موقع الصراط ... الموضوع : رضوان الله تعالى غاية في كل عمل يقوم به الداعية
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  رضوان الله تعالى غاية في كل عمل يقوم به الداعية  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 11 / جمادي الأول / 1436 هـ
     
  الشهيد عبد الصاحب دخـيـّل
الدعوة الإسلامية مسؤولية كبيرة على عاتق الدعاة لا تضاهيها مسؤولية فهي مسؤولية رسالية ترتبط بمصير هذه الأمة، ومستقبل هذا الكوكب، والداعية حينما يتحمل أعباء هذه المسؤولية يعي بوضوح ضخامة المسؤولية الرسالية التي تعهد القيام بها. فلا تدفعه إلى حمل هذه المسؤولية رغبة عابرة، أو هوى في النفس، أو عاطفة زائلة، وهو يعلم ضخامة هذه المسؤولية، وما تكلفه من متاعب تبلغ به حد المحنة في كثير من الأحيان، وإنما يدفعه إلى ذلك كله: وعي عميق بمحتوى هذه الرسالة، وواقع المشكلة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان على وجه الأرض، وما لم يصدر الداعية في حياته الدعوتية، وجهاده في حقل الدعوة الإسلامية عن شعور عميق بالمسؤولية وبمحتوى هذه الرسالة لا يتاح له أن يستمر في هذا الطريق كثيراً أو يتابع عمله (التغييري) بنفس الاندفاع الذي بدأ العمل به.
ولا يتأتى للداعية هذا الشعور العميق بالمسؤولية والوعي الكامل لهذه الرسالة عن طريق التثقيف الإسلامي فقط، فالثقافة الإسلامية ، والذهنية الإسلامية المثقفة، على مالها من أهمية في حقل الدعوة، وتكوين شخصية الداعية لا تكفي وحدها لبناء هذه الشخصية التي تبني عليها أبعادها وخصائصها، وإنما تتكامل هذه الشخصية التي تبنى عليها الأمة آمالها بعد ذلك، أو قبل ذلك بالتأكيد على الصلة الروحية التي تربط الداعية بالله تعالى، وفي مختلف وجوه حياته وسلوكه ومن دون وجود هذه الصلة الروحية، والإيمان الوثيق بالمبدأ الأعلى لا تتكامل شخصية الداعية ولا تتأهل للقيام بأعباء هذه الرسالة، وتحمل مسؤولياتها الضخمة، فالذهنية الإسلامية المشبعة بالثقافة الإسلامية، وإن تكن جزءاً مقوماً من شخصية الداعية، وبعداً من أبعادها لكنها ما لم تتشبع بالإيمان بالله، والاطمئنان النفسي بالمبدأ الأعلى تظل جزءاً جامداً من هذه الشخصية لا حياة ولا حركة فيها، ولا تبعث الحياة في الآخرين.
وحينما تقترن هذه الثقافة بالإيمان بالله في نفس الداعية تتحول إلى شعلة ملتهبة من النشاط والحركة تبعث الحياة والحركة في كل شيء في المجتمع، وفي الفرد، وفي الدعوة، وفي كل شيء حتى في الكتاب، والورق، والقلم الذي يمسكه بيده، والكلمات التي ينطق بها، وكذلك الإيمان يمنح الحياة والحركة في نفس الداعية، ويحوله من آلة جامدة إلى شعلة ملتهبة من النشاط، ومن الجهاد، ويمنح فيضاً من الدفع الدائم، والزخم المستمر لهذه الشخصية في مجالات العمل، وحقول الدعوة، ومسؤولية التغيير الجذري لحياة هذه الأمة وسلوكها.
ونظرة واحدة إلى تاريخ الدعاة الأوائل الذين وقفوا أمام خط الانحراف عند أولى منعطفات التاريخ الإسلامي تبين لنا هذه الحقيقة بوضوح وجلاء فلم يقف الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري أمام (الانحرافية) التي ابتدعها معاوية وإضراب معاوية لأول مرة في تاريخ الإسلام بعتاد أو سلاح ولا عشيرة تمنع عنه، وإنما كان يقف أمام هذه الموجة الهوجاء من الانحرافية، بقلب مطمئن بالله تعالى، وإيمان به وشعور عميق بالمسؤولية، ووعي كامل لهذه الرسالة، وهذا الوعي الكامل والشعور العميق والإيمان القوي في النفس هو الذي كان يمده بالقوة والحركة، ويبعث في نفسه وفي المجتمع ثورة على الظلم والانحراف دون أن يخشى مغبة ذلك كله، أو يخاف عدوان سلطان معاوية وهو يومذاك الحاكم المطلق على أموال المسلمين ونفوسهم في الشام.
ولم يقف زيد بن علي (ع) أمام سلطان الخليفة الأموي الجائر ذلك الموقف الصلب الذي سجله له التاريخ، ولم يشهر في وجهه السيف، ويخوض معه غمار معركة حامية الوطيس بغير هذه النفس المطمئنة بالله المؤمنة به.
وقبل هذا وذاك لم يقف النبي (ص) في وجه الجاهلية، ولا يحيطه غير نفر يسير من أصحابه بغير هذا الاطمئنان وهذه الثقة العميقة بالله، الذي كان يعصمه من قريش ومن مكر قريش.
ويقف النبي (ص) بأصحابه وهم نفر قليل، وليس معهم من عتاد الحرب ما يوازن عتاد العدو لدى جيش المشركين من قريش وأحلاف قريش، وقد ملأوا الميدان خيلاً ورجالاً فيتوجه إلى الله ويستقبل القبلة، ويمد يده ضارعاً إلى الله، ويقول في لهجة مؤمنة خاشعة: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض) وما يزال يهتف ربه ماداً يديه حتى يسقط رداؤه.
ولا نعني نحن من الإيمان هذه العقيدة الإلهية التي يؤمن بها المسلمون فحسب، يسوقون له من الأدلة ما لا يبقى مجالاً للتشكيك وإنما نعني به هذا الاطمئنان النفسي، والشعور النفسي العميق بالله الذي يصدر عنه المؤمنون في جميع أعمالهم، وحركاتهم والتي تعبر عنه الآية الكريمة بهذه اللهجة الرقيقة المؤمنة التي تشف عن إيمان بالله عميق. ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الأنعام:162) .
وما لم يبلغ الداعية من إيمان بالله هذه المرتبة التي يخلص فيها لله في كل جانب من جوانب سلوكه ويتشبع بها، لا تتماسك شخصيته كداعية، ولا تكمل أبعاد شخصيته، وتلك الحقيقة نحب أن نؤكد عليها للدعاة فليس هناك عنصر أهم في بناء كيان شخصية الداعية من العنصر الروحي، ولا يتأتى للداعية هذا الإيمان المعمق الذي تقوم عليه شخصيته الدعوتية بعقد القلب والاستقرار النفسي فحسب وإنما هو شيء أكثر من ذلك لا يتأتى للداعية إلا بعد تَشَبُعٍ نفسي كامل، واتصال روحي مستمر بالله تعالى حتى تمتلئ نفس الداعية بالإخلاص والإيمان، ولا يجد من نفسه مجالاً لنفوذ الهوى، وسلطان الطاغوت، وحتى يأخذ هذا الإيمان عليه آفاق نفسه، وبصيرته فلا يرى شيئاً إلا ويرى الله قبله وبعده ومعه.
والاتصال الروحي، والذكر الدائم، واستشعار النفس معنى العبودية لله، والتفكير المستمر في خلق السماوات والأرض، وجلال الخالق، وجبروته هو الذي يحقق للنفس هذا التشبع الروحي والإيمان المعمق الذي كنا نتحدث عنه ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) (آل عمران:191) .
والتوجه الدائم إلى الله، والانصراف بالنفس إليه تعالى عن كل أحد، وكل شيء وتسبيحه ودعاؤه لكل حاجة مما يعرض للإنسان يكفي لأن يغلق منافذ النفس على غير المبدأ الأعلى تبارك وتعالى ((رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ  رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ  فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ))(آل عمران: 192-195) .
وليس أمراً يسيراً في مثل هذه الأجواء الاجتماعية المتشبعة بالمادة، والتي يعيشها الدعاة اليوم أن يخلص الداعية نفسه لله ، وأن ينتزع نفسه من هذا المحيط، وما يكتنفه من عوامل مادية ليخلص لله، وليصرف نفسه عن كل شيء إلى الله، ولكن ذلك لا يعني إن هذا الانصراف الروحي إلى الله والإخلاص، والتوجه النفسي الكامل سوف يكلف الإنسان كثيراً من المعاناة النفسية، فإن ما يجده المؤمنون من لذة الانصراف إلى الله والإخلاص له في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة والتوجه والذكر الدائم لا يجده الإنسان في أي شيء آخر من متع الحياة ولذاتها.
النشوة التي تجدها الروح ساعات العبادة والتسبيح والتفرغ لله، والانصراف إليه، حينما يأوي الناس إلى النوم، وحينما تهدأ الأصوات، ويخفت صخب الناس في مسالك الحياة لا توازيها نشوة، وليس ألذ إلى النفس، ولا أحب إليها من أن يقوم الإنسان ساعة يركن الناس فيها إلى النوم ويسدل الليل ستره، فيقف أمام الله؛ ليسبحه ويذكره وليتضرع إليه ويستغفره.
والدعوة الإسلامية إذ تضع على عاتقها مسؤولية تغيير المجتمع وتقرير مصير الأمة ومستقبلها لا يتم لها ذلك ما لم يطبع أعمالها ونشاطها طابع من الإخلاص والانصراف الروحي إلى الله وإذا كان هذا الانصراف شيئاً كمالياً في نظر كثير من الناس فهو جزء مقوم للدعوة بالنسبة للداعية ولا يتاح له أن يقوم بمهمته التغيرية في المجتمع، ولا يتم له تحقيق شيء من أهداف الدعوة وأغراضها على المدى البعيد ما لم يجعل رضوان الله تعالى غايته في كل عمل يقوم به، وما لم يخلص نفسه مما يعلق بها من الرواسب والشهوات التي تعيقه عن هذه الغاية.
((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً  وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً  وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً  إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً  وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً  يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً  إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)) (الفرقان: 63-70) .

ذو القعدة 1387هــ
صوت الدعوة - العدد 14
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com