موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : أسلحة الدمار الشامل من منظور فقهي إسلامي-2
 
الثلاثاء - 9 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أسلحة الدمار الشامل من منظور فقهي إسلامي-2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 11 / جمادي الأول / 1436 هـ
     
  الكاتب: د. الشيخ علي ناصر

المنطلقات الفقهية لنظريّة وجوب إنتاج أسلحة الدمار الشامل :
بحسب هذه النظرية لا يوجد دليلٌ يمنع ذلك، بل إنّ الدليل هو على خلافه. وبناءً عليه فإنّ إنتاج وصنع أسلحة الدمار الشامل جائزٌ، بل واجبٌ، شرعاً وعقلاً، مع القدرة على ذلك. ويمكننا الاستدلال على ذلك بالتالي:

1ـ الكتاب: وجوب الإعداد للقوّة وإرهاب العدوّ
لا شكّ أنّ الإسلام يدافع عن العقل والعلم، ويدفع المجتمعات الإسلامية إلى الاكتفاء الذاتي، وإلى عدم الإحساس بالنقص والضعف. فالناس سواسية في امتلاك العقل والتصميم والإرادة، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاّ مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)، وبالتالي يجب التهيّؤ للدفاع. والخطوة الأولى فيه هي التهيّؤ الدائم للدفاع عن النفس في أيّ لحظة. فالإنسان المؤمن يجب أن يبقى عزيزاً، مهاباً، قوياً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (النساء: 75).
ولا بدّ من ملاحظة الفارق بين تعلُّم تكنولوجيا إنتاج أسلحة الدمار الشامل وامتلاك هذه الأسلحة، كما أنّ هناك فرقاً بين تعلُّم السِّحر، فهو جائزٌ؛ لدفع كيد الساحرين، بخلاف استخدامه ابتداءً، وترويجه لإلحاق الأذيّة بالآخرين، فيكون محُرَّماً. فمجرّد تحصيل القدرة على إنتاج هذا السلاح وامتلاكه؛ بهدف إحداث الرعب في مجتمع العدوّ، وردعه عن استخدامه ضدّ المسلمين، هو أمرٌ محبوب عند الله تعالى. ولذلك فإنّ السعي لذلك أمرٌ مرغوب في نفسه، بل قد ندّعي أنّه واجبٌ؛ بناء على أنّ الله قد أمر المسلمين بإعداد ما استطاعوا من القوّة ورباط الخيل. وصيغة الأمر ظاهرةٌ في الوجوب. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).
لقد أمر الله تعالى المؤمنين بإعداد ما قدروا عليه من القوّة للجهاد، وعلَّق ذلك بالاستطاعة؛ لطفاً منه تعالى. وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب(41). وهو ما يستفاد من حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى، ما لم يرخِّص نفس المولى بالترك، فيُستفاد من صيغة الأمر الوجوب، لا الندب، على تقدير تجرُّدها عن القرينة على إذن الآمر بالترك. وفي ذلك يقول الشهيد الصدر: «والمقرَّر بين الأصوليّين عادةً هو القول بأنّ هذه الصيغة تدلّ لغةً على الوجوب... وليس معنى دخول الإلزام والوجوب في معنى الصيغة أن صيغة الأمر لا يجوز استعمالها في مجال المستحبّات، بل قد استعملت كثيراً في مجال الاستحباب، كما استعملت في موارد الوجوب، ولكنّ استعمالها في موارد الوجوب استعمالٌ حقيقيّ؛ لأنّه استعمال للصيغة في المعنى الذي وُضِعَت له، واستعمالها في موارد الاستحباب استعمالٌ مجازي، يبرِّره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب. والدليل على أنّ صيغة الأمر موضوعة للوجوب هو التبادر؛ فإنّ المنسبق على ذهن العُرف ذلك»(42). وبناءً عليه فإنّ الآية تدلّ على وجوب الإعداد، وامتلاك أسباب القوّة، ومنها: إنتاج أسلحة الدمار الشامل.
والمخاطَبون في هذه الآية هم المؤمنون، والضمير في (لهم) عائدٌ إلى الكفّار، وهم المأمور بحربهم في ذلك الوقت، ويعمُّ مَنْ بعدهم، ويعود على الذين ينبذ إليهم العهد بلحاظ سياق الآيات التي سبقت هذه الآية، والظاهر العموم في كلّ ما يُستفاد منه لكسر شوكة الأعداء. والمراد بالقوّة كلّ ما يقوّي شوكة المسلمين على أعدائهم، كالرمي، فإنّ معظم القوّة وأنكاها للعدو الرميّ، وجاء في فضل الرمي أحاديث، وركوب الخيل، وقوّة القلوب، واتّفاق الكلمة، والحصون المشيَّدة، وآلات الحرب كمّاً ونوعاً، والملابس البهية. كما أنّ هناك نصّاً في فضل رباط الخيل؛ إذ كان الاعتماد عليها في الحروب، والخير معقود بنواصيها، وهي مراكب الفرسان الشجعان. ولعل الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، فرباط الخيل جمع ربط، ولا يكثر ربطها إلاّ وهي كثيرةٌ. والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله. ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من ربط، كما يجوز أن تسمّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة. وقيل: رباط الخيل الذكور منها؛ لما فيها من القوّة والجلد على القتال، والكفاح، والكرّ، والفرّ، والعَدْو. والمعنى أنّ الكفّار إذا علموا بما أعددتم للحرب من القوّة ورباط الخيل خوَّفوا مَنْ يليهم من الكفّار وأرهبوهم؛ إذ يُعْلِمونهم ما أنتم عليه من الإعداد للحرب، فيخافوا منكم، وإذا كانوا قد أخافوا مَنْ يليهم منكم فهو أشدُّ خوفاً لكم. وبفزعهم ورهبتهم غنىً كبيرٌ في ظهور الإسلام وعلوّه(43).
وأما في عصرنا الراهن فقد تعدَّدت الخيول؛ فمنها: البرية، كالسيارات العسكرية، وناقلات الجند، والدبابات؛ ومنها: الجوّية، كالطائرات المروحيّة، والحربيّة. كما تعدَّدت أسباب القوّة. ولا شك في أنّ إنتاج السلاح اليوم، سواء كان على المستوى الكمّي، أو النوعي، له تأثيره البالغ في معنويّات المجاهدين إيجاباً، وفي معنويّات الأعداء يأساً وإحباطاً. ولقد جاء أمر التسلُّح مطلقاً، ولم تُحَدِّد الآية الكريمة نوعيّة السلاح الذي ينبغي على المسلمين التسلُّح به، بل نحن مأمورون بالتسلُّح بما يؤثِّر على معنويات الأعداء، ويبثّ الخوف والرُّعب في قلوبهم، ومن المنطقي أنّ السلاح التقليدي ـ في العصر الحديث ـ لم يعُدْ مصدر رهبة للأعداء، مقارنة بالأسلحة غير التقليدية. ولذلك فإنّ حيازة أسلحة دمار شامل أصبح أمراً لا مناص منه، ولا سيّما في ظلِّ نظام عالمي يتّسم بمنطق القوّة والبطش، فلا بدّ لأمّة الإسلام أن يكون لها القدرة على الحفاظ على وجودها، والدفاع عن نفسها، وأن يكون لها شأن بين الأمم. وهذا يعني أنّ تملُّك الدول الإسلامية لتلك الأسلحة أصبح مطلباً شرعياً، ولا سيّما أنّ هذا المطلب يحقِّق لها وضعاً استراتيجياً وعسكرياً مميَّزاً، وسياسة ردعٍ، تؤدّي إلى إحداث نوعٍ من توازن القوى على المستوى الدولي.
ويؤيِّد الشيخ القرضاوي ذلك التفسير لآية ﴿وَأَعِدُّوا﴾، قائلاً: «لم تعد الحرب مقصورة على إعداد القوة العسكرية وحدها، بل لا بدّ معها من قوى وجوانب أخرى، تعتبر ضرورية لكسب الحرب. ومن هذه الجوانب: الحرب النفسية، ويقصد بها: دراسة نفسية العدو، ومعرفة نقاط الضعف فيها؛ للتسلل إليها، ومحاولة التأثير عليها سلباً، بوسائل شتّى، كلّها تصبّ في اتجاه قذف الرعب في قلوبهم، وتخويفهم من المسلمين، وتيئيسهم من النصر عليهم، ونقل الحكايات عن روائع بطولاتهم، وأنّهم لا يبالون بالموت، بل يرحِّبون به، وأنّ لديهم من القدرات والخصائص والقوى ما ليس عند غيرهم. والإسلام لا يغفل هذا الأمر، بل يوليه عنايةً بالغة؛ لعلمه أنّ الجانب النفسي (السايكولوجي) هو المؤثِّر الأول في سلوك الإنسان، وهذه العناية تشمل جانب التحصين والوقاية من الغزو النفسيّ للأعداء، وجانب الهجوم والتأثير عليهم نفسياً أيضاً»(44).
ويرى السيد حسن نصر الله أنّ الإعداد للحرب النفسية هو مصداقٌ لآية ﴿وَأَعِدُّوا﴾، التي تشير إلى أهمّية إرهاب العدو؛ وأنّ هدف الحرب النفسية بالدرجة الأولى هو تثبيت وضعنا الداخلي النفسي، والمعنوي، وتحقيق العزّة والكرامة للأمة، وذلك بواسطة مواجهة كلّ ما يُقال، ويستهدف إيماننا وعقيدتنا، وذلك بالشكّ في ما يقال، لا بالشكّ في ما نؤمن به، وما نعتقده، وما نعرفه. أمّا هدفنا الثاني من الحرب النفسية فهو إرعاب الطرف الآخر، وإخافته، بما يؤدّي إلى استسلامه، أو انسحابه. ولا بدّ من مواجهة الحرب النفسية التي يشنّها العدو بأدوات، ووسائل، وأساليب، مبتكرة أحياناً. ولكنّه يضيف شرطاً آخر قلَّما يلتفت إليه الآخرون، الذين يريدون قهر العدو كيفما كان، حيث يرى أنّ مواجهة الحرب النفسية التي يشنّها العدوّ لا بدّ أن تتمّ بأدوات ووسائل منسجمة مع قِيَمنا، وثقافتنا، وأخلاقنا، وضوابطنا الشرعية. وكلّ قتالنا، ودفاعنا، ومواجهتنا، سواء العسكرية، أو الأمنية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو النفسية، يجب أن تكون منسجمة مع خلفيّتنا الإيمانية، والدينية، والعقائدية، والشرعية، والأخلاقية، قائلاً: «نحن في طبيعة الحال في مواجهة الحرب النفسية أيضاً الهدف الأوّل بالنسبة إلينا هو تثبيت شعوبنا، وأهلنا، وإرادتنا، وعزيمتنا، وقوتنا، وقدرتنا، أي منع الحرب النفسية التي يشنّها العدو من تحقيق أهدافها، أي منعها من إيصالنا إلى اليأس، ومنعها من إخافتنا، وإرعابنا، ومنعها من إخضاعنا؛ لفرض الاستسلام علينا، أو انسحابنا من الساحة، ومنعها من إقناعنا بأننا ضعفاء، ومنعها من إيجاد الشكّ والارتباك في فكرنا، أو خياراتنا، أو انتمائنا، أو تجسيدنا الخارجي... المطلوب أيضاً ـ في المقابل ـ كما يعمل هذا العدو على إخافتنا وإرعابنا يجب أن نعمل على إخافته وإرعابه، ويجب أن نعمل على إقناع مجتمعه بضعفه، وعلى إيجاد الشكّ والترديد تجاه جيشه وقيادته»(45). وهل هناك وسيلةٌ لإخافة الناس وإرعابهم أكثر من التهديد باستعمال أسلحة الدمار الشامل ضدّهم؟ وهل يمكن ردُّ هذا التهديد إلاّ بتهديدٍ مماثل، وبنفس المستوى؟
ويمكن أن نسأل: هل أنّ الحروب النفسيّة هي تحطيمٌ لكرامة الإنسان، وإرادته، وتفكيره، وحتّى أحلامه، بحيث يتحكَّم فيه إنسانٌ آخر، فيصير جسداً بلا روح؟ وأنّك كما قد تقتل إنساناً برصاصة فقد تقتل روحه وجسده بكلمة؟ فالحرب النفسية هي تدميرٌ للإرادة الداخلية للمجتمع، والفرد. وإنّنا لو نظرنا إلى نتائج الحروب المادية سنجدها نتائج محسوسة، قد تؤدي إلى الاستقرار مع مرور الزمن، ويمكن طيُّ صفحاتها بكلّ سهولة. أمّا الحروب النفسية فهي تجعل الإنسان ميت الإرادة، قليل الحيلة. ويرد عليه أنّ كلّ حرب فيها خسائر بشرية، ومعنوية، ومادية، وزمنية، وأنّه كلّما قلّت هذه الخسائر بمختلف أشكالها، وقصُر أمد الحرب، كلّما ارتاح العالم من همٍّ، وغمٍّ، وأنين. وإنّ الحروب النفسية قد تعدُّ مظهراً من مظاهر التقدم الإنساني، ولا سيّما أنّها تتّخذ سياسة حقن الدماء، وحفظ الأنفس من الضياع؟ أضِفْ إلى ذلك أنّه لا بدّ من مقابلة الأعداء بالمثل، ومن إتقان فنون الحروب التي يشنونها علينا، ومنها: الحرب النفسية، التي تختلف عن الحرب العسكرية، والاقتصادية، فهي تستهدف عقل الإنسان، وعقيدته، ومعنوياته، وثقته بنفسه، ولا تستهدف بالأصالة جسد الإنسان أو ماله.
وبناء على ما تقدّم فإنّنا نستدل بالقضايا المنطقية التي تمّ تركيبها؛ لتكون حجةً ودليلاً على جواز صنع أسلحة الدمار الشامل، مع لفت النظر إلى أنّ الإعداد لا يعني الاستخدام، ولا يعني عدم الاستخدام عند الضرورة، فهو يهدف إلى إرعاب العدوّ كي لا يعتدي علينا، فتكون القضايا كالتالي:
1ـ المعادلة الأولى:
ـ القضية الصغرى: وأعدّوا: فعل أمرٍ.
ـ القضية الكبرى: صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب.
ـ النتيجة: الإعداد للقوّة واجبٌ.
2ـ المعادلة الثانية:
ـ القضية الصغرى: أسلحة الدمار الشامل تُرهب العدو.
ـ القضية الكبرى: كلّ قوة تُرهِب العدوّ يجب الإعداد لها؛ لأن إرهاب العدوّ واجبٌ.
ـ النتيجة: إنتاج أسلحة الدمار الشامل واجبٌ.
ففي عصرنا الراهن كل دولة تمتلك السلاح النوويّ، ويمكنها إيصاله إلى العدوّ، سواء عبر الصواريخ البعيدة المدى، أو عبر الطائرات، هي دولةٌ مرهوبة الجانب، ولا تتجرّأ دولة أخرى على الاعتداء عليها. وبناءً عليه فإنّ إنتاج أسلحة الدمار الشامل هو من أهمّ عناصر القوّة في عصرنا الراهن، التي توقع الرعب في قلوب الأعداء، فتضعف معنوياتهم، وتجعلهم يعيشون القلق والتوتُّر، فتهزمهم نفسياً.

2ـ السُّنَّة
لقد أكَّدت السنّة الشريفة مفاد الآيات القرآنية، فالمؤمن يدافع عن قِيَمه كما يدافع عن نفسه، وعرضه، وماله، كما في قول الرسول الأكرم(ص): «الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه»(46). ولمّا كان علوّ الإسلام لا يتحقَّق بدون الأخذ بأسباب القوّة بحسب كلّ زمان ومكان وجب على المسلمين تحقيق عزّتهم عبر الأخذ بأسباب القوّة، ومنها: إنتاج هذه الأسلحة؛ لأن أكثر الأسلحة قوةً، وفتكاً، وتدميراً، وإرهاباً، هي أسلحة الدمار الشامل، وبالتالي فإنّ مَنْ يمتلكها يُرعِب أعداءه، ويحقِّق النصر المعنوي عليهم، ويحدِّد سقف المعركة، إنْ لم يكن للطرف الآخر قدرة على الردع. فيكون السعي لتحصيل تكنولوجيا إنتاج أسلحة الدمار الشامل، ولا سيّما النووية منها، وصنعها أمراً واجباً شرعاً، إلاّ ما خرج منه بدليلٍ، ولا دليل على خلافه.
أضِفْ إلى ذلك ما ورد عن الإمام عليّ(ع)، الذي كان حزيناً لما آل إليه وضع المسلمين، فقام بواجبه كإمامٍ لهذه الأمّة، ووليٍّ لأمور المسلمين، فأكثر تأليبهم، أي تحريضهم، وإغراءهم بقتال الأعداء، وتأنيبهم، أي أشدّ اللوم، ولكنّهم ضعفوا، وفتروا، بالرغم من أنّ ممالكهم تزوى، أي تقبض. فطلب منهم أن لا يتثاقلوا، ولا يقرّوا بالخسف، أي أن لا يعترفوا بالضيم، ويصبروا له، وأن لا يبوؤوا بالذلّ، قائلاً: «ألا ترَوْن إلى أطرافكم قد انتُقِصت، وإلى أمصارِكم قد افتُتِحت، وإلى ممالِكِكُم تَزوى، وإلى بلادكم تُغزى! انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوِّكم، ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقرّوا بالخسف، وتبوؤوا بالذلّ، ويكون نصيبكم الأخسّ، وإنّ أخا الحرب الأَرِق، ومَنْ نام لم يُنَمْ عنه، والسلام»(47).
ومنطوق جملة «ومَنْ نام لم يُنَمْ عنه» أنّ المؤمن المجاهد ينبغي له أن لا ينام أثناء الحرب، فلا بدّ من مجموعات تحرس المجموعات التي تستريح أثناء الحرب، وفي أرض المعركة. أمّا مفهوم هذه الجملة، في كل زمان، فهو أنّ المؤمنين المجاهدين لا بدّ لهم من اليقظة الدائمة على مستوى تحصيل معلومات عن خطط العدوّ، وأسلحته، كمّاً ونوعاً، بل لا بدّ من تحصيل أنواعٍ أفضل من أسلحة العدوّ، تتفوَّق عليها، وكميةً أكبر؛ كي يتمكَّن المجاهدون من الاستمرار في المعركة، وتحقيق النصر. ففي عصرنا الحاضر لا معنى لليقظة من دون العمل على تحصيل أسباب القوّة، التي تردع العدوّ، أو تُلحق به الهزيمة في حال قرَّر شنَّ هجومٍ على بلاد المسلمين، وهذا يعني أن العدوّ إذا امتلك أسلحة دمار شامل فلا بدّ من امتلاك المسلمين لهذه الأسلحة؛ كي يتحقق توازن الرعب، وإلاّ وقع المسلمون فريسة الأعداء المتوحِّشين، الذين لا يراعون قانوناً دولياً، ولا إنسانياً، حين ينوون غزو بلادنا؛ طمعاً بخيراتنا، وأرضنا، وعرضنا، وأموالنا.
ولا بدّ لنا في هذا المجال من الاستفادة من أقوال علماء المسلمين من الشيعة والسُّنَّة. فقد لاحظ بعض الفقهاء دخول هذه القضايا المستجدّة، فأجازوا استخدامها في الحرب المُحِقَّة، بل جعلوا ذلك من الواجبات المشمولة لدليل لزوم إعداد القوّة. كما لاحظوا هذا التطّور في آلات الحرب في مباحثهم في السبق والرماية، حيث عمَّموا ذلك إلى السبق والرماية بمختلف الوسائل الحربية؛ لأنهم فهموا هذا الباب على أنّه ممّا يتّصل بالإعداد والاستعداد للحروب.
ويرى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم(48) أنّ القيام بالتجارب النووية، وصنع أسلحة الدمار الشامل، أمرٌ جائز، وأنّ الإضرار بالبيئة أمرٌ نسبيّ، ولكنه يؤكِّد على القدرة على حفظه والتحكُّم به:
1ـ «نفس الصنع لا يحرم، خاصّة مع امتلاك الآخرين لذلك. نعم، لا بدّ من التوثُّق التامّ والدقيق بأنْ لا يقع السلاح بأيدي أنظمة متساهلة أو دكتاتورية تستبيح حرمات الآخرين، ويمثِّل ذلك عقبة رئيسية أمام الصنع. ولا بدّ من قوانين صارمة في هذا المجال، والتوثُّق التامّ من ضمان عدم استخدام السلاح ـ ولو لاحقاً ـ في غير الضرورة القصوى المشروعة.
2ـ الضرر بالبيئة تختلف درجاته، وهو لا يقتصر على التجارب النوويّة، ولا بد في كلّ الحالات من الموازنة وملاحظة الأولويات»(49). وكلام سماحته يؤيِّد النتائج التي وصلت إليها هذه المقالة.
ويُجَوِّز الشيخ گرامي(50) صنع السلاح النووي، قائلاً: «صنع السلاح النووي جائز؛ من جهة إرهاب العدوّ، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ...﴾ (الأنفال: 60)»(51). وكلام سماحته يؤيِّد أيضاً النتائج التي وصل إليها هذا البحث.
كما أكَّدت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف «وجوب» إنتاج الأمّة الإسلامية للأسلحة النووية، وغيرها من الأسلحة المتطوِّرة؛ بهدف الدفاع عن نفسها، وخاصّة في ظل وجود هذه الأسلحة بيد أعدائها. وأوضح الشيخ علاء الشناويهي، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، أنّ الإسلام أوجب على الأمة الإسلامية أن تكون متيقِّظة عارفة بعدوّها؛ لتتمكن من الاستعداد بما يتلاءم مع قوّة هذا العدو؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾.
ويرى الشناويهي أنّ الرسول(ص) ـ وهو القدوة الحسنة ـ كان يتحضَّر ويتقدَّم في كيفيّة الاستعداد للعدوّ بكل الوسائل المتاحة. وعليه فلو استعدّت الأمة الإسلامية بشيءٍ أقلّ مما يتسلَّح به عدوّها فإنّها تأثم؛ لتقصيرها في هذا الجانب. وأضاف عضو لجنة الفتوى بالأزهر أنّ الإسلام عندما أمر بالتطوُّر والاستعداد والتسلُّح بكلّ أساليب القوّة والطاقة لم يكن هدفه أن تصبح الأمة الإسلامية أمّة مفسدة في الأرض، وإنما كان هدفه ما ورد في قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وحتّى يشعر الجميع بأنّ الأمّة الإسلامية لديها من القوة والمنعة ما يجعلها قادرة على صدّ أيّ عدوان يوجَّه إليها.
وأكد الشناويهي أنّه يجب على جميع الدول العربية والإسلامية أن تتسلَّح بأحدث الأسلحة التي تجعلها مرفوعة الهامة، محفوظة الكرامة، مشيراً إلى أنّ ما نراه هذه الأيام من هوان للأمّة هو أكبر دليل على تخلُّفها؛ بسبب عدم تسلُّحها بأفضل الأسلحة، في وقتٍ ابتكر فيه أعداؤنا وسائل عديدة لتدمير وإبادة المسلمين المستضعفين.
من جهته وافق الشيخ علي أبو الحسن، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، على الفتوى، مطالباً الدول الإسلامية بالسعي لإنتاج الأسلحة النووية وغير النووية؛ ممّا يرهب عدوّها، ويمنعه من الاعتداء عليها. ويرى أبو الحسن أنّ معرفة العدوّ واجب ديني، وأنّ الإعداد له فريضة شرعية، وأنّه إذا ظهر السلاح في يد أمّة من العالم، سواء كانت صديقة أو معادية، لزم على المسلمين أن يمتلكوا نفس هذه الأسلحة، أو أسلحة أقوى منها، وأنّ ذلك ما أجمع عليه الفقهاء. وأضاف رئيس لجنة الفتوى أنّ الفقهاء أجمعوا أيضاً على أنّه إذا ترك المسلمون اقتناء مثل هذه الأسلحة فإنّهم آثمون شرعاً، وعليه فإنّ الإعداد للأعداء، واتّخاذ كافّة الوسائل الممكنة للدفاع عن النفس، فريضةٌ واجبة، ولا يجوز تركها شرعاً؛ ومن ثم فإنّ سعي الدول الإسلامية لامتلاك كافة أنواع الأسلحة الحديثة، نووية أو غيرها، واجبٌ شرعي(52).
ويرى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي(53) أنّ الإسلام يوجب على الأمّة المسلمة أن تمتلك هذه الأسلحة الرادعة، ما دام غيرها يملكها، ويمكن أن يُهَدِّدها به، وأن الأمة الإسلامية لا بدّ لها من الإعداد العسكري: «وهو يتطلَّب إعداد المعدات والأسلحة، وهو ما أمر به القرآن الأمّة أمراً صريحاً في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ﴾ (الأنفال: 60). وهذا الأمر يشمل إعداد كلِّ وسائل القوّة العسكرية اللازمة لتحقيق الانتصار على العدو، ومنها: رباط الخيل. والمراد برباط الخيل: ربط خيول المجاهدين على الثغور، ومنافذ البلاد، التي يمكن أن يتسلَّل منها الأعداء. وقد جاء عدد من الأحاديث الصحيحة تنوِّه بما في إعداد الخيل للجهاد من أجرٍ ومثوبة عند الله. ونقول هنا: إنّ النصَّ على الخيل ـ باعتبارها وسيلة من وسائل القوة في العصور الماضية ـ لا يلزمنا بأن نقف عند هذه الوسيلة، فلكلِّ عصر خيله وفرسانه. ولهذا نجد أنّ خيل عصرنا هي: الدبابات، والمصفَّحات، والمجنزرات، وغيرها من الآليَّات المقاتلة في البرِّ، بل يشمل هذا المعدّات البحرية، من السفن، والبوارج الحربية، والغوّاصات، وغيرها، وهي من أهم آليات الحرب في عصرنا. بل يشمل ذلك الوسائل الجوية، من الطائرات، والأقمار الصناعية، والصواريخ، وغيرها. وهناك الأسلحة النووية، التي استخدمتها أمريكا في نهاية الحرب العالمية الثانية ضد اليابان، في هيروشيما، وناغازاكي... نرى أنّ أمة الإسلام يجب أن تمتلك هذه الأسلحة غير المشروعة؛ لتكون سلاح ردع وتخويف لأعدائها. وهناك فرق بين استخدام هذه الأسلحة وامتلاكها؛ فإن امتلاكها ضروري لأمّة معرَّضة للعدوان من القوى التي تعادي المسلمين. وقد أثبتت الوقائع أنّ امتلاك مثل هذه الأسلحة هو ضمانٌ للسِّلْم»(54).
وردّاً على السؤال نفسه الذي وُجِّه إلى الأستاذ الدكتور عبد المعزّ حريز(55)، من قطر، بتاريخ: 12/3/2003م، حول موقف الإسلام من الحرب الكيميائيّة، أجاب سماحته بأنّ الإسلام لا يمنع المسلمين من إنتاج الأسلحة الكيميائية على أنّها أسلحة ردع. وتفصيل جوابه هو التالي: «بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فإنّ الإسلام يحافظ على البيئة في الحرب والسلم، وهذا لا يمنع المسلمين من امتلاك الأسلحة الكيميائية على أنّها أسلحة ردع... الأسلحة الكيميائية وغيرها، الأصل في امتلاكها في زماننا هذا الوجوب في حقّ الدولة الإسلامية؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60). ولهذا فإن هذه الأسلحة يتوجَّب علينا السعي لامتلاكها؛ حتّى نكون أمة لها رهبتها في بلاد الكفر، فلا يتمالأ أهل الكفر على المسلمين...»(56).
ويُجَوِّز الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي(57) إنتاج أسلحة الدمار الشامل؛ لتتكافأ قوتنا مع قوة الأعداء، قائلاً: «يجوز صنع أسلحة الدمار الشامل واقتناؤها، عملاً بالآية القرآنية: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ...﴾ (الأنفال: 60)، كما يجب أن ينهض العالم الإسلامي ليقول: إن على المسلمين إعداد القوّة في هذا المجال؛ لتتكافأ قوتنا مع قوة الأعداء، فـ «إسرائيل» تتفنَّن في صنع واقتناء هذه الأسلحة بكافّة أنواعها»(58). ويؤيِّد تصريحه الشفهي هذا بتصريحٍ خطّي آخر، حيث يميِّز بين عنف المظلوم عندما يضطر إليه لاستعادة حقّه من الظالم، أو الدفاع عن نفسه، فهو عنفٌ مشروع ومبرَّر عملاً بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...﴾ (النحل: 126)، وبين الإرهاب الذي تتمّ ممارسته ضدّ الأبرياء والآمنين(59). ويعطي مثالاً من فقه الجهاد، وهو أنه في حالة وَطَأَ الأعداء دار الإسلام، وأقاموا فيها أو في جزء منها على وجه الغصب والعدوان، فمن المتَّفق عليه عند علماء المسلمين أنّه يجب على المسلمين في هذه الحالة التصدّي لهم، والنهوض لصدِّ عُدوانهم بأيّ سبيل ممكن، قائلاً: «لا يجوز للمسلمين ـ حكّاماً ومحكومين ـ إقرارهم على ما قد تلبَّسوا به من الاغتصاب لحقوق عينيّة ثابتة، بأيّ وجه من الوجوه. ولا مناص للمسلمين من العمل على ردع العُدوان واستعادة الأرض المغتصبة إلى أصحابها بكلِّ السُّبُلِ الممكنة»(60). ولا شكّ أن مصطلح «بكلِّ السُّبُلِ الممكنة» يشمل أساليب المواجهة، والأسلحة المستعملة في التصدّي للعدو المعتدي، وبالتالي فهو يشمل الأسلحة غير التقليدية، ومنها: أسلحة الدمار الشامل.
ورداً على سؤال وُجِّه إليه من العراق، بتاريخ: 1/6/2005م، أجاب الدكتور أحمد أبو الوفا(61) بأنّه من حقّ الدولة المسلمة إنتاج أسلحة الدمار الشامل: «بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: سبقت الشريعة الإسلامية القانون الدولي العامّ في مبادئ العدل والإحسان، والحفاظ على الحقوق والأبدان، والتي منها وضع قيود في استخدام الأسلحة، وليس معنى هذا أن تُجَرِّد البلاد القوية البلاد الضعيفة من الأسلحة، فلها حقّ امتلاكها؛ للردع والدفاع عن نفسها. ومع ذلك نصَّ فقهاء المسلمين على أنّه من حقّ الدولة المسلمة امتلاك الأسلحة... وهذا من العدل، بعكس امتلاك دولةٍ واحدة للأسلحة المتطوِّرة، ووأد كلّ محاولة في العالم لامتلاكها»(62). ويفتي الشيخ ناصر بن حمد الفهد(63) بجواز إنتاج أسلحة الدمار الشامل، متسائلاً عن «الكيل بمكيالين» على المستوى الدولي، قائلاً: «ومن المعلوم أنّ الكفار في زمننا هذا إنّما جعلوا هذه الأسلحة المسمّاة بأسلحة الدمار الشامل «أسلحة ردع»؛ لتخويف غيرهم. وما تهديد أمريكا للعراق عنّا ببعيدٍ باستخدام هذه الأسلحة لو هاجمت العراق «إسرائيل»... فما الذي يبيحها لأمريكا، والكفّار، ويحرِّمها على المسلمين؟! إنّ الذين يتشدَّقون بمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، كأمريكا، وبريطانيا، هم أوّل مَنْ استخدم هذه الأسلحة. فبريطانيا استخدمت السلاح الكيماوي ضدّ العراقيين في الحرب العالميّة الأولى، وأمريكا استخدمت السلاح النووي ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية، كما أنّ ترسانتهم مع اليهود مليئة بهذه الأسلحة!»(64).

3ـ الدليل العقلي
لا يستقلُّ العقل في إدراك الأحكام وملاكاتها، بل يُدرك الملازمة بين الحكم الثابت شرعاً، أو عقلاً، وبين حكمٍ شرعي آخر، كحكمه بالملازمة بين الواجب ومقدّمته. ونلفت إلى أنّ الأصوليين قسَّموا المقدّمة إلى قسمين:
1ـ المقدمة الوجوبية: وهي ما يتوقَّف عليها نفس الوجوب، بأنْ تكون شرطاً له. ومثالها: الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، والبلوغ والعقل بالنسبة إلى التكليف. ويسمّى الواجب بالنسبة إليها (الواجب المشروط).
2ـ المقدمة الوجودية: وهي ما يتوقَّف عليها وجود الواجب، فيكون الوجوب بالنسبة إليها مطلقاً، فلا بدّ من تحصيلها كمقدّمة لتحصيله، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، والسفر بالنسبة إلى الحجّ. ولا شكّ أنّ المقدمة الوجودية هي مدار بحث الوجوب(65).
ونبدأ بمسألة وجوب مقدّمة الواجب، فإذا كان الإتيان بالواجب يتوقَّف على حصول مقدِّماته، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، والسفر بالنسبة إلى الحجّ، فلا بد للإنسان العاقل من تحصيل تلك المقدّمات، التي هي عبارة عن علل، أو شروط، أو رفع موانع. فالعقل لا شكّ يحكم بوجوب مقدّمة الواجب، أي يدرك لوازمها. وقد أجمع الأصوليون على هذه اللابُدّيّة العقلية للمقدّمة التي لا يتمّ الواجب إلاّ بها. ولكنْ هل يحكم أيضاً بأنّها واجبة عند المولى الذي أمر بالواجب الذي يتوقَّف عليها؟ لقد كثرت الأقوال والنقاشات في المسألة، وليس المقام مناسباً لمناقشتها. فوجوبها العقلي كافٍ لتحريك المُكَلَّف باتّجاه الإتيان بها، ومع فرض وجود الداعي في نفس المكلّف للإتيان بكلّ ما يتوقَّف عليه المأمور به تحصيلاً له لا تبقى حاجةٌ إلى داعٍ آخر من قِبَل المولى؛ لأنّه عبثٌ ولهو، بل يمتنع ذلك ويستحيل؛ لأنّه تحصيل للحاصل(66).
ولا شكّ أنّ الامتثال للأمر الإلهي في الإعداد للقوّة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً يوجب علينا العمل على الأخذ بأسباب القوّة، ومنها: أسلحة الدمار الشامل، التي تُعَدّ من أقوى أسلحة هذا العصر. والحصول على هذه الأسلحة إمّا أن يكون عبر شرائها، وهو أمرٌ صعب جدّاً، حيث يُفرَض حظرٌ دولي كبير على بيعها؛ وإمّا عبر إنتاجها محلّياً، وذلك بالاعتماد على قدرات الدولة الإسلامية الذاتية، ويمكن الاستعانة بخبراء من دول أخرى.
إنّ أسلحة الدمار الشامل هي من أبرز مصاديق الإعداد للقوّة في عصرنا الراهن، لذلك فإنّ إنتاجها هو أهمّ مصداق لمفهوم الإعداد للقوّة الذي أمرنا الله تعالى به في محكم كتابه الكريم، فيكون الدليل كالتالي:
ـ القضية الصغرى: إنتاج أسلحة الدمار الشامل مقدّمة ضروريّة لواجب الإعداد والأخذ بأسباب القوة.
ـ القضية الكبرى: مقدّمة الواجب واجبةٌ عقلاً.
ـ النتيجة: إنتاج أسلحة الدمار الشامل واجبٌ.
ويمكن صياغة الدليل العقلي بطريقةٍ أخرى، فهو الذي يوجب إنتاج أسلحة الدمار الشامل كمقدّمة لدفع الضرر الذي قد ينتج عن مهاجمة البلاد والشعوب بأسلحة الدمار الشامل، فالعقل يحكم بوجوب دفع الضرر كمقدّمة وجودية لوجوب الإعداد للقوّة. فبعد أن بيّنّا مفهوم الدليل العقلي وحجّيته لا بدّ لنا من بيان بعض المسائل التي تدخل في صلب الدليل العقلي المركَّب من قضيّتين ونتيجة، والذي سنعتمده في البرهنة على جواز، بل على وجوب، صنع أسلحة الدمار الشامل في عصرنا الراهن، ولا سيّما بعد إنتاج دول أخرى لهذه الأسلحة، وفي ظلّ عالمٍ لا يفهم إلاّ بالقوّة، عالم تسوده شريعة الغاب، فيقهر فيه القويّ الضعيف، والغنيّ الفقير. فتكون المعادلة كالتالي:
ـ القضية الصغرى: إنتاج أسلحة الدمار الشامل مقدّمة وجوديّة لتحقيق الدفع.
ـ القضية الكبرى: العقل يحكم بوجوب دفع الضرر.
ـ النتيجة: إنتاج أسلحة الدمار الشامل واجبٌ لدفع الضرر.

الهوامش :
(41) فهي كصيغة «افعل»، نحو «اذهب»، و«صَلِّ»، و«صُم»، و«جاهد»، تؤدّي مؤدّاها في الدلالة على الطلب والبعث.
(42) محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول ـ مع المعالم الجديدة: 287 ـ 288، ط1، لبنان ـ بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1410هـ ـ 1989م.
(43) أبو حيَّان الأندلسي، تفسير البحر المحيط: 506 ـ 509، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، ط1، لبنان ـ بيروت، دار الكتب العلمية، 1422هـ ـ 2001م.
(44) راجع موقعه على الإنترنت:
www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7387&version=1&template_id=119&parent_id=13#_ftn2
(45) راجع: موقع قناة المنار بتاريخ: 21/12/2009م، وكلمته التي ألقاها في الليلة الخامسة من ليالي محرم الحرام، في مجمع سيد الشهداء، في ضاحية بيروت الجنوبية:
www.almanar.com.lb/NewsSite/NewsDetails.aspx?id=116350&********=ar
(46) محمد الريشهري، ميزان الحكمة 2: 1339، ط1، إيران ـ قم، دار الحديث للطباعة والنشر، 1416هـ.
(47) والأرق: الذي لا ينام. ومثل قوله(ع): «مَنْ نام لم ينم عنه». (راجع: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17: 225 ـ 226، ط2، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، قم ـ إيران، دار إحياء الكتب العربية، 1965م ـ 1387هـ).
(48) أحد مراجع التقليد الشيعة في النجف الأشرف.
(49) استفتاء أرسل إلى سماحته من لبنان إلى العراق، بتاريخ: 21 ذو الحجّة 1428هـ، وقد أجاب عليه بتاريخ: 13 محرم 1428هـ.
(50) أحد الفقهاء الشيعة البارزين في مدينة قم المقدسة، في إيران.
(51) فتوى للشيخ گرامي، أطلقها في مقابلة علمية أجراها معه مُعِدُّ البحث في مكتبه، في مدينة قم المقدسة، بتاريخ 14/1/2008م.
(52) فتوى: امتلاك الأسلحة النووية «واجب» القاهرة ـ خاص ـ إسلام أون لاين ـ نت، 23/12/2002م.
(53) من علماء أهل السُّنَّة المعاصرين، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس المركز الأوروبي للبحوث والإفتاء.
(54) راجع: موقع القرضاوي على الإنترنت:
www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7287&version=1&template_id=119&parent_id=13.
(55) أستاذ الفقه، وأصوله، في الجامعة الأردنية.
(56) نقلاً عن موقع إسلام أون لاين ـ نت.
(57) من كبار فقهاء السُّنَّة البارزين في سوريا.
(58) ورد ذلك في ردٍّ على سؤال وَجَّههُ إليه مُعِدُّ الرسالة، حول جواز أو حرمة صنع واستعمال أسلحة الدمار الشامل ضد الأعداء، في حالتي الجهاد الدفاعي أو الابتدائي، وذلك ضمن أعمال المؤتمر الدائم للمقاومة، وفي ندوة تحت عنوان: «أخلاقيات، وآداب، الجهاد في القرآن، والسُّنَّة»، بتاريخ: الثلاثاء 16/12/2008م، في القاعة الثقافيّة لمعهد المعارف الحكمية، في بيروت، حارة حريك، الشارع العريض، سنتر صولي.
(59) محمد سعيد البوطي، الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟: 316 ـ 317، ط2، دمشق ـ سوريا، دار الفكر، 1997م.
(60) المرجع السابق: 231.
(61) أستاذ القانون الدولي العام في كلية الحقوق في جامعة القاهرة.
(62) إسلام أون لاين ـ نت ـ اسألوا أهل الذكر.
(63) من كبار فقهاء السُّنَّة في السعودية، له رسالة في حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الكفّار، كتبها في شهر ربيع الأول 1424هـ، ونشرها على الإنترنت.
(64) www.e ـ prism.org.
(65) محمد رضا المظفَّر، أصول الفقه ـ في مباحث الألفاظ، والملازمات العقلية، ومباحث الحجة، والأصول العملية: 275 ـ 276، تحقيق: عباس علي الزارعي السبزواري، ط6، إيران ـ قم، مؤسسة بوستان كتاب، 1380هـ.ش.
(66) المرجع السابق: 297 ـ 299.

المصدر: مجلة الاجتهاد والتجديد، العددان 26-27
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com