موقع الصراط ... الموضوع : مراتب التشيع-2
 
الثلاثاء - 4 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مراتب التشيع-2  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 18 / محرم / 1436 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
2- الولاء :
وهي أعلى درجة من الحب فهي تشمل الحب وزيادة، فإذا تمركز الحب في القلب فإن الولاء يتجسد في السلوك قولاً وعملاً ويبذل في سبيله كل شيء فالموالي محب، ونصير، ومتفان، وذائب في ولائه ... فقد يكون الإنسان محباً، ولكن غير ناصر لحبيبه، وهذه أدنى درجات الحب، وأما الموالي فهو محب في أعلى درجات الحب، ولكن هذه الدرجة هي أدنى من درجة التشيع؛ لأن درجة التشيع جوهر الإسلام وروحه: عقيدة، ونظاماً، قلباً، وقالباً، مفهوماً ومصداقاً، فليس كل موال نستطيع أن نقول هذا شيعي، ولكن يمكن أن يقال لكل شيعي محب وموال؛ وذلك لأن التشيع مرتبة شريفة في ذروة الكمال لا يمكن أن يدعيها كل أحد، ولهذا نهى أئمة الهدى (ع) محبيهم ومواليهم أن يدعوها إذا لم يكونوا لها أهلاً ومن هنا كان موقف الإمام الرضا (ع) شديداً على جمع من المحبين عندما ادعوها بغير حق، فقد روى المحدث المجلسي في البحار أن الإمام (ع) حجب قوماً استأذنوا لزيارته والتزود من فيض نوره، لادعائهم أنهم شيعة أمير المؤمنين (ع) وكان قد حجبهم لمدة طويلة، ولما عاتبوه على ذلك قال (ع) لهم: ((لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
ويحكم إنما شيعته الحسن، والحسين، أبو ذر، وسلمان والمقداد، وعمار، ومحمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئاً من أوامره، ولم يركبوا شيئاً من فنون زواجره، فأما أنتم إذا قلتم إنكم شيعته، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، مقصرون في كثير من الفرائض، متهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا يجب التقية وتتركون التقية حيث لابد من التقية، فلو قلتم إنكم موالوه، ومحبوه، والموالون لأوليائه، والمعادون لأعدائه لم أنكره من قولكم، ولكن هذه مرتبة شريفة ادَّعيتموها إن لم تصدِّقوا قولكم بفعلكم هلكتم إلا أن تتدارككم رحمة من ربكم))(45).
ومعنى هذا أن هذه المرتبة التي عبر عنها الإمام (ع) بـ(المرتبة الشريفة) مرتبة عالية من الكمال مصداقها: مطابقة القول للفعل بوعي وإيمان خالص لا يشوبه ريب، ولا شك أنه ليس كل من ادعى التشيع كذلك، إلا من تلا القرآن فأحكمه، وتدبر الفرض فأقامه، وأحيا السنة، وأمات البدعة، وجاهد في الله حق الجهاد(46) واتقى الله حق تقاته، وكان رضوان الله مراده ومرامه في كل قول وفعل، وهؤلاء هم الثلة القليلة النادرة، فهم إذن محبون وموالون ولم يبلغوا درجة التشيع فيجب أن لا يدعوها، لأن الشيعي هو الشخصية التي طهرت من أدران الذنوب، وذمائم الأخلاق وأخلصت لله علمها وعملها. قال رجل لرسول الله (ص): ((يا رسول الله فلان ينظر إلى حرم جاره، فإن أمكنه مواقعة حرام لم يرع عنه، فغضب رسول الله (ص) وقال: ائتوني به، فقال رجل آخر: يا رسول الله إنه من شيعتكم ممن يعتقد موالاتك وموالاة علي، ويبرأ من أعدائكما. فقال رسول الله (ص): لا تقل إنه من شيعتنا فإنه كذب، إن شيعتنا من شَيّعَنا وتَبعنا في أعمالنا، وليس هذا الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا))(47).
وقيل لأمير المؤمنين علي (ع): ((إن فلاناً سرف على نفسه بالذنوب الموبقات، وهو مع ذلك من شيعتكم، فقال أمير المؤمنين (ع): قد كُتِبتْ عليك كذبة، أو كذبتان إن كان مسرفاً بالذنوب على نفسه يحبنا ويبغض أعداءنا فهو كذبة واحدة؛ لأنه من محبينا لا من شيعتنا، وإن كان يوالي أولياءنا، ويعادي أعداءنا وليس بمسرف على نفسه كما ذكرت فهو منك كذبة؛ لأنه لا يسرف في الذنوب، وإن كان يسرف في الذنوب ولا يوالينا، ولا يعادي أعداءنا فهو منك كذبتان))(48).
ومن خلال تتبع الأحاديث والأخبار الواردة عنهم (ع) نجد أن كثيراً من الموالين لأهل البيت (ع) كانوا يتطلعون إلى نيل درجة التشيع ويتمنون أن يعرفوا هل بلغوها أم لا؟ إلا أن أهل البيت (ع) كانوا يحددون المفاهيم العامة لها، ولا يُعَيِّنُونَ المصاديق إلا قليلاً كسلمان الفارسي، وأبي ذر... وغيرهما ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه ممن مضى إلى ربه، وهو ثابت على ولايتهم رغم كل ما لاقاه من أذىً واضطهاد في سبيل ولائه.
قال رجل لامرأته: ((اذهبي إلى فاطمة بنت رسول الله (ص) فاسأليها عني أني من شيعتكم أم ليس من شيعتكم؟ فسألتها، فقالت (ع): قولي له: إن كنتَ تعمل بما أمرناك، وتنتهي عما زجرناك عنه فأنت من شيعتنا وإلا فلا))(49).
وقال رجل للإمام الحسن بن علي (ع): ((إني من شيعتكم. فقال الحسن بن علي (ع): يا عبد الله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعاً، فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم، ومحبيكم، ومعادي أعدائكم، وأنت في خير، وإلى خير))(50).
وقال رجل للحسين بن علي (ع): ((يا ابن رسول الله أنا من شيعتكم، قال: اتقِ الله، ولا تَدَّعِيَنَّ شيئاً يقول الله لك كذبت وفجرت في دعواك، إن شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل(51)، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبيكم))(52).
وقال رجل لعلي بن الحسين (ع): ((يا ابن رسول الله، أنا من شيعتكم الخُلَّص، فقال له: يا عبد الله، فإذن أنت كإبراهيم الخليل (ع) الذي قال الله: ((وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم)) فإن كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا، وإن لم يكن قلبك كقلبه وهو طاهر من الغش والغل، فأنت من محبينا وإلا فإنّك إن عرفت أنّك بقولك كاذب فيه، إنك لمبتلى بفالج لا يفارقك إلى الموت، أو جذام ليكون كفارة لكذبك هذا))(53).
وقال الباقر (ع) لرجل فخر على آخر وقال: ((أتفاخرني وأنا من شيعة آل محمد الطيبين؟ فقال الباقر (ع): ما فخرتَ عليه ورب الكعبة، وغبنٌ منك على الكذب، يا عبد الله، أمالك معك تنفقه على نفسك أحبٌّ إليك؟ أم تنفقه على إخوانك المؤمنين؟ قال: بل أُنفقه على نفسي، قال: فلستَ من شيعتنا، فإننا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحب إلينا، ولكن قل: أنا من محبيكم، ومن الراجين النجاة بمحبتكم))(54).
ولعظمة هذه الأوصاف والعلامات والخصال التي حددها أئمة الهدى (ع) لشيعتهم، والتي شملت كل أبعاد الشخصية الرسالية كسلامة القلب، وزكاة النفس، وكرم الطبع، والعمل الصالح ... الخ كان بعض أصحابهم المخلصين يتخوفون من الله إذا نُسبت إليهم صفة التشيع ويرون أنفسهم أنهم دون ذلك بكثير، ويشعرون بالتقصير الكبير أمام لوازم التشيع والتزاماته.
قيل للصادق (ع): ((إن عماراً الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة، فقال له القاضي: قم يا عمار فقد عرفناك لا تُقبل شهادتك؛ لأنك رافضي، فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء، فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا، فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت ولكن بكيت عليك وعليَّ، أما بكائي على نفسي فانك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي، ويحك لقد حدثني الصادق (ع) أن أول من سمي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا؟.
وإنما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عز وجل على قلبي، وقد تلقّبتُ هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي ، ويقول: يا عمار أكنت رافضاً للأباطيل، عاملاً بالطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك بي مقصراً في الدرجات إن سامحني، وموجباً لشديد العقاب عليَّ إن ناقشني، إلا أن يتداركني مواليَّ بشفاعتهم.
وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي، وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله أن صرَّفتَ أشرف الأسماء إليَّ، وإن جعلته من أرذلها، كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه؟. فقال الصادق (ع): لو أن على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات و الأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات، وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عز وجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة))(55).

3- التشيع :
بعد هذا الاستعراض السريع والمختصر للأحاديث الواردة في صفات الشيعة نعرف إن التشيع مرتبة سامية شريفة تجمع كل معالم الكمال؛ لذلك لا يبلغها الإنسان بمجرد الحب والولاء، وإنما لا بد من تحقق جميع لوازمها ومقتضياتها من: العلم، والإيمان، والعمل الصالح، ومستوى رفيع من الفكر السليم، ونضوج عاطفي في ذروة الكمال، واستقامة في السلوك الرسالي المنير.
وقد أوضح أئمة الهدى صفات الشيعة من خلال ثلاثة محاور رئيسية وهي:
1- محور العلاقة مع الله تعالى:
فالشيعي الخالص هو العارف بالله، الراغب في ثوابه، والخائف من عقابه، والمطيع لأوامره، والمسلم لقدره، والراضي بقضائه والمؤدي لفرائضه، والشاعر بهيمنته، والمؤمن بمعيته، الذي لا يرى مؤثراً في الوجود غيره، فلا يفقدهم الله حيث أمرهم، ولا يجدهم حيث نهاهم ، يقول أمير المؤمنين علي (ع) لنوف البكالي: ((يا نوف شيعتي والله الحلماء، العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر الوجوه من التهجد، عَمَشُ العيون من البكاء، ذُبُلُ الشفاه من الذكر، خمص البطون من الطَّوى، تعرف الربّانية في وجوههم، والرهبانية في سَمْتِهم، مصابيح كل ظلمة وريحان كلِّ قبيل، لا يثنون من المسلمين سلفاً، ولا يَقْفُون لهم خلفاً، شرورهم مكنونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء والناس منهم في راحة، فهم الكاسة الألبّاء، والخالصة النجباء، وهم الروَّاغون فراراً بدينهم، إن شهدوا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا أولئك شيعتي الأطيبون، وإخواني الأكرمون، ألا هاه شوقاً إليهم))(56).
فالشيعي إذن هو العارف بالله تعالى الذي يرى نفسه بعين الله في حله وترحاله؛ ولذا لا يفتر عن ذكره، ولا يتوقف عن عبادته، حتى جعل كل كلمة يقولها، وخطوة يخطوها، ولحظة يرمقها، ولقمة يأكلها لله خالصة، ولا يرجون من ذلك سوى رضا الله تعالى يقول الإمام الصادق (ع): (( ... إنما شيعة علي من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك، فأولئك شيعة جعفر))(57).
وفي حديث آخر، يقول (ع): ((شيعتنا أهل الهدى، وأهل التقى، وأهل الخير، وأهل الإيمان، وأهل الفتح والظفر))(58).
وقال (ع) للمفضل بن عمر: ((إذا أردت أن تعرف أصحابي فأنظر إلى من اشتد ورعه، وخاف خالقه، ورجا ثوابه، وإذا رأيت هؤلاء فهؤلاء أصحابي))(59).

عقيدة الشيعة بالله تعالى:
كل ما تقدم من صفات، وخصال، وأعمال عبادية للشيعة هي نتاج عقيدتهم بالله تعالى التي تنزه الله عز وجل عن التشبيه والتجسيم، والحلول، والتوصيف، والتحديد بزمان أو مكان .
وموجز عقيدتهم بالله تعالى كما اقتبسناها من أحاديث أئمة الهدى (ع) أن الشيعة يقرون بوحدانية الله وربوبيته إلهاً واحداً صمداً لم يتخذ صاحبة، ولا ولداً، هو الأول ليس له في أوليته بداية، ولا في آخريته غاية، لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولا يوصف بأين، ولا مكان قصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه تعالى، لا تصحبه الأوقات، ولا تضمه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده الصفات، ولا تقيده الأدوات، ولا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو إبتداه؟ فتبارك الله الذي لا يبلغه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن فتعالى الله الذي ليس له وقت معدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت موجود، وهو الدائم الذي لا نفاد له، والحي الذي لا يموت ، والخالق لما يُرى وما لا يُرى، العالم بكل شيء بغير تعليم.(60)
وعن محمد بن أبي عمير قال: ((دخلت على سيدي موسى بن جعفر (ع) فقلت له: يا ابن رسول الله، علمني التوحيد، فقال: يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك، واعلم أن الله تعالى واحد، أحد، صمد، لم يَلد فيورث، ولم يُولد فيشارك، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً، وإنه الحي الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يُغلب والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغني الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لا يذل والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وإنه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ((ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا)) وهو الأول الذي لا شيء قبله والآخر الذي لا شيء بعده، وهو القديم، وما سواه مخلوق محدث تعالى عن صفات المخلوقين علواً كبيراً))(61).
هذا موجز عقيدة شيعة آل محمد (ص) بالله تعالى، وتفصيل ذلك موكول إلى محله من البحوث المفصلة.

صفاتهم النفسية والأخلاقية :
لا شك إن الصفات النفسية والأخلاقية هي انعكاس لما يحمله الإنسان من عقيدة، وفكر، فإذا كانت العقيدة صحيحة، والتلقي لها سليماً، والالتزام بها واعياً، والتطبيق لما تقضيه من أحكام هادفاً ودقيقاً انعكست على النفس صفاءً، ونوراً، وبصيرةً، وعزماً وتجسدت في الواقع العملي سلوكاً مستقيماً... وقد بين الإسلام الصفات النفسية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان؛ ليصبح من شيعة آل محمد، وإلا فلا يمكن أن يفوز بهذا الانتساب السامي الشريف وأهم الصفات التي يجب أن يتصف بها الإنسان ليكون شيعياً هي:
الورع، والتقوى، والعلم، والحلم، والصدق، والأمانة، والوفاء والزهد، والعفة، والحياء، والعدالة، والحكمة، والتواضع، والإباء والشجاعة، وكل خصلة كريمة من مكارم الأخلاق كما وصف ذلك أمير المؤمنين (ع) في بيان صفات شيعته فقال: ((ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين وحرصاً على علم، وفهماً في فقه، وعلماً في حلم، وكيساً في رفق وقصداً في غنى، وتجملاً في فاقة، وصبراً في شدة، وخشوعاً في عبادة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق ورفقاء في كسب، وطلباً في حلال ... الخ))(62).
ومن صفاتهم النفسية عزة النفس والتعفف، يقول أمير المؤمنين (ع): ((شيعتي من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس، وإن مات جوعاً))(63).
وعن أبي بصير قال: قال الصادق (ع): ((شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، والقائمون بالليل الصائمون بالنهار، يزكون أموالهم، ويحجون البيت، ويجتنبون كل محرم))(64).
وأهم صفاتهم العملية هي مقاومة الأهواء النفسية والشهوات المتدنية، والترفع عن الصغائر، وأدق وصف لهذا ما صوَّره لنا أمير المؤمنين بقوله (ع): ((إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريباً أمله، قليلاً زَلَلُهُ، خاشعاً قلبه قانعة نفسه، منزوراً أكله، سهلاً أمره، حريزاً دينه ميتة شهوته، مكظوماً غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون))(65).

2- محور العلاقة فيما بينهم:
إن أمتن وأعظم الروابط في العلاقات الاجتماعية هي الروابط العقائدية، وشيعة آل محمد يرتبط بعضهم بالبعض برباط الإيمان والولاء الخالص لله، فهم مصداق لقوله تعالى: ((رحماء بينهم)) في المودة، والتعاطف، والتآزر، والتعاون، والتآخي، والتآلف، وقد وصف أمير المؤمنين (ع) ذلك بقوله: ((شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا))(66) .
ولهذا رفضوا أن يكون من شيعتهم من لا يرحم صغيرهم ولا يوقر كبيرهم؛ وذلك لأن واجب شيعة أهل البيت (ع) أن يكونوا متعاونين متآزرين متآخين في الله، يسود بينهم الإيثار، وتزول في علاقاتهم الإثرة، فإذا عكسوا الأمر، وغَلَّبوا الإثرة على الإيثار فليسوا من شيعة آل محمد.
فعن محمد بن عجلان، قال: ((كنت مع أبي عبد الله (ع) فدخل رجل فسلم فسأله: كيف من خلفت من إخوانك؟ قال: فأحسن الثناء وزكى وأطرى، فقال له (ع): كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ فقال: قليلة.
قال (ع): وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم؟ قال: قليلة.
قال: فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟
فقال: إنك تذكر أخلاقاً قلَّ ما هي فيمن عندنا، قال: فقال (ع): فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة؟))(67).
وكانوا (ع) يؤكدون على مريديهم - وفي كل لقاء يمكن أن يوصل صوتهم إلى أبناء الأمة - بالتواصل، والتزاور، والتبار والتعاطف، والإحسان، والمواساة ... فقد روي أن سدير الصيرفي دخل على أبي عبد الله (ع) وعنده جماعة من أصحابه فقال: ((يا سدير لا تزال شيعتنا مرعيين محفوظين مستورين معصومين، ما أحسنوا النظر لأنفسهم فيما بينهم وبين خالقهم، وصحت نياتهم لأئمتهم، وبرُّوا إخوانهم، فعطفوا على ضعيفهم، وتصدَّقوا على ذوي الفاقة منهم، إنا لا نأمر بظلم، ولكنّا نأمركم بالورع، الورع الورع والمواساة المواساة لإخوانكم، فإن أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم))(68).
وفي حديث آخر عن أبي إسماعيل، قال: ((قلت لأبي جعفر (ع): جعلت فداك إن الشيعة عندنا كثير، فقال: [فـ]هل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون؟ فقلت: لا، فقال: ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا))(69).
بل كانوا يردعون صراحة من يدعي الانتساب إليهم، ولا يتخلق بأخلاقهم، ولا يتبعهم في أفعالهم، فعندما سمع الإمام الباقر (ع) رجلاً يفخر على آخر، ويقول له: ((أتفاخرني وأنا من شيعة آل محمد الطيبين؟ ))(70) كما تقدم في حديث الإمام الباقر(ع).
هذه شذرات قليلة مما ورد عنهم (ع) في التأكيد على المواصلة والتزاور، والتآخي، والتبار بصدق وإخلاص لله تعالى.

3- محور علاقتهم بالآخرين ممن على غير مذهبهم :
لقد أراد أهل البيت (ع) لشيعتهم أن يكونوا النموذج الأمثل في العلم والحلم، والقول والعمل، عقيدةً، وفكراً، وسلوكاً، وأن يمثلوا الإسلام في سلوكهم قبل أقوالهم وادعاءاتهم كي يصبحوا القدوة والأسوة للآخرين، وبتعبير الإمام الصادق (ع) دعاة صامتين، وبذلك يكونوا إسلاماً متجسداً يمشي على الأرض؛ ولهذا نجد في هذا المجال فيضاً واسعاً من الروايات التي تصف المنتسبين لأهل البيت بكل خصال الفضل والخير والصلاح: كالتقوى، والورع، والحلم، والعلم، والعفة، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار.
فعن أبي أسامة قال: ((سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: عليك بتقوى الله، والورع، والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وحسن الخلق، وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زيناً، ولا تكونوا شيناً، وعليكم بطول الركوع والسجود، فإن أحدكم إذا طال الركوع والسجود هتف إبليس من خلفه، وقال: يا ويله أطاع وعصيت، وسجد وأبيت))(71).
وقال (ع): ((كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الورع، والاجتهاد، والصلاة، والخير فإن ذلك داعية))(72).
وقال (ع): ((إنّا لا نعد الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع أمرنا متبعاً مريداً، ألا وإن من إتباع أمرنا وإرادته الورع، فتزينوا به يرحمكم الله، وكيِّدوا أعداءنا به ينعشكم الله))(73).
إذن من خلال ذلك يتبين أن إرادة أئمة الهدى من شيعتهم هي تجسيد الإسلام في سلوكهم وأخلاقهم قبل الأقوال والادعاءات ليمثلوا وجه الإسلام، ويجذبوا الناس إليه بدون تكلف، ولا إدعاء يقول سليمان بن مهران: ((دخلت على الصادق جعفر بن محمد (ع) وعنده نفر من الشيعة، وهو يقول: معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول، وقبح القول))(74).
وفي حديث آخر: ((... كونوا زيناً، ولا تكونوا شيناً، حببونا إلى الناس، ولا تبغضونا، جرُّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح ...))(75).
وفي وصية الإمام العسكري (ع) لشيعته صورة تامة جامعة مانعة لما يجب أن يكون عليه أتباع أهل البيت (ع) في تعاملهم مع المخالفين لهم يقول (ع): ((أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أوفاجر، وطول السجود، وحسن الجوار فبهذا جاء محمد (ص) صلوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم. فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه وأدى الأمانة، وحَسنَ خُلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك.
اتقوا الله، وكونوا زيناً، ولا تكونوا شيناً، جروا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك))(76).

الهوامش:
(45) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 158.
(46) راجع: نهج البلاغة: خطبة: 182.
(47) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 155.
(48) المصدر نفسه.
(49)المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 155.
(50) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 68/156.
(51) الغل: الضغن والشحناء والحقد الكامن في القلب، والدغل: الفساد.
(52) المصدر نفسه.
(53) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 156.
(54) المصدر نفسه.
(55) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 68/156-157.
(56) الشيخ الطوسي، كتاب الأمالي: 833-834 .
(57) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي 2: 233.
(58) المصدر نفسه.
(59) المصدر نفسه 2: 236.
(60) هذه الكلمات الشريفة مقطعة من أحاديث كثيرة وردت في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق رحمه الله.
(61) الشيخ الصدوق، التوحيد: 76-77.
(62) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 194.
(63) المصدر نفسه 68: 191.
(64) الشيخ الصدوق، صفات الشيعة: 2.
(65) نهج البلاغة: الخطبة رقم: 193.
(66) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 190.
(67) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي 2: 173.
(68) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 154.
(69) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي 2: 173.
(70) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 156.
(71) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/77.
(72) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي 2: 78.
(73) المصدر نفسه.
(74) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 68: 151-152.
(75) المحدث المجلسي، بحار الأنوار 78: 348.
(76) ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 367.

المصدر: كتاب التشيع والغلو
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com