن تنطلق المدرسة الماركسية في تفسير ظاهرة النبوة بشكل عام وظاهرة الإسلام ونبوة محمد (ص) بشكل خاص من منطلقات ماركسية وبادوات ومقولات ماركسية، ولذلك تبدو مقولات الاقتصاد وتقسيم المجتمع إلى بروليتاريا وبرجوازية الخ.. حاضرة بقوة وذات كثافة أيضاً.
لسنا بصدد مناقشة هذه المقولات أو مدى صحة تطبيقها في هذا الحقل فلذلك مجال آخر، إنما نحدد المعالم الرئيسية لهذا الخطاب وآلياته مما يساعد على الكشف عن الأهداف المحركة للبحث.
لعل آخر ما صدر للماركسيين العرب في حقل السيرة ما كتبه سيد قمني في كتابه ((حروب دولة الرسول)) من جزئين، وما كتبه الدكتور طيب تيزيني في كتابه ((مقدمات اولية في الإسلام المحمدي الباكر)).
وسنقتصر على الإشارة إلى المعالم الرئيسة لـ ((مقدمات اولية في الإسلام المحمدي))باعتباره النموذج الأكمل والأكثر حداثة في هذا الحقل، على أن نعمد في سانحة أخرى لمناقشتهما معاً في دراسة مستقلة.
بغية تفسير ظاهرة الإسلام يكثف (تيزيني) أدوات الماركسية ومقولاتها وبطريقة لا تخلو من مهارة، ويعمد إلى تكثيف نصه ومحاولة تحشيده بالاصطلاحات الحديثة بل والاشتقاقات المحدثة ايضا. وهنا نعترف للدكتور تيزيني بالاطلاع الواسع على التراث العربي الإسلامي، على خلاف عادته في بحوث أخرى يبدو فيها ساذجاً وسطحياً إلى درجة كبيرة، ومع ذلك فإن تعاطيه مع هذا التراث المترامي الأطراف يشي بضعف منهجي وتدنٍّ ظاهر في حقل التراث وقيمته وطرق الوثوق به أو التعاطي معه.
انطلاقاً من القاعدة الماركسية لتيزيني يدور بحثه حول قضية مركزية للكتاب، هذه القضية التي يمكن أن توجه كل المسائل التفصيلية باتجاهها وعلى ضوئها، وبفضلها يمكن تقديم صياغة نظرية لنشأة الإسلام وتأسيسه على يد نبي الإسلام محمد (ص)، تنسجم والروى الماركسية وتفسيرها للظواهر الاجتماعية.
من وجهة نظر (تيزيني) تعد الجاهلية مقدمة للإسلام وليس ثمة مصدر رئيس وهام سواها، فالإسلام اذن نشأ وولد من احشاء ما قبل الإسلام والمصطلح عليه بالعصر الجاهلي. وبكلمة أخرى فان الجذر الاساس لظاهرة الإسلام ونبوة محمد هو التوحيدية ذات الطابع ((الأقوامي العربي)) التي حملت واكتسبت تعبيراً خاصاً عرف بالحنيفية. وليس ثمة اختراق خارجي لمكة دعاها إلى هذه التوحيدية، بل هي اختراع داخلي لغرض ردم العوائق التي اخذت تهدد حاضرة مكة اقتصادياً وتنذر بسقوطها، كان نتيجته العثور على صيغة توحيدية تلبي حاجة الاقتصاد المكي.
هذا الابداع الذي توفر عليه (تيزيني) وان لم يكن يصرح بانه كان بتأثيرات ((يوهان فك))وبوحي منه، فانه لم يخفِ إعجابه بأفكاره التي حملها كتابه ((الثقافة العربية والإسلام في العصور الوسط ى))، وبخاصة تلك التي فسرت ظاهرة الحنيفية.
((يوهان فك)) ليس وحده الذي ترك بصماته واضحة في بحث (تيزيني)، فثمة اسماء لامعة لمستشرقين معروفين سجلت حضورها بقوة في بحث (تيزيني) من أمثال (بيتروشيفسكي وفلهوزن وبلاشير وبروكلمان وحبيب).. وإن أوتي (تيزيني) القدرة على الايحاء لقرائه، وبلباقة بجدة بحثه وطراوة أفكاره ورواه المبتكرة.
ولغرض تمرير هذه الفكرة الاساسية لبحث (تيزيني) يحاول التأكيد على عمق الاتجاه التوحيدي في مكة باعتباره تياراً أو فرقة دينية ذات كيان متميز ومستقل، بل وينفي أن يكون مكة (ترسانة) وثنية، ويرفض أن تكون كذلك، والحال ان مكة من وجهة نظره كانت مزدهرة بالاتجاه التوحيدي المعبر عنه بالحنيفية.
وإذا كان الحجاز، ومكة تحديداً، مزدهرين بالاتجاه التوحيدي فلا غرابة بظهور دعوة محمد (ص) إلى التوحيد وتبني الإسلام، فهو حالئذ إفراز طبيعي لهذه الاتجاه ونتيجة حتمية له.
هنا لا يقدم الدكتور (تيزيني) معطياته وشواهده المكثفة على قوة حضور هذا الاتجاه ومدى تجذره في مكة على الأقل، بل على العكس تماماً ينساق مع المصادر التاريخية التي تؤكد حضور الوثنية بقوة ثقتها في مكة وخارج مكة. بل يؤكد بناء على أخبار غير ذات قيمة أن النبي محمد (ص) كان على ملة قومه يعبد الأوثان، من غير أن تبدو المفارقة (لتيزيني) أو يحتملها.
هنا اشير إلى طبيعة المنهج الانتقائي (لتيزيني) الذي يحاول التشبث باي معط ى دون ان يلتفت إلى المعطيات الاخرى، بل واستنتاجاته منها ايضا، فهو في الوقت الذي يوكد على الطابع المحلي للحنيفية ونفي أو التقليل من التأثيرات الخارجية، لا يجد غضاضة في تفسير بعض حالات النبي(ص) في الحقبة الإسلامية الأولى بناء على تأثيرات خارجية بعيداً عن الحنيفية الصافية، بل تبدو الحنيفية عنده في هذا المقطع إفرازاً خارجياً ومظهراً من مظاهره.
يلاحظ على (تيزيني) حديثه عن مؤامرات خطيرة ومخططات كبيرة حاكها ورقة بن نوفل بمعونة خديجة لاستدراج محمد (ص)، وحديثه عن تأثيرات ورقة وعداس وبحيرا.. كل ذلك بناء على معطيات غير مسلمة وغير واضحة حتى، بل شكك فيها وقلل من شأنها مستشرقون لا تهمهم نبوة محمد (ص) إن لم يهمهم هدم الإسلام والنيل من نبيه.
وننوه هنا إلى الطريقة الالتقاطية التي اتبعها (تيزيني) في تعامله مع الأخبار، وهي طريقة تذكر بأسوأ ما عرفه تاريخ الاستشراق من تعصب وكذب واستهتار بالمنهج العلمي، فيعمد إلى التهويل ومحاولة اسباغ القيمة العلمية المرموقة على مصادر عرفت بالاختراقات الاسرائيلية لها وتأثرها بالطابع الأسطوري، ومن ذلك كتب الأصنام للكلبي الذي نقل منه عبادة النبي (ص) للأوثان، وكتاب ((السيرة الحلبية)) الذي ازدحم بالغث والسمين، ولم يكن في يوم من الأيام موضع اهتمام الباحثين إلا لمثل (شبرنكر وكيتاني ولامنس).
وطريقة (تيزيني) تذكر بطريقة (شبرنكر وكيتاني ولامنس) بتعويلهم على الاخبار الضعيفة والغريبة دونما اعتبار لموازين الصحة والسقم التي اعتبرها العلماء ومدى اختلافهم فيها أيضاً، وربما فاقهم في ادعاءاته الكبيرة وتهويلاته الضخمة كما في قصة الغرانيق وقصة بحيرا، بل وقصة عداس التي عدها من القضايا المتواترة((360))، وهي قضية لم يرد فيها حديث صحيح.
وقد تبدو تحليلات الدكتور (تيزيني) ضرباً من التخيلات والأوهام وربما تقترب من الهلوسة، ويصلح شاهداً تنظيره لموقف النبي محمد (ص) من الأعراب، فيرى تيزيني انه موقف محكوم بتطور تجربة محمد وخبرته وتعمق هذه الخبرة، ففي وقت من الاوقات رأى محمد في الأعراب الكفر والنفاق، ولكنه في وقت آخر وبتعمق التجربة المحمدية يلاحظ أن التعميم لم يكن صحيحاً، فوجد فيهم من يؤمن بالله ورسوله. وقد تحدث عن النسخ الذي كان محكوماً هو الآخر بتطور هذه التجربة وتعمقها.
هنا قد يبدو للقارئ أن الآيات التي تحدثت عن الاعراب متفرقة ونزلت على فترات متقطعة، ليوحي ذلك بتطور الموقف أو تعمق التجربة المحمدية على رأي (تيزيني)، إلا أن الآيات كما هو الواقع للأسف لم تكن كذلك وهي نزلت دفعة واحدة وفي سورة واحدة وهي سورة التوبة، والتي تحدثت لا عن الأعراب كبدو ونفاقهم بل عن الحضر ونفاقهم ممن كان في المدينة وفي الآن نفسه.
خاتمة الاتجاهات المنوه بها عدا الاتجاه الماركسي تشترك جميعها في الدفاع عن الإسلام ونبوة محمد (ص)، وان اختلفت في مدى مصداقية هذا الهدف وصدقية الاليات المستخدمة.
ولولا بعض الملاحظات هنا وهناك على هذا الاتجاه أو ذاك لأمكن القول بضرورتها منهجياً وعملياً، فإنها أكسبت حقل السيرة تنوعاً في المحصلة يعود بالنفع عليه ويخدمه، ومع هذا التنوع برزت كأروع ما تكون إنسانياً وإسلامياً، تأريخياً وحركياً، تحقيقاً ووعظاً.
ولكن مع ذلك لابد من الاشارة إلى بعض المفارقات هنا وهناك التي تفتقر إلى إعادة النظر والدراسة الموضوعية النزيهة:
1- بروز الطابع الطائفي في أبحاث السيرة ما أثقلها بظلال الطائفية وشوه بعض أبحاثها، بل وأهم مفاصلها أحياناً. ويبدو ذلك في عدد من المقولات التاريخية التي لا ينفك كتاب السيرة في إعادة تحريرها واجترارها دونما تحقيق أو تمحيص، وقد أشرنا إلى بعضها في مطاوي البحث.
وفي الوقت نفسه تغيب وقائع تاريخية هامة أو تذكر بطريقة هامشية، ولعل أوضح مثال على ذلك ((واقعة الغدير)) التي تعد أهم واقعة تاريخية في حياة رسول الله (ص) أو على الأقل أبرز واقعة تاريخية في سني عمر رسول الله (ص) الأخيرة، فقد أهملت السير الحديثة ذكرها تماما كما هو الحال في ((حياة محمد)) لهيكل، و((السيرة المحمدية)) لفريد وجدي، و((فقه السيرة)) للغزالي و((فقه السيرة النبوية)) للبوطي... أو تذكر بطريقة هامشية جداً وبطريقة محرفة كما هو الحال في ((السيرة النبوية)) لمحمد ابو شهبة و((السيرة النبوية الصحيحة)) للعمري.
وقد لاحظ الدكتور حسين مونس بحق على كتاب السيرة من المنتمين إلى أهل السنة، إهمالهم لدور علي بن ابي طالب، وتجاهله، على خلفية الخصومة مع المسلمين الشيعة.
2- لا زالت كتب السيرة اسيرة المنهج التقليدي الحولي، وهو منهج إن كان يخدم السيرة في بعض الحالات يودي إلى تمزيق اوصالها، وتبدو معه وقائع غير مترابطة، ونسيجاً مفككاً لا يجمعه جامع. ولم يشذ عن هذا المنهج سوى عدد محدود قد يكون في مقدمتهم الدكتور عماد الدين خليل والدكتور حسين مونس.
3- غياب أو تغييب المنهج القرآني في دراسة السيرة، وقد الحق هذا الغياب أو التغييب ضرراً فادحاً بأبحاث السيرة ومصداقيتها، خاصة تلك المرتبطة بالعقيدة بشكل مباشر، وقد يكون في مقدمتها ظاهرة الوحي، وكيفية نزول الوحي على النبي محمد (ص)، فقد ظهرت روايات واخبار كان يفترض في الباحثين دراستها وتمحيصها على ضوء القرآن الكريم، غيرانها وللأسف مرت من دون أن تعرض عليه، ولا زالت تلحق الأذى بالسيرة وبنبوة نبينا محمد (ص)، خاصة أخبار ورقة بن نوفل ودور خديجة في ذلك، وللأسف أصرَّ عدد من المسلمين على خلفية تعصبهم لمذهبياتهم الضيقة على هذه الروايات التي لا نجد شاهداً عليها من القرآن، كما لم تصل إلى حد الاستفاضة أو التواتر، والا كيف يمكن أن يصدق أحد المسلمين أن نبينا (ص) أخذ يفكر في الانتحار من شاهق بعد وفاة ورقة بن نوفل، وكأنه (ص) فقد توازنه، وتلك الرواية وردت في صحيح البخاري، ولغرض الدفاع عن صحيح البخاري يلجأ بعض المتعصبين للتشبث بها وإن كانت مما يضر بالإسلام والنبوة.
نشير في السياق نفسه إلى ان بعض الباحثين تنبه إلى ذلك وكشف ضعف الرواية وانها ليست على شرط الصحيح وان وردت فيه، وكم خبر على شاكلته في صحيح البخاري؟! وثمة شواهد اخرى لا تقل خطورة عما ذكرناه، وربما يكون منها حديث سحر النبي (ص) وتعرضه لوطأته، ومن الطريف أن يجعله الدكتور البوطي من الخوارق وكرامات النبي (ص) وقد رده أكابر العلماء ومنهم محمد عبده ومحمد رشيد رضا.
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى ضرورة البحث الدؤوب والجاد في حقل السيرة بعيداً عن الانتماءات المذهبية ومرجعياتها الفكرية الضيقة وتراثها، والانفتاح على مرجعيات أخرى قد تكون أكثر صدقية، وفي هذا الصدد أشير إلى حادثة ((شق الصدر)) التي تعرض لها النبي(ص) أو يقال أنه تعرض لها فإنّها في الوقت الذي وردت في بعض مجاميع اهل السنة الصحيحة، لم ترد في أية رواية عن أهل بيت رسول الله (ص) ما يشير إشارة واضحة إلى طبيعتها وانها قد تكون من اختلاقات الرواة، وبخاصة اولئك المستسلمين من اليهود وغيرهم.
وفي هذا السياق نفسه اشير إلى ضرورة دراسة السيرة بعيداً عن روايات الاخباريين أو على الأقل الاشارة إلى مدى قيمتها علمياً وتأريخياً، لأنها كفيلة بإرباك أبحاث السيرة، خاصة تلك المرتبطة بالنبوة وحياة النبي (ص) ما قبل نبوته.

المصدر: مجلة المنهاج، العدد السادس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com