موقع الصراط ... الموضوع : الغضب
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الغضب  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / محرم / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
تعريف الغضب :
حركة نفسية تحدث غلياناً في القلب ، ومنبعه شهوة الانتقام، وقد قال بعض علماء الأخلاق: (إن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقودة إلا أنها لا تطلع إلا على الأفئدة ، وإنها لمستكنّة في طي الفؤاد استكان الجمر تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين من قلب كل جبار عنيد كما يستخرج الحجر النار من الحديد)(1) إن القوة الغضبية لا يخلو منها قلب إنسان، يقول أحد علماء النفس: (لدى الإنسان، وكذلك الحيوان، استعداد فطري للغضب ، ومقاومة كل ما يقيد حركاته، ويعوق سلوكه، ويقف عقبة في سبيل تحقيق دوافعه، والسلوك الفطري لهذا الدافع هو تحطيم العائق وتهشيمه)(2) فهي جزء من تكوين الإنسان النفسي بل هي ضرورة حياة لا يستغني عنها الإنسان في حياته، وتثيرها حميتان إما حمية الدين والحق، والعدل، والإنسانية، وإما حمية الجاهلية المنبعثة من التكبر والجبروت، وهي حالة عرضت لإبليس فكشفت حقيقته، وأهبطته من القمة إلى الحضيض، وأصبح من المُنْظَرين إلى يوم القيامة؛ حين قال مفتخر على آدم بأصله ((أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)) (ص:76)

الغضب المذموم :
هو في منطق العقلاء: حالة انفعال غير متزن يفقد الإنسان فيها توازنه ويسيطر الهيجان على عقله بحيث يخرج عن الحد الوسط. فحينئذ يختفي العقل، وتبرز شهوة الانتقام، ولذا قال بعض علماء الأخلاق: بأن الإنسان حينما تسيطر القوة الغضبية على القوة العقلية في تصرفه يتحول إلى كلب عقور، أو أسد ضار؛ لهذا وردت روايات كثيرة في ذم الغضب ذماً شديداً ، واعتبرته مفتاح الشرور والمفاسد والتخريب، والعطب، وسمته جمرة الشيطان وسلاحه، ومركب الطيش، وإنه نار محرقة تحرق القلب والنفس والجسم، وأن أوله جنون وآخـره ندم … وإن من غلب عليه الغضب دخل في حيِّز السباع. كل ذلك في حالة الإفراط وهو التهور، وعدم الخضوع لميزان العقل والشرع …

مفاسد الغضب:
وللغضب مفاسد وأضرار وخيمه على الإنسان لا تحد بحدود، هذا البحث المختصر نذكر منها :
1 - يُفسد الايمان: إذا سيطرت القوة الغضبية على القوة العقلية، فقد تُخرج الإنسان من الإنسانية، وتدخله في عالم الحيوانية، فيتعدى حدود الشرع ويتجاوز القيم الخلقية والحدود الشرعية، وقد يخرجه من دين الله فيهتك الحرمات والمقدّسات؛ ولذلك ورد في الحديث الشريف: (الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل)(3) ، وهذا تشبيه دقيق لوضع الإنسان في حالة سيطرة الغضب عليه … يقول الإمام الخميني: (فقد يصل الغضب بالإنسان إلى حد الارتداد عن دين الله ، وإطفاء نور الإيمان بحيث أن ظلام الغضب وناره تحرق العقائد الحقة. بل قد يصل الأمر إلى الكفر الجحودي الذي نتيجته الهلاك الأبدي)(4)
2 - يسلب الإنسان قوة الإدراك والتعقل، ويفقده الإرادة الواعية وحينئذ يجره إلى ارتكاب أعمال شنيعة وجرائم فضيعة، قد تؤدي به إلى خسران الدنيا والآخرة . فعن الإمام الصادق (ع) قال: كان أبي يقول :أي شيء أشد من الغضب؟ إن الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرم الله، ويقذف المحصنة)
وعن أبي جعفر(ع) قال: (إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار)
وعن أبي عبد الله(ع) قال: (الغضب ممحقة لقلب الحكيم، وقال: من لم يملك غضبه لم يملك عقله)(5)
يقول أحد مفكري الغرب: (إنك في اللّحظة التي تفقد فيها حكم العقل تفقد فيها إختيارك وإرادتك الجديّة على نفسك أيضاً، وإن الشخص الذي لا يكون تحت حكم العقل يصبح شخصاً خطيراً فضلاً عن أنه يفقد دوره كمؤثر ايجابي في الحياة، ومن ثم لا يكون شخصاً مفيداً ومعمّراً، بل مضراً ومخرباً. إن الجدول الصغير الذي يجري بين الصخور في الجبال لكلّ جزء من أجزائه صوت أعظم من صوت الأنهار العظيمة أما الرجال ذوو الأخلاق العظيمة – فهم على العكس من ذلك - كالأنهار العظيمة إذا جرت في الأهوار والمستنفعات من دون أن يكون لها شيء من الأصوات أو الاضطرابات)(6)
3 - إن سيطرة الغضب على الأنسان فضيحة كبرى تكشف جميع نواقصه وعيوبه، وتوقفه مجرداً أمام الناس يقول أمير المؤمنين (ع):
(بئس القرين الغضب، يبدي المعايب، ويدني الشر، ويباعد الخير)
(لا تفضحوا أنفسكم ؛ لتشفوا غيضكم)
(الغضب يردي صاحبه، ويبدي معايبه)
(كثرة الغضب تزري بصاحبه، وتبدي معايبه)(7)
4 - لقد تأكد لدى علماء الطب أن الغضب هو السبب المباشر لكثير من الأمراض الجسدية فضلاً عن النفسية كإلتهاب الأعضاء، والسل الرئوي، وأنواع النزيف الدموي، وتسمم الدم، وهذا ما عبرت عنه أحاديث أهل البيت (ع) بالعطب. يقول سيد الحكماء الإمام علي (ع):
(سبب العطب طاعة الغضب)
(إنكم إن أطعتم سَوْرة الغضب أوردتكم نهاية العطب)
(من أطلق غضبه تعجل حتفه)(8)
5 – إن نهاية كل غضب ندم شديد. فبعد أن يسكت الغضب عن الإنسان يرى نفسه قد خرج من طور الأدب الرفيع، فيندم، ويلوم نفسه على ما صدر منه من سوء تصرف، يقول أمير المؤمنين (ع): (لا أدب مع الغضب) وبالتالي يؤدي إلى مذلة الاعتذار، وطلب العفو من الآخرين، يقول أمير المؤمنين (ع):
(إياك والغضب، فأوله جنون، وآخره ندم)
(إن هذه الخصلة المشؤمة لا تعقب إلا الندم، إذ لا تهدأ فورة الغضب حتى تستولي على صاحبها النفس اللّوامة فتقبّح أعماله المتأججّة بنار الغضب فتحكم عليه في محكمة العقل والوجدان فتظهر على أثر حكمها عليه موجات من التأثر والأسف الشديد مقرونة بالألم في أعماق قلبه)(9)

ضرورة الغضب :
هناك من تصور أن الإنسان إذا أراد نيل الكمالات النفسية فيجب عليه أن يجتث من نفسه غريزة الغضب بالكامل، ويسحقها تحت الأقدام، وهذا التصور هو من تصورات الصوفية، وقد ناقش هذه الاشتباهات سيد العارفين في القرن العشرين الإمام الخميني وبيَّن خطأه، يقول رحمه الله: (فإن الذين يظنون أن قتل غريزة الغضب بالكامل، وإخماد أنفاسها يُعد من الكمالات والمعارج النفسية إنما يرتكبون خطيئة عظيمةً، ويغفلون عن حد الكمال ، ومقام الاعتدال، هؤلاء المساكين لا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق هذه الغريزة الشريفة في جميع أصناف الحيوانات عبثاً، وإنه جعل هذه الغريزة في بني آدم رأسمال الحياة الملكية والملكوتية، ومفتاح البركات والخيرات)(10)
ولكن مقصد الإمام (قدس سره) هو الحد المتوازن النابع من حمية الإيمان والغيرة الرسالية التي تحفظ الإنسان من الإنزلاق عن جادة الصواب، وتثبته على الطريقة الوسطى فلا إفراط ولا تفريط … ويمكننا أن نذكر بعض فوائد الغضب التي ذكرها الإمام الخميني:
1 - إن غريزة الغضب هي العامل الإساسي في حفظ الجنس البشري وصيانة نظامه العائلي والاجتماعي، إذ لولا غريزة الغضب لما استطاع الإنسان أن يدافع عن نفسه وعرضه وماله ودينه ضد هجمات الأعداء .
2 - وهي السبب في نيل المراتب العالية والتكامل الإنساني في الثورة على النفس، وإخراجها من حالة الخمول والكسل، والجبن، والتراخي إلى حالة الجد والنشاط والمقاومة.
3 - لها الدور الأساسي في الثبات والاستقامة على الحق، ومواجهة الباطل والثورة على المفاسد الإجتماعية والسياسية، حيث تكسر حجاب الخوف والخمول ، ولولاها لاستسلم الإنسان لما يصيبه من ذلة وصغار. يقول الإمام علي (ع) : (من أحَدّ سنان الغضب لله قوي على قتل أشداء الباطل)(11) لأن القوة الغضبية هي التي تمنح الإنسان قوة المقاومة والجهاد ضد أعداء الله سبحانه وتعالى والدفاع عن النفس والمال والعرض .
4 - وكذلك منع الاعتداءات ، وحفظ الثغور، وإزالة العقبات عن طريق الدعوة إلى الله تعالى لابد لها من هذه الملكة ؛ ليستطيع المؤمن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
كل هذه الفوائد وغيرها تترتب على غريزة الغضب إذا كانت تحت سيطرة العقل والشرع، هذا هو الجانب المحمود منها؛ وبهذا بان خطأ المنهج الذي يدعو إلى إجتثاث غريزة الغضب من جذورها، وإنما الصحيح هو التوجيه والتعديل والتلطيف؛ لئلا تغلب على الإنسان القوة الغضبية فتخرجه عن حد الإنسانسيه وتدخله في عالم الغاب الذي يحكمه الضفر والناب .

علاج الغضب :
إذا أردنا علاج أي مرض نفسي أو بدني فلابد من معرفة أسبابه الباعثة له ولهذا لابد وأن نشير اولاً إلى أسباب الغضب وبواعثه.
لقد أشار علماء الأخلاق إلى أن سبب الغضب إما نتيجة انحراف صحي، أو ضعف عصبي، أو إجهاد عقلي، أو إفراط في الحساسية النفسية النابعة من الأنانية أو شعور بالنقص، أو سوء تربية إعتاد عليها كمن يعتبر سرعة الأنفعال والغضب شجاعة وقوة وشهامة … فإذا حددنا الأسباب نستطيع أن نحدد العلاج :
1 – فإذا كان منشأ الغضب الحالة الصحية فيجب أن يسعى الإنسان لعلاجها بالطرق الطبية الصحيحة ، وليعلم أن الغضب يزيد من مرضه فيكون كمن يزيد الطين بلة، أو يزيد النار إلتهاباً بوضع الحطب عليها فــ(إن الغضب لا يحاصر روح الإنسان بالحزن والألم فحسب بل لا ينجوا حتى الجسم - وهو محل راحة الروح والنفس والفكر - من عواقبه الخطيرة عندما يشتعل لهيب الغضب المحرق في وجود الإنسان ينصب الدم إلى القلب فينتشر في عروقه فيحمر لون وجهه وتأخذه الرعدة والرعشة، وتتأهب جميع الأعضاء لعملية الإنتقام، ثم تستتبع من أنواع الأمراض: إلتهاب الأعصاب والسل الرئوي، وأنواع النزيف الدموي)(12)
2 - وإن كان ناشئاً من الحساسية النفسية فلابد أن يعرف أن ذلك لا يناسب الإنسان العاقل، وإنه يؤدي به إلى أحط المراتب الإجتماعية ، ويفقده ثقة إخوانه المقربين إليه فضلاً عن الآخرين فإن الحساسية (تؤثر على صفاء النفس وإعتدالها فتجعل فيها ظلاماً يمنعها من التفاعل الحيوي في آفاق الإسلام وتجعلها غير سوية في بعض تفاعلاتها ومشاعرها كما أنها تؤثر على إستقامة العقل وموضعية التفكير فتأتي بعض نتائج التفكير خاطئة، وذاتية، وقد تسري العدوى إلى مجالات التفكير الأخرى)(13) وهذا ما لا يرضاه عاقل لنفسه أبداً .
3 - وإن كان من حالة اعتادها نتيجة تربية خاطئة فلابد أن يعمل على تغييرها بالتدريج .
4 - إذا تعرض الإنسان لحالة استفزازية عنيفة ومثيرة فالأفضل أن يغير وضعه الجسمي فإن كان واقفاً جلس، وإن كان جالساً اضطجع. يقول الإمام الباقر (ع): (إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم ، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه ، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإن رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك)(14)
ويقول الإمام الباقر (ع): (فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه فإن الرحم إذا مُسّت سكنت)(15)

الهوامش:
(1) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 5/289.
(2) الدكتور أحمد عزة راجح، أصول علم النفس: 136.
(3) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/302.
(4) الإمام الخميني، الأربعون حديثاً: 133.
(5) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/ باب الغضب .
(6) مجتبى اللاري، دراسة في المشاكل الأخلاقية: 136.
(7) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 301.
(8) المصدر نفسه.
(9) مجتبى اللاري، دراسة في المشاكل الأخلاقية: 137.
(10) الإمام الخميني، الأربعون حديثاً: 132 .
(11) نهج البلاغة قصار الحكم: 174.
(12) مجتبى اللاري، دراسة في مشاكل الأخلاقية: 137-138.
(13) راجع بحث الحساسية في ثقافة الدعوة الإسلامية: الجزء 2 , المطبوع سنة 1401هـ.
(14) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي, باب الغضب. 2/302 .
(15) المصدر نفسه.

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com