موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب عيسى روح الله-1
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب عيسى روح الله-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 11 / جمادي الأول / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
مضت السنون المتطاولة على (حُنَّة) ولم ترزق طفلاً وهي من أهل بيت مخلص لله عُرف بالإيمان والعلم العمل، وبينما هي متفكرة في أمرها خشعت لربها ودعته أن يرزقها طفلاً فاستجاب الله دعاءها فعن الصادق (ع) قال: (أوحى الله تعالى إلى عمران: إني واهب لك ذكرا مباركا، يبرئ ألاكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل. فحدث امرأته حنة بذلك، وهي أم مريم. فلما حملت بها قالت: ((رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي)) أي: نذري قبول رضا)(1).
وفي أوان حملها (فقدت هذه المرأة زوجها بعد أن حملت منه وربما كان إنساناً صالحاً يعيش في خدمة بيت الله، وبدأت تفكر في مستقبل هذا الولد، ولم تفكر تفكيراً ذاتياً كما يفكر الكثيرون في الانتفاع بأولادهم من ناحية مادية أو معنوية أو في ما يكسبه من مال وفي ما يحصل عليه من جاه بل فكرت أن يكون خادماً لله وهذا ما تعنيه كلمة محررة)(2) فقالت: ((رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (آل عمران:35)
(وكان هذا النذر يلزم في شريعتهم فكان المحرر عندهم إذا حرر جُعل في الكنيسة يخدمها، ولا يبرح مقيماً فيها حتى يبلغ الحلم ثم يتخير فإن أحب ذهب حيث يشاء، وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج... ولم يكن يحرر إلا الغلمان ولا تصلح الجارية لبيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى)(3)
والتحرير يعني أن يتفرغ المحرر لخدمة بيت الله (بحيث لا يكون خاضعاً لأية سلطة بشرية سواء في ذلك سلطة والدية، أو سلطة الآخرين فهو لا يعمل لأحد، ولا يدخل في خدمة أحد بل يعمل لله، ويخدم بيته فيكون حراً أمام الآخرين فيما يمكله من سلطان نفسه تجاههم، وعبداً لله باعتباره خادماً أميناً فنذرته لله... وإننا نكتشف في هذه المرأة إنسانة تعيش العلاقة مع الله كأروع ما تكون العلاقة، وكأصفى ما تكون المشاعر، وكأعظم ما تتحرك الأفكار فهي تفكر في المستقبل الحياتي لذريتها من خلال الله، وتبعدهم عن الشيطان(4).
ولما ولدت وتبين أن المولود أنثى أسمتها مريم ومريم في لغتهم هي العابدة فأرادت بهذه التسمية التقرب إلى الله والالتماس منه أن يعصهما حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها(5).
ومن هنا حملتها، ودخلت بها بيت الله؛ لتوفِ نذرها، وحدث نزاع بين الأحبار أيهم يكفلها (لفتها في خرقة واتت بها إلى الكنيسة؛ ليتكفلها عباد بنى إسرائيل ، وقد مات أبوها من قبل، فقالت دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار - لأنها كانت بنت إمامهم عمران، فوقع التشاح بينهم فيمن يكفل مريم حتى قد بلغ حد الخصومة - كما قال تعالى: ((إِذْ يَخْتَصْمُونَ)) فما وجدوا طريقا لرفع التنازع إلا القرعة، فتقارعوا بينهم، فالقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، وقيل قداحهم للاقتراع جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم. فارتز قلم زكريا ثم ارتفع فوق الماء ورسبت أقلامهم، وقيل ثبت قلم زكريا، وقام طرفه فوق الماء كأنه في الطين وجرت أقلامهم مع جريان الماء، فوقعت القرعة على زكريا - وقد كانوا تسعة وعشرون رجلا - فكفلها زكريا، وكان خير كفيل لها،وقد كان بينهما قرابة، لان خالة أم مريم كانت عنده)(6).
وهكذا صارت مريم بكفالة زكريا، وكان رجلاً صديقاً نبياً فراح يرعاها ويهيئ لها الأجواء الروحية والتربوية، وينميها وبينما هو داخل عليها لفت نظره أنه كلما دخل عليها وجد عندها رزقاً، فقال: ((يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)) (آل عمران:37) وروى الطبري عن السدي قال: (جعلها زكريا معه في بيت وهو المحراب، فكان يدخل عليها في الشتاء فيجد عندها فاكهة الصيف، ويدخل في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء)(7).
وهكذا نشأت مريم العذراء في هذا الجو الروحي المفعم بالإيمان. وعلى كل حال وُلِدت مريم، وترعرعت في ذلك الجو القدسي فأصبحت أمثولة في كرامتها وعفتها جعلها الله، وابنها من آياته؛ ليهدي الخلق بها إلى دينه، ويعيدهم إلى رشدهم ومن هنا اصطفاها وطهرها.
(وتبقى مريم في أجواء روحية مغمورة باللطف الإلهي فقد أراد الله لها في حياتها السر الكبير الذي تتجلى فيه قدرة الله بأسلوب جديد لم يألفه البشر، ولا بهذه الإنسانية، الإنسانة التي اختارها الله بين الناس أن تعد نفسها لذلك إعدادا روحياً مميزاً يوحي بالطهر والقداسة والاطمئنان، وذلك في نطاق المشاعر العميقة برعاية الله لها وعنايته بها وحمايتها من كل سوء فكان لها ذلك الجو الذي عاشته في حضانة زكريا وكفالته... وامتد في حياتها مما أنزل الله لها من رزق يوحي بالكرامة في أجواء الغيب الذي ترفرف فيه الملائكة فيما تحس به هذه الإنسانة الطاهرة مما قد يبعث في داخلها الدهشة والطمأنينة معاً، وبدأت الملائكة تحدثها في اللحظات التي أريد لها أن تقترب من موعد السر الكبير؛ لتشعر بالحماية الإلهية قبل أن تدهمها المفاجأة التي تدخلها في التجربة الصعبة وحدثتها الملائكة: إن الله اختارها لكرامته، وجعلها طاهرة من الدنس)(8).
((وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)) (آل عمران:42) يقول العلامة الطباطبائي: (إن قول الملائكة لمريم إن الله اصطفاك وطهرك إخبار لها بما لها عند الله سبحانه من الكرامة والمنزلة فارجع إلى هناك. فاصطفائها تقبلها لعبادة الله، وتطهيرها اعتصامها بعصمة الله فهي مصطفاة معصومة، وربما قيل إن المراد من تطهيرها جعلها بتولا لا تحيض فيتهيأ لها بذلك أن لا تضطر إلى الخروج من الكنيسة، ولا بأس به غير أن الذي ذكرناه هو الأوفق بسياق الآيات)(9).
وخلاصة الكلام: إن الطهارة في المقام أعم من الأدناس الظاهرية والأقذار المعنوية فهي معصومة بعصمة الله تعالى، وقد تحقق فيها دعاء أمها من إعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم.
وأما الاصطفاء فهو الاختيار، وهذا يكون تارة لأجل قداسة الذات، أو لأجل الخلوص لله تعالى من كل شائبة،أو لأجل جهات خارجية، أو اختيارية، أو تكوينية أو لجميع ذلك(10).

الهوامش:
(1) الطبرسي: تفسير مجمع البيان: 2/281.
(2) السيد محمد حسين فضل الله: من وحي القرآن: 5/209.
(3) حاشية الجمل على تفسير الجلالين نقلاً عن القصة في القرآن لمحمد سيد طنطاوي.
(4) السيد محمد حسين فضل الله: من وحي القرآن: 5/209.
(5) محمد سيد طنطاوي: القصة في القرآن: 1/20.
(6) الشيخ ناصر مكارم شيرازي: القواعد الفقهية: 1/325.
(7) ابن جرير الطبري: جامع البيان: 3/334.
(8) السيد محمد حسين فضل الله: من وحي القرآن: 6/7.
(9) العلامة الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن: 3/165.
(10) السيد السبزواري مواهب الرحمن 5/280.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com