موقع الصراط ... الموضوع : الحسد
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الحسد  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 11 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال الإمام الصادق (ع): (الحسد أصله من عمى القلب، والجحود بفضل الله تعالى، وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد، وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً)(1)
نفس الإنسان من أعجب مخلوقات الله تعالى بما تحمل من أهواء وميول وغرائز، وعواطف، وما تسلكه من طرق، وأساليب؛ لإشباع تلك الميول والأهواء ولتنال مستوى أعلى من اللذة.
والنفس هذه لو تركت وشأنها بلا مبدأ يحدد لها دورها في الكون والحياة وبلا شريعة تحدد لها ملاك المصالح والمفاسد لاختارت ما يلذ لها فقط …
ومن أقوى الغرائز وأشدها حب الذات التي (لا نعرف غريزة أعم منها وأقدم فكل الغرائز فروع هذه الغريزة وشُعَبها)(2)، فحب الإنسان لذاته يدفعه للتمحور عليها، والاستئثار بكل شيء لأجلها … وهي التي تمنعه عن حب الخير لغيره … هذا إذا أصبحت هذه الغريزة قطب الرحى في حياته .
والحسد إحدى إفرازات حب الذات، أو الأنانية، بل هو من أجلى صورها وأخطرها … ولذلك إذا أصيب الإنسان به ، تمنى زوال نعم الله عن عباده وازداد هما وغما؛ لعدم وصولها له ، وأما لو تمنى لنفسه مثل تلك النعمة بدون تمني زوالها فهذا غبطة. فالحسد من سمات المنافق والغبطة خاصة بالمؤمن؛ لأن (المؤمن يغبط ولا يحسد ، والمنافق يحسد ولا يغبط)(3)
ثم إن الحسد أحد أصول الكفر الثلاثة وهي: الحرص، والتكبر، والحسد وهو آفة الإيمان والدين، ورأس العيوب، وأخبث الأمراض، وأقبح الخلائق وأفظعها على الإطلاق، بل هو شر شيمة، وأقبح سجية، وسلاح اللئام، وصفة السفل، وهابطي الهمم، وذوي النفوس العليلة(4)… وهو عذاب دائم لحامله؛ لأنه (لا راحة لحسود) فهو دائماً غضبان على من لا ذنب له .. مشغول القلب مضني البدن، محترق الأعصاب، وقد مثّله أمير المؤمنين (ع) بالصدأ الذي يصيب الحديد، يقول (ع): (كما إن الصدأ يأكل الحديد حتى يفنيه، كذلك الحسد يكمد الجسد حتى يفنيه [يضنيه])(5)
وقال (ع) (طهروا قلوبكم من الحسد فإنه مكمد مضني)(6)
وقال حكيم فارسي: (في الحسد اثنتان: كمد عاجل يثلم العقل، وكدر حادث في العيش)
ولذلك أول ما يبدأ بصاحبه فيقتله. قال بكر بن عبد الله المزني: كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك، فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء سيكفيه مساويه، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ، ويقول ما يقول، يزعم أن الملك أبخر فقال له الملك: فكيف يصح ذلك عندي ؟ قال: تدعو به غداً إليك فإذا دنى منك وضع يده على أنفه أن لا يشم ريح البخر.
فقال له: انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم. فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه , والمسيء سيكفيه مساويه.
فقال له الملك: ادن مني فدنى منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه ريح الثوم .
فقال الملك في نفسه ما أدري فلاناً إلا صدق .
قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا جائزة، أو صلة فكتب له كتاباً بخطه إلى عامل من عماله إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه … فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به، فقال: ما هذا الكتاب ؟
فقال: خط الملك أمر لي بصلة .
فقال: هبه لي .
فقال: هو لك، فأخذه ومضى إلى العامل .
فقال العامل: في كتابك أن أذبحك .
قال: إن الكتاب ليس هو لي، فالله الله في أمري حتى تراجع إلى الملك .
قال: ليس لكتاب الملك مراجعة. فذبحه، وبعث برأسه إلى الملك … ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله فتعجب الملك، وقال: ما فعل الكتاب ؟
قال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته .
فقال الملك: إنه ذكر لي إنك تزعم أنك تقول أني أبخر ؟
قال: ما قلت ذلك .
قال: فَلِمَ وضعت يدك على أنفك ؟
قال: أطعمَني طعاماً فيه ثوم فكرهت أن تشمه.
قال: صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء مساويه(7)...
ولهذا قيل: (قاتَلَ الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله)

مراتب الحسد أربعة :
1 – أن يحب زوال النعمة عن الغير، حتي لو لم تنتقل إليه، وهذه أسوء درجات الحسد، وأحط ما يمكن أن يبلغه الإنسان من الحقد والخبث والتسافل.
2 – أن يحب زوال النعمة عن غيره، ويتمنى انتقالها إليه كرغبته في منصب أو مسكن، أو مركب، أو امرأة …وهذه أخف من سابقتها .
3 – أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم تتحقق تمنى زوالها فهو لا يطلب نفس النعمة، ولكن يتمنى لنفسه مثلها .
4 - يتمنى لنفسه مثلها، ولكن لا يتمنى زوالها عن الغير .

أسباب الحسد:
لم يكن الحسد خصلة ذاتية في نفس الإنسان، وإنما تنشأ من عوامل خارجية تُرَكِّزَها وتؤصلها في النفس، وهذه العوامل تدور في ثلاثة محاور :
الأول: العائلة: إن العائلة السيئة التربية التي تفرق بين أطفالها في المحبة أو المعاملة، أو العطاء … فإن تلك التربية تنشئ حالة تباغض بين أطفالها فـ(إن من عوامل نشوء الحسد سوء التربية في البيت، فإن الأبوين إذا أحبا أحد أولادهما أكثر من غيره، وخصصاه بعطفهما وحنانهما , وحرما الآخرين من عواطفهما أوجدا فيهم عقدة الحقارة والتمرد، وإن حسد كثير من الناس إنما يكون ناشئاً من هنا باعثاً لهم على الشقاء والتعاسة)(8)، وإذا ما استمر الوالدان على تلك التربية فإن هذا سيتأصل في النفس، ويصبح عادة وسلوكا،ً وحينئذ ليس من اليسير إزالته من النفس؛ ولهذا كان رسول الله (ص) يقول: (ساووا بين أولادكم في العطية)
وروى أنس: (أن رجلاً كان عند النبي (ص) فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال (ص): ألا سوّيت بينهما ؟)(9)
ومن هنا نفهم أن التمييز بين الأولاد في أي شيء كان يُنْشِأ العداوة بينهما والعداوة تنشأ التحاسد، وتمتد من العائلة إلى المجتمع .
ثانياً: البيئة الاجتماعية: فمن العوامل المؤثرة في التربية هي البيئة الاجتماعية فإن الطفل الذي ينشأ في بيئة سليمة، متعاونة، متآزرة يكون لها تأثير إيجابي سليم في نفس الطفل ، والعكس صحيح. كما أن الطفل الذي ينشأ في وسط غني مترف، وهو يعيش حالة فقر مدقع فإن هذه البيئة تترك أثراً سيئاً قد يؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة ، ثم يؤدي إلى الحسد .
ثالثاً: الوضع السياسي: من أسباب نشوء الحسد الوضع السياسي المنحرف الذي لا يعدل بين الناس، ويخلق حالة عدم توازن في الوسط الاجتماعي فإن ذلك أيضاً يؤدي إلى التحاسد بين الناس …
ومن الأسباب الأخرى للحسد عدم رقابة الإنسان لمشاعره وخواطره النفسية تجاه إخوانه وزملائه … فقد يعايش زميلاً له في دراسة أو عمل، وعلى حين فجأة يرى زميله هذا متفوقاً عليه … فيأخذه العجب ، والاستغراب ، والاستنكار وتثور كوامن الذات في حب الظهور والتفوق فتنسيه محاسن صاحبه، وملكاته وجهوده وقدراته النفسية والبدنية فتنقلب الصداقة والمحبة إلى التحاسد والتباغض؛ ولذلك يصور القرآن الكريم لنا حالة العجب هذه فيقول :
((أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (الأعراف:63)
((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)) (يونس:2)
وهذا التعجب يجر إلى الحسد حتى يشمل حسد أولياء الله تعالى وأصفيائه ولذلك كان أكثر الناس تَضررَ من هذه الحالة آل محمد (ص) فقد روى أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (… ونحن المحسودون الذين قال الله: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)(10)

آثار الحسد :
للحسد آثار مدمرة على الفرد نفسه، وعلى المجتمع. ومن هذه الآثار :
1 – يوقع الإنسان في قلق دائم، واضطراب قاتل. ولا يتوقف عند حد إلا بزوال نعمة المحسود، ولما لم يكن ذلك بيد الحاسد فيبقى الحسد يضغط على صدره. فلا يجد للراحة سبيلاً أبداً يقول أمير المؤمنين (ع): (ما أقل راحة الحسود) وهكذا يتكدر عليه عيشه وينكده، يقول أمير المؤمنين (ع):
(الحسد ينكد(11) العيش)
(لا عيش أنكد من عيش الحسود والحقود)
وهكذا يبقى في نكد وضيق نفسي، ومعيشة ضنكا حتى يمرض قلبه وينهك جسده، يقول أمير المؤمنين (ع) :
(الحسد يذبب الجسد)
(الحسد يضني الجسد)
2 – هو الآفة الكبرى للدين والإيمان، وهذا أمر طبيعي حيث أن الحسود يبقى منشغلاً بما يراه في أيدي الناس فينسيه ذكر الله تعالى، وبذلك يقتلع شجرة الإيمان والدين من النفس. يقول أمير المؤمنين (ع):
(الحسد آفة الدين)
(لا تحاسدوا، فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب)
ولذلك فإن الحسود في شقاء دائم في الدنيا والآخرة، يقول أمير المؤمنين (ع): (ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة)
3 – هو العامل القوي المؤثر في قتل روح الأخوة الإنسانية من نفس الإنسان ويعدم روح المشاركة الوجدانية فيها فترى الحسود يفرح بآلام الآخرين وشقائهم ، ويستاء لسعادتهم، ولربما يدفعه إلى أكبر من ذلك كالقتل والجريمة الأفضع، وخير مثال على ذلك ابن آدم حين قتل أخاه حسداً له، يقول أمير المؤمنين (ع): (ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد)(12)
4 – يؤدي إلى حرمان المجتمع من كثير من الطاقات المهمة التي يمكن تخطوا خطوات واسعة في سبيل تقدمه ورقيه حيث أن الحسّاد كثيراً ما يفترون على الأشخاص المبدعين، ويعطلون طاقاتهم ودورهم المناط بهم لا لشيء سوى الحسد ، وخير مثال على ذلك الذين حسدوا الإمام علي (ع) وحرموا الأمة من طاقاته الجبارة، وعطلوا دوره طيلة خمس وعشرين سنة بحجة أن الإمامة والنبوة لا يمكن أن تجتمع في بيت واحد … فوا عجباً من ظلم ابن آدم عند ما يتجرأ على الله وأوليائه، يقول الكسيس كارل (المسؤول عن بخلنا وعقمنا هو الحسد فينا فإنه هو الذي يمنع من وصول آثار تقدم الأمم المتقدمة إلى دول العالم الثالث، وبه يمنع من وصول كثير من ذوي القابليات إلى قيادة أممهم).
5 - إذا شاع التحاسد في أوساط الأمة، ولا سيما بين الشريحة المثقفة فيها فإنه سوف تعدم العدالة، وتختل الموازين، ويفقد النظام، وتنتشر الرذائل ويسود الظلم …

لماذا التحاسد بين الأقران والأقارب ؟
غالباً ما يكون التحاسد بين أشخاص يجتمعون على مقصد واحد، وكل يريد أن يكون له قصب السبق، والفوز، والغلبة، وأكثر ما يقع هذا بين أشخاص يتقاربون نسباً، أو مهنة، أو مسلكاً، أو مكاناً. والعلة في ذلك هو تعارض المصالح الذي يؤدي إلى التنازع والعداء. والعداء يؤدي إلى التحاسد؛ لذلك نرى أن التاجر يحسد التاجر، والعالم يحسد العالم، والمرأة تحسد ضرتها فأصل هذه المحاسدات العداوة، وأصل العداوة التزاحم على مقصد واحد والغرض الواحد لا يجتمع بين متباعدين إلا ما ندر … وهذه في الأغراض الدنيوية الضيقة المحدودة، وأما في الأهداف الكبيرة والأغراض الرسالية فلا يقع هذا؛ ولذلك لا يقع تحاسد بين العلماء بالله تعالى، لأن مقاصدهم هو معرفة الله تعالى، ومعرفة الله بحر واسع لا ساحل له، ولا ضيق فيه. وغرضهم هو المنزلة عند الله تعالى، ولا ضيق فيما عند الله تعالى(13) أما بين العلماء الذين يطلبون الدنيا بالدين فترى التحاسد بينهم على أشده؛ لأن غرضهم من تحصيل العلم هو نيل المراتب الدنيوية، والدنيا محدودة فيقع فيها التزاحم بينهم؛ ولذلك ترى: الافتراء والتجاهل، والتباغض والتحاسد سائداً بينهم، ومـن هنا ورد في مرفوعة علي بن أسباط أن أمير المؤمنين (ع) قال: (إن الله يعذب الستة بالستة… والفقهاء بالحسد)(14)
يقول الشيخ النراقي (قدس سره) في جامع السعادات: (أنه لا تحاسُدَ بين علماء الآخرة ؛ لأنهم يلتذون ، ويبتهجون بكثرة المشاركين في معرفة الله ، وحبه وأنسه ، وإنما يقع التحاسد بين علماء الدنيا، وهم الذين يقصدون بعلمهم طلب المال والجاه. إذ المال أعيان وأجسام، إذا وقعت في يد واحد خلت عنها أيدي الآخرين، والجاه ملك القلوب، وإذا امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم، انصرف عن تعظيم الآخر ، أو نقص عنه لا محالة، فيكون ذلك سبباً للتحاسد، وأما إذا امتلأ قلبه من الابتهاج بمعرفة الله لم يمنع ذلك من أن يمتلئ غيره به. فلو ملك إنسان جميع ما في الأرض، لم يبق بعده مال يملكه غيره لضيقه وانحصاره. وأما العلم فلا نهاية له، ومع ذلك لو ملك إنسان بعض العلوم، لم يمنع ذلك من تملك غيره له.
فظهر أن الحسد إنما هو في التوارد على مقصود مضيق عن الوفاء بالكل فلا حسد بين العارفين، ولا بين أهل العليين، لعدم ضيق ومزاحمة في المعرفة ونعيم الجنة؛ ولذا قال الله سبحانه فيهم: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)) (الحجر:47) )(15)

علاج الحسد :
لابد أن نعلم أن علاج أي مرض يحتاج إلى أمرين:
الأول: الاعتراف بوجود المرض.
الثاني: إرادة التخلص منه. وهذان الأمران لا يتوفران إلا بالعلم والعمل فالعلم يؤدي إلى الاعتراف بالمرض، والعمل يطرد ذلك المرض، ثم لابد من معرفة أسباب المرض، وطرق علاجه، فنحن نرى إن الطبيب البدني يفحص المريض ليشخص الجرثوم المسبب للمرض؛ لذلك أفضل طرق العلاج أن يعترف الإنسان بنفسه بالحسد. أما كيف يعرف ذلك ؟ فجوابه إن هذا الأمر يعرفه صاحبه قبل أي شخص آخر- إذا لم يخادع نفسه - ومن علاماته إنه إذا رأى نعمة عند غيره شعر بضيق وعدم ارتياح، أما لعداوته لذلك الشخص، وأما لتمني زوال تلك النعمة حسدا. فشعور الإنسان بالضيق، والحقد، والغضب على انسان صاحب نعمة وبدون سبب آخر أوضح علامات الحسد، هذا أولاً …
وثانياً يجب أن يرجع إلى الأسباب كما أسفلنا ويجتثها من نفسه بالإيمان والوعي؛ لأضرارها عليه في دنياه وآخرته. فإذا وعى الأسباب استطاع أن يعالج نفسه بنفسه، فإذا علم أن من أسباب الحسد العداوة والبغضاء، وإن البغضاء تمحق الدين والإيمان والحسنات، وحكَّم عقله في ذلك استطاع أن يغير حاله إلى حال أخرى، وهكذا بقية الاسباب …
إن إضرار الحسد على الإنسان في الدنيا والآخرة حري بكل عاقل فضلاً عن المؤمن أن يقف عندها ، ويتأملها بدقة ووعي إيماني لكي يستطيع إن يقتلعها من نفسه فأي عاقل يرضى لنفسه نكد العيش، وضيقه، وحبط الحسنات، وسلب الثقة بالله تعالى … هذا من جانب. ومن جانب آخر لقد تأكد لدينا بالدليل النقلي والروايات المستفيضة في ذلك، والدليل العقلي أن الحاسد يضر بنفسه ولا يضر بالمحسود مطلقاً؛ ولذا مُثِّل الحسد بالنار التي تأكل الحطب. وهو تمثيل دقيق له دلالة خطيرة تستبطن معنى دقيقاً مفاده: أن الحسد يحرق الإيمان والدين والحسنات والجسد، والعقل، والقلب، فأي عاقل يرضى لنفسه ذلك .
والأمر الأهم هو ينبغي أن يعلم المعالج أن الحاسد معادٍ لنعم الله ساخط لقضائه، ناقم على عباده. وهذا ما يعرضه لنقمة الله سبحانه وتعالى.
وقد طرح الشهيد الثاني (قدس سره) نوعين من العلاج للحسد نظريٌ وعملي، قال: (وأما الدواء العملي فبعد أن يتدبر ما تقدم ينبغي أن يكلف نفسه نقيض ما يبعثه عليه فيمدح للمحسود عليه عند بعثه على القدح، ويتواضع له عند بعثه على التكبر، ويزيد في الإنعام عند بعثه على كفه فينتج هذه المقدمات تمام الموافقة، وتنقطع مادة الحسد، ويستريح القلب من ألمه، وغمه فهذه أدوية نافعة جدا إلا أنها مُرة جدا لكن النفع في دواء المر، ومن لم يصبر على مرارة الدواء، لم يظفر بحلاوة العشاء)(16)
ولنختم هذا الفصل ببعض ما ورد من أحاديث شريفة تبين لنا خطورة هذا المرض الوبيئ. قال رسول الله (ص): (إن لِنِعَم الله أعداء فقيل: ومن أولئك ؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتآهم الله من فضله)(17)
وعن أبي عبدالله (ع) قال: (آفة الدين الحسد، والعجب، والفخر)(18)
وعنه (ع) قال: (قال رسول الله (ص): قال الله تعالى لموسى بن عمران: يابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي، صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني)(19)
قال زكريا (ع): قال الله تعالى: (الحاسد عدوّ لنعمتي، متسخط لقضائي غير راض لقسمتي التي قسمت بين عبادي)(20)
وقال (ص): (دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة، لا أقول: حالقة الشعر ولكن حالقة الدين …)(21)

الهوامش:
(1) مصباح الشريعة: 104.
(2) السيد محمد باقر الصدر، فلسفتنا: 36.
(3) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 5/328.
(4) هذه الألفاظ مستلة من الأحاديث الشريفة.
(5) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 300.
(6) المصدر نفسه.
(7) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 5/328.
(8) مجتبى اللاري، دراسة في المشاكل الأخلاقية والنفسية: 98.
(9) عبد الله الناصح، تربية الأولاد في الإسلام: 1/342.
(10) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/186.
(11) النكد الشؤم واللؤم – نَكِدَ نَكداً فهو نكد … وكل شيء جر على صاحبه شراً، فهو نكد وصاحبه أنكَدُ نَكدٌ. ونكد عيشهم ، بالكسر يَنكَدُ نَكداً: اشتد. لسان العرب: 3/427.
(12) نهج البلاغة خطبة: 192.
(13) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 24 باب الحسد.
(14) ثقة الإسلام الكليني، الروضة من الكافي: 8/163.
(15) الشيخ النراقي، جامع السعادات: 2/204.
(16) الشهيد الثاني، رسائل الشهيد الثاني:320.
(17) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 5/327.
(18) المصدر نفسه.
(19) المصدر نفسه.
(20) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 5/326 .
(21) المصدر نفسه.


المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com