موقع الصراط ... الموضوع : تقسيم الجاحظ للشعراء
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  تقسيم الجاحظ للشعراء  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 10 / جمادي الأول / 1436 هـ
     
  بقلم: حسن جميل الربيعي
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ) من أوائل النقاد العرب، وهو من المتقدمين عندهم، وآراؤه النقدية هي أساس من الأسس التي يعتمد عليها الدارسون في كتاباتهم وبحوثهم حول النقد العربي القديم.
وآراؤه النقدية متميزة وفريدة لها محلها الأعلى والأسمى بين بقية الآراء النقدية التي وردتنا من النقد القديم، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن آراءه لم يجمعها في كتاب من كتبه، أو رسالة من رسائله، بل هي متفرقة في كتبه، يجدها الباحثون بين طيات كتبه الكثيرة والمتنوعة في مختلف الفنون، وعلى طريقته الاستطرادية يطرح الآراء النقدية، فهو بحق يعد عالماً موسوعياً قليل النظير، ولكلماته التي أطلقها القيمة العليا والأثر المهم في الدراسات والكتابات والبحوث والخطابات.
ومن القضايا النقدية التي طرحها الجاحظ أثناء كلامه في كتابه البيان والتبيين هي قضية تقسيم الشعراء، فهو قد قسم الشعراء على مراتب، وتكررت القسمة عنده عدة مرات، وهنا استعراض لما أورده:

التقسيم الأول:
قال الجاحظ: ((والشعراء عندهم أربع طبقات؛ فأولهم الشاعر الخنذيذ، والخنذيذ هو التام، قال الأصمعي: قال رؤبة: ((الفحولة هم الرواة))، ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلِق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور، ولذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء:
يا رابع الشعراء كيف هجوتني***وزعمتَ أني مفحَم لا أنطق
فجعله سُكَّيتاً مخلَّفا، ومسبوقاً مؤخّرا))(1).
الجاحظ هنا نقل عن العلماء المتقدمين عليه أن الشعراء على طبقات أربع:
1- الشاعر الخنذيذ، ويعرف الخنذيذ بالتام، ولا يقول عنه شيء آخر، إلا أن تكملة النص توحي لنا بالمعنى، إذ نقل عن الأصمعي أن الفحولة هم الرواة، وهذا ما يعني أن الشاعر الخنذيذ التام هو الذي يروي الأشعار، وإلى هذا المعنى نفسه أشار ابن رشيق في العمدة فقال: ((شاعر خِنْذيذ، وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره))(2).
ولو راجعنا المعنى اللغوي لمفردة (خنذيذ) لوجدناها بمعنى الشاعر المجيد المنقّح المفلق، والخطيب المصقع، والعالم بأيام العرب وأشعار القبائل(3)، وقد نقل الخليل: ((أنشد أبو عبيدة يصف الشاعر الخنذيذ:
عنّا صدود البكر عن قرم هجان))(4).
وهذا البيت هو للنابغة الذبياني خاطب به يزيد بن عمرو بن الصعق، قال فيه(5):
يصدُّ الشاعر الثنيان عني***صدود البِكْرِ عن قَرْمٍ هِجان
فالقرم الهجان هو الفحل الكريم الأبيض من الإبل، والبكر هو الفتي منها، فالنابغة يريد أن يجعل نفسه كالفحل الكريم، وجعل المخاطب كالبكر الصغير أي هو لا يقارنه، وقد يكون هذا الصدود في باب المهاجاة الذي هو الغالب.
إذن فصفة الشاعر الخنذيذ أن يكون راوية لجيد الشعر، إضافة إلى شعره الجيد، قوياً في المهاجاة ولا يقارنه أحد.
2- الشاعر المفلِق، وهو الشاعر الذي يأتي في المرتبة الثانية بحسب هذا التقسيم، ومعناه كما يرى ابن رشيق: ((وهو الذي لا رواية له إلا أنّه مجوَّد كالخنذيذ في شعره)) أو ((هو الذي يأتي في شعره بالفلق، وهو العجب))(6)، ولو راجعنا الأصل اللغوي لمادة (فلق) لوجدنا أنها تدل على ((فرجة وبينونة في الشيء، وعلى تعظيم شيء))(7)، إذن فالشاعر المفلق هو الذي يأتي بالعجيب والبديع والجديد في شعره، ولكنه يفتقر إلى الرواية.
3- الشاعر، أورد الجاحظ هذه الكلمة دون أي وصف لها، والظاهر أن المراد منها هو الذي يقدر على نظم الشعر دون أن يأتي بالبديع أو الجديد في شعره، ولكن شعره ليس رديئاً؛ ولذلك قال ابن رشيق هنا: ((وهو فوق الرديء بدرجة))(8).
4- الشعرور: وهو الذي لا يأتي بأي شيء جيد، بل له القدرة على نظم المفردات فقط، دون أي معنى مفيد أو لفظ حسن، ولذلك وصفه ابن رشيق بأنه ((لا شيء))(9).
وإذا نظرنا إلى المرتبة الرابعة (شعرور) من ناحية لغوية رأينا أنها على وزن (فعلول)، وهي من أوزان التصغير، ويشيع استعمال هذا الوزن في الوصف بأوصاف مهينة ومزدراة وحقيرة، ومفردة (شعرور) هي مصغر (الشاعر)، وتدل على غير النابه من الشعراء(10).
ويبدو أن الجاحظ ومن ذهب هذا المذهب في هذا التقسيم قد استفادوا من قول الشاعر:
يا رابع الشعراء كيف هجوتني***وزعمت أني مفحم لا أنطق
فقد قال الجاحظ: ((قال الأول)) يقصد به الشاعر الخنذيذ والذي يحتل المرتبة الأولى في التقسيم، وفي قول الشاعر: ((رابع الشعراء)) إشارة إلى الشعرور (المرتبة الرابعة من الشعراء)، ثم عقب بقوله: ((فجعله سكّيتاً مخلفاً، ومسبوقاً مؤخراً))، فهذا القسم الأخير هو الذي أخرّه الشعراء والعلماء عن المراتب الأولى، فسبقوه وبقي هو في آخر القوم متخلفاً عنهم.

التقسيم الثاني:
قال الجاحظ: ((وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، وشويعر، وشُعرور))(11).
نقل الجاحظ كما قال عن بعض العلماء المتقدمين عليه، وهو في هذا التقسيم قسم الشعراء على ثلاثة أقسام، ولم يأتِ لنا بما يوضح كيف يتم تصنيف الشاعر ضمن إحدى المرتبات إلا في المرتبة الثانية وهو الشويعر، فقال: ((والشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حُجْر، ومنهم من بني ضبَّة: المُفوَّف، شاعر بني حُمَيس، وهو الشويعر، ولذلك قال العبدي:
ألا تنهى سراة بني حميس***شويعرها فويلية الأفاعي
قبيِّلة تردد حيث شاءت***كزائدة النعامة في الكراعِ
فويلية الأفاعي: دويبة سوداء فوق الخنفساء.
والشويعر أيضاً: صفوان بن عبد ياليل، من بني سعد بن ليث، ويقال إن اسمه ربيعة بن عثمان))(12).
وهنا أورد الجاحظ شعراء لقبوا بهذا اللقب، بسبب موقف من شاعر آخر أطلق هذا اللقب فلقبوا به، وقد جمع الآمدي في المؤتلف والمختلف عدداً من الشعراء ممن لقبوا بهذا اللقب(13).
إذن فالشعراء وفقاً على هذا التقسيم على مراتب ثلاث؛ أولهما الشاعر، وهو الكبير الجامع للصفات الحسنة في الشعر، وثانيهما الشويعر، وهذه المفردة هي تصغير لمفردة (شاعر)، ولا يخفى ما في التصغير من معاني التحقير، فالشويعر أحقر مرتبة من الشاعر؛ وثالثهما الشعرور، وقد تقدم معناه في التقسيم السابق، وهو أقل الشعراء مرتبة في هذا التقسيم؛ والجميل أن هذا التقسيم اعتمد الصيغة الصرفية في بيان المرتبة التي يكون عليها الشعراء، وكان التدرج في المراتب يقابله تدرج في الصياغة الصرفية نزولاً نحو المعنى.

التقسيم الثالث:
قال الجاحظ: ((وكان الشاعر أرفع قدراً من الخطيب، وهم إليه أحوج، لردِّه مآثرهم عليهم، وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدراً من الشاعر...
ومن الشعراء من يحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئاً، ففي الجاهلية منهم: زهير والنابغة والأعشى؛ وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز، وطرفة وله كمثل ذلك، ولبيد وقد أكثر.
ومن الإسلاميين من لا يقدر على الرجز، وهو في ذلك يجيد القريض: كالفرزدق وجرير، ومن يجمعهما فأبو النجم، وحُميد الأرقط، والعُمانيّ، وبشار بن برد. وأقل من هؤلاء يحكم القصيد والأرجاز والخطب. وكان الكميت، والبعيث، والطرماح شعراء خطباء، وكان البعيث أخطبهم، وقال يونس: لئن كان مغلَّباً في الشعر لقد كان غلَّب في الخطب، وإذا قالوا: غلِّب فهو الغالب))(14).
التقسيم الذي جاء الجاحظ به هنا هو تقسيم جديد، كان هو أول من أتى به، وهو ينظر في هذا الباب نظرة جديدة تختلف عن النقاد الآخرين، فالنقاد الآخرون-وحتى في التقسيمين السابقين للجاحظ-ينظرون إلى الشاعر فقط من زاوية شعره ولا ينظرون إلى نواحي أخرى في إبداعه، والجاحظ هنا جمع عدة فنون ليقسم الشعراء على أساس الجمع بين هذه الفنون، وهي (الشعر) و(الرجز) و(الخطابة)، وتقسيمهم كالآتي:
1- المرتبة الأولى هي للذين يجمعون الفنون الثلاثة كلها، وهذا ما لم يجده الجاحظ في الشعراء الجاهليين، بل وجده في الشعراء الإسلاميين، ومثل له بالكميت والبعيث والطرماح، ورأى أن أخطبهم هو البعيث، مستشهداً في هذا بيونس بن حبيب، الذي قال أن البعيث حتى وإن غلب في الشعر فإنه لا يغلب في الخطب.
2- المرتبة الثانية هي التي شملت من يجمع بين فني القريض والرجز، وهم في الجاهلية: امرؤ القيس، وطرفة، ولبيد؛ وفي الإسلام: أبو النجم العجلي، وحميد الأرقط، والعماني، وبشار بن برد.
3- المرتبة الثالثة: وهم الذين اقتصروا على القريض فقط، ولم يقدروا على الفنين الآخرين، وذكر من الجاهليين: زهير والنابغة والأعشى، ومن الإسلاميين: الفرزدق وجرير.
ومن هذا النص المتقدم للجاحظ نستفيد عدة أمور:
أ- إن الأهمية القصوى والمرتبة الأولى عند العرب كانت للشعر، وبمرور الأيام وكثرة الشعراء بدأت هذه الأهمية والمرتبة تنحاز شيئاً فشيئاً للخطابة حتى صار الخطيب أعظم قدراً من الشاعر.
ب- نلمح من قول الجاحظ تقسيمه للشعراء تقسيماً آخراً، وهو التقسيم الزمني؛ فهو قد ذكر الجاهليين، وثم ذكر الإسلاميين، وميّز بينهم.
ج- إنه حين ذكر أسماء الشعراء اختار الفحول وذوي الشهرة منهم، ومن اجتمع العرب على تقديمهم، فمن المشهور أن الطبقة الأولى من الشعراء العرب هم امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، وطرفة، ولبيد، وكل واحد من هؤلاء هو من المقدمين عند العرب، وهم من أصحاب المعلقات، وكذلك فعل في الإسلاميين إذ ذكر الفرزدق وجريراً وهما الشاعران المقدمان على سواهما في ذلك العصر بشهادة أكثر النقاد قدامى ومحدثين.
د- إنه فرق بين القريض والرجز، وهذه النظرة في التفريق بينهما لها جذورها منذ العصور الأولى، وتطورت حتى وضع ابن رشيق باباً في العمدة سماه (باب في الرجز والقصيد) عرَّف القريض فيه أنه الشعر الذي ليس برجز، وقد ذكر أن الشعر يعم الاثنين، فقال: ((واسم الشاعر وإن عمَّ المقصِّد والراجز، فهو بالمقصد أعلق، وعليه أوقع، فقيل لهذا شاعر، ولذلك راجز، كأنه ليس بشاعر، كما يقال خطيب أو مرسل أو نحو ذلك))(15)، وواضح في هذا القول التفريق بين الرجز والقريض.
هـ- كان الجاحظ موضوعياً يطرح الحقيقة بإخلاص غير متعصب لما يؤمن به من عقيدة إسلامية، فمن المعروف (أن الكميت شيعي، والطرماح خارجي، وهما يختلفان عن عمرو بن بحر في العقيدة المعتزلية التي آمن بها وناضل في سبيلها)(16)، ومع هذا فإنه لم يتعصب لعقيدته بعدم ذكرهما.
د- جاء الجاحظ بنظرة جديدة في تقسيم الشعراء، قال محمد بن عبد الغني المصري: ((وهي نظرة جديدة على النقد العربي ابتدعها أبو عثمان، وهي نظرة صحيحة، إلى حدّ بعيد، دفعت بالفكر النقدي العربي خطوات إلى الأمام، إذ خلصته من تعميم الأحكام الوقتية، والحكم على الشاعر بأنه أشعر الناس لأجل بيت أو أبيات ثم تتبدل الأذواق والمناسبات وتتقلب معها الأحكام حسب الفصول، لقد جاء الجاحظ بهذه النظرة الموضوعية ليضع المسألة وضعاً علمياً محدداً ضمن نواحي الإبداع الفني وتعدد المواهب الأدبية))(17).

الهوامش:
(1) البيان والتبيين: 2/9 .
(2) العمدة: 1/202 .
(3) ينظر: لسان العرب: 3/489 .
(4) كتاب العين: 4/254 .
(5) ديوان النابغة الذبياني: 99 .
(6) العمدة: 1/202 .
(7) معجم مقاييس اللغة: 798 .
(8) العمدة: 1/202 .
(9) المصدر نفسه.
(10) ينظر: التصغير في أسماء الأعلام العربية، مجلة علوم اللغة: المجلد الأول، العدد الأول: 47 .
(11) البيان والتبيين: 2/10 .
(12) المصدر نفسه.
(13) ينظر: المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبعض شعرهم: 141-142 .
(14) البيان والتبيين: 4/83-84 .
(15) ينظر: العمدة: 1/305-310 .
(16) نظرية الجاحظ في النقد الأدبي: 74 .
(17) المصدر نفسه: 75 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com