موقع الصراط ... الموضوع : حب الظهور في العمل السياسي والاجتماعي
 
الإثنين - 4 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حب الظهور في العمل السياسي والاجتماعي  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 12 / جمادي الأول / 1436 هـ
     
  بقلم: داعية الإسلام
(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)
حب الظهور حالة مرضية تصيب أوساطاً اجتماعية مختلفة ، وتتفاوت خطورتها بتفاوت الشريحة الاجتماعية التي تمنى بها من حيث الأهمية ومن حيث اتساع المساحة التي يتفشّى فيها ذلك المرض ، ويأخذ هذا المرض صفة الظاهرة عندما يزداد عدد المصابين ، وينتشر بشكل يتجاوز الحالات الفردية.
إن تناول هذا الموضوع يأتي في سياق التشخيص الدقيق لظهور هذه الحالة على بعض العاملين من جانب ولحرصنا الشديد إلى الحيلولة دون أن تتحول تلك الإصابات المتفرقة إلى ظاهرة (لا سمح الله) من جانب آخر ، إضافة إلى أنها تعمل ما بوسعها لتنقية أوساط الأمة من الشوائب السلوكية أيّاً كان نوعها ، ثم إن توعية المسلم على مثل هذه الظواهر يسهم وبدرجة كبيرة بكبح جماح التفاقم الذي يحوّل المرض من صورة استثنائية في حدود عدد ما إلى حالة متجذرة في الكيان الحركي تطفح على سطحه في حقل ما من حقول العمل (والعياذ بالله).
حديثنا هنا ومن هذه الظاهرة سينصب على عدة نقاط :
1. كيفية تحديد الظاهرة من خلال التعرف على أبرز سماتها .
2. العلاقة بين حب الظهور وبين التنازع على الموقع .
3. أسباب الظاهرة وعوامل انتشارها .
4. النتائج المترتبة عليها .
5. المعالجة الإسلامية في هذا المجال .

(أولاً): كيف نحدد ظاهرة حب الظهور؟ :
ربما يكون من الصعب أحياناً - إن لم يكن من المتعذر - تحديد الدوافع الحقيقية لحركة صنفين من العاملين في وسط الدعاة إلى الله ، وسر الصعوبة ينشأ من أن طبيعة العمل هي الدعوة إلى الله تعالى ، ومهمة كهذه تتطلب أن يجنّد الداعية كل ما لديه من أجل أن يؤدّي دوره في الأمة والحركة، ولعل مظهر الداعية العامل الحريص والنشط الذي ينذر نفسه لله (عزّ وجلّ) ، ويتفانى في الدعوة إليه ولا يريد إلا رضاه، يتداخل أحياناً – وللوهلة الأولى – مع مظهر ذلك الذي يندفع من حب ذاته ويبقى رازحاً تحت وطأة تلك الحالة حيث يتذوّق المدح ويشتاق إلى الشهرة، ويجعل همّا الارتقاء في المواقع ويبحث عن دائرة الضوء .
ولابد للجواب على سؤال " كيف نحدد ظاهرة حب الظهور ؟ " من أن نتناولها من منظورين : منظور تحديد المرض ومنظور من كونه ظاهرة؛ لأننا بصدد الحديث حول حب الظهور كظاهرة ، وليست صورة استثنائية وإن كنا نؤكد على الترابط بين الأمرين؛ إذ أن المرض قد يبدأ بالفرد العامل ثم يشمل أفراداً عاملين ، ثم يكون ظاهرة تتحوّل إلى حالة دائمة ومستحكمة بحيث يتعذّر معها العلاج والاستئصال .
ولنأخذ مثلاً :
* تحديد هذه الحالة المرضية هو إبراز الذات من خلال الحديث والاستشهاد .
فالداعية يمكن أن يتناول أي موضوع أو أي حديث من الزاوية الرسالية سواء أكان حديثه على صعيد التربية أو التثقيف العام أو ممارسة النقد أو أي صعيد آخر ، واتجاه كهذا بالحديث يستوجب توضيح كامل أطراف الموضوع وبأعمق ما تتطلبه مصلحة الإسلام، فمحور التناول هو الإسلام من حيث يبدأ إلى حيث ينتهي، فمفردات الحديث تدل من خلال عرضه على أنه يريد أن يصل بالمعنيين بالحديث لما فيه مصلحة الإسلام، وحتى إذا صادف أن تكون هناك مفردة واحدة أو أكثر متعلقة بذاته، إلا أنها واضحة من خلال الاتجاه العام للحديث ومن خلال التركيز على المصلحة الإسلامية على أنها ليست المستهدفة، خصوصاً إذا بلغت به الحكمة الحد الذي يستخدم فيه أسلوب الكناية في المفردات التي تتعلق به، أما الذي يتحدث بموقع الإصابة بمرض حب الظهور فهو لا يرى لذةً في كل حديث ولا مبرر لطرح أي موضوع إلا أن يكون مدخلاً من مداخل الذات وفرصة لاستلاب إعجاب الآخرين به، ولا يكون همه إلا أن يترك لدى المستمعين لحديثه فارقاً فيما ينظرون به إليه بحيث ينتهي بهم إلى أنه مثقف.. أنه عامل وأنه ذكي وأنه يخشى الله وأنه محب ، وكل مظاهر حب الذات ، وبذلك يستشعر الدعاة وهم يستمعون إليه بأنه يطوف بهم في أرجاء ذاته متشبثاً بها في هذا الحديث أو ذاك وانطلاقاً من هذا الدافع تراه يستعظم موقفاً ما، ليس له مثل هذه الأهمية، ويستهين بموقف آخر رغم ما فيه من أثر بالغ وقدسية معينة كل ذالك على أساس ما له من دور في الموقف الأول وغياب الموقف الثاني.
وعندما يضع الداعية نصب عينيه المتبنى الإسلامي الملتزم يكون من السهل تشخيص هذا العارض المرضي الذي يصيبه أو يصيب الآخرين ، وهذا المتبنى الذي لا يستدعي أن يعرف بدوره في حدث ما انطلاقاً من حب الذات والشهرة، كما لا يستدعي أن يختزن من المعلومات ما يخصه هو بالذات ليستعظم قدره ، إنما يريد منه أن يعرف بأهميتها ويدرك خطورتها ويحفظ لها كل ما من شأنه أن يجعله بمستوى مهمته، ولا بأس بأن يعرف في هذا السياق بدوره ودور إخوانه ، وهو حين يلجأ إلى الحديث عن نفسه بالكنية متجنباً حقيقة وبدون تكلف ذكر نفسه فقد حفظ الابتعاد عن تلك الظاهرة غير الصحية في عمل الداعية .

* محاولة إضعاف دور الآخرين والتقليل من شأنهم :
ومن العلامات التي تفصح عن هذه الحالة عند البعض هي محاولة بخس الآخرين حقّهم والتقليل من شأن قدراتهم وجهدهم ، في حين يحاول أن يصور جهده وكفاءته وما يقوم به من نشاطات بصورة النموذج الرائد في العمل والوعي والإتقان ، وفي كل حال ينبغي أن نميز بين التقويم الموضوعي والتسديد وبين محاولات الإضعاف وبخس الآخرين أشياءهم .
والدعاة الرساليين دأبوا عل حب العمل تقرّباً إلى الله (عزّ وجلّ) ودرجوا على مواجهة الصعاب سعياً لنيل رضوانه، الحالة على من تظهر عليه أعراض "حب الشهرة" تختلف تماماً ، فهو قبل أن يقترح عملاً ما ينظر إلى ما يوفر له ذلك العمل من فرصة للظهور ويكسبه ذلك التكليف من موقع، فتراه يلتمس العذر تلو الآخر للابتعاد عن الأعمال التي ليس لها مردود إعلامي معيّن يسد عنده نهم حب الشهرة، فيما يبذل كل ما في وسعه إلى العمل الآخر الذي يحقق فيه مآربه.
العامل الإسلامي الذي يصاب بمرض حب الشهرة والتنازع على الموقع يشعر أنه بحاجة أن يدخل في حساباته التقييمية قرب هذا العامل أو ذاك منه شخصيّاً وتبدأ ظاهرة حب الظهور وتجره إلى اقتراف خطأ تقريب غير الكفؤ وإبعاد الكفؤ أحياناً لا لشي إلا أن الأول يسهم في تعزيز موقعه ويشارك في تسليط الأضواء عليه، وبذلك يتخذ المرض صفة غاية في الخطورة حتى يمتد إلى بناء الأجهزة التي يعمل فيها، والمصاب هنا يمارس إعطاء المقترح من موقع كونه مكبلاً بما ينفعه أو يضره ذلك المقترح لا بما ينفع أو يضر العمل.

* تحمّل المسيرة :
يفترض بالدعاة المجاهدين أنهم ربطوا مصيرهم بالإسلام واتخذوا منه هدفاً ومنطلقاً للعمل، وهم والحالة هذه يتحلّون بالقدرة على مواصلة السير والصبر على المكاره لأنهم ينظرون إلى الطريق وما يعتريه من مشاكل من خلال الهدف الكبير الذي يريدون تحقيقه وهذا ما يضفي عليهم طابع الاستقرار رغم الظروف الصعبة التي تحيط بهم ، أما الذين يريدون أن يعرفوا عند الآخرين ويحتلوا مواقع ما خدمة لأنفسهم فهم لا يقوون على تحمل المصاعب ولا يقدرون على مواصلة السير ، وتبدو عليهم ظاهرة التقلب والاضطراب ، فهم في مقطع الظرف الموقف السهل وأثناء المد ينشطون ويحاولون احتلال حجم أكبر من حجمهم ، فيما تبدو عليهم في مقطع الظرف الصعب و أثناء الجزر آثار التعب التي تصل مع اشتداد وتوالي المحن إلى حد ال?إعياء لأنهم لا ينسجمون في مثل هذا الجو مع طموحاتهم الذاتية مما يؤدي إلى التلكؤ في المسير متفيئين ظلال هذه الذريعة أو تلك، أو أنهم يسايرون العمل وفي نفوسهم قدر من السأم؛ لأنهم يحسون أن البذل والعطاء لا يصب في توسعة دائرة الشهرة ولا يضخم من بريقهم الظاهري .
وهنا نثبت أن هذا لا يصلح أن يطلق على أولئك الذين بدت لهم رؤية معينة أيا كان تقييمنا لها وأدت بهم تلك الرؤية أو ذاك التصوّر إلى اتخاذ موقف ما في أصل المواصلة في المسيرة الإسلامية أو تخفيض معدّل التحرّك على نفس المسار.

* صناعة الموقف :
للداعية موقف في كل حدث ، ولما كان المطلوب منه أن يكون ذا موقف مبدئي، فأن معايير الربح والخسارة في اتخاذ الموقف خرجت من دائرة الذات إلى أفق الرسالة فقد يتطلّب موقف ما أن يضحي من أجل رسالته، وقد يكون حجم التضحية بحجم ماله أو نفسه، وقد يكون أقل من ذلك ، والذي يجعل الدعاة على هذا المستوى من الاستعداد في اتخاذ الموقف هو مبدأيتهم ، أما اتخاذ الموقف من زاوية ما يعزّز شهرته أو تجنّب ما يلحقه من ضرر - على أقل تقدير - فإن ذلك هو الذي جعل الموقف مضغوطاً بحسابات الذات الأنانية وليس الذات الرسالية ، فالذي يلحظ أحياناً على البعض أنهم ليسوا بمستوى الموقف - لا لأنهم لا يعون الصواب من الخطأ في المقام - بل لأنهم لا يقوون على أن يتحمّلوا نقد الجهّال، أو لغط المغفلين، أو سوء فهم بعض المؤمنين ممن لا يملكون الوعي العالي لكامل الموقف.
وكلما كان العامل الإسلامي أكثر مراعاة للشهرة، وأحرص على الموقع في اتخاذ الموقف كلما كان التفاوت أكبر بين بعد المبدأ وبعد الموقف في شخصيته، أما حالة التقارب؛ فإن لم يكن هنالك تطابق بين المبدأ والموقف لا تحصل إلا للذين اندكت مشاعرهم بوعاء الإسلام ولا يهمهم إلا مصلحته .
ومراعاة الناس في ظرف ما أو في حدث معين لا يعني أنها لا تؤخذ بنظرة الاعتبار؛ فهي تشكل جزء من الموضوع الذي خصه الله (تعالى) بحكم دون غيره، لكن الذي يراد من الدعاة هو أن يراعوا مرضاة الناس بمقدار ما يأمر به الشارع المقدس وجعله جزء الموضوع، لا أن تراعى مسألة الشهرة على حساب الموقف الرسالي .

* السرية :
السريّة ليست هدفاً بحد ذاتها، ولذلك ينظر لها من خلال خدمتها للأهداف، فالسرية تراعى بمقدار ما تكون تلك المراعاة ذات مصلحة، أو على الأقل لا تضر بالعمل أما أن تتحول السريّة إلى ضرر فلا نجد ما يبرر الالتزام بها، والداعية يعرف وبحكمته كيف يجسّد مفهوم السريّة أثناء مسيرته التكاملية، لكننا نلحظ أحياناً مفارقات من البعض على شكل ثرثرة تنم عن حب الشهرة حيث يتيح هؤلاء لأنفسهم أن يتحدثوا عن أمور لا لشيء إلا لأن لهم دوراً فيها، أو يتحدثون عن مواقعهم بطريقة التصريح أو التلميح ، معلنين تصرفهم هذا بأنهم يشهدون عن حسِّ ويتكلمون عن تجربة ، نحن لا نريد أن نغفل دور الحديث المقرون بالدليل الحسي، ولا نبخس التجربة قيمتها في كلام المتحدث لكننا لا نريد أن يكون ذلك ستاراً يخفي خلفه حالة من حب الشهرة، أو اتخاذها مقدمة لاحتلال موقع ما .
وهكذا نرى أن المصابين بهذا المرض (حب الشهرة) قد هدّموا حاجز السرية لا لمصلحة العمل، بل لأن ذلك الحاجز يحول دون شهرتهم وإلقاء الضوء على ما لديهم من مسؤولية، فيما نجد الداعية المتجرّد لا يتحدث عما عنده من معلومات إلا بحدود ما يملي عليه الواجب، فقد يكون هو بذاته وراء موقف من المواقف الكبيرة ولكنه لا يحاول إظهار ذلك حفاظاً على ذلك العمل.

* هدف العلاقة :
هدف العلاقة فيما بين المؤمنين الرساليين وما بينهم وبين الأمة هو التغيير، ومعنى أن يكون التغيير أساساً في العلاقة هو أن الداعية الرسالي في شغل شاغل في أي جو من الأجواء ومع أي شخص من الأشخاص فهو يبذل جهده من أجل تصحيح الأفكار والسلوك والموقف والعلاقات كل ذلك يأتي في سياق مهمّته التغييرية الكبرى، وهي "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ، إلا أن هذه العملية لا تتم دائماً بدون ثمن، وقد يبلغ ذلك الثمن حدّاً باهظاً ، وهذا يتطلب أن يبذل جهداً كبيراً مرة، أو وقتاً طويلاً مرة أخرى، وقد يبدي قدراً عالياً من التحمل وسعة الصدر ، وقد يتطلّب أن يضحّي ببعض عواطفه من أجل أن يعزز مبادئه في نفوس الآخرين.
الذين يتحركون من موقع حب الشهرة يتحركون مع المبادئ بالاتجاه الذي لا تكون تلك الحركة على حساب شهرتهم، ومتى ما بدا لهم أن أمراً ما يتطلب التنازل عن بعض الشهرة، أو يصدّع مكانتهم عند الآخرين، فسرعان ما يتراجعون - مبدئيّاً - من أجل الحفاظ على منسوب إعجاب الآخرين بهم، وبذلك يجعلون رسالتهم على طبق استمالة الآخرين لذاتهم، ليس المهم عندهم أن تكون مبادؤهم كبيرة عندما يتخاطبون، بل المهم أن يكونوا هم كبار في نفوسهم ، ولعل نظرة واقعية لهم وهم يمارسون هذا العمل توضح لنا الصورة المشوهة في العمل؛ إذ أنهم يعمدون في الشق الأول من العلاقة على مدح الآخرين، وعدم إظهار السُخط على بعض تصرفاتهم السيئة، لا لشيء إلا لإمرار المقدمة اللازمة من وجهة نظرهم للشق الثاني، وهو الحديث عن الذات وأنهم ماذا عملوا وأنهم يملكون الخبرات الكثيرة، والمواقف القوية الحافلة بملاحم البطولة والنجاح، وما إلى ذلك؛ لذلك تحس وأنت ترصد الذين يتعاملون معهم أنهم يخرجون بنتيجة قد تمتد إلى بعض الوقت إن هؤلاء كبار فيما يمتلكون من مواهب، وفيما يطرحون من مدعيات، أما ما هي درجة تغيرهم إسلامياً على يد هؤلاء فهذا ما لا تجد له تأثيراً يتناسب مع ذلك الجهد، أو تلك القابلية.
إن هذا المرض لا يخلو منه مجتمع رسالي على مستوى الأفراد وعلى طول امتداد التأريخ، وهو أمر متوقع لا يهدد مصير ذلك المجتمع بالخطر، إلا أن الشيء الذي يخشى منه على المجتمع هو أن يتحوّل ذلك المرض الفردي إلى ظاهرة مؤثرة على مسيرة هذا المجتمع وأخلاقياته الإسلامية.

(ثانيا) : العلاقة بين حب الظهور وبين التنازع على الموقع:
عندما يستولي حب الظهور على العامل الإسلامي في نطاق عمله يكون من المتوقع - والحالة هذه - أن يستبد هذا الاتجاه باهتمامه ويسيطر على تفكيره ونشاطه وهذا سوف ينعكس على إخوانه العاملين وفي أي موقع من مواقع العمل فهو يريد لنفسه، و لا يريد لهم، ويسمح لها ولا يسمح لهم، يتحسس من تحمل إخوانه لأعباء المسؤولية متصوراً أنهم يفكرون كما يفكر ويستهدفون ما يستهدف؛ فهو لا يملك القدرة على أن يتصور إخوانه على حقيقتهم من أن ما يتحملونه من مسؤولية هو إفراز طبيعي إلى حاجة العمل إلى كفاءتهم وأنهم ينظرون إلى المسؤولية على أنها واجب إسلامي وأنهم يخشونها لأنها تؤدي بهم إلى الحساب :{وقفوهم إنهم مسؤولون} .
من هنا نجد العلاقة بين حب الظهور والتنازع على الموقع علاقة الأسباب بنتائجها.

(ثالثاً) : أسباب الظاهرة وعوامل انتشارها:
1- ضعف العلاقة بالله تعالى :
الداعية الذي توطّدت علاقته بالله تعالى لا يستذوق طعماً ألذ من طعم القربة إليه فهو لا يأنس إلا باتجاه مرضاته ولا يرجو أحداً غيره ، وبذلك تحسن سريرته وتخلص نيته ومتى ما وصل إلى هذا المستوى يحظى برضاء الله .
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : "وإن الله سبحانه يدخل بصدق النية، والسرية الصالحة من يشاء من عباده الجنة " .
كما أن حسن السرية يكون بذرة صالحة لحسن الطالع، وسبباً لصلاح علانيته، ويقول الحديث الشريف : "مَن أصلح سريرته مع الله أصلح الله علانيته " .
لكن الفرق كبير جداً بين من ينطلق من كسب الشهرة واحتلال الموقع الأعلى في العمل وبين مَن ينتهي إليه بسبب توثيق الله تبارك وتعالى، كما أن الفرق كبير أيضاً بين من يبحث عن الضوء ليعرف من يلاحقه الضوء لأن الله جلّ شأنه يريد له ذلك .
المؤمنون يخافون الضوء الإعلامي عندما يستمد جذره من رغبة النفس؛ لأنه مسرب من مسارب الشيطان اللعين وبالتالي لا بد أن يثابوا على تطهير قلوبهم منه.
2- طبيعة جو العمل :
مثلما يتحرك الداعية في جو إخوانه الدعاة إلى الله يتحرك وبدرجة أكبر مع أجواء العمل عامةً ويستوحي الرؤى وبناء الشخصيّة من خلالها ، وفي حالة وجود ظاهرات غير طبيعية في أجواء العمل فإن البعض من الدعاة يكون عرضة للتأثر بها والاندماج معها؛ لذلك يتوجب تنقية أجواء العمل وتحصين الداعية من قبل إخوانه ضد الظواهر غير الطبيعية بالإضافة إلى ضرورة مراقبة الداعية لنفسه وتنقيح عمله واتجاهه في الحياة .
3- عدم اندكاك الداعية في أجواء العمل الإسلامي ومفاهيمه :
إن الأجواء التربوية التي توفرها الرسالة الإسلامية الرصينة ينبغي أن تحدث التغيير اللازم في بناء الشخصية الداعية إلى الله وأن عدم التفاعل والاندكاك بالأجواء الإسلامية يتسبب في بروز ما تحمله الشخصية من رواسب الحياة الاجتماعية المتأثرة بالبيئة والنوازع غير المنصهرة في الاتجاه الإسلامي للشخصية ؛ لذا فإن الأفكار والمفاهيم، وأساليب العمل التي يحصل عيها الداعية تبقى ضعيفة أمام الرواسب والنوازع البشرية غير المتغيرة، ومنها نزعة حب الظهور والتنازع على المواقع التي يعطيها الناس قيمة في الأجواء غير الإسلامية.
إن الداعية ينبغي أن يعي مهمته الرسالية في الحياة ألا وهي الدعوة إلى توحيد الله وعبادته ، ويفهم أن العمل الرسالي عمل عبادي ، وليس كالعمل "السياسي" في صفوف الأحزاب والمنظمات غير الإسلامية التي يعلق الكثيرون منهم وجودهم في صفوف تلك الأحزاب على احتلال المواقع وحمل العناوين.
(رابعاً) : النتائج المترتبة على هذه الظاهرة :
1. إن تفشّي هذه الظاهرة يفقد الرساليين مصداقيتهم الإيمانية، ويشل قدرتهم التغييرية وسط الأمة ويعطيها انطباعاً غير مشرق عن العاملين الإسلاميين؛ مما يفقد الأمة ثقتها بهم ويقتل روح الأمل فيها .
2. إذا ما قدّر لهذه الظاهرة أن تؤثر في بنية العمل؛ فإنها لتؤدي إلى ظهور عناصر غير كفؤة، وهدر طاقات مهمة مؤهلة لتحمّل المهام الرسالية مما يؤثر على مسيرة العمل تأثيراً سلبياً وضارّاً .
3. إن تفشّي مثل هذه الظاهرة من شأنه أن يُكوِّن جوّاً في صفوف الدعاة مشيعاً بهذه الروح غير الصحيّة فتؤثر على الدعاة الآخرين وتترك بصماتها السلبية على شخصياتهم الإيمانية .
4. إن جوّاً يسوده التنازع على المواقع وتشيع فيه روح حب الشهرة يؤدي إلى جملة ظواهر مرضية أخرى أهمها : أنه يخلق أرضية مناسبة لزرع بذور الانشقاق ولعل من العوامل الأساسية لحالات بروز ظاهرة الانشقاق يقف عامل حب الشهرة والتنازع على الموقع في مقدمة هذه العوامل .
5. عجز الامة المؤمنة عن أداء مهامها الأساسية والوصول إلى أهدافها الحقيقية وبذلك تفقد ( لا سمح الله) مبررات وجودها في الحالة التي تستحكم فيها هذه الظاهرة غير الصحيّة .

(خامساً) : المعالجة الإسلامية في هذا المجال :
إن الإجراءات التي تعتبر علاجاً لهذه الظاهرة من جانب ، وإجراءً وقائياً لها من جانب آخر هي :
1. تعميق العلاقة بالله سبحانه والتربية على نكران الذات .
إن النفس الإنسانية بطبيعتها تحب المدح، وتميل إلى الشهرة لكن الذي يكبح جماحها هو خشية الله في السر والعلن، ومداومة الذكر، واستذواق طعم ا?لقرب منه فالذي يتفانى في ذات الله لا يحسّ بلذة أقوى من تلك اللذة ولا يرى موجوداً يقصده أعظم من الحق (جلّ وعلا)؛ فكل عناء يتلاشى بالفناء في حبه، وكل هم يزول أمام رضاه ...
إن الشهيد هو المثل الأعلى للفناء في ذات الله ونكران الذات والابتعاد عن الشهرة وحب الظهور .
2- تنمية الإحساس بسمو الهدف .
إن عملية شد الداعية إلى هدفه الإسلامي المقدس من شأنها أن تجعله يتسامى على الكثير من المشاعر والأهداف الشخصية توصلاً إلى ذلك الهدف الرسالي الكبير، فكلما كانت أهدافه الرسالية كبيرة في نفسه كانت نفسه واهتماماته كبيرة أيضاً، وكان انتصاره على النوازع الأنانية أقوى وأشد.
2. المحاسبة والتقويم الموضوعي.
إن عدم المحاسبة والتقويم الموضوعي من شأنه أن يفسح المجال أمام نمو ونشوء الظواهر والحالات غير الصحيّة وحب الشهرة والإطراء والتسلّق والتنازع والتمحور... إلخ ، لذا ينبغي للأمة أن تحاسب على مثل هذه الحالات وتحول دون حصول حالات التقويم غير الموضوعي، الذي كثيراً ما يتسبب في الانتفاخ والفهم الخاطئ للذات عند البعض .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ."

المصدر: نظرات في الإعداد الروحي، الشيخ الشهيد حسين معن(رض)، الحاشية، ص146ـ 155، الطبعة الثانية(1992م) مؤسسة العارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com