موقع الصراط ... الموضوع : أهمية بحث المعاد في المنظور القرآني
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أهمية بحث المعاد في المنظور القرآني  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 3 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم: آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تمهيد:
لو ألقينا نظرة إجمالية على آيات القرآن المجيد لما وجدنا بحثاً يتصدر جميع البحوث العقائدية للدين الإسلامي بعد بحث التوحيد، مثل بحث المعاد والحياة الآخرة وجزاء الأعمال والثواب والعقاب وإجراء العدالة.
إن وجود ما يقارب 1200 آية من مجموع آيات القرآن المجيد تهتم ببحث المعاد وهو ما يساوي ثلث آيات القرآن تقريباً، وما جاء من ذكر للمعاد في جميع صفحات القرآن تقريباً وبلا استثناء، وتكريس الكثير من السور الأخيرة في القرآن بأجمعها أو بغالبيتها للمعاد ومقدماته وعلاماته ونتائجه، ما هي إلا أدلة مؤيدة لهذا الادعاء.
فالقرآن المجيد يتحدث عن عالم الآخرة في كل مقطع تطرق فيه لموضوع الإيمان بالله، وقد اقترن ذكر الموضوعين معاً في 30 آية تقريباً: ((ويؤمنون بالله واليوم الآخر))، أو بتعبيرات مشابهة، وأشار لليوم الآخر أو في أكثر من 100 موضع، ولم لا يكون كذلك؟ في حين أن:
1- كمال الإيمان بالله وحكمته وعدالته وقدرته لا يتم بدون الإيمان بالمعاد.
2- الإيمان بالمعاد يعطي لحياة الإنسان قيمة، ويخرج الحياة الدنيا عن اللغو والعبثية.
3- الإيمان بالمعاد يخط طريقاً واضحاً لتكامل الحياة الإنسانية.
4- الإيمان بالمعاد يضمن تطبيق كل السنن الإلهية وهو الدافع الرئيسي لتهذيب النفوس واحترام الحقوق والعمل بالواجبات وإيثار الشهداء وتضحية المضحين، وهو الذي يدفع الإنسان لمحاسبة نفسه.
5- الإيمان بالمعاد يضعف حب الدنيا التي هي رأس كل خطيئة، ويخرج الدنيا عن كونها هدفاً نهائياً، ويجعل منها وسيلة لنيل السعادة الأبدية، وكم الفارق شاسع بين هذين المنظارين!
6- الإيمان بالمعاد يعطي للإنسان القوة لمواجهة الشدائد، ويحيل صورة الموت المرعبة-التي تخطر على فكر الإنسان على هيئة كابوس ثقيل وتسلبه راحته- من مفهوم الفناء والعدم إلى نافذة نحو عالم الخلود.
7- الكلام الفصل هو أنّ الإيمان بالمعاد ـ إضافةً إلى الإيمان بمبدأ عالم الوجود ـ يُعدّ الخط الفاصل بين الإلهيين والماديين.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن لنتأمل خاشعين في الآيات التالية:
1- (اللهُ لاَ اِلهَ اِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فيهِ ومَنْ اَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً). (النساء / 87)
2- (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَّنْ يُبعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّئُونَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ). (التغابن / 7)
3- (وَيَسْتَنْبِؤُنَكَ اَحَقٌ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّى اِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزينَ). (يونس / 53)
4- (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّـاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـالِمِ الْغَيْبِ).(سبأ / 3)
5- (رَبَّنَـا اِنَّكَ جَـامِعُ النَّـاسِ لِيَوْم لاَ رَيْبَ فيهِ اِنَّ اللهَ لا يُخلِفُ المِـيْعَـادَ).(آل عمران / 9)
6- (أَلا اِنَّ الَّذِينَ يُمـَارُونَ فِي السَّـاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعيد). (الشورى/18)
7- (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيـَاتِنَا ولِقـَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ اَعْمـَالُهُمْ هَلْ يُجزَونَ اِلاَّ مـَا كـَانُوا يَعْمَلُونَ). (الاعراف / 147(
8- (وَأَنَّ الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ اَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً اَلِيماً). (الاسراء / 10)
9- (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسـَاكُمْ كَمـَا نَسِيتُم لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمـَا لَكُمْ مِنْ نَّاصِرِينَ). (الجاثية / 34)
10- (وَاِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ءَإِذَا كُنَّـا تُرَاباً ءَاِنَّا لَفـِى خَلْق جَديد اُولـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَاُولـئِكَ الاَْغْلاَلُ فِي اَعْنـَاقِهِمْ وَاُولئِكَ أَصْحـَابُ النَّارِ هُمْ فِيهـَا خَالِدُونَ). (الرعد / 5(

جمع الآيات وتفسيرها:
التأكيد على المعاد
لقد ذُكر المعاد والحياة بعد الموت بشكل مؤكّد وبصور مختلفة في الآيات الآنفة الذكر، كل ذلك من أجل بيان الأهميّة البالغة التي يوليها القرآن لهذا الأمر.
الخطاب في الآية الاُولى يؤكِّد على جمع البشر في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه.
قال تعالى:( اللهُ لاَ إِلهَ الاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَرَيْبَ فِيهِ)، ثم يبالغ بالتأكيد فيقول: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً).
إنّ بداية الآية ونهايتها وجميع إجزائها تؤكِّد على هذه المسألة، وتشكِّل مقياساً للأهميّة التي يكنّها القرآن لذلك الموضوع(1)، ومن الجدير بالذكر أنّ (الريب) يعني أساساً كما ورد في مقاييس اللّغة هو الشّك، أو الشّك، المشوب بالخوف والقلق، أمّا إطلاق كلمة ريب على (الحاجة) فذلك لأنّ المحتاج إلى شيء عادةً يشك في الحصول على ذلك الشيء فيكون شكّه مشوباً بالخوف من الحرمان!
وفي (فوارق اللغة) ذُكِرت عدّة فروق بين (الشك) و(الريب)، منها أنّ (الارتياب) شكٌ مشوب بالتهمة.
فمن المحتمل أن يكون السبب في استعمال القرآن الكريم لهذا الاصطلاح بشأن المعاد هو أنّ المعارضين لأمر المعاد كانوا بالإضافة إلى تظاهرهم بالشك في عقيدة المعاد يتّهمون النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) باختلاق تلك الاُمور.
ولكن يبقى هنالك سؤال يحتاج إلى الإجابة وهو: لِمَ اكتفى القرآن في هذه المواضع وفي مواضع مُشابهه بالمدّعى من دون ذكر دليل عليه؟
وأسباب ذلك كثيرة; وأوّلها: إنّ أدلّة إثبات المعاد وردت في مواضع كثيرة من القرآن المجيد وبُحثت باستمرار، فلم يكن من الضرورة تكرارها في هذه الآية، وثانياً: كأنّ القرآن يريد أن يوضّح هذه الحقيقة وهو أنّ الشواهد على إثبات المعاد بلغت من الوضوح حداً بحيث لم تُبقِ مجالا للشّك أو التردد(2).
وفي الآية الثانية اُمِرَ النبي(صلى الله عليه وآله) بأن يُقسِم مؤكِّداً على أنّ هنالك قيامةً وحشراً ونشراً حيث قال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَّنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّئُونَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وذلِكَ عَلَى اللهِ يَسيرٌ).
نحن نعلم بأنّ القسم عادةً من الأعمال غير المحبذة، على الأخص عندما يكون القسم بالله تعالى، من أجل هذا نهى القرآن الناس عنه في الآية الكريمة: (وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً ل يْمَانِكُمْ)(البقرة / 224).
ولكن أحياناً وعندما يكون الأمر مهماً جدّاً فإنّ القسم لدعم ذلك الأمر لا يكون غير مستحسن فحسب بل يكون لازماً.
وفي هذه الآية، علاوة على ذكر التأكيد في (لتبعثن) و(لتنبئُن) فإنّ الآية في آخرها تُصرِّح على أنّ هذا الأمر يسير على الله، ولذلك فلا يجب أن ترتابوا أو تترددوا فيه(3).
وفي الآية الثالثة طُرحت هذه المسألة على شكل استفسار ومحاورة تجري بين النبي(صلى الله عليه وآله) والمشركين: (وَيَسْتَنْبِؤُنَكَ أَحَقٌ هُوَ)؟!
ويجب الالتفاف إلى أنّ (يستنبؤنك) من (النبأ) وهو (الخبر المهم).
قال (الراغب) في (المفردات) النبأ هو الإخبار النافع المصاحب للهول والعظمة لدى الإنسان الذي لديه علمٌ أو ظنٌ غالباً بذلك الإخبار، ومادام الخبر لا يتصف بهذه الاُمور الثلاثة (الفائدة والعظمة والعلم) فإنّه لا يسمى (نبأ)، (بناءً على هذا فالخبر المشكوك أو قليل الأهميّة أو عديم الفائدة لا يسمى (نبأ) وأما ما نراه في سورة النبأ من وصف النبأ بـ (العظيم) فإنّه لشدّةِ التأكيد) وعندما يطلق على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ذلك فبسبب اتصاف ما أخبر به بهذه الصفات الثلاث أيضاً.
ثم يأمر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله): (قُلْ اِيْ وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌ)، والملفت للنظر هنا هو استعمال كلمة (الرب) في الآية الكريمة للإشارة إلى أن القيامة هي دوام ربوبية الخالق واستمرارها، وإنّ القيامة هي من مظاهر الربوبية، وسيأتي توضيح هذا الكلام عند البحث في أدلّة المعاد بإذن الله.
وازداد التأكيد شدّةً في آخر الآية في جملة: (وَمَا اَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).
ويعتقد عدد من المفسرين بأنّ هذه الآية تشير إلى صدق القرآن أو نبوّة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، بينما تصِّرح الآية السابقة والآية اللاحقة لهذه الآية بوضوح أنّ المراد من النبأ هو مسألة المعاد ومجازاة المذنبين في يوم القيامة التي طُرحت بعنوان أمر واقع لا شك فيه من خلال اضفاء أنواع التأكيدات عليها.
إنّ كلاًّ من كلمة (إيْ)، والقسم (ربّي) و (إنَّ) و(اللام) في (لحقٌ(، ونفس كلمة (حق) وكون الجملة اسمية، وجملة (وما أنتم بمعجزين) هي تأكيدات لبيان أهميّة هذه المسألة.
وفي الآية الرابعة طرحت هذه المسألة بشكل جديد فهي تنقل قول الكافرين أولاً: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ).
ثم يأمر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله): (قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ).
من الممكن أن يكون ذكر (عالم الغيب) هو للالتفات إلى السبب الذي أدّى إلى إنكار المعاد من قِبَل الكافرين وذلك لأنّهم كانوا يقولون: مَن يقدِر على جمع الرفات المتناثرة في أكناف الأرض على شكل ذرات؟ ومن يقدر على إحصاء أعمال الإنسان التي بادت وانمحت ولم يبق منها أي أثر ليثاب ويعاقب عليها؟ يجيب القرآن هنا بجملة وجيزة، ويقول: الله الذي يعلم الغيب ويعرف خفايا الإنسان يتكفّل بذلك.
ولكن لماذا اُطلق اسم (الساعة) على القيامة في أحد اسمائها؟ لأنّ (الساعة) بتصريح أصحاب اللغة وضعت في الأصل للجزء الصغير من أجزاء الزمن أو بتعبير آخر هي اللحظة السريعة الانقضاء، وبما أنّ حساب العباد في يوم القيامة أو أصل قيام القيامة يتمّ بسرعة اُطلق هذا الاسم على يوم القيامة(4).
ومن الجدير بالذكر أيضاً هو أنّ كلمة (ساعة) كما جاء في لسان العرب تطلق على لحظة انتهاء العالم المفاجئة وعلى قيام يوم القيامة معاً; لأنّ قيام يوم القيامة يكون مفاجئاً أيضاً.
وقسّم البعض (الساعة) إلى ثلاثة أنواع: (الساعة الكبرى) و(الساعة الوسطى) و(الساعة الصغرى).
فالساعة الكبرى هي يوم الحشر، والساعة الوسطى هي الموت المفاجئ لقوم في أحد الأزمنة (مثل قوم نوح الذين غرقوا في وقت الفيضان) والساعة الصغرى هي ساعة الموت لكل إنسان(5).
وفي الآية الخامسة جاء هذا المعنى على لسان (الراسخين في العلم) فهؤلاء أيضاً خلال مناجاتهم مع الله أكّدوا على أمر المعاد والحشر واعتبروه من أوضح الاُمور المسلّمة حين قالوا: (رَبَّنَا اِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْم لاَرَيْبَ فِيهِ).
ولشدّة التأكيد أضافت الآية إلى ذلك: (اِنَّ اللهَ لاَيُخْلِفُ المِـيْعَادَ).
وفي هذه الآية أيضاً جاء عدد من التأكيدات مثل كلمة (إنّ) و(الجملة الاسمية) وجملة (لاريب فيه) وجملة (إِنّ الله لا يخلف الميعاد).

إنكار المعاد هو عين الضَلال:
إلى هنا كان الكلام في التأكيدات على مسألة المعاد، ولكن الآيات الخمس المتبقية من آيات بحثنا تشتمل على تهديدات مختلفة وجِّهت إلى جاحدي الحشر والمعاد وكل آية لها تعبير خاص، ففي الآية السادسة مثلا قال تعالى: (أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفي ضَلاَل بَعْيد).
(يمارون): من (المراء) أو (المرية)، قال في (مقاييس اللغة) إنّها على معنيين:
الأول: شَدّ اليد على ثَدْي الحيوان لحلب اللبن، والمعنى.
الثاني: الصلابة والرصانة، لكن الراغب لم يذكر في المفردات إلاّ المعنى الأول.
ثم إنّ هذه الكلمة جاءت بمعنى الشك والترديد، وإن قال الراغب إنّ لها مفهوماً أضيق دائرةً من الشك (من المحتمل أنْ يكون السبب في ذلك هو أنّ (المرية) يُفهَمُ منها معنى الشك المقرون بالبحث والتحقيق، كما هو الحال في حالِب اللبن فإنّه يبذل جهداً لاستخراج اللبن من الثدي).
أمّا (المماراة) فهـي بمعنى المجادلة فـي البحث والتعصب في الجدل أو أنّ كلاًّ من الطرفين يريد أن يقرأ أفكار الطرف الآخر، أو كما قال صاحب المقاييس إنّ كِلا المعنيين يشتملان على الصلابة والتزمُّت في البحث، كما اُشيرَ أعلاه بأنّ الصلابة هي أحد معاني المرية.
ومن الجدير بالذكر أنّ استعمال (ضلال بعيد) جاء في عشر آيات في القرآن المجيد، وكانت أغلبها خطاباً للكفّار والمشركين وجاحدي المعاد، وهـذا التعبير يبيَّن بوضوح بأنّ الضلال البعيد يختص بهذه المجموعة، وذلك لأنّ الإيمان بالله ويوم الحساب إنّ وجِدْ يجعل وجود الضلال سطحياً ويزيد من احتمال العودة إلى طريق الحق، بينما يقود جحد التوحيد والمعاد الإنسانَ ويجرُّه إلى آخر درجة من الضلال ويبعده عن صراط الهداية القويم إلى أدنى حد، أو بتعبير آخر إنّ الأدلّة على معرفة الله وإثبات المعاد على حد من الوضوح يجعلها تشابه الاُمور الحسيّة الملموسة، والذي يصاب بالضلال في هذين الأمرين فضلاله عظيم.
وفي الآية السابعة اُشير إلى مسألة (حبط الأعمال) أي أعمال الجاحدين للمعاد في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ولِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ اَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجزَونَ إِلاّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). (الحبط): في الأصل بمعنى البطلان أو التمّرض(6)، وفي تعبير الآيات والروايات جاء بمعنى محو ثواب الأعمال بسبب ارتكاب عدد من الذنوب.
وجاء في (لسان العرب) إنّ (الحبط) هو أن ينجز الإنسان عملا ما ثم يُبطله.
ولعلماء علم الكلام نقاشٌ في مسألةِ هل يكون (الحبط) حاكماً دائماً في تأثير المعاصي والطاعات على بعضها الآخر أم لا؟ وسوف نتعرض بالبحث مفصلا في هذه المسألة في محلها إن شاء الله، ولكن لا يوجد على نحو القضية الجزئية شكٌ في صحة هذه المسألة، فإنّ بعض الاُمور مثل (الكفر) تكون سبباً في حبط ثواب جميع الأعمال الصالحة، فلو مات أحدٌ على الكفر فإنّ جميع أعماله الصالحة سوف تتلاشى كنثر الرماد في ريح عاصف، إنّ الآيات الآنفة الذكر تنسب هذا الاحباط لجاحدي الآيات الدالّة على إثبات الله والمعاد، وهذا دليلٌ واضح على أهميّة المعاد في رأي القرآن المجيد.
وفي الآية الثامنة هدّد القرآن بشكل صريح بتعذيب الذين لا يؤمنون بالآخرة عذاباً أليماً، قال تعالى: (وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ اَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً اَلِيماً).
فهو من جانب يقول: إنّ الجزاء مُعدٌ وجاهز كي لا يظنّ أحد أنّ الجزاء وعد مؤجلٌ، ومن جانب آخر يصف العذاب الإلهي بـ(الأليم) وهذا الوصف من أجل المبالغة في بيان أهميّة الإيمان بالمعاد.
وكلمة (عذابٌ أليم) تكرر ذكرها في القرآن المجيد عشرات المرّات وفي آيات مختلفة، وخوطِبَ بها الكفّار والمنافقون غالباً، ووردت أحياناً في تهديد من يقترف الذنوب الكبيرة مثل ترك الجهاد (سورة التوبة / 39) والاجحاف عند القصاص (البقرة / 178) أو اشاعة الفحشاء (النور / 19) أو الظلم والعدوان (الزخرف / 65) وما شابه ذلك من الكبائر.
وفي الآية التاسعة ذُكِرت ثلاث عقوبات أليمة للذين لا يبالون بيوم القيامة، قال تعالى: (وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).
(وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ).
(وَمَا لَكُمْ مِنْ نَّاصِرِينَ).
إنّ الغفلة عن يوم القيامة أو نسيانه هو مصدر جميع أنواع الضلال في الواقع، كما جاء في القرآن: (... إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)(ص/26)(7).
من الطبيعي أنّ الله موجودٌ في كل مكان، وأنّ جميع الأشياء حاضرة بين يديه، ولا معنى لنسبة النسيان إليه، فالمراد من النسيان هنا هو أنّ الله تعالى يحرم هؤلاء من رحمته إلى أبعد الحدود بحيث يُتَصوَّر أنّه نسيهم!
وأخيراً ففي الآية العاشرة والأخيرة وعَدَ الله عزّ وجلّ جاحدي المعاد بالخلود في النار وهَدَّدهم بالعذاب الدائم. قال تعالى بعد أن وجّه الخطاب إلى النبي(صلى الله عليه وآله): (واِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ءَإِذَا كُنَّا تُرَاباً ءَإنَّا لَفِى حَلْق جَدِيد).
ثم يضيف إلى ذلك: (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الاَْغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
الحديث في بداية الآية عن تعجّب الكفّار، ثم يَعِدُّ هذا التعجب من غرائب الاُمور، أي هل هناك عجبٌ من هذا الأمر الواضح المُعزز بِكل هذه الأدلة؟ ويصورهم في نهاية الآية بصورة السجناء المكبَّلين بالأغلال والسلاسل في أعناقهم، وأي أغلال وأي سلاسل أكثر تقييداً من التعصب والجهل والهوى الذي يسلبهم كل أنواع حرية التفكّر إلى حد تصبح فيه المسألة الواضحة كل الوضوح مدعاة لَعَجبِهم، وذلك لأنّها لا توافق هواهم وتقليدهم الأعمى.
فيجب الالتفات إلى أنّ ظاهر الآية هو التقييد بالأغلال والسلاسل في الوقت الحاضر لا بعد ذلك في يوم القيامة، كما جاء في الشعر العربي: لَهُمْ عن الرُّشدِ أغلالٌ وأقيادُ، ولكن بعض المفسرين يرى أنّ الآية تشير إلى حالهم يوم القيامة ويعتقد بأنّ الأغلال والسلاسل ستوضع على أعناقهم في ذلك اليوم(8)، وذكر البعض الآخر كلا الاحتمالين(9) ولكنَّ عدداً من المفسرين يعتقد بأنّ الآية تشير إلى حالهم في الدنيا، كما صرح بذلك المرحوم العلاّمة الطباطبائي في تفسير الميزان فإنّه قال: (وَأُولَئِكَ الاَْغلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) إشارة إلى اللازم الثاني وهو الاخلاد إلى الأرض والركون إلى الهوى والتقيد بقيود الجهل وأغلال الجحد والإنكار(10).
ومن الواضح أنّ قيوداً وأغلالا من هذا القبيل والتي يضعُها الإنسان في يديه ورجليه وعنقه سوف تظهر له يوم القيامة على صورة أغلال وسلاسل من نار، وسوف تَصُدّه عن الارتقاء إلى درجة القرب الإلهي.

نتيجة البحث:
يتّضح جيداً من مجموع الآيات السابقة ـ وآيات اُخرى سوف تُذكر في الأبحاث اللاحقة ـ مدى اهتمام القرآن المجيد بالإيمان بالمعاد، وكيف يَعُدُّهُ من أركان واُسس الإيمان التي يسبب تركها الضلال البعيد والابتعاد عن الحق والخلود في النار والعذاب الأليم، ويُعدُّ إنكار المعاد دليلا على فقدان حرية التفكير والتكبُّل بسلاسل الجهل والعناد.
وبالتأكيد فإنّ هذه الاُمور هي السبب في احتلال بحث المعاد المرتبة الثانية بعد بحوث التوحيد ومعرفة الله بالنسبة لسعة البحوث في القرآن الكريم.
الهوامش:
(1) وهنالك آيات كثيرة اُخرى في القرآن أيضاً تؤكّد جميعها على هذا الموضوع وهو أنّه لا شك في الرجعة، مثل آية 7 من سورة الحج; والآية 9، 25 من سورة آل عمران; والآية 12 من الانعام; والآية 21 من الكهف; والآية 59 من غافر; والآية 7 من الشورى; والآية 26و33 من سورة الجاثية.
(2) يجب الانتباه إلى ( اللام ) في ( لَيجمعنكم ) للقسم، ثم صاحبتها نون التوكيد الثقيلة، وبعد ذلك اُكِّدَت بجملة (لاريب فيه) وأخيراً اشتدّ التأكيد بجملة: (ومن أصدق من الله حديثاً). ( ولكن لماذا تعدت ( ليجمعنَّ ) هنا ب (إلى)، مع أنّ القاعدة تقتضي التعدي بـ ( في )؟ فإنّ المفسرين اجابوا: إنّ السبب هو أنّ كلمة ( ليجمعن ) أتت بمعنـى ( ليحشرنَّ ) التـي تتعـدى بـ ( إلى )، أو أن تكون ( إلى ( هنـا بمعنـى (في).
(3) (زعْم) على وزن (طعم) في الأصل بمعنى الخطاب المحتمل كذبه أو المتيقّن من كذبه، وأحياناً تأتي بمعنى الظن الكاذب أيضاً من دون أن يكون هنالك أي خطاب، روى بعض المفسرين مثل الشيخ الطوسي في (التبيان) والقرطبي مؤلف كتاب (روح البيان) بأنّ (زعم) كناية عن الكذب.
(4) فعل (ساعَ) أتى بمعنى زوال، والزوال يحمل في طياته مفهوم سرعة الانقضاء، قال في المنار: ساعة في الأصل بمعنى الزمان القصير الذي يُعَّين بواسطته مقدار عمل معيّن حدث في خلال ذلك الوقت. (تفسير المنار، ج 7، ص 359).
(5) تاج العروس في شرح القاموس ومفردات الراغب.
(6) مقاييس اللغة مادة (حبط).
(7) تفسير الميزان، ج 13، ص 50.
(8) تفسير مجمع البيان ذيل الآية 5 من سورة الرعد; وتفسير القرطبي، ج 5، ص 3513.
(9) تفسير الكبير، ج 19، ص 9.
(10) تفسير الميزان، ج 11، ص 300.

المصدر: نفحات القرآن المجلد الخامس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com