موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن-1
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن-1  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 11 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
بسم الله الرحمن الرحيم
نعم نفتتح مشروعنا الإنساني الكريم باسم الله الذي انبثقت من وجوده الكائنات وترجع إليه في سيرها الموجودات، فهو المبدأ للأكوان، وهو الغاية للإنسان، ونحمده بما يستحق أن يحمد به، والصلاة على من أنزل عليه القرآن ليكون هدى للعقول، وجلاء للقلوب، وتوجيهاً للنفوس، محمد وآله الهداة الميامين.
وبعد لقد جرت عادة المفسرين على تقدمة أمور تكون وسائط للتعارف بين مؤلفاتهم، وقرائهم، وبما أن هذه التقدمات غالباً ما كانت تشغل القارئ عن الوصول إلى المؤلف نفسه؛ لذلك قررت أن أخالفهم في عرفهم، فأدخل الموضوع بلا مقدمة متكلاً على الله مستعيناً بحوله وقوته، ومن توكل على الله كفاه.

قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)
لقد كانت عادة المشرعين قبل نزول القرآن أن يفتتحوا مشاريعهم باسم عظمائهم، وكانت العظمات المقدسة عندهم تختلف في المادة والصورة، فرب عظمة كانت لصنم على شكل حيوان أعجم، ورب عظمة كانت في جبار عنيد، ورب عظمة كانت في كوكب سماوي أو عنصر أرضي، إن تلك العظمات كان يخلقها الإنسان حسب ذوقه ونظره، وحينما نزل القرآن كان أول معول وجهه إصلاحه الاجتماعي إلى نسف هذه العظمات المزيفة، وتوحيد العظمة لله وحده من الكائنات، مهما عظمت منزلتها فإنها تندك تماماً حينما تواجه عظمة الله خالق السماوات والأرض، وإن العظمة لله وحده، ولذلك لا يحق لمشروع أن يفتتح إلا باسم الله الرحمن الرحيم.
والله: اسم للذات المستجمعة لكل صفات الجمال والجلال، والتي انبثقت عنها العوالم والأكوان، الله إنه حقيقة معلومة مجهولة، معلومة بصفاته وكمالاته، ومجهولة بحقيقته وذاته، الله ذلك الأفق الذي أشرقت منه رسالات الأنبياء، وحامت على ظلال أشعته أفكار الفلاسفة والحكماء، الله ذلك الموجود الذي حاول الماديون إنكاره هرباً من تبعات الإيمان به، فاتجهت معارفهم إلى غيره، وحينما أرادوا إثبات وجوده تخالفت آراؤهم، فهم بين من جعل المحسوس حجاباً للمعقول، فلا يؤمن بغير ما يحسه ويلمسه، وبين من اضطرب عقله في المحسوس نفسه، فإنه مردد بين المادة والطاقة، والمادة مركبة من عناصر تتصل أواصرها بالطاقة، أما الطاقة نفسها فإنها مجهولة الهوية، ولا يزال العلمانيون يحومون حول هذه الطاقة الهائلة التي تتصل بكل عناصر الحياة، وتتصل بها كل عناصر الحياة، إنه آمن بالطاقة، وتجاهل موجد الطاقة، وموزعها في الكائنات بهذا النظام الدقيق العادل، إنه يخترع لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة عنواناً، ويثبت لها تأريخاً، إنه يبذل هذا الجهد ليحرف نظر عقله عما وراء هذه الأسماء والعناوين، ولو أنصف لمزق سجلاته المزيفة، واكتفى بعرض الحقيقة الخالدة، فإن فيها كل ما حاول ويحاول من الأسرار والحقائق.
الله ذاك الموجود الذي اتجهت إليه أنظار العرفاء، فهربوا من الطبيعة إليه، فهم يعاكسون الماديين في السير، إن هؤلاء فارقوا الطبيعة ليتصلوا بالله، وأولئك فارقوا الله ليتصلوا بالطبيعة، فهما في مسلكين متعارضين، وأعتقد بأن الطريقين يؤديان آخر الأمر إلى غاية واحدة؛ لأنهما يحومان حول الحقيقة الخالدة، وإن ظن المادي أنه قد ابتعد عنها في سيره، ولكنه لو تأمل جيداً لرأى نفسه يقترب منها بالرغم من أوهامه الفارغة، يقترب منها كما يقترب إليها رفيقه العارف، وسيندكان أخيراً في دوامتها العارمة.
إن الطبيعة ليست إلا وسيلة غايتها الله، إنها ليست إلا قشراً إذا كسرته وجدت به الله، إن الإنسان الذي خصه الله بالفكر دون سائر الموجودات لا يتمكن من التملص عن الحقيقة الإلهية التي تدعو فكره إليها في كل ظاهرة وخفية كونية، المادي كالعارف كلاهما يحومان حول شيء واحد، يحومان حول الحقيقة، والحقيقة لله وحده، الله تلك الحقيقة التي يستحيل وعيها وحدها؛ لأنها كما قال عنها الإمام الباقر عليه السلام: (كلما ميزتموه في أفهامكم فهو مصنوع مثلكم، مردود إليكم) وكيف مخلوق المخلوق خالق السماوات والأرض، إنك لا تتمكن من تحديده إلا بعد أن تتجاوز في مقاييسك حدود الأزمان والأكوان لتتصل بعالم اللازمان وبجو اللامكان، ولا يكفي اتصالك به وحده ما لم تستوعب آماده كلها لتعطي عنه فكرة كاملة، وهيهات هيهات أن يستوعب فكر الإنسان جانباً من عالم الإمكان فضلاً عن أن يتجاوزه إلى عوالم الرحمن، ولذلك صارت معرفة حقيقته جلت عظمته من أظهر مصاديق المستحيل.
الله: تلك الذات الواجبة بذاتها، والتي ينفرد وجودها بالذات الأحدية؛ لأنه لو كانت هناك ذات ثانية واجبة في وجودها لكان وجوبها ذاتياً لها، ومعنى الوجوب الذاتي عدم تطرق الإمكان والامتناع إلى أي طرف من أطراف عالمها اللامتناهي، فلو تصورنا هناك ذاتاً أخرى واجبة في وجودها، لكانت الذات الأولى ناقصة في وجوب وجودها لعدم إحاطتها بالذات الثانية، وهو يخالف الوجوب الذاتي الذي يشترط فيه الكمال الوجودي-على تعبير الفلاسفة-فتصور الوجوب الثاني ينافي وجوب وجود الواجب الأول، ولذلك صارت (الأحدية) صفة خاصة للواجب جل وجوده الأقدس.
الله: وماذا يقول مثلي في مثله، ولذلك أكتفي بما ذكرت، وعسى أن يوفقني لطفه العميم إلى إشباع هذا الموضوع في دراستي لكتابه الكريم فإلى اللقاء.

يتبع...

المصدر: مجلة الأضواء: السنة الأولى العدد الأول
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com