موقع الصراط ... الموضوع : المسلم في حياة الإمام علي (ع)
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المسلم في حياة الإمام علي (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 2 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم: الشيخ عبد الهادي الفضلي
من طبيعة الإسلام ومن واقع مفاهيمه النقية الأصيلة، ومن طابع نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، نستطيع أن نبلور مفهوم (الإنسان المسلم) في أسلم تعاريفه، وفي ألصق خصائصه ومميزاته، وفي أركز عناصره، وأعمق محتوياته بأنه:
ذلك الإنسان الذي صيغ وكونت شخصيته على ضوء تعاليم الإسلام وهديه.. فكرة إسلامية، وعاطفة إسلامية، وسلوك إسلامي، متى توفرت هذه العناصر: الفكرة الإسلامية حيث تملأ الذهنية في إطارها وتفكيرها، والعاطفة الإسلامية تملأ النفسية في أحاسيسها وانفعالاتها، والسلوك الإسلامي حيث يصدر منهجاً وفق تعاليم الإسلام وتوجيهاته: متى توفرت هذه العناصر أصيلة وخالصة كونت الشخصية الإسلامية وأعطتها خصائصها، وصاغت الإنسان المسلم في إطاره ومحتوياته.
ونستطيع أن نفهم في ضوء هذا التعريف أن الإنسان المسلم: هو الذي يحكّم الإسلام عقيدة ونظاماً في جميع حياته فردية واجتماعية، وفي كل مجالاتها، ومختلف مناحيها.. لأن الإسلام حسب مفاهيمنا-لا حسب المفاهيم الغربية السائدة والتي لا نزال نعاني من رواسبها-عقيدة ونظام، دين وحياة، مبدأ ودولة.. فيه النظام الاقتصادي، وفيه النظام السياسي، وفيه النظام الاجتماعي بمعنييه الخاص والعام.. ولأن الإسلام-في هذا الواقع الإنساني الرفيع- يدفع المسلم دفعاً إلى تنظيم الحياة على هديه، وفي ضوء تعاليمه، وإلى تطبيقه في كل مجالات الحياة: في الفرد والأسرة، وفي المجتمع والدولة.
فالمسلم حركة تجسد الفكرة الإسلامية، والعاطفة الإسلامية، والسلوك الإسلامي، في ذات كيانه الفردي، وفي ذات كيانه الاجتماعي.
والمسلم حركة، تحاول أن تجعل من البشرية كلها أمة واحدة تعمل بالإسلام، ومجتمعاً عالمياً واحداً، تصمم وتشاد بنيته على مبادئ الإسلام وأحكامه.. لأن الإسلام هو الإنسانية، هو خيرها وسعادتها، والمسلم يحب لغيره ما يحب لنفسه، ويركه له ما يكره لها، وهو خليفة الله في أرضه، وحامل رسالته إلى الناس كافة ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)).
والمسلم وعي وتضحية.. يعي بكيانه كفرد، ويعي كيانه كأمة، ويعتقد أن مصلحة الإسلام العليا فوق كل شيء، فوق النفس متى تطلبتها التضحية من أجل إسناد وتقويم كيان الإسلام كمبدأ، وكيان المسلمين كأمة.
من هذا التعريف لمفهوم المسلم ننطلق لنتعرف عليه في تاريخ حياة الإمام أمير المؤمنين (ع).
كانت حياة الإمام (ع) كياناً إسلامياً خالصاً، تمثل النموذج الكامل المتكامل للإنسان المسلم، وهذا ما نلمسه في كل ظواهر حياته (ع).. وربما كان أروعها: حياته حينما كان حاكماً عاماً، يرأس الدولة الإسلامية، ويتزعم الأمة المسلمة..
كان (ع) لشدة إخلاصه إلى الإسلام والمسلمين يمارس السلطات الثلاث بنفسه مباشرة وتوجيهاً، ومراقبة دقيقة، ومحاسبة تامة للمسؤولين عنها من قبله في الدولة.. اسمعه يخاطب أبناء عصره وأمته:
((قد ركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي))..
((والله ما أسمعكم الرسول (ص) شيئًاً إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه))..
((وليس رجل أحرص على جماعة أمة محمد (ص) وألفتها مني، أبتغي بذلك حسن الثواب وكرم المآب))..
((وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم، متمسكون بحبل القرآن، يحبون سنن الله وسنن رسوله، ولا يستكبرون، ولا يعلون، ولا يغلون، ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل))
ونلمس عدله الاجتماعي وتطبيقه نظام الحكم على نفسه وعلى الرعية تمام التطبيق، في بعض ما نقله التأريخ من تراثنا الحضاري، أمثال إطفائه شمعة بيت المال حينما جاء بعض المسلمين في بعض شأنه.. وإحمائه الحديدة لأخيه عقيل حينما استماحه من بر المسلمين صاعاً..
ونلمسها في مشاركته الوجدانية التي لم نرها عند غير علي (ع)، بمساواته في المعيشة والحياة الاقتصادية أقل فقير من أبناء الأمة، والتي يفلسفها ويصورها بأقواله المأثورة عنه، أمثال قوله: ((إن الله-عز وجل- فرض على أئمة العدل أن يقدروا على أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره)) وقوله: ((ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع. أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر)).
ومنها نفهم جلياً أن النظام الإسلامي لم يشرع لمصلحة الطبقة الحاكمة كما نراه، ونلمس واقعه فيما سواه من التشريعات والأنظمة، ذلك (أن كل تشريع أرضي هو –في واقعه- تعبير عن الطبقة التي تملك وتحكم، وإن يمثل مصالحها هي على حساب بقية الطبقات، فالإقطاع مرة يحكم، فيشرع لحساب طبقة الإقطاعيين ولحماية مصالحهم على حساب بقية الشعب، ورأس المال مرة يحكم، فيشرع لحساب طبقة الرأسماليين ولحماية مصالحهم على حساب العمال، ودكتاتورية البروليتاريا مرة تحكم، فتشرع لحساب طبقة العمال (نظرياً على الأقل) على حساب بقية الآدميين.. ولم يحدث غير ذلك في التأريخ)(1).
نفهم جلياً أن النظام الإسلامي لم يشرع لغير مصلحة الإنسانية عامة، وإعطائها كرامتها، والاحتفاظ بها.
ونفهم جلياً أنه يماشي واقع الحياة؛ لأن الحاكم متى لم يعش حياة الفقير لا يتحسس آلامه، ولا يشعر بمدى حاجته، فهو إلى عدم إنقاذه من وهدة البؤس وهوة الفاقة أقرب منه إلى العناية به.
ونلمسها في عدم استغلاله المنصب لصالحه، أو لصالح ذويه ومن إليه: ((فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً))..
واسمعه يكتب إلى بعض عماله: ((كيف تسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنك تأكل حراماً، وتشرب حراماً؟ وتبتاع الإماء من مال اليتامى والمساكين، فاتقِ الله، واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل، ثم أمكنني الله منك، لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار، والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني بإرادة، حتى آخذ الحق منهما، وأزيل الباطل عن مظلمتهما)).
وشيء آخر لمسته في حدود ما قرأت من فلسفة الإمام وثقافته هو أن كل فكرة يقولها يستمدها من واقع الحياة العملية، ويرسلها في مصلحة الحياة العملية، فلم أعثر على فكرة عنده، بعيدة عن الواقع، أو تمت إلى الخيال واللاواقع بأية صلة.. مما يعطينا أن حياته في كل جوانبها حتى الفكرية منها هي بكاملها عمل يبذل في سبيل الحياة العملية للإنسان من أجل نفعه وخيره.
ونلمسها في تطهيره مجتمعه آنذاك من العناصر اللاإسلامية أو المناوئة للإسلام، أو المتمردة على تحكيم الإسلام نظاماً في الحياة، وفي تطهيره ذهنيات المسلمين من أوضار الفكر المسمومة، وفي تنقيته المفاهيم والأفكار الإسلامية مما علق فيها فغير من معالمها الأصيلة، وفي محاولاته من أجل إعادة المجتمع الإسلامي إلى نصابه، والذي يحدده بقوله: ((إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى: الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله فإنه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة)).. ذلك أن الفكرة اللاإسلامية، والتي تناقض مبادئ الإسلام لا مجال لها في بلاد المسلمين وفي مجتمعهم.
فالمبادئ غير الإسلامية لا تعيش في مجتمع إسلامي ترسى قواعده على تعاليم الإسلام، وتوثق علائقه على هديه وإرشاده.
وقد رأينا الإسلام يذهب إلى أبعد من هذا ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)).. الفئة الباغية من المسلمين لا حياة لها في مجتمع إسلامي حتى تفيء إلى أمر الله تعالى.. ورأينا الإمام (ع) يطبق هذه المادة في مجالها.
هذا هو المسلم في واقعه الأصيل نلمسه في تأريخ حياة الإمام (ع).. فكرة إسلامية تملأ الذهنية في إطارها وتفكيرها، وعاطفة إسلامية تملأ النفسية في أحاسيسها وانفعالاتها، وسلوك إسلامي يصدر منهجاً وفق تعاليم الإسلام وتوجيهاته.
فهل وعينا كياننا كمسلمين كأمة؟
وهل علمنا أن الأمة التي لا تفهم ذاتها، ولا تعي كيانها لا تقوى أن تثبت وجودها، ولا تستطيع أن تحتفظ بكرامتها، ولا تقدر أن تحقق غاياتها وأهدافها.
ندعوه تعالى أن يجعل من هذه اليقظات نقطة الانطلاق وفاتحة الخير إلى حياة إسلامية عليا.

الهوامش:
(1) محمد قطب، هل نحن مسلمون.

المصدر: مجلة الأضواء: العدد 31
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com